Indexed OCR Text

Pages 41-60

جبريل ، فقال : يا محمد إنك رسول الله حقاً ، فيسكن لذلك جأمْه وتقر نفسه
فيرجع ، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك ، فاذا أوفى بذروة جبل
قبدى له جبريل فقال له مثل ذلك )) .
٠
وهكذا أخرجه بهذه الزيادة أحمد (٢٣٢/٦ - ٢٣٣) وأبو نعيم في
((الدلائل)) (ص ٦٨ - ٦٩) والبيهقي في ((الدلائل)) (٣٩٣/١ - ٣٩٥) من
طريق عبد الرزاق عن معمر به .
ومن هذه الطريق أخرجه مسلم (٩٨/١) لكنه لم يسق لفظه ، وإنما أحال
به على لفظ رواية يونس عن ابن شهاب ، وليس فيه الزيادة. وكذلك أخرجه
مسلم وأحمد (٢٢٣/٦) من طريق عقيل بن خالد : قال ابن شهاب به
دون الزيادة . وكذلك أخرجه البخاري في أول الصحيح عن
عقيل به .
قلت : ونستنتج مما سبق أن لهذه الزيادة علتين :
الأولى : تفرد معمر بها دون يونس وعقيل ، فهي شاذة .
الأخرى: أنها مرسلة معضلة، فان القائل. ((فيما بلغنا)) إنما هو الزهري
كما هو ظاهر من السياق، وبذلك جزم الحافظ في ((الفتح)) (٣٠٢/١٢) وقال:
(((وهو من بلاغات الزهري وليس موصولاً))
قلت : وهذا مما غفل عنه الدكتور أو جهله ، فظن أن كل حرف في «صحيح
البخاري))هو على شرطه في الصحة !ولعله لا يفرق بين الحديث المسند فيه والمعلق!
كما لم يفرق بين الحديث الموصول فيه والحديث المرسل الذي جاء فيه عرضاً
كحديث عائشة هذا الذي جاءت في آخره هذه الزيادة المرسلة .
٠
:
واعلم أن هذه الزيادة لم تأت من طريق موصولة يحتج بها ، كما بينته في
«سلسلة الأحاديث الضعيفة)) برقم ( ٤٨٥٨) وأشرت إلى ذلك في التعليق على
((مختصري لصحيح البخاري)) (٥/١) يسر الله تمام طبعه .
٤١
ٹ
د۔

وإذا عرفت عدم ثبوت هذه الزيادة فلنا الحق أن نقول إنها زيادة منكوة
من حيث المعنى؛ لأنه لا بلبق بالنبي ◌ّ اللّه المعصوم أن يحاول قتل نفسه بالتردي من
الجبل مهما كان الدافع له على ذلك وهو القائل: ((من تردى من جبل فقتل نفسه فهو
في نار جهنم يتردى فيها خالداً مخلداً فيها أبداً)) أخرجه الشيخان وغيرهما ،وقد
خرجته في (( تخريج الحلال والحرام)) برقم ( ٤٤٧).
٣ - قال (١١٥/١ ) :
((وكان عليه السلام قبل مشروعية الصلاة يصلي ركعتين صباحاً ومثليهما مساء
كما كان يفعل إبراهيم عليه السلام».
أقول : لا أعرف لهذا الحديث إسناداً ، فإن كان الدكتور قد وقف عليه
فليذكر لنا مصدره لندرسه، وما إخاله يصح ، نعم ذكر ابن سيد الناس في
(((عيون الأثر)) (٩١/١)، عن مقاتل بن سليمان: ((فرض الله أول الإسلام
الصلاة ركعتين بالغداة، وركعتين بالعشي، ثم فرض الخمس ليلة المعراج»
ثم ذكر نحوه عن الحربي (١٤٩/١) ونقل عن ابن عبد البرأنه قال :
((( لا يوجد هذا في أثر صحيح)
ثم أشار ابن سيد الناس (١٥٢/١) إلى تضعيف قول الحربي.
قلت : ومقاتل بن سليمان متروك شديد الضعف ، قال الحافظ :
(( كذبوه وهجروه، ورمى بالتجسيم)).
٤ - قال ( ص ١٤٧ ) :
((ولم يهاجر أحد من أصحاب رسول الله صَّ لله إلا متخفياً غير عمر بن
الخطاب رضي الله عنه فقد روى علي بن أبي طالب رضى الله عنه أنه لما
هم بالهجزة تقلد سيفه وتنكب قوسه وانتضى في يده أسهماً - (وفيه أنه قال : )
(( من أراد أن يشكل أمه، أو يوتم ولده، أو ترمل زوجته ، فليلقني وراء هذا
٤٢
:

٠٤٠
=
الوادي)) قال علي: فما اتبعه إلا قوم من المستضعفين علمهم ما أرشدهم ثم مضى
لوجهه . أسد الغابة ج٤ ص ٥٨ ) .
قلت : وعليه مؤاخذتان :
أولاً: قوله: ((ولم يهاجر ... )، هذا النفي ما مستنده ؟ فإن الرواية التي ذكرها
عن علي رضي الله عنه ليس فيها شيء من ذلك، وإن كان عمدة الدكتور فيه إنما
هو أنه لم يعلم ذلك إلا عن عمر . فالجواب أن العلماء يقولون: إن عدم العلم بالشيء
لا يستلزم العلم بعدمه. وهذا فيما إذا صدر النفي من أهل العلم، فكيف إذا كان
من مثل الدكتور البوطي ؟!
ثانياً : جزمه بأن عمر رضي الله عنه هاجر علانية اعتماداً منه على رواية علي
المذكورة، وجزمه بأن علياً رواها ليس صواباً، لأن السند بها إليه لا يصح،
وصاحب ((أسد الغابة)، لم يجزم أولاً بنسبتها إليه رضي الله عنه ، وهو ثانياً قد
حاق إسناده بذلك إليه لتبرأ ذمته، ولينظر فيه من كان من أهل العلم ، وقد وجدت
مداره على الزبير بن محمد بن خالد العثماني : حدثنا عبد الله بن القاسم الأملي
(كذا الأصل ولعله الأيلي ) عن أبيه باسناده إلى علي، وهؤلاء الثلاثة في عداد
المجهولين ، فان أحداً من أهل الجرح والتعديل لم يذكرهم مطلقاً، فهل وجدهم
الدكتور ، وعرف عد التهم وضبطهم، حتى استجاز لنفسه أن يجزم بصحة الرواية
عن علي أم أنه فيها كشأنه في غيرها إِنما هو جماع حطاب ، أو كما تقول العامة
عندنا في الشام: ( خبط لزء )! ثم هو إلى ذلك يدعى أنه اعتمد على
الروايات الصحيحة !
٣٠
٥ - قال: (١٢/٢ ):
((فقال (عمر): ((أكن الناس من المطر وإياك [ أن ](١) تحمر أو
قصفر فتفتن الناس)). إعلام الساجد ٣٣٧ )).
قلت: هذا الأثر، قد رواه البخاري في ((باب بنيان المسجد ، من
(١) لم ترد في كتاب الدكتور ، واستدر كتها من البخاري .
٤٣

:
(صحيحه)) مدائما مجزوما به، (١) فترك الدكتور العزو إليه مع إفادته الصحة
إلى عزؤه إلى ((الإعلام)) الذي لا يفيد الصحة تقصير، لا يغتفر من مثله،
لو كان من أهل العلم بالحديث ! فان من المعلوم عندهم أنه لا ينبغي عزو
حديث هو في ((الصحيحين)) أو أحدهما إلى السنن الأربعة فضلاعن دونهم،
فكيف يجوز عزوه إلى من هو دونهم جميعاً كالزركشي صاحب «إعلام
المساجد)) ?! قال مغلطاي: ((ليس حديثي عزو حديث في أحد السنة
لغيرها، إلا لزيادة ليست فيها، أو لبيان سنده ورجاله)). نقله المناوي في
(( فيض القدير)) (٢٨٠/١).
٦ - قال (٦٩/٢ ):
, وأما ما روي أنه تمٍَّ على عليهم (يعني شهداء أحد) عشرة عشرة
وفي كل عشرة حمزة ، حتى صلى عليه سبعين مرة: فضعيف وخطأ راجع
مغني المحتاج ٣٩٩/١ .
قلت : هذا نوع جديد من تخاليط الدكنور ، فانه لم يقنع وبانواع من
الأخطاء التي كشفنا الغطاء عنها فيما مضى، لاسيما ما كان منها من
الأحاديث الضعيفة التي صححها، حتى جاء الآن بنمط جديد من الخطا
ألا وهو تضعيف ماصح من الأخبار ، فان هذا الحديث له طرق كثيرة،
وبعضها حسن، وساق الحافظ الزبلعي في ((نصب الراية)) (٣٠٩/٢-٣١٣)
قسماً كبيراً منها، وكذا الحافظ ابن حجر العسقلاني في ((الدراية»
(٢٤٣/١ -٢٤٤) ((وتلخيص الحمير)) (١١٧/١) ومال إلى تقويته،
وهو الذي لا يستطيع خلافه كل حديثي وقف على تلك الطرق. ولذلك
أوردته في كتابي المفرد: ((أحكام الجنائز وبدعها)) المسألة (٧٠ )،
على أن في الصلاة على حمزة وغيره من الشهداء أحاديث أخرى بعضها
صحيح ذكرته في المسألة (٢٢ و٦٠ ) من الكتاب المذكور .
(١) وهو في مختصري لصحيح البخاري برقم ( ١١٨).
٤٤
١
٠٠
٦

ت
وقد يسترعي انتباه القارئ. اللبيب تضعيف الدكتور لهذا الحديث
على خلاف عادته ولأول مرة في كتابه فيتساءل عن السبب في ذلك ؟ فأقول:
لما كان الدكتور شافعي المذهب متعصباله كما يدل عليه معالجته لبعض المسائل
الفقهية في هذا الكتاب ، وكان الحديث ينص على مشروعية الصلاة على
الشهداء، ومذهبه يقول بعدم مشروعيتها (١)، لذلك ضعفه، لا لأن
المنهج العلمي الحديثي يقضي بضعفه ؛ كيف والحافظ ابن حجر قد قواه
مع أنه شافعي المذهب أيضاً كما هو معلوم .
وإن ما يسترعي الانتباه أيضاً إحالة الدكتور في تضعيف الحديث على
كتاب (( مغني المجتاج))، فان هذا من كتب الفقه ! ومن المعروف عند
أهل العلم أنه يجب الرجوع في كل علم إلى أهل الاختصاص فيه ، فهلا
أحال الدكتور على كتاب من كتب الحديث الموثوقة كالتي ذكرت آنفا !!
فهل يرضى الدكتور أن يجيله أحد في مسألة فقهية على كتاب من
كتب الحديث كالسنن وغيرها !
نعم لو أن صاحب ((مغني المحتاج)) وهو الشيخ محمد الشربيني
الخطيب (٢) كان من المعروفين باشتغاله بعلم الحديث وتحقيقه فيه - بالاضافة
إلى معرفته بالفقه الشافعي - لكانت الإحالة المذكورة مقبولة بعض الشيء،
ولكنه لم يعرف بشىء من ذلك أصلا، بل إن كتابه المذكور البدل
دلالة بينة على أنه بعيد جداً عن هذا العلم الشريف بعد غيره عنه ! بل لعله.
سلفه في ذلك ، فانظر اليه مثلًا يقول ( ٥/١ ) :
(((وفي ((الإحياء)) أن النبي صَّ له قال: قليل من التوفيق خير من
كثير من العلم وفي بعض الروايات (العقل بدل العلم))). فمتى كان
كتاب ((الإحياء)) الغزالي مرجعاً لأهل العلم في الحديث ، وهو الذي
(١) بل صرح في((المغني)) بأنها تحرم لأنه حي بنص القرآن!
(٢) من فقهاء الشافعية في القرن العاشر، توفي سنة ( ٩٨٨).
٤٥
i
.!
L

عرف عند المبتدئين في هذا العلم بأنه مكتظ بالأحاديث الضعيفة والموضوعة
وبما لا أصل له من الحديث ، ومنه هذا الحديث بالذات ، فقد قال الحافظ
العراقي في ((تخريجه)) (٣٨/١): ((لم أجد له أصلا))! ويقول (١٣/١):
« وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي صَ لّه كان إذا انتهى
في النسب إلى عدنان أمك، ثم يقول : كذب النسابون ».
قلت: وهذا حديث موضوع كما بينته في ((سلسلة الأحاديث الضعيفة
والموضوعة)) رقم ( ١١١).
وقوله (٤٥/١ ) فى حديث الشيخين: ((إذا استجمر أحدكم فليستجمر
وترا)): ((وصرفه عن الوجوب رواية أبي داود وهي قوله صَّةٍ: من
استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج)). وهي رواية
ضعيفة لا تصلح للصرف المذكور، ضعفها البيهقي والعقلانى كما بينته في
كتابي (ضعيف سنن أبي داود)) (رقم ٨). وقوله (٥١٢/١) :
(«روى البخاري: من صلى علي عند قبري وكل الله ملكاً يبلغنى، وكفى
أمر دنياه وآخرته، وكنت له شفيعاً أو شهيداً يوم القيامة)). وهذا عزوه
للبخاري خطأ فاحش ، فانه حديث موضوع كما بينته في السلسلة المذكورة
رقم (٢٠٣)، ولعله رآه معزواً لابن النجار، فظنه محرفاً عن البخاري ،
فعزاء إليه بسوء تصرفه ، وعدم علمه بأن في المحدثين من يعرف بـ ( ابن
النجار ) وهو مؤلف ((تاريخ المدينة)) المعروف بـ((الدرر الثمينة))، فقد
أخرج طرفه الأول منه ! ثم ذكر الشر بينى بعده بسطور حديث (من حج ولم يزرني
فقد جفاني)) وقال : رواه ابن عدي في ((الكامل)) وغيره ، ثم قال :
(( وهذا يدل على أنه يتأكد للحاج أكثر من غيره)).
قلت: نعم، بل هو يدل على أن زيارته عَّ الّمع فرض، لأن جفوته
حَلال معصية، وتركها واجب، ولكننا نقول له ولأمثاله: أثبت العوش
ثم انقش! فان الحديث المذكور موضوع بشهادة الأئمة النقاد ، مثل ابن
٤٦

.. «
.)
الجوزي والصغاني والزر كثي والذهبي وغيرهم كما بيناه في ((سلسلة الأحاديث
الضعيفة والموضوعة)) (٤٥)، وبسط الكلام عليه الحافظ ابن عبد
الهادي في ((الصارم المنكي)) (ص ٧٥ - ٨٠) وختمه بقوله .
((والحاصل: أن هذا الحديث إلا يحتج به ولا يعتمد عليه إلا من أعمى
الله قلبه ، وكان من أجهل الناس بعلم المنقولات)).
ثم ذكر في نفس الصفحة حديث توسل آدم بالنبي مَ اله ، وهو موضوع
أيضاً كما قال الحافظ الذهبي وغيره ، وقد تكلمت عليه في السلسلة المشار
إليها آنفاً برقم (٢٥) (١)، إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة التي لو
تتبعت ، لكان منها مجلد ضخم! هذا حال مؤلف ( مغني المحتاج)) الذى
أحال عليه الدكتور البوطى لمعرفة ضعف الحديث المذكور، ومنه يعرف
اللبيب حال المحيل عليه في هذا العلم الشريف !
٧ - قال (١٧٢/٢ ) :
((روي عن أنس رضي الله عنه أن النبي صَّ الله كتب إلى كسرى
وإلى قيصر ، وإلى النجاشي، وإلى كل جبار يدعوهم إلى الله تعالى)).
قلت الحديث في ((صحح مسلم)) (١٦٦/٦)، فتصديره إياه بقوله.
((روي)) مشعر بأنه ضعيف عنده، أو أنه لا يعلم صحته، أو أنه يجهل
أن هذه الصيغة ونحوها مما بني على المجهول موضوعة عند المحدثين للحديث
الضعيف ، وأنه لا يجوز تصدير الحديث الصحيح بها ، هذه أمور ثلاثة
لابد للدكتور من أن يلزمه أحدها ، ولعل آخرها ألزمها به ، فانه من
الجمهور الذي لا يهتم بالتزام قواعد علماء الحديث. كما نبه على ذلك الامام
النووي رحمه الله تعالى، وهذا إن كان الدكتور على علم بها !
قال النووي في مقدمة كتابه العظيم: (( المجموع شرح المهذب)) (٦٣/١):
(قال العلماء المحققون من أهل الحديث وغيرهم: إذا كان الحديث ضعيفاً
(١) ثم في رسالتي الخاصة: ((التوسل أنواعه وأحكامه)) (ص١٠٢ -١١٣)
٤٧
:

لا يقال فيه: قال رسول الله حولتع، أو فعل أو أمر أو نهى أو حكم
وما أشبه ذلك من صيغ الجزم ، وكذا لا يقال فيه : روى أبو هريرة
أو قال، أو ذكره، أو أخبر، أو حدث، أو نقل ، أو أفتى وما أشبه .
وكذا لا يقال ذلك في التابعين ومن بعدهم، فيما كان ضعيفا، فلا يقال
في شيء من ذلك بصيغة الجزم ، وإنما يقال في هذا كله : روي عنه، أو
نقل عنه، أو حكي عنه ، أو بلغنا عنه ، أو يقال، أو يذكر ، أو يحكى ،
أو يروى، أو يرفع، أو يعزى، وما أشبه ذلك من صيغ التمريض ،
وليست من صيغ الجزم ، قالوا: فصيغ الجزم موضوعة للصحيح أو الحسن،
وصيغ التمريض لما سواهما ، وذلك أن صيغة الجزم تقتضي صحته عن
المضاف إليه ، فلا ينبغي أن يطلق إلا فيا صح، وإلا فيكون الإنسان
في معنى الكاذب عليه صَي. وهذا الأدب أخل به المصنف وجماهير
الفقهاء من أصحابنا وغيرهم ، بل جماهير أصحاب العلوم مطلقاً، ما عدا حذاق
المحدثين . وذلك تساهل قبيح، فإنهم يقولون كثيراً في «الصحيح»: روي
عنه. وفي ((الضعيف)): قال وروى فلان. وهذا حيد عن الصواب)).
قلت : وقد وقع الدكتور في القبيحتين كلتيهما ! ففي هذا الحديث الصحيح
قال: ((روي، وفي تلك الأحاديث الضعيفة على كثرتها لم يصدر واحداً
منها بصيغة التمريض ، وإنما بصيغة الجزم !
٨ - قال (١٨١/٣) وقد ذكر قصة تبييت بني بكر خزاعة ليلًا،
وخروج عمرو بن سالم الخزاعي في أربعين راكباً من خزاعة ، فقدموا
على رسول الله صَّةٍ يخبرونه بما أصابهم، قال:
((فقام وهو يجر رداءه قائلاً: لا نصرت إن لم أنصر بني كعب، ما
أنصر منه نفسي)). وقال: ((إن هذا السحاب ليستهل بنصر بني كعب)). روى
ذلك ابن سعد وابن إسحاق . وهذا النص من رواية ابن سعد . قال ابن حجر:
ورواه البزار والطبرانى وموسى بن عقبة وغيرهم)).
٤٨

L
قلت في هذا التخريج والعزو أوهام ينبغي بيانها :
أولاً: أن القصة ليست من ((ماصح من أخبار السيرة))، لأنها بهذا النص.
عند ابن سعد (١٣٤/٣) وابن إسحاق (٣٢/٤ ٣٧) بدون إسناد، فكيف
يمكن الحكم عليها بالصحة ؟!
:
٠٠
ثانياً: هذا النص لم يروه البزار أصلًا، فعزوه إليه، وادعاء أن ابن حجر
عزاء إليه خطأ مزدوج !! فان كلامه صريح في غير ما نسب الدكتور إليه !
فانه ذكر القصة من طريق ابن إسحاق، وعنده أن الخزاعي لما قدم على النبي صَ ◌ّاله
وهو جالس في المسجد قال :
حلف أبينا وأبيه الأقلدا
یارب إني ناشد محمدا
الخ الأبيات ، فقال الحافظ ( ٤١٩/٧ ) :
(( وقد روى البزار من طريق حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة
عن أبي هريرة بعض الأبيات المذكورة في هذه القصة ، وهو إسناد حسن موصول.
ولكن رواه ابن أبي شيبة عن يزيد بن هارون عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة
مرسلًا . وأخرجه أيضاً من رواية أبوب عن عكرمة مرسلا مطولاً ... وأخرجه
عبد الرزاق من طريق مقسم عن ابن عباس مطولا ، وليس فيه الشعر وأخرجه
الطبراني من حديث ميمونة بنت الحارت مطولاً ... وعند موسى بن عقبة في
هذه القصة : قال: ويذكر أن ... )).
قلت : فتبين من كلام الحافظ أن البزار لم يرو القصة وإنما روى منها بعض
الأبيات . فعزوها إليه خطأ واضح. وإسناد الطبراني ضعيف كما ذكرته في
((تخريج الفقه)) (ص ٤٠٤)، لكن يظهر من مجموع طرقها أن لها أصلافي الجملة،
والتحقيق يقتضى تتبع ألفاظ هذه الطرق ، فما اتفقت عليه منها فهو الثابت ، وهذا
يتطلب الوقوف على بعض المصادر التي ذكرها الحافظ ، مثل كتاب ابن أبي
شيبة وعبد الرزاق، وذلك من غير الميسور الآن .
1
٤٩
م - ٤
=
٦

ثالثاً : تبين من كلام الحافظ الذي ذكرته آنفاً أن موسى بن عقبة لم يسق
الحديث بالاسناد ، وإنما علقه بقوله: ((ويذكر)). فقول الدكتور أن الحافظ
قال عطفاً على البزار والطبراني: ((وموسى بن عقبة)) فيه إهام أنه رواه
باسناده، وهذا يخالف الواقع في كلام الحافظ كما ذكرنا، وإنما أتي الدكتور
من قلة معرفته بفن التخريج ، ففي مثل هذا ينبغي أن يقال: ((وموسى بن عقبة
معلقا)) وكذلك ينبغي أن يقال في رواية ابن إسحاق وابن سعد لهذه القصة دفعاً
لما يوهم خلاف الواقع ! .
إنكار الدكتور وجود الزيادة في ((الطبقات، وهي فيه !
٩ - ثم ذكر (١٦٧/٢) قصة بعث النبي بِتَّ ى الله عبد الله بن حذافة بكتاب
معه إلى كسرى يدعوه إلى الإسلام ثم قال :
((خبر كتاب رسول اللّه منيبدو إلى كسرى بهذا التفصيل من رواية ابن سعد
في طبقاته ، وقد ذكر ذلك البخاري أيضاً مختصرا ... وقد أسند الشيخ ناصر في
تعليقاته على كتاب فقه السيرة للغزالى إلى ابن سعد زيادة على ماذكرناه لم نجدها
في طبقاته، وهي أن النبي صَّ لّ رأى شواربهما ( أي الرسولين الذين أرسلها إليه
باذان ) مفتولة، وخدو دهما محلوقة، فأشاح عنها وقال: ويحكما من أمركما
بهذا !! قالا : أمرنا ربنا! يعنيان كسرى . فهذه الزيادة لم نجدها في
رواية ابن سعد )) .
قلت: لو أنك يا دكتور قرأت ((الطبقات)) بإمعان نظر وتدبر فكر
لوجدت الرواية التي تجزم بنفيها، أو على الأقل لو أحسنت الرجوع إليه والبحث
فيه لوجدتها ، ولكن من كان عاجزاً عن استخراج ترجمة فضالة الليني من كتاب
((الاصابة)) وتراجمة مرتبة على حروف ألف باء !. (١) فبالأحرى أن يعجز عن
استخراج هذا الحديث من ((الطبقات)) وأحاديثه غير مرتبة على طريقة تشبه في
سهولة العثور على المطلوب منه طريقة ترتيب التراجم !ثم إن من يقرأ قول الدكتور
(١) انظر الحديث التاسع عشر (ص ٣٣)
٥٠

في هذه الزيادة ((ولم نجدها في طبقاته)) ! ليتبادر إلى ذهنه أن الدكتور قرأ
- ((الطبقات)) كله، واستخرج منه فوائده وكنوزه، وأودعها كتابه هذا !
ولكنه مع ذلك لم يجد هذه الزيادة فيها ! والحقيقة ، أن الدكتور لم يفعل ذلك ،
. بل هو لم يتعب نفسه البتة - والله أعلم - في سبيل البحث عن هذه الزيادة في
(((الطبقات))، وكل الذي فعله أنه رجع إليه في الفصل الخاص ببعثة رسول الله
عَّ له الرسل بكتبه إلى الملوك .... هذا الفصل الذي نقل منه الدكتور القصة
المشار إليها آنفاً ، لم يتعده إلى غيره أصلًا، ولو فرضنا أنه تعداه ، فذلك دليل
واضح على أن الدكتور لم يتمون بعد على طريقة البحث والتحقيق ، وأن بعض
طلابه خير منه في هذا السبيل ، كما يأتي بيانه ، فإن الحديث الذي يتعقني فيه
لما كنت خرجته في التعليق على ((فقه السيرة)) للشيخ الغزالي لم يكن تخريجي
إياه على طريقة الدكتور الغالية عليه، وهي العزو المهمل من ذكر الأجزاء
. والصفحات ، كلا، فقد قلت في تخريجه ( ص٣٨٩): ((حديث حسن، أخرجه
ابن جرير (٢٦٧/٢ - ٢٦٧) عن يزيد بن أبي حبيب مرسلا ؛ وابن سعد في
(((الطبقات)) ( ج ١ ق ٢ ص ١٤٧) عن عبيد الله بن عبد اللهمر سلا أيضاً، وسنده
صحيح، ووصله ابن بشران في ((الأمالي)) من حديث أبي هريرة بسند واه
وفيه من الطرق الثلاث زيادة كان يحسن إيرادها وهي: ( لكني أمرني ربي عز
وجل ان اعفي لحيتي ، وأن أحفى شاربي ) )).
٠٦
.2
ففي قولي: ج كذا قسم كذا صفحة كذا ، أكبر تنبيه للقارىء العادي
بله الدكتور أن هذا الحديث في ((الطبقات)) في مكان آخر غير المكان الذي نقل
هو منه القصة المشار إليها فيما سبق، وفيه تنبيه آخر ، وهو قولي (عن عيدانه
مرسلا أيضاً وسنده صحيح)). ووجه التنبيه يعرفه الدكتور جيداً، فإنه يعلم أن
القصة ليس لها إسناد عند ابن سعد !بخلاف هذا! فكل ذلك كان كافياً إيه
الدكتور على أن لا يبادر بالنقد والاذكار، ولكن يبدو أن الإنامامتلأفلا بدأن يتضح
بما فيه ! نعم لقد وجدنا له عذر آفي ذلك، ولكنه عذر لا يليق بمقلم: كنور منه
?
٥١
!

وقد يقبل ممن هو دون مستوى أي طالب من طلابه في كلية الشريعة ! وهو أن.
رقم الصفحات المشار إليها (١٤٧) سقط من الآلة الطابعة رقم المئات منها، فصار
هكذا ( ص ٤٧ ) (١) فمن المحتمل أن الدكتور لم يبحث مطلقاً، وكل ما فعله
أنه رجع إلى هذا الرقم فلما لم يجد الزيادة فيه قال: ((لم نجدها في طبقاته))!
ولو أنه أنصف وكان مخلصاً في نقده لقال: «لم نجدها في المكان الذي أشار إليه
الألباني من (الطبقات)). ولكنه يريد أن يتشبع بمالم يعط، وأن ينقد بغيرحق،.
فما يكون جزاء من يفعل ذلك إلا أن يصدق فيه قول القائل: «وعلى
الباغي تدور الدوائر )).
ثم إن الدكتور آثر رواية ابن سعد التي لا إسناد لها على رواية البخاري في
((صحيحه)) لا لشيء إلا لأنها مفصلة، ورواية البخاري مختصرة! ثم هو يزعم أنه.
اعتمد على ماصح من الأخبار ! لقد صرت أعتقد أن الصحة التي يعنيها الدكتور
غير الصحة التي يعنيها أهل العلم ، فما هي ؟! لست أدري، إلا أن تكون هي التي
توافق هوى الشخص ومزاجه كما يفعل بعض الكتاب المعاصرين ، فهل.
تأثر بهم الدكتور؟ إذا كان الجواب : لا ، فإذن ماهي الصحة التي يعنيها
وهو يسوق عشرات النصوص على أنها صحيحة ، وهي ليست كذلك على قواعد.
أهل العلم، ما هيه إذن ماهيه !! (٢)
١٠ - قال (٢٨٧/٢):
((فقد روي عن عائشة رضي الله عنها أنه صّ الله لما رجع من البقيع استقبلته.
(١) لقد اكتشف هذا الخطأ المطبعي ذلك الطالب الجامعي الذي سبقت
الإشارة إليه في آخر الكلام على الحديث (١٤) ص ٢٦ - ٢٧، أليس
كان أستاذه الدكتور أولى بهذا الاكتشاف الخطير !
(٢) واعلم أيها القارىء الكريم أن الأستاذ الفاضل عيد عباسي كان نشر في
كتابه ((بدعة التعصب المذهبي)) (ص٣١٦ - ٣٢٠) رداً على الدكتور البوطي
في ثلاثة أحاديث كان الدكتور انتقدني فيها هذا أحدها، والثاني حديث ابن عباس،=
٥٢

-وهي تقول: وارأساه، فقال لها صَ لّه: بل أنا والله ياعائشة وارأساه. رواه
ابن اسحاق وابن سعد)) .
٠
=والثالث حديث عائشة، وكلاهما يأتي بعد هذا، وعلى الرغم من وضوح خطئه له
وجهله بهذا العلم ، فإنه قد منعه كبره وغروره أن يتراجع عن الخطأ ويعترف
بالحق كما هو شأن المؤمن الفاضل، ولكن الدكتور أبى أن يكون كذلك ،
فإنه لما اطلع على رد الاستاذ عيد المشار إليه (ص ٣١٨) وأكدله وجود
الحديث في الصفحة ( ١٤٧) وزاد على ذلك أنه في باب (( ذكر أخذرسول
الله مَّ اله من شاربه)) من ((الطبقات)) استكبر عن الاعتراف بالحق، فالحق
في طبعة الكتاب الثالثة وقد صدرت بعد كتاب ((البدعة)) بعدقوله: ((لم نجدها
في رواية ابن سعد)) الزيادة الآتية :
((وإنما هي من رواية ابن جرير، فلعله إنما أراد أن ينسبها إليه)) !
قلت: فنظر إليه كيف يوممني في قولي السابق: ((من الطرق الثلاث))
كي لا يعترف بخطئه في إنكاره وجود الزيادة عند ابن سعد أيضاً، على قاعدة
ومتني بدائها فانسلت! أليس هذا هو الكبر الذي أخبر رسول الله بدور اللّه أنه
"لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة منه ألا وهو بطر الحق ( أي رده بعد
ظهوره ) وغمط الناس. أي الطعن فيهم بغير حق . وهذا هو عين مافعله البوطي
هنا وفي غير مكان . عامله الله بما يستحق .
0
تـ
:
ثم إن بعض الناس ليتساءل فيقول: مادام أن الدكتور على ثبوت الزيادة
- عند ابن جرير على الأقل ، فما باله لم يعلق عليها بما يبين دلالتها على تحريم حلق
اللحية الذي ابتلي به كثير من العلماء في هذا الزمان ، وفيهم بعض الدكاترة من
يحلقها بالمقراض ( الماكينا) عملا بمذهب العوام: ((خير الذقون إدارة تكون)!
لو أن الدكتور عالج هذه البلية وبين حكم الله فيها أليس كان خيراً له ، من أن
يتعقب الألباني بجهل وظلم (والله لا يحب الظالمين )؟ فلعل الدكتور عنده من
الجرأة العلمية ما يحمله على بيان ذلك مستدلابا بالكتاب والسنة ، كما يتظاهر في
كتابه هذا ((فقه السيرة)) في بعض المسائل !
٥٣

....
قلت : فيه مؤاخذات .
الأولى: اقتصاره في تخريجه على ابن إسحاق وابن سعد ، وهو يشعر أنه
لم يروه من هو أشهر منهما، وليس كذلك فقد أخرجه أحمد والدارمي وابن
ماجه والدارقطني والبيهقي كما هو مخرج في كتابي ((أحكام الجنائز وبدعها))
(ص ٥٠ - طبع المكتب الاسلامي ).
والأخرى: تصديره إياه بقوله: ((روي)) المشعر بأنه ضعيف في اصطلاح
المحدثين كما هو مقرر في علم ((المصطلح)) ونبه عليه الإمام النووي في مقدمة
كتابه (( المجموع شرح المهذب)). والدكتور في هذا التصدير مخطىء سواء كان
يعلم هذا الاصطلاح ووضعه في محله عنده أم لا ،
أما الأول ، فلأن إسناده ثابت كما بينته في المصدر السابق، فكيف يصدره
بصيغة التمريض إن كان يعلم .
وأما الآخر وهو أن يكون لاعلم عندمبهذا الاصطلاح أو عنده علم به ولكنه.
وضعه في محله بزعمة ، فهو زعم باطل كما سبق .
من جهله في التخريج وافتراؤه فيه وإصراره عليه .
١١ - ذَكر (٢٨٩/٢ - ٢٩٠) قصة صلاته عّ لّهِ بالناس في مرض موته.
وفيها: ((فجلس رسول الله صَّ اللّ إلى جنب أبي بكر، فكان أبو بكر يصلي.
بصلاة رسول الله عَ ليه وهو جالس، وكان الناس يصلون بصلاة أبي بكر)).
ثم قال معلقاً عليه :
(( رواه البخاري في كتاب الصلاة باب من قام إلى جنب الإمام لعلة ومسلم
في كتاب الصلاة باب استخلاف الامام ومالك في الموطأ كتاب صلاة الجماعة باب
صلاة الإمام وهو جالس وغيرهم . ومن العجيب أن الشيخ ناصر خرج هذا
الحديث في تخريجه لأحاديث فقه السيرة للغزالي فعزاه إلى الإمام أحمد وابن ماجه
فقط . وزاد على هذا أن أخذ يحقق في نسبة ضعف إليه بسبب أن فيه أبا إسحاق.
السبيعي ، مع أن الحديث متفق عليه ، وله طرق غير هذا الذي اهتم
بتحقيقه !! .. )).
٥٤

٠
۔
٦
قلت : الذي اعتقده أن القارىء الكريم سيتعجب من تعجب الدكتور
إذا ما كشفنا ما في كلامه من تحامل مكشوف، وجهل فاضح بعلم التخريج ،
وبين يدي ذلك لا بدمن أن أنقل كلامي في تخريج الحديث الذي أشار إليه الدكتور
فأبدأ أولاً بذكر نصه في كتاب ((الفقه، ثم أثني بكلامي عليه، قال فضيلة
الشيخ الغزالي حفظه الله تعالى (ص ٥٠١ ) :
((قال ابن عباس: لما مرض النبي صَّ اللّه أمر أبا بكر أن يصلي بالناس ثم
وجد خفة فخرج . فلما أحس به أبو بكر أراد أن ينكص ، فأوماً إليه الرسول
حَد؛ فجلس إلى جنب أبي بكر عن يساره، واستفتح من الآية التي انتهى
إليها أبو بكر . فكان أبو بكر يأتم بالنبي ، والناس يأتمون
بأبي بكر ،
فقلت في تخريجه مانصه :
((صحيح أخرجه أحمد (٢٠٥٥ و ٣٣٣٠ و ٣٣٥٥) وان ماجه (٣٧٣/١)
من طريق أبي إسحاق عن الأرقم بن شرحبيل عن ابن عباس . ورجاله ثقات لكن
أعله البوصيري بأن أبا إسحاق - وهو السبيعي - اختاط بآخر عمره ، وكان
مدلساً ، وقد رواه بالعنعنة . قلت : لكن تابعه عبد الله بن أبي السفر، إلا أنه
قال: عن ابن عباس عن العباس. فجعله من مند العباس ، وهذا اختلاف بسير
لا يضر في في صحة الحديث إن شاء الله. وقد رواه من هذا الوجه أحمد أيضاً
(١٧٨٤ ر١٧٨٥))).
فإذا وقفت أيها القاريء الكريم على تخريجي هذا ، وقابلته بما نسبه الدكتور
إلي تبين لك الحقيقتان الآتيتان :
الأولى : أن الحديث الذي خرجته هو غير الحديث الذي قال الدكتور فيه
رواه البخاري ... الخ . ويدل على ذلك أمران اثنان :
الاول: أن فيه قوله: ((واستفتح من الآية التي انتهى إليها أبو بكر))! وهذا
ليس في حديث الشيخين!
'T

والآخر: أنه من حديث ابن عباس، وحديث الشيخين إنما هو من حديث عائشة،
كما لا يخفى على من رجع إلى المواطن التي أسماها الدكتور من تلك الكتب .
وإذا كان كذلك ، فلا يجوز عند أحد أوتي ذرة من المعرفة بهذا العلم عز و حديث
ابن عباس للصحيحين لمجرد أنهما أخرجا أصل الحديث من رواية عائشة رضي الله
عنها . أي فلا يجوز لأحد سليم العقل والعلم أن يقول في حديث ابن عباس:
((أخرجه الشيخان))! فإنه كذب واضح عليها، وهذا أمر ظاهر لا يحتاج إلى
برهان ، ولا يناقش فيه أحد من طلاب العلم ، ولذلك استدركه على الشيخين
الضياء المقدسي فأورده في كتابه الذي سماه ((الأحاديث المختارة ما لم يخرجه
البخاري ومسلم)) (١/١٨٥/٥٨). فهل خفي هذا على الدكتور، حتى تعجب من
عز والحديث إلى أحمد وابن ماجه فقط ، أم الأمر كما قيل :
وعين الرضى عن كل عيب كليلة ولكن عين السخط تبدي المساويا
نسأل الله السلامة .
والحقيقة الأخرى : هي أنني صححت الحديث ، وصرحت بذلك في مطلع
التخريج ، ثم حكيت ما أعلم به البوصيري ، ثم رددته بالمتابعة ، المذكورة ،
فكيف جاز للدكتور أن يوهم القراء أني ضعفت الحديث بقوله: ((وزاد على هذا
أن أخذ يحقق في نسبة ضعف إليه .... )) أفيفعل هذا من يخاف الله ؟! (١)
جهله الفرق بين حديث البخاري الصحيح، وحديث الترمذي الضعيف
إسناداً ومتنا ، ثم محاولته ستر ذلك باللف والدوران .
١٢ - قال (٢٩١/٢):
(١) قلت : هذا الحديث هو الحديث الثاني الذي كان الأستاذ عيد عباسي
بين خطأ الدكتور فيه وافتراءه علي، في كتابه القيم («بدعة التعصب
المذهبي)) كماسبقت الإشارة إليه قريباً (ص٥٢-٥٦)، فما استجاب الدكتور لداعي
الحق بل أصر وكابر وعاند، فأبقى تعليقه عليه بعجره ويجره وزاد عليه في
الصفحة الثالثة مما يؤكد عناده واستكباره فقال عقبه :
=

-- -
- -
.--
٠
،
(( وكان بين يديه (يعني الغبى صَّ ◌ِلّهِ) ركوة فيها ماء، فجعل يدخل
بيديه في الماء فيمسح بها وجهه ويقول: لا إله إلا الله، إن للموت
سكرات . رواه البخاري في باب مرض الرسول صَّ له ... وهذا أيضاً
مما وهم الشيخ ناصر في تخريجه، فقد قال عنه: ضعيف أخرجه الترمذي
وغيره عن ( كذا ) طريق موسى بن سرجس بن محمد عن عائشة !.. وهو
مروي في البخاري بطريق غير هذا )) .
قلت : هذا تدليس بل جهل آخر من الدكتور كنت أود أن لا يتودى
= (( اللهم إلا أن رواية أحمد وابن ماجة فيها: واستفتح من الآية
التي بلغها أبو بكر، وليس في رواية الشيخين هذه الجملة .
وعلى كل حال فالحادثة واحدة والحديث واحد، ولا ينبغي عند
التخريج الاقتصار على ذكر الطريق الضعيف والسكوت عن الطريق
الصحيح أو المتفق عليه لما في ذلك من الإيام الواضح التي يتحاشاه
علماء الحديث».
قلت : فهو بهذا الاستثناء المذكور مع أنه سوقه من الأستاذ
عباسي - يحاول أن يلف ويدور ويضلل القراء ويصرفهم عن الاطلاع
على جهاه! وما درى الدكتور أصلحه الله أنه بذلك كالباحث عن حتفه بظلفه
، فانه بتصريحه أن تلك الجملة ليست في رواية الشيخين قد تبين
للقراء أن تعجب الدكتور مني لعدم عزوي لحديثها إلى الشيخين تعجب
باطل ، وأبطل منه إصراره على اعتبار حديث عائشة الذي ليس فيه تلك
الجملة وحديث ابن عباس وفيه الجملة - حديثاً واحداً ، وعليه جاز عنده
أن يقول في حديث ابن عباس: ((رواه الشيخان، فان أجاز
هذا اتضح جهله، وإن لم يجزه وهو الحق تبين عناده وإصراره على باطله =

فيه فأنا لم أخرج البتّة هذا النص الذي أورده من رواية البخاري وإنما:
خرجت نصاً آخر في كتاب الشيخ الغزالي بلفظ: ((ويقول : المهم أعني على.
سكرة الموت )) فهذا هو الذي ضعفته وعزوته للترمذي ، وذكرت في
تخريجه (ص ٤٩٩) أن الترمذي نفسه ضعفه بقوله: حديث غريب».
وقلت: ((يعني ضعيف لأن موسى هذا لم يوثقه أحد فهو مجهول )).
فهل الدكتور لا يفرق بين رواية البخاري التي هي بلفظ :
((لا إله إلا الله، إن للموت سكرات)). وبين رواية الترمذي التي
تقول: ((اللهم أعني على سكرة الموت)) !! إذا كان الدكتور
لا يفرق بينهما كما يدل عليه كلامه المذكور ، فقد سقط الكلام معه إذ.
الأمر حينئذ كما قال الشاعر :
إذا احتاج النهار إلى دليل
وليس يصح في الأذهان شيء
وإن كان يفرق بينهما كما هو الظاهر لكل ذي عينين ، فأين الوهم.
المزعوم يا حضرة الدكتور ، وما غرضك من إدعائك إياه ؟!
بل أقول : إنك أنت الواهم أيها الدكتور ! لأنك تريد مني أن.
= على حد المثل السائر : عنزة ولو طارت . ومن ذلك إطلاقه الضعف في
هذه الزيادة على حديث ابن عباس مع دعمنا إياه بالطريق الأخرى دون
أن يجيب عنها بشىء مع انه كان من قبل قد استنكر علي نسبة ضعف
إليه بزعمه ! فتأمل أيها القارىء الكريم كيف وقع هو منها فيما كان
أنكره علي من قبل ! تلك هي عاقبة الباغي الظالم ( من حفر لأخيه بئراً
وقع فيه ) .
وأما سكوتي عن حديث عائشة المتفق عليه ، فلأنه لم يمكن موضوع
جني وتخريجي وهذا ظاهر جداً فلا داعي للاطالة ، ومن شاء الزيادة فليراجع
(( ملحق بدعة التعصب المذهبي)) الاستاذ عيد عباسي (ص ١٥٠ - ١٥١).
٥٨

أعزو لفظ الترمذي الذي ضعفه الترمذي نفسه إلى البخاري الذي لفظه
مغاير للفظ الترمذي، وهذا لا يجوز عند من شم رائحة هذا العلم
الشريف .
وخطأ الدكتور في هذا الحديث كخطئه في حديث ابن عباس المتقدم،
فكما أراد مني هناك أن اعزوه للشيخين اللذين أخرجاه من حديث عائشة
دون الزيادة لمجرد تعلقهما بحادثة واحدة ، فكذلك أراد منى مثله في هذا
الحديث مع أنه ضعيف !
ويقيني أن الدكتور لا يعلم أن القواعد الحديثية تقتضي أن رواية
الترمذي منكرة لمخالفتها لرواية البخاري الصحيحة مع اتحاد راوي الحديث
وهي السيدة عائشة رضي الله عنها ، لجهالة راويها ، وثقة راوي
رواية البخاري . (١)
ت
:
وإذا كان هذا على الدكتور في الحديث الشريف ؛ عشرات الأحاديث
الضعيفة والمنكرة وما لا أصل له يسرقها بصيغة الجزم ، وقدم لها أنها
ما صح من الأخبار وهي ليست كذلك ، ثم ينتقد غيره بدون علم ولا
إنصاف فماذا يكون حال الكتاب في نصوصه الأخرى لو توجهت الهمة
إلى نقدها !!
(١) أقول: وهذا هو الحديث الثالث من الأحاديث التي بين الأستاذ عيد
عباسي خطأ الدكتورفيها كما سبقت الإشارة إلى ذلك قريباً (ص٥٢-٥٣) ، لكن
الدكتور كعادته لا يعترف بالخطأ مهما كان جلياً، ولكنه في هذه المرة سحب
توهيمه المتقدم إياي تحت ستار من اللف والدوران، إلا أنه مع ذلك صرح بأن
اللفظ الذي خرجته ضعيف، وغير عبارته السابقة، فزاد فيها: ونقص فجعلها في
الطبعة الثالثة ( ص ٥٠٣ ) هكذا :
((( رواه البخاري في باب مرض الرسول مَّ اله .. (-زاد فيها_الترمذي والنسائي
وأحمد بطريق آخر بلفظ ((اللهم أعني على سكرات الموت)) وقد خرجه الأستاذ
٥٩
:
--- -

:
:
وختاماً فإني أنصح الدكتور أن لا يكتب إلا في علم أتقنه ، وتمرس
فيه مدة من الزمان، وأن يكون رائده في ذلك النصح للمسلمين
والاخلاص لرب العالمين، بعيداً عن التأثر بخلق الحقد والحسد ، فذلك
أجدى له وأنفع فى الدنيا والآخرة. قال الإمام النووي رحمه الله تعالى
فى ((التقريب)) (ص ٢٣٢) ما مختصره :
(!) الشيخ ناصر) فقال: ضعيف أخرجه الترمذي وغيره عن (!) طريق موسى
ابن مرجس بن محمد عن عائشة .. الخ (- زاد أيضاً -: وإنما هو ضعيف بهذا اللفظ فقط، أما
أصل الحديث فقد رواه البخاري بطريق صحيح وإذا كان للحديث الواحدطريقان
فلا ينبغى الاقتصار في تخريجه على ذكر الضعيف منها لما فيه من الإيهام لما سبق
بيانه في صفحة (٥٠١ ) ولا يضير اختلاف يسير في اللفظ ما دامت
الحادثة واحدة )).
قلت : فتأمل في هذا التعديل تجد فيه مايأتي :
أولاً: حذفه التوهيم المذكور دون أن يلفت نظر القارىء لهذه الطبعة إلى
خطئه فيه في الطبعة السابقة ! .
ثانياً : تصريحه يضعف الحديث باللفظ المذكور، وهو ماكنت صرحت به
ووهني فيه !
ثالثاً : قوله : ولا يضير اختلاف بسير ... الخ فيه غفلة عما ذكرته من
ضعف سند هذا اللفظ ، ومخالفته للفظ البخاري الصحيح ، فهو حديث آخر ، نعم
لقد كان من تمام الفائدة أن أنبه عند تخريجي أياء على ذلك، ولكن ماشاء الله
كان ، وما لم يشأ لم يكن ، وله في ذلك الحكمة البالغة ، ولعل من ذلك
الكشف عن جهل الدكتور بهذا العلم ، وعن إصراره على الخطأ بعد تنبيهه . وثه
في خلقه شؤون .
٦٠