Indexed OCR Text

Pages 881-900

لحلية الأولياء
وجزاك من ولد خيرًا، فوالله إني لأرجو
أن تكون من الأعوان على الخير، يا بني:
إن قومك قد شدوا هذا الأمر عقدة عقدة
وعروة عروة، ومتى ما أريد مكابرتهم على
انتزاع ما في أيديهم، لم آمن أن يفتقوا
علي فتقًا تكثر فيه الدماء، والله لزوال
الدنيا أهون علي من أن يهراق في سببي
محجمة من دم، أوَما ترضى أن لا يأتي
على أبيك يوم من أيام الدنيا إلا وهو
يميت فيه بدعة ويحيي فيه سنة ﴿حَتَّى يَحْكُمَ
اَللَّهُ بَيْنَنَّأْ وَهُوَ خَيْرُ الْحَكِمِينَ﴾؟ [الأعراف:
٨٧]. [٢٨٢/٥ - ٢٨٣]
* عن وهب بن منبه: قال رجل
الراهب: أوصني، فإني أراك حكيمًا،
قال: ازهد في الدنيا، ولا تنازع أهلها
فيها، وكن فيها كالنحلة، إذا اختلفت،
اختلفت طيبًا، وإن وضعت، وضعت
طيبًا، وإن رفعت على عود، لم تكسره؛
وانصح لله نصح الكلب لأهله: يجيعونه،
ويطردونه، ويضربونه، ويأبى إلا أن ينصح
لهم؛ قال: فكان وهب بن منبه إذا ذكر
هذا الحديث، قال: واسوأتاه إذا كان
الكلب أنصح لأهله منك لله. [٢٨/٤]
* قال الزهري: أراد ابن عمر أن يلعن
خادمه، فقال: اللهم الع؛ فلم يتمها،
وقال: هذه كلمة ما أحب أن أقولها.
[٣٠٧/١]
٨٨١
النصيحة
أنت قائل؟ فقال له أبوه: رحمك الله سلمان بن ربيعة عن فريضة، فخالفه
عمرو بن شرحبيل، فغضب سلمان بن
ربيعة، ورفع صوته؛ فقال عمرو بن
شرحبيل: والله، لكذلك أنزلها الله تعالى؛
فأتيا أبا موسى الأشعري، فقال: القول ما
قال أبو ميسرة؛ وقال لسلمان: ما كان
ينبغي لك أن تغضب إن أرشدك رجل؛
وقال لعمرو: قد كان ينبغي لك أن تساوره
- يعني: تساره - ولا ترد عليه، والناس
يسمعون. [٤ / ١٤٢ - ١٤٣]
* عن إبراهيم بن هشام بن يحيى بن
يحيى الغساني: حدثني أبي عن جدي،
قال: بلغني أن ناسًا من الحرورية تجمعوا
بناحية من الموصل، فكتبت إلى عمر بن
عبد العزيز: أعلمه ذلك؛ فكتب إلي،
يأمرني: أن أرسل إلي رجالًا من أهل
الجدل، وأعطهم رهنًا، وخذ منهم رهنًا،
واحملهم على مراكب من البريد إلي؛
ففعلت ذلك، فقدموا عليه، فلم يدع لهم
حجة إلا كسرها؛ فقالوا: لسنا نجيبك
حتى تكفِّر أهل بيتك، وتلعنهم، وتبرأ
منهم؛ فقال عمر: إن الله لم يجعلني
لعانًا، ولكن: إن أبقى أنا وأنتم، فسوف
أحملكم وإياهم على المحجة البيضاء؛
فأبوا أن يقبلوا ذلك منه؛ فقال لهم عمر:
إنه لا يسعكم في دينكم إلا الصدق، مذ
كم دنتم الله بهذا الدين؟ قالوا: مذ كذا
وكذا سنة؛ قال: فهل لعنتم فرعون وتبرأتم
* عن مرة بن شرحبيل قال: سئل منه؟ قالوا: لا؛ قال: فكيف وسعكم

النصيحة
٨٨٢
التهذيب الموضوعي
تركه، ولا يسعني ترك أهل بيتي، وقد كان أدعوكم إليه من الحق، لدفقت دماءكم،
فيهم المحسن والمسيء، والمصيب ألتمس بذلك وجه الله والدار الآخرة؛ فهذا
والمخطئ؟ قالوا: قد بلغنا ما هاهنا؛
النصح؛ فإن استغششتموني، فقديمًا ما
فكتب إلي عمر: أن خذ من في أيديهم من استغشى الناصحون؛ فأبوا إلا القتال،
وحلقوا رؤوسهم، وساروا إلى يحيى بن
يحيى، فأتاهم كتاب عمر، ويحيى موافقهم
للقتال: من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى
يحيى بن يحيى: أما بعد، فإِنِي ذكرت آية
من كتاب الله ﴿وَلَا تَفْتَدُوّأْ إِنَّ اللَّهَ لَا
يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠]. وإن من
العدوان: قتل النساء والصبيان، فلا تقتلن
امرأة، ولا صبيًا، ولا تقتلن أسيرًا، ولا
تطلبن هاربًا، ولا تجهزن على جريح إن
شاء الله؛ والسلام. [٣٠٩/٥ - ٣١١]
رهنك، وخل من في يدك، من رهنهم،
وإن كان رأى القوم أن يسيحوا في البلاد،
على غير فساد، على أهل الذمة، ولا
تناولوا أحدًا من الأئمة، فليذهبوا حيث
شاؤوا؛ وإن هم تناولوا أحدًا من
المسلمين وأهل الذمة، فحاكمهم إلى الله؛
وكتب إليهم: بسم الله الرحمن الرحيم،
من عبد الله عمر أمير المؤمنين، إلى
العصابة الذين خرجوا، أما بعد: فإني
أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو،
فإن الله تعالى يقول: ﴿آَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ
* عن يزيد بن الأصم قال: لقيت عائشة
رضي الله تعالى عنها وهي مقبلة من مكة:
أنا، وابن لطلحة بن عبيد الله - وهو ابن
أختها - وقد كنا وقعنا في حائط من حيطان
المدينة، فأصبنا منها فبلغها ذلك؛ فأقبلت
على ابن أختها، تلومه، وتعذله؛ ثم أقبلت
علي، فوعظتني موعظة بليغة؛ ثم قالت:
أما علمت أن الله تعالى ساقك، حتى
جعلك في بيت نبيه؛ ذهبت والله ميمونة
وَرُمِيَ برسنك على غاربك؛ أما إنها كانت
من أتقانا لله، وأوصلنا للرحم. [٤ / ٩٧]
بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَّةِ وَحَدِلْهُم بِالَّتِى هِىَ
أَحْسَنٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِلْمُهْتَدِينَ﴾
[النحل: ١٢٥]. وإني أذكركم الله، أن
تفعلوا كفعل كبرائكم، الذين خرجوا من
ديارهم بطرًا ورئاء الناس، ويصدون عن
سبيل الله، والله بما يعملون محيط؛
أفبذنبي تخرجون من دينكم، وتسفكون
الدماء، وتنتهكون المحارم؟ فلو كانت
ذنوب أبي بكر وعمر مخرجة رعيتهم من
دينهم، إن كانت لهما ذنوب، فقد كانت
آباؤكم في جماعتهم، فلم ينزعوا؛ فما
سرعتكم على المسلمين، وأنتم بضعة
* قال وهيب بن الورد: لو أن علماءنا
وأربعون رجلًا؟ وإني أقسم لكم بالله، لو - عفا الله عنا وعنهم - نصحوا لله في
كنتم أبكاري من ولدي، فوليتم عما عباده، فقالوا: يا عباد الله، اسمعوا ما

لحلية الأولياء
٨٨٣
النصيحة
نخبركم عن نبيكم ◌َلقر، وصالح سلفكم:
من الزهد في الدنيا، فاعملوا به، ولا
تنظروا إلى أعمالنا هذه الفاسدة: كانوا قد
نصحوا لله في عباده؛ ولكنهم يأبون، إلا
أن يجروا عباد الله إلى فتنتهم، وما هم
فيه. [٨ /١٤٠ - ١٤١ ]
* عن مبارك أبي حماد قال: سمعت
سفيان الثوري يقول لعلي بن الحسن
السليمي: إياك وما يفسد عليك عملك
وقلبك، فإنما يفسد عليك قلبك: مجالسة
أهل الدنيا، وأهل الحرص، وإخوان
الشياطين: الذين ينفقون أموالهم في غير
طاعة الله؛ وإياك وما يفسد عليك دينك،
فإنما يفسد عليك دينك: مجالسة ذوي
الألسن، المكثرين للكلام.
وإياك وما يفسد عليك معيشتك، فإنما
يفسد عليك معيشتك: أهل الحرص،
وأهل الشهوات.
وإياك ومجالسة أهل الجفاء، ولا
تصحب إلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامك إلا
تقي؛ ولا تصحب الفاجر، ولا تجالسه،
ولا تجالس من يجالسه، ولا تؤاكله ولا
تؤاكل من يؤاكله، ولا تحب من يحبه،
ولا تفش إليه سرك، ولا تبسم في وجهه،
ولا توسع له في مجلسك؛ فإن فعلت شيئًا
من ذلك: فقد قطعت عرى الإسلام.
فإن فتنهم مثل فتن الدجال، فإن جاءك
منهم أحد: فانظر إليه بوجه مكفهر، ولا
تبال منهم شيئًا، فيرون أنهم على الحق،
فتكون من أعوانهم؛ فإنهم لا يخالطون
أحدًا: إلا دنسوه؛ وكن مثل الأترجة:
طيبة الريح، طيبة الطعم؛ لا تنازع أهل
الدنيا في دنياهم: تكن محببًا إلى الناس.
وإياك والمعصية، فتستحق سخط الله؛
واعلم: أنه لم يكن أحد أكرم على الله من
آدم ظلَّله: جبل الله تربته بيده، ونفخ فيه
من روحه، وأكرمه بسجود ملائكته،
وأسكنه جنته؛ فأخرجه منها بذنب واحد.
واعلم يا أخي: أن الله تعالى لا يدخل
أحدًا الجنة بالمعاصي، وأن داودفِلِّلُ
خليفة الله في الأرض: نزل ما نزل به
بخطيئة واحدة، ولو أنا عملنا مثلها،
لقلنا: ليست بخطيئة؛ فاتق الله يا أخي،
واجتنب المعاصي وأهلها؛ فإن أهل
المعاصي: استوجبوا من الله النقمة.
وكن مبذولًا بمالك ونفسك لإخوانك،
ولا تغشّهم في السرور والعلانية،
وأبغض الجهال ومجالستهم، والفجار
وصحبتهم؛ فإنه لا ينجو من جاورهم؛
إلا من عصم الله؛ وإذا كنت مع الناس:
فعليك بكثرة التبسم والبشاشة؛ وإذا
خلوت بنفسك: فعليك بكثرة البكاء،
والهم، والحزن؛ فقد بلغنا والله أعلم:
وإياك وأبواب السلطان، وأبواب من
يأتي أبوابهم، وأبواب من يهوى هواهم؛ أن أكثر ما يجد المؤمن يوم القيامة في

النصيحة
٨٨٤
التهذيب الموضوعي
كتابه من الحسنات: الهم، والحزن.
وإياك وخشوع النفاق، وأن تظهر على
وجهك خشوعًا لیس في قلبك. [٧/ ٤٧ - ٤٨]
* قال سهل بن عبد الله: أركان الدين
أربعة: الصدق، واليقين، والرضا،
والحب؛ فعلامة الصدق: الصبر، وعلامة
اليقين: النصيحة؛ وعلامة الرضا: ترك
الخلاف؛ وعلامة الحب: الإيثار، والصبر
يشهد للصدق. [١٩١/١٠ - ١٩٢]
* عن محمد بن إدريس الشافعي
قال: ما ناظرت أحدًا قط، إلا على
النصيحة. [١١٨/٩]
* عن أبي العالية قال: تعلموا القرآن
فإذا تعلمتموه، فلا ترغبوا عنه؛ وإياكم
وهذه الأهواء، فإنها توقع بينكم العداوة
والبغضاء؛ وعليكم بالأمر الأول، الذي
كانوا عليه قبل أن يتفرقوا؛ فإنا قد قرأنا
القرآن قبل أن يقتل صاحبهم - يعني :
عثمان - بخمس عشرة سنة. قال عاصم:
فحدثت به الحسن؛ فقال: قد نصحك
والله، وصدقك. [٢١٨/٢]
* عن أبي حمزة الأعور قال: لما
كثرت المقالات بالكوفة: أتيت إبراهيم
النخعي، فقلت: يا أبا عمران، أما ترى
ما ظهر بالكوفة من المقالات؟ فقال:
أوه، دققوا قولًا، واخترعوا دينًا من قبل
أنفسهم، ليس من كتاب الله، ولا من سنة
وما خالفه باطل؛ لقد تركوا دين محمد وَله-
إياك، وإياهم. [٢٢٣/٤]
* عن محمد بن سوقة قال: أتيت
نعيم بن أبي هند، فأخرج إلي صحيفة؛
فإذا فيها: من أبي عبيدة بن الجراح،
ومعاذ بن جبل، إلى عمر بن الخطاب:
سلام عليك؛ أما بعد؛ فإنا عهدناك، وأمر
نفسك لك مهم، فأصبحت قد وليت أمر
هذه الأمة: أحمرها وأسودها، يجلس بين
يديك الشريف والوضيع، والعدو
والصديق، ولكل حصته من العدل؛
فانظر، كيف أنت عند ذلك يا عمر؟ فإنا
نحذرك يومًا تعنى فيه الوجوه، وتجف فيه
القلوب، وتنقطع فيه الحجج لحجة ملك،
قهرهم بجبروته؛ فالخلق داخرون له،
یرجون رحمته، ويخافون عقابه.
وأنا كنا نحدث: أن أمر هذه الأمة
سيرجع في آخر زمانها، إلى أن يكونوا
إخوان العلانية، أعداء السريرة؛ وإنا نعوذ
بالله: أن ينزل كتابنا إليك، سوى المنزل
الذي نزل من قلوبنا؛ فإنما كتبنا به:
نصيحة لك؛ والسلام عليك.
فكتب إليهما عمر بن الخطاب ربه:
من عمر بن الخطاب، إلى أبي عبيدة
ومعاذ: سلام عليكما؛ أما بعد: أتاني
كتابكما، تذكران أنكما عهدتماني، وأمر
نفسي لي مهم؛ فأصبحت قد وليت أمر
رسول الله ور؛ فقالوا: هذا هو الحق، هذه الأمة: أحمرها وأسودها، يجلس بين

النعم
٨٨٥
لحلية الأولياء
يدي: الشريف والوضيع، والعدو نعمة؟ قال: فسكت؛ قال: حيث لم
والصديق، ولكل حصته من العدل.
كتبتما : فانظر كيف أنت عند ذلك یا
عمر؛ وأنه: لا حول ولا قوة لعمر عند
ذلك، إلا بالله رحبت.
وكتبتما: تحذراني ما حذرت منه الأمم
قبلنا، وقديمًا: كان اختلاف الليل والنهار
بآجال الناس، يقربان كل بعيد، ويبليان
كل جديد، ويأتيان بكل موعود؛ حتى
يصير الناس إلى منازلهم: من الجنة،
والنار.
كتبتما: تحذراني: أن أمر هذه الأمة
سيرجع في آخر زمانها، إلى أن يكونوا
إخوان العلانية، أعداء السريرة؛ ولستم
بأولئك، وليس هذا بزمان ذاك؛ وذلك
زمان تظهر فيه الرغبة والرهبة، تكون رغبة
الناس بعضهم إلى بعض: لصلاح دنياهم.
يجعلها على حدقتي، ولا على طرف
لساني، ولا على طرف ذكري؛ قال:
فهانت علي قرحته. [٣٥٢/٢]
* عن أبي الدرداء قال: ما بت ليلة
فأصبحت، لم يرمني الناس فيها بداهية:
إلا رأيت أن علي من الله تعالى فيها
نعمة. [٢٢٠/١]
* وعنه قال: من لم ير لله عليه نعمة،
إلا في مطعمه، ومشربه: فقد قلَّ فقهه،
وحضر عذابه. [١٣٣/٥]
* عن ابن جابر، أن أبا عبد رب كان
من أكثر أهل دمشق مالًا؛ فخرج إلى
أذربيجان في تجارة، فأمسى إلى جانب
مرعی ونهر، فنزل به؛ قال أبو عبد رب:
فسمعت صوتًا يكثر حمد الله، في ناحية
من المخرج، فاتبعته، فوافيت رجلًا في
حفير من الأرض، ملفوفًا في حصير؛
كتبتما: تعوذاني بالله: أن أنزل كتابكما
سوى المنزل الذي نزل من قلوبكما،
وأنكما كتبتما به نصيحة لي؛ وقد صدقتما،
فلا تدعا الكتاب إلي، فإنه لا غنى بي
عنكما؛ والسلام عليكما. [١/ ٢٣٧ - ٢٣٨]
فسلمت عليه، فقلت: من أنت يا عبد الله؟
قال: رجل من المسلمين؛ قال: قلت: ما
حالتك هذه؟ قال: نعمة يجب علي
حمد الله فيها؛ قال: قلت: وكيف، وإنما
أنت في حصير؟ قال: وما لي لا
النعم
أحمد الله: أن خلقني، فأحسن خلقي،
وجعل مولدي ومنشئي في الإسلام،
* عن عبد العزيز بن أبي رواد قال:
رأيت في يد محمد بن واسع قرحة،
فكأنه رأى ما قد شق علي منها؛ فقال
وألبسني العافية في أركاني، وستر على ما
أكره ذكره أو نشره؛ فمن أعظم نعمة ممن
لي: تدري ما علي في هذه القرحة من أمسى في مثل ما أنا فيه؟ قال: قلت:
:

النعم
٨٨٦
التهذيب الموضوعي
منزله منها بكساء. [١٦٠/٥ - ١٦١]
رحمك الله، إن رأيت أن تقوم معي إلى
المنزل، فأنا نزول على النهر هاهنا؛ قال:
ولمه؟ قال: قلت: لتصيب من الطعام،
ولنعطيك ما يغنيك من لبس الحصير؛
قال: ما بي حاجة؛ قال الوليد: فحسبت
أنه قال: إن لي في أكل العشب كفاية عما
قال أبو عبد رب؛ فانصرفت، وقد
تقاصرت إلي نفسي، ومقتها، إذ إني لم
أخلف بدمشق رجلًا في الغنی یکاثرني،
وأنا ألتمس الزيادة فيه: اللهم، إني أتوب
إليك من سوء ما أنا فيه؛ قال: فبت، ولم
یعلم إخواني بما قد أجمعت به؛ فلما كان
من السحر: رحلوا كنحو من رحلتهم فيما
مضى، وقدّموا إلي دابتي، فركبتها،
وصرفتها إلى دمشق؛ وقلت: ما أنا
بصادق التوبة إن أنا مضيت في متجري؛
فسألني القوم، فأخبرتهم، وعاتبوني على
المضي، فأبيت؛ قال: قال ابن جابر:
فلما قدم، تصدق بصامت ماله، وتجهز به
في سبيل الله؛ قال ابن جابر: فحدثني
بعض إخواني، قال: ماكست صاحب عباء
بدانق في عباءة، أعطيته ستة، وهو يقول
سبعة؛ فلما أكثرت، قال: ممن أنت؟
قلت: من أهل دمشق؛ قال: ما تشبه
شيخًا وفد علي أمس، يقال له: أبو عبد
رب، اشترى مني سبعمائة كساء، بسبعة
سبعة، ما سألني أن أضع له درهمًا،
وسألني أن أحملها له؛ فبعثت أعواني، فما
زال يفرقها بين فقراء الجيش، فما دخل إلى
* عن إبراهيم بن أدهم قال: منّ الله
عليكم بالإسلام، فأخرجكم من الشقاء
إلى السعادة، ومن الشدة إلى الرخاء،
ومن الظلمات إلى الضياء؛ فشبتم نعمه
عليكم بالكفران، ومررتم بالخطأ حلاوة
الإیمان، ووهنتم بالذنوب عری الإیمان،
وهدمتم الطاعة بالعصيان؛ وإنما تمرون
بمراصد الآفات، وتمضون على جسور
الهلكات، وتبنون على قناطر الزلات،
وتحصنون بمحاصن الشبهات؛ فبالله
تغترون، وعليه تجترؤون، ولأنفسكم
تخدعون؟ ولله، لا تراقبون، فإنا لله، وإنا
إليه راجعون. [٢٠/٨]
* قال يزيد الرقاشي: خذوا الكلمة
الطيبة ممن قالها، وإن لم يعمل بها؛
فإن الله تعالى يقول: ﴿يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ
فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨]. ألا تحمد
من تعطيه فانيًا، فيعطيك باقيًا؟ درهم يفنى
بعشرة، تبقى إلى سبعمائة ضعف؛ أما لله
عندك مكافأة؟ مطعمك، ومسقيك،
وكافيك، حفظك في ليلك، وأجابك في
ضرائك؛ كأنك نسيت وجع الأذن، أو
ليلة وجع العين، أو خوفًا في بر، أو
خوفًا في بحر: دعوته، فاستجاب لك؛
إنما أنت لص من لصوص الذنوب، كلما
عرض لك عارض عانقته؛ إن سرك أن
تنظر إلى الدنيا، بما فيها من ذهبها
وفضتها وزخارفها، فهلم أخبرك تشيع

النعم
٨٨٧
لحلية الأولياء
جنازة، فهي الدنيا بما فيه، من ذهبها أيفع: ما تقول يا أبا عطية؟ فقال: أنا
وفضتها وزخارفها، ثم احتمل القبر بما أخبركم من هو أنعم منه؛ جسد في
اللحد، قد أمن من العذاب؛ قال بقية:
فيه؛ أما إني لست آمرك أن تحمل تربته،
ولكن آمرك أن تحمل فكرته. [٥١/٣]
وقال لي صفوان بن عمرو: قال: جسد
في التراب، قد أمن من العذاب، ينتظر
الثواب. [١٥٣/٥ - ١٥٤]
* جاء رجل إلى يونس بن عبيد، فشكا
إليه ضيقًا من حاله ومعاشه، واغتمامًا منه
بذلك؛ فقال له يونس: أيسرّك ببصرك هذا
الذي تبصر به: مائة ألف؟ قال: لا ؛
قال: فسمعك الذي تسمع به، يسرّك به
مائة ألف؟ قال: لا؛ قال: فلسانك الذي
تنطق به، مائة ألف؟ قال: لا؛ قال:
ففؤادك الذي تعقل به، مائة ألف؟ قال:
لا ؛ قال: فيداك، يسرّك بهما مائة ألف؟
قال: لا؛ قال: فرجلاك؟ قال: فذكّره
نعم الله عليه. فأقبل عليه يونس، قال:
أرى لك مئين ألوفًا، وأنت تشكو الحاجة؟
[٢٢/٣]
* كتب بعض عمال عمر - بن عبد العزيز -
إليه، يقول في كتابه: يا أمير المؤمنين، إني
بأرض قد كثر فيها النعم، حتى لقد أشفقت
على من قبلي من أهلها؛ ضعف الشكر؛
فكتب إليه عمر: إني قد كنت أراك أعلم
بالله مما أنت، إن الله لم ينعم على عبد
نعمة فحمد الله عليها، إلا كان حمده أفضل
من نعمه، لو كنت لا تعرف ذلك إلا في
كتاب الله المنزل، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ
ءَانَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَنَ عِلْمَّاً وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى
فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ
[النمل: ١٥]. وأي نعمة أفضل مما أوتي
داود وسليمان؟ وقال الله تعالى: ﴿وَسِيقَ
الَّذِينَ أَتَّقَوْ رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًّاً حَتَّىَ إِذَا
جَاءُ وهَا﴾ [الزمر: ٧٣]، إلى قوله: ﴿وَقِيلَ
الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الزمر: ٧٥]. وأي نعمة أفضل
من دخول الجنة؟. [٢٩٣/٥]
* عن عون بن عبد الله بن عتبة قال:
الخير من الله كثير، لكن لا يبصره من الناس
إلا يسير، وهو للناس من الله معروض،
ولكنه: لا يبصره من لا ينظر إليه، ولا يجده
من لا یبتغیه، ولا يستوجبه من لا يعلم به؛
ألم تروا إلى كثرة نجوم السماء؟ فإنه لا
يهتدي بها إلا العلماء. [٢٤٥/٤]
* قال وهب بن منبه: عبد الله عابد
خمسين سنة، فأوحى الله إليه: إني قد
* عن الهيثم بن مالك قال: كنا غفرت لك؛ قال: أي رب، وما تغفر لي،
نتحدث عند أیفع بن عبد - وعنده أبو عطية
المذبوح -؛ فتذاكروا النعم، فقالوا: من
ولم أذنب؟ فأذن الله لعرق في عنقه،
فضرب عليه، فلم ينم، ولم يصل؛ ثم
أنعم الناس؟ فقالوا: فلان، وفلان؛ فقال سكن فنام؛ فأتاه الملك، فشكا إليه؛
1

النعم
٨٨٨
التهذيب الموضوعي
فقال: ما لقيت من ضربان العرق؟ فقال لا إله إلا الله؛ فإن لا إله إلا الله: لهم في
الملك: إن ربك يقول: عبادتك خمسين الآخرة، كالماء في الدنيا. [٧/ ٢٧٢]
سنة، تعدل سكون هذا العرق. [٦٨/٤]
* عن وهب بن منبه قال: رؤوس النعم
ثلاثة: فأولها: نعمة الإسلام، التي لا تتم
نعمة إلا بها؛ والثانية: نعمة العافية، التي
لا تطيب الحياة إلا بها؛ والثالثة: نعمة
الغنى، التي لا يتم العيش إلا بها. [٦٨/٤]
* عن راشد بن سعد أنه قيل له: ما
النعيم؟ قال: طيب النفس؛ قيل: فما
الغنى؟ قال: صحة الجسد. [١١٥/٦]
* عن الحسن قال: السهو والأمل:
نعمتان عظيمتان على بني آدم. [١٦٤/٦]
* عن أبي حازم - سلمة بن دينار -
قال: كل نعمة لا تقرب من الله وجل، فهي
بلية. [٢٣٠/٣]
* عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ
عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَهِرَةً وَبَاطِنَةٌ﴾ [لقمان: ٢٠].
قال: أما الظاهرة: فالإسلام، والرزق؛
وأما الباطنة: فما ستر من العيوب
والذنوب. [٢٩٤/٣]
* عن سلام بن أبي مطيع قال: متى
شئت أن ترى من النعمة عليك: أكثر
* عن أبي عصمة قال: شهدت فضيلًا
وسفيان يلتقيان في المسجد الحرام بعد منها عليه رأيته، قال سلام: إي والله،
المغرب؛ فما يتذاكران إلا النعم، حتى إن أغلقت عليك بابك: جاءك من يدق
يفترقا؛ يقول فضيل لسفيان: يا أبا محمد، عليك بابك، يسألك؛ ليعرّفك الله نعمته
عليك. [٦ /١٨٨ - ١٨٩ ]
ألا عمل بنا كذا؟ [٧٠/٧]
* عن يزيد بن ميسرة قال: أحسنوا
صحابة نعم الله؛ فوالله، ما أنفرها عن قوم
فكادت ترجع إليهم. [٢٣٨/٥]
* عن سفيان الثوري قال: ما كان الله
لينعم على عبد في الدنيا، فيفضحه في
* عن سفيان بن عيينة قال: ما أنعم الله الآخرة؛ ويحق على المنعم: أن يتم على
على العباد نعمة، أفضل: من أن عرّفهم من أنعم عليه. [٦/٧]
* عن سفيان بن عيينة قال: ليس من
عباد الله أحد، إلا ولله الحجة عليه؛ إما
في ذنب، وإما في نعمة مقصر في
شكرها. [٢٨٥/٧]
* عن ابن شوذب قال: اجتمع قوم،
فتذاكروا: أي النعم أفضل؟ فقال رجل:
ما ستر الله به بعضنا عن بعض؛ قال:
فيرون أن قول ذلك أرجح. [١٣١/٦]
* عن أحمد بن أبي الحواري قال:
قلت لأبي معاوية الأسود: يا أبا معاوية،
ما أعظم النعمة علينا في التوحيد، نسأل الله
أن لا يسلبناه؛ قال: يحق على المنعم أن
يتم على من أنعم عليه. [٢٧٢/٨]

.'
لحلية الأولياء
٨٨٩
النفاق
* وعنه في قوله: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ
لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٢]. قال: نسبغ
عليهم النعم، ونمنعهم الشكر. [٧/ ٧]
* عن الشعبي قال: قلنا لابن عمر: إذا
دخلنا على هؤلاء، نقول ما يشتهون؛ فإذا
خرجنا من عندهم، قلنا خلاف ذاك؛
* عن عمرو بن مرة قال: كان داود - قال: كنا نعد ذلك نفاقًا على عهد
النبي - ظلَّ* يقول: يا رب، كيف أحصي رسول الله وَله. [٣٣٢/٤]
نعمتك، وأنا نعمة كلي؟ [٩٦/٥]
* عن نوف البكالي - وكان يقرأ
* عن أبي يحيى الزهري قال: قال الكتب -، قال: إني لأجد أناسًا من هذه
عبد الله بن عبد العزيز العمري عند موته: الأمة في كتاب الله المنزل: قومًا يحتالون
للدنيا بالدين، ألسنتهم أحلى من العسل،
نعمة ربي أحدّث: أني لم أصبح أملك
على الناس إلا سبعة دراهم ملکتها يدي،
ونعمة ربي أحدّث: لو أن الدنيا أصبحت
تحت قدمي، لا يمنعني من أخذها، إلا
أن أزيل قدمي ما أزلتها. [٢٨٣/٨]
وقلوبهم أمر من الصبر، يلبسون للناس
مسوح الضأن، وقلوبهم قلوب الذئب؛
يقول الرب تعالى: فعلي تجترؤون، وبي
تغترون؟ حلفت بنفسي، لأبعثن عليهم فتنة،
النفاق
تترك الحليم فيها حيران. قال القرظي:
تدبرتها في القرآن: فإذا هم المنافقون:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِى الْحَيَوْةِ
* قيل لحذيفة نظنه: من المنافق؟
قال: الذي يصف الإسلام، ولا يعمل
به. [١ / ٢٨٢ ]
الذُّنْيَا﴾ [البقرة: ٢٠٤]. ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ
اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ [الحج: ١١]. [٤٩/٦]
رضّ عَلَّه قال: ذهب
عن حذيفة
النفاق، فلا نفاق؛ إنما هو الكفر بعد
الإيمان. [٢٨٠/١]
* وعنه قال: المنافقون اليوم، شر منهم
على عهد رسول الله و98َ؛ كانوا يومئذٍ
یکتمونه، وهم اليوم يظهرونه. [٢٨٠/١]
* عن قتادة قال: كان يقال: قلما
ساهر الليل منافق. [٣٣٨/٢]
* عن مالك بن دينار قال: لا يصلح
المؤمن والمنافق، حتى يصلح الذئب
والحمل. [٣٧٦/٢]
* عن عمران بن مسلم القصير، قال:
إن الحكمة لتكون في قلب المنافق
تتلجلج، فلا يصبر عليها حتى يلقيها؛
فيتلقاها المؤمن، فينفعه الله بها. [٨/ ٥٢]
٠
* عن أبي الجوزاء قال: نقل
الحجارة، أهون على المنافق من قراءة
القرآن. [٨٠/٣]
* عن الشافعي قال :
ودع الذين إذا أتوك تنكسوا
وإذا خلوا فهم ذئاب خراف [٩/ ١٥٤]

النفاق
٨٩٠
التهذيب الموضوعي
* عن جعفر قال: سمعت عبادًا يسأل
يغبط ولا يحسد، والمنافق: يحسد ولا
شميطًا - بن عجلان -: هل يبكي يغبط؛ والمؤمن: يستر، ويعظ، وينصح؛
المنافق؟ فقال: يبكي من رأسه، فأما من والفاجر: يهتك، ويعير، ويفشي. [٩٥/٨].
قلبه فلا. [١٢٩/٣]
* عن شميط بن عجلان قال: إن
الدينار والدرهم: أزمة المنافقين، بهما
يقادون إلى السوءات. [١٢٨/٣]
* عن شميط بن عجلان قال: أوحى الله
تعالى إلى داودعليه: ألا ترى إلى المنافق
كيف يخادعني، وأنا أخدعه؟ يسبحني
بطرف لسانه، وقلبه بعید مني؛ یا داود:
قل للملأ من بني إسرائيل: لا يدعوني
والخطايا بين أضبانهم(١)؛ ليلقوها، ثم
يدعوني أستجب لهم. [١٢٨/٣]
* عن بلال بن سعد قال: لا تكن وليًا لله
في العلانية، وعدوه في السر. [٢٢٨/٥]
* عن الأوزاعي قال: إن المؤمن:
يقول قليلًا، ويعمل كثيرًا؛ وإن المنافق:
يقول كثيرًا، ويعمل قليلًا. [١٤٢/٦]
* عن وهب بن منبه قال: من خصال
المنافق: أن يحب الحمد، ويكره
الذم. [٤ /٤١]
* قال رجل لعبد الله بن مسعود: إني
أخاف أن أكون منافقًا؛ قال: لو كنت
منافقًا، ما خفت من ذلك. [٢٥١/٤]
* عن الفضيل بن عياض قال: الغبطة من
الإيمان، والحسد من النفاق؛ والمؤمن:
(١) الضبن: الحضن أو ما بين الكشح والإبط.
* عن خيثمة بن عبد الرحمن قال:
والله، ما أحب مؤمن منافقًا قط. [١١٦/٤]
* عن حاتم الأصم قال: المنافق، ما
أخذ من الدنيا: أخذ بحرص، ويمنع
بالشك، وينفق بالرياء؛ والمؤمن: يأخذ
بالخوف، ويمسك بالشدة، وينفق لله
خالصًا في الطاعة. [٧٩/٨]
* عن الحسن البصري قال: المؤمن
من يعلم أن ما قال الله رَك كما قال:
والمؤمن أحسن الناس عملًا، وأشد الناس
خوفًا، لو أنفق جبلًا من مال، ما أمن
دون أن يعاين، لا يزداد صلاحًا وبرًا
وعبادةً، إلا إزداد فرقًا، يقول: لا أنجو؛
والمنافق يقول: سواد الناس كثير، وسيغفر
لي، ولا بأس علي، فينسئ العمل،
ويتمنى على الله تعالى. [٢ /١٥٣]
* عن عبد الصمد بن يزيد قال:
سمعت الفضيل يقول: لأن آكل عند
اليهودي والنصراني، أحب إلي من أن آكل
عند صاحب بدعة؛ فإني إذا أكلت عندهما
لا يقتدى بي، وإذا أكلت عند صاحب
بدعة اقتدى بي الناس.
أحب أن يكون بيني وبين صاحب بدعة
حصن من حديد؛ وعمل قليل في سنة،
خير من عمل صاحب بدعة.

لحلية الأولياء
٨٩١
النفس
ومن جلس مع صاحب بدعة لم يعط البويطي - وهو في السجن -: حسّن خلقك
الحكمة؛ ومن جلس إلى صاحب بدعة مع الغرباء، ووطّن نفسك لهم؛ فإني كثيرًا
فاحذره.
ما سمعت الشافعي وهو يقول:
وصاحب بدعة، لا تأمنه علی دینك ولا
تشاوره في أمرك، ولا تجلس إليه؛ فمن
جلس إليه، ورثه الله رت العمى.
وإذا علم الله من رجل أنه مبغض
لصاحب بدعة، رجوت أن يغفر الله له،
وإن قلّ عمله، فإني أرجو له؛ لأن
صاحب السنة يعرض كل خير؛ وصاحب
بدعة لا يرتفع له إلى الله عمل، وإن کثر
عمله .
قال: وسمعت الفضيل يقول: إن الله رحم
وملائكته يطلبون حلق الذكر، فانظر مع
من یکون مجلسك؛ لا یکون مع صاحب
بدعة، فإن الله تعالى لا ينظر إليهم؛
وعلامة النفاق: أن يقوم الرجل ويقعد مع
صاحب بدعة؛ وأدركت خيار الناس،
كلهم أصحاب سنة، وهم ينهون عن
أصحاب البدعة. [١٠٣/٨ - ١٠٤]
النفس
* عن المفضل بن يونس قال: ذكروا عند
الربيع بن خثيم رجلًا؛ فقال: ما أنا عن نفسي
براض، فأتفرغ من ذمها إلى ذم غيرها؛ إن
الناس خافوا الله على ذنوب الناس،
وأمنوا على ذنوبهم. [٥٢/٩ - ٢٢١/٨]
أهين لهم نفسي وأكرمها بهم
ولا تكرم النفس التي لا تهينها
[١٤٨/٩]
* عن إبراهيم بن بشار قال: سمعت
إبراهيم بن أدهم يقول: ما قاسيت شيئًا من
أمر الدنيا: أشد عليّ من نفسي: مرة عليّ،
ومرة لي؛ وأما هوائي: فقد والله استعنت
بالله عليه، فأعانني؛ واستكفيته سوء
مغالبته، فكفاني؛ فوالله، ما آسى على ما
أقبل من الدنيا، ولا ما أدبر منها. [٧/ ٣٨٠]
* عن جعفر الرقي قال: كتبت إلى
يوسف بن أسباط في مسائل؛ فكتب إلي
جوابها: أما ما ذكرت، من: أن يكون
العبد عارفًا بالله، عارفًا بنفسه؛ فالعارف
بالله: المطيع الله في جميع ما عرفه؛
والعارف بنفسه: الذي يخاف من حسناته
أن لا تقبل؛ قال الله : ﴿يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَواْ
وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةُ﴾ [المؤمنون: ٦٠]. قال: يعطون
ما أعطوا، وهم يخافون أن لا يتقبل
منهم. [٨ / ٢٤٠ - ٢٤١]
* عن عبد الله بن المبارك قال: إذا
عرف الرجل قدر نفسه، يصير عند نفسه
أذل من الكلب. [١٦٨/٨]
* * عن محمد بن المبارك قال: ليس من
* عن الربيع بن سليمان قال: كتب إلي المعرفة: أن تجعلها - يعني: النفس -
1

النميمة - النوم
٨٩٢
التهذيب الموضوعي
مطية لهوى غيرك، وطريقًا لطلب دنيا فسلّم على وهب، فردّ عليه، ومد يده،
وصافحه، وأجلسه إلى جنبه. [٧١/٤]
مخلوق غيرك. [٢٩٨/٩]
* عن عبد الله بن المبارك، أنه سأله
رجل عن الرباط؛ فقال: رابط بنفسك
على الحق، حتى تُبقيها على الحق؛ فذلك
أفضل الرباط. [١٧١/٨]
* عن ذي النون، وسئل: أي
الحجاب أخفى، الذي يحتجب به المريد
عن الله؟ فقال: ويحك: ملاحظة النفس،
وتدبيرها. [٣٥٢/٩]
النميمة
* عن الشافعي: قال: قبول السعاية:
أضر من السعاية؛ لأن السعاية: دلالة؛
والقبول: إجازة؛ وليس من ذلك على
شيء، كما قبل وأجاز؛ والساعي ممقوت
إذا كان صادقًا: لهتكه العورة، وإضاعته
الحرمة؛ ومعاقب إن كان كاذبًا:
لمبارزته الله: بقول البهتان، وشهادة الزرو.
قال: وتنقص رجل محمد بن الحسن عند
الشافعي؛ فقال له: مهما تلمظت بمضغة،
طالما، لفظها الكرام. [١٢٢/٣ - ١٢٣]
* عن عنبر مولى الفضل بن أبي
عياش؛ قال: كنت جالسًا مع وهب بن
منبه، فأتاه رجل؛ فقال: إني مررت
النوافل
* سئل ذو النون: ما لنا لا نقوى على
النوافل؟ قال: لأنكم لا تصِحُّون
الفرائض. [٣٧٢/٩]
النوم
* عن إسحاق بن إبراهيم قال: كنا في
مجلس الثوري، وهو يسأل رجلًا رجلًا،
عما يصنع في ليله، فيخبره؛ حتى دار
القوم، فقالوا: يا أبا عبد الله، قد سألتنا،
فأخبرناك؛ فأخبرنا أنت: كيف تصنع في
ليلك؟ فقال: لها عندي أول نومة: تنام ما
شاءت، لا أمنعها؛ فإذا استيقظت، فلا
أقيلها والله. [٦٠/٧]
* عن سفيان الثوري قال: كل ما
شئت، ولا تشرب؛ فإنك إذا لم تشرب:
لم يخبك النوم. [١٨/٧]
* عن يحيى بن يمان قال: رأيت سفيان
يخرج، يدور بالليل، وينضح في عينيه
الماء؛ حتى يذهب عنه النعاس. [٥٩/٧]
* عن صالح المري قال: قال لي زياد
النميري منذ زمن طويل؛ قال: أتاني آت
في منامي، فقال: قم يا زياد إلى عادتك
بفلان، وهو يشتمك؛ فغضب، فقال: ما من التهجد، وحظك من قيام الليل، فهي
وجد الشيطان رسولًا غيرك؛ فما برحت والله خير لك من نومة، توهن بدنك،
من عنده، حتى جاءه ذلك الرجل الشاتم، ويتكسر لها قلبك؛ فاستيقظت فزعًا، ثم

لحلية الأولياء
٨٩٣
النواهي الشرعية - النية
غلبني والله النوم؛ فأتاني ذلك، أو غيره،
فقال: قم يا زياد، فلا خير في الدنيا إلا
للعابدين؛ قال: فوثبت فزعًا. [٢٦٧/٦]
النواهي الشرعية
* عن ربيع بن عتاب قال: كنت أمشي مع
زياد بن جرير، فسمع رجلًا يحلف بالأمانة؛
قال: فنظرت إليه وهو يبكي، قلت: ما
يبكيك؟ فقال: أما سمعت هذا يحلف
بالأمانة؟ فلئن تحك أحشائي حتى تدمی،
أحب إلي من أحلف بالأمانة. [١٩٦/٤]
* عن القاسم بن مخيمرة قال: لأن
أطأ على سنان محمي حتى ينفذ من
قدمي، أحب إلي من أن أطأ على قبر
رجل مؤمن متعمدًا. [٦/ ٨٠]
النية
* عن الأعمش عن إبراهيم النخعي
قال: إن الرجل ليتكلم بالكلام على كلامه
المقت، ينوي به الخير، فيلقى الله له
العذر في قلوب الناس، حتى يقولوا: ما
أراد بكلامه إلا الخير؛ وإن الرجل ليتكلم
الكلام الحسن، لا يريد به الخير،
فيلقي الله في قلوب الناس، حتى يقولوا:
ما أراد بكلامه الخير. [٢٢٩/٤ - ٢٣٠]
* عن سفيان الثوري قال: لا يستقيم
قول إلا بعمل، ولا يستقيم قول وعمل إلا
بنية، ولا يستقيم قول وعمل ونية إلا
بموافقة السنة. [٣٢/٧]
* قال الأوزاعي: اصبر نفسك على
السنة، وقف حيث وقف القوم، وقل بما
قالوا، وكف عما كفوا عنه، واسلك سبيل
سلفك الصالح، فإنه يسعك ما وسعهم،
ولا يستقيم الإيمان إلا بالقول، ولا
يستقيم القول إلا بالعمل، ولا يستقيم
الإيمان والقول والعمل إلا بالنية وموافقة
السنة؛ وكان من مضى من سلفنا، لا
يفرقون بين الإيمان والعمل، العمل من
الإيمان، والإيمان من العمل؛ وإنما
الإيمان اسم جامع، كما يجمع هذه
الأديان اسمها، ويصدقه العمل؛ فمن آمن
بلسانه، وعرف بقلبه، وصدّق ذلك بعمله،
فتلك العروة الوثقى التي لا انفصام لها؛
ومن قال بلسانه، ولم يعرف بقلبه، ولم
يصدقه بعمله، لم يقبل منه، وكان في
الآخرة من الخاسرين. [١٤٣/٦ - ١٤٤]
* عن يحيى بن عتيق قال: قلت
لمحمد بن سيرين: الرجل يتبع الجنازة،
لا يتبعها حسبة يتبعها حياء من أهلها، له
في ذلك أجر؟ قال: أجر واحد، بل له
أجران: أجر لصلاته على أخيه، وأجر
لصلته الحي. [٢٦٤/٢]
* عن سعيد بن المسيب قال: من همّ
بصلاة، أو صيام، أو عمرة، أو حج، أو
شيء من الخير، ثم لم يفعل، كان له ما
نوی. [٨/ ٥٢]
* عن أبي سليمان الداراني قال: من

الهجر
٨٩٤
التهذيب الموضوعي
عمل شيئًا من أنواع الخير بلا نية، أجزأته في القدر فأسمع منهم؛ قال: فقال ابن
عون: قال الله : ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ
النية الأولى، حين اختار الإسلام على
الأديان كلها؛ لأن هذا العمل من سنن
الإسلام، ومن شعائر الإسلام. [٢٧١/٩]
يَخُوضُونَ فِيّ ءَئِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِى
حَدِيثٍ غَيْهٍ﴾ إلى قوله: ﴿اَلَّلِينَ﴾ [الأنعام:
٦٨]؛ قال الأنصاري: فسماهم الظالمين
الذي يخوضون في القدر. [٤١/٣]
* عن عيسى بن حازم قال: خرج
إبراهيم بن أدهم وإبراهيم بن طهمان
وسفيان الثوري إلى الطائف، ومعهم سفرة
فيها طعام، فوضعوها ليأكلوا، وإذا أعراب
قريب منهم، فناداهم إبراهيم بن طهمان:
يا إخوتاه، هلموا، فقال لهم سفيان: يا
إخوتاه مكانكم، ثم قال سفيان لإبراهيم:
خذ من هذا الطعام ما طابت به أنفسنا
فاذهب به إليهم، فإن شبعوا فالله أشبعهم،
وإن لم يشبعوا فهم أعلم؛ أخاف إن
يجيئوا فيأكلوا طعامنا كله، فتتغير نياتنا
ويذهب أجرنا. [٣٨٨/٦]
الهجر
* عن معاذ بن مكرم قال: رآني عبد الله بن
عون مع عمرو بن عبيد في السوق، فأعرض
عني، فاعتذرت إليه؛ فقال: أما إني قد
رأيتك؛ فما زادني. [٤٠/٣]
* مر عبد الله بن عون برجل من قريش،
وهو جالس مع عمرو بن عبيد؛ فقال:
السلام عليك، ما تصنع هاهنا؟ [٤١/٣]
وصاحب بدعة، لا تأمنه على دينك،
ولا تشاوره في أمره، ولا تجلس إليه؛
فمن جلس إليه، ورثه الله رحمة العمى.
* عن محمد بن عبد الله الأنصاري
قال: حدثني صاحب عبد الله بن عون،
وإذا علم الله من رجل أنه مبغض لصاحب
أنه سأله رجل، فقال: أرى قومًا يتكلمون بدعة، رجوت أن يغفر الله له، وإن قلّ
* وعنه قال: من قال: القرآن مخلوق؛
فلا تصلّ خلفه، ولا تمش معه في طريق،
ولا تناكحه. [٩/ ٧]
* وعنه قال: إذا رأيت مبتدعًا في
طريق، فخذ في طريق آخر. [١٠٣/٨].
* عن عبد الصمد بن يزيد قال:
سمعت الفضيل يقول: لأن آكل عند
اليهودي والنصراني، أحب إلي من أن آكل
عند صاحب بدعة؛ فإني إذا أكلت عندهما
لا يقتدي بي، وإذا أكلت عند صاحب
بدعة اقتدى بي الناس.
أحب أن يكون بيني وبين صاحب بدعة
حصن من حديد؛ وعمل قليل في سنة،
خير من عمل صاحب بدعة.
ومن جلس مع صاحب بدعة لم يعط
الحكمة؛ ومن جلس إلى صاحب بدعة
فاحذره .

لحلية الأولياء
٨٩٥
الهدية
عمله، فإني أرجو له؛ لأن صاحب السنة
يعرض كل خير؛ وصاحب بدعة لا يرتفع
له إلى الله عمل، وإن كثر عمله.
قال: وسمعت الفضيل يقول: إن الله وات
وملائكته يطلبون حلق الذكر، فانظر مع
من يكون مجلسك؛ لا يكون مع صاحب
بدعة، فإن الله تعالى لا ينظر إليهم؛
وعلامة النفاق: أن يقوم الرجل ويقعد مع
صاحب بدعة؛ وأدركت خيار الناس،
أصحاب سنة، وهم ينهون عن أصحاب
البدعة. [١٠٣/٨ - ١٠٤]
* عن عوف بن الحارث بن الطفيل،
وهو ابن أخي عائشة لأمها: أن عائشة
باعت رباعها؛ فقال: ابن الزبير:
لأحجرن عليها، فقالت عائشة خيرًا: لله
علي أن لا أكلم ابن الزبير، حتى أفارق
الدنيا؛ فطالت هجرتها، فاستشفع ابن
الزبير بكل أحد، فأبت أن تكلمه؛
فقالت: والله لا آثم فيه أبدًا، فلما طالت
هجرتها، كلم المسور بن مخرمة،
وعبد الرحمن بن الأسود عائشة، فدخلوا
عليها معهم ابن الزبير، فاعتنقها ابن
الزبير، فبكى، وبكت عائشة رضي الله
تعالى عنها بكاء كثيرًا، وناشدها ابن
الزبير الله والرحم؛ فلما أكثروا عليها،
كلمته، ثم بعثت إلى اليمن، فابتيع لها
أربعين رقبة، فأعتقتها. قال عوف: ثم
سُمعت بعد ذلك تذکر نذورها ذلك،
فتبكي، حتى تبل دموعها خمارها. [٤٩/٢]
الهدية
* عن قبيصة بن عقبة قال: أهديت إلى
سفيان الثوري شيئًا، فقبله مني؛ ثم
صحبني بقصعة أرز يحملها. [٥٩/٧]
* عن محمد بن أبي صفوان قال:
سمعت أبي يقول: قدم علينا معاوية،
وعبد الوهاب، أبناء عبد المجيد - وكانا
يلطفان سفيان، ويهديان إليه - قال: فرأيت
سفيان يومًا في الحناطين؛ فقال: إن ابني
عمتك هذين ألطفاني، وأكثرا من اللطف،
وقد ذهبت إلى صاحب بضاعتي، فأخذت
دينارين: أريد أن أشتري بهما لهما حنطة،
فأهديهما لهما؛ فاشترى لهما حنطة،
وأهداها إليهما. [٥٩/٧]
* عن محمد بن الحجاج قال: كان
رجل يسمع معنا عند حماد بن سلمة؛
فركب إلى الصين، فلما رجع: أهدي إلى
حماد بن سلمة هدية؛ فقال له حماد: إني
إن قبلتها: لم أحدثك بحديث؛ وإن لم
أقبلها: حدثتك؛ قال: لا تقبلها،
وحدثني. [٢٥١/٦]
* عن حيان بن نافع البصري قال: بعثني
عروة بن محمد السعدي إلى سليمان بن
عبد الملك ــ وهو بدابق - بهدايا؛ قال:
فوافيناه قد مات، واستخلف عمر بن
عبد العزيز؛ فدخلنا عليه، وقد هيأنا تلك
الهدايا، كما كانت تهيأ لسليمان؛ قال:
ومعنا عنبرة، فيها نحو من خمسمائة رطل،

الهم
٨٩٦
التهذيب الموضوعي
أو ستمائة رطل، ومسك كثير؛ فأخذوا أوطانهم، وثبتت الأحزان في أسرارهم؛
فهممهم إليه سائرة، وقلوبهم إليه من
يعرضون على عمر تلك الهدية، وفاح ربح
المسك؛ فجعل عمر كمه على أنفسه، ثم
قال: يا غلام، ارفع هذا، فإنه إنما يُستمتع
من هذا بريحه؛ ثم قال: رحمك الله أبا
أیوب، لو کنت حیًا لكان نصيبنا فيه أوفر؛
قال: فرَفع. [٣٢٦/٥]
الشوق طائرة؛ فقد أضجعهم الخوف على
فرش الأسقام، وذبحهم الرجاء بسيف
الانتقام، وقطع نياط قلوبهم كثرة بكائهم
عليه، وزهقت أرواحهم من شدة الوله
إليه؛ قد هدّ أجسامهم الوعيد، وغيّر
ألوانهم السهر الشديد، إلى الهرب: من
* عن ربيعة بن عطاء قال: أتي عمر بن
عبد العزيز بعنبرة من اليمن؛ قال: فوضع
يده على أنفه بثوبه؛ قال: فقال له مزاحم:
إنما هو ريحها يا أمير المؤمنين؛ قال:
ويحك يا مزاحم، هل ينتفع من الطيب إلا
بريحه؟ قال: فما زالت يده على أنفه،
حتى رفعت. [٣٢٦/٥]
المواطن، والمساكن، والأعلاق، إلى أن
تفرقوا: في الشواهق، والمغائص،
والآكام؛ أكلهم الحشيش، وشربهم الماء
القراح؛ يتلذذون بكلام الرحمان، ينوحون
به على أنفسهم نَوْح الحمام، فرحين في
خلواتهم، لا يفتر لهم جارحة في
الخلوات، ولا تستريح لهم قدم تحت ستور
* عن وهب بن منبه قال: إذا دخلت
الهدية من الباب، خرج الحق من
الكوة. [٤/ ٦٤]
الظلمات؛ فيا لها نفوس طاشت بهممها،
والمسارعة إلى محبتها، لما أملت من
اتصال ما أراد بها، فركبت النجب، وفتقت
الهم
الحجب، حتى كشفت عن همها الكرب،
فنظرت بهمم محبتها إلى وجه الله الواحد
القهار؛ ثم أنشأ ذو النون يقول:
* عن سعيد بن عثمان الخياط قال:
سمعت ذا النون، وسأله الحسن بن
محمد: عن صفة المهمومين؛ فقال له ذو
النون: لو رأيتهم، لرأيت قومًا لهم هموم
مكنونة، خلقت من لباب المعرفة، فإذا
وصلت المعرفة إلى قلوبهم: سقاهم بكأس
سر السر، من مؤانسة سر محبته، فهاموا
بالشوق على وجوههم، فعندها لا يحطون
رحال الهم، إلا بفناء محبوبهم؛ فلو
رأيتهم، لرأيت قومًا: أزعجهم الهم عن
رجال أطاعوا الله في السر والجهر
فما باشروا اللذات حينا من الدهر
أناس عليهم رحمة الله أنزلت
فظلوا سكونًا في الكهوف وفي القفر
يراعون نجم الليل ما يرقدونه
فباتوا بإدمان التهجد والصبر
فداخل هموم القوم للخلق وحشة
فصاح بهم أنس الجليل إلى الذكر

الهم
٨٩٧
لحلية الأولياء
فأجسادهم في الأرض هونّا مقيمة
وأرواحهم تسري إلى معدن الفخر
فهذا نعيم القوم إن كنت تبتغي
وتعقل عن مولاك آداب ذوي القدر
* عن جابر بن حنظلة الضبي قال:
كتب عدي بن أرطاة إلى عمر بن
عبد العزيز: أما بعد، فإن الناس قد كثروا
في الإسلام، وخفت أن يقل الخراج؛
فكتب إليه عمر بن عبد العزيز: فهمت
كتابك، ووالله، لوددت أن الناس كلهم
أسلموا، حتى نكون أنا وأنت حراثين،
نأكل من كسب أيدينا. [٣٠٥/٥]
عن عمر بن ذر قال: قال مولى
لعمر بن عبد العزيز لعمر، حين رجع من
جنازة سليمان: ما لي أراك مغتمًا؟ قال:
لمثل ما أنا فيه يغتم له، ليس من أمة
محمد ﴿ أحد، في شرق الأرض وغربها،
إلا وأنا أريد أن أؤدي إليه حقه؛ غير كاتب
إلي فيه، ولا طالبه مني. [٢٨٩/٥]
* عن النضر بن عربي قال: دخلت
على عمر بن عبد العزيز، فرأيته جالسًا:
قد نصب ركبتيه، ووضع يديه عليهما،
وذقنه على ركبتيه؛ كأن عليه بث هذه
الأمة. [٢٨٩/٥]
* عن عبد الرحمن بن مهدي قال:
كنت، ربما أمرت صاحب الربح أن يعطي
بهؤلاء الأيتام، فاستقرضت من يحيى بن
سعيد أربعمائة دينار، واحتجت إليها في
مصلحة أراضيهم، وغيرها. [١٤/٩]
* عن بشر بن المنذر - أبو المنذر،
قاضي المصيصة -؛ قال: غزونا مع
إبراهيم بن أدهم، وكان متدرعًا عباءة، قد
اسود، لو نفخته الريح لسقط؛ فقيل له:
ألا حفظت كما حفظ أصحابك؟ قال:
كان همي هدى العلماء، وآدابهم. [٢٧/٨]
* عن مسعر بن كدام قال: من همته
نفسه، تبين ذلك عليه. [٧ /٢١٧]
* عن محمد بن السماك قال: همة
العاقل: في النجاة والهرب، وهمة
الأحمق: في اللهو والطرب. [٢٠٤/٨]
* عن الفضيل بن عياض قال:
المؤمن: يهمه الهرب بذنبه إلى الله؛ يصبح
مغمومًا، ويمسي مغمومًا. [٩٧/٨]
* عن ابن عمر، أنه باع جملًا؛ فقيل
له: لو أمسكته؛ فقال: قد كان لنا موافقًا،
ولكنه قد أذهب بشعبة من قلبي؛ فكرهت
أن يشتغل قلبي بشيء. [١٤٨/٨]
* عن سفيان الثوري قال: إني لأهتم،
فأبول الدم. [٢٤/٧]
* عن القاسم بن مخيمرة قال: إني
لأغلق بابي، فما يجاوزه همي. [٦/ ٨٠]
* عن داود الطائي قال: كل نفس
السائل درهمًا، أو بعض درهم؛ فأنسى أن ترد إلى همتها: فمهموم بخير، ومهموم
أرده إليه، فأسهر لذلك؛ وقد ابتليت بشر. [٣٥٦/٧]
،سدد ہ

الهمة - الهوى
٨٩٨
التهذيب الموضوعي
* عن أبي نعيم قال: رأيت داود علي، فقال: ترون أني كنت أسبّح؟ إنما
كان اليوم درِسي حديثَ قتادة، فتفلت علي
حديثان، فجعلت أستذكرهما حتى
ذكرتهما. [٧ / ١٥٤]
الطائي تدور في وجهه نملة عرضًا وطولًا ،
لا يفطن بها - يعني: من الهم -. [٣٦٠/٧]
* عن أبي إدريس قال: من جعل
همومه همًا واحدًا: كفاه الله همومه؛ ومن
· كان له في كل وادٍ هم: لم يبال الله في
أيها هلك. [١٢٣/٥]
* عن يزيد الرقاشى قال: للأبرار
همم، تبلغهم أعمال البر؛ وكفاك بهمة
دعتك إلى خير خيرًا. [٥١/٣]
* عن مالك بن دينار قال: إن صدور
* عن مسعر بن كدام قال: ما
المؤمنين تغلي بأعمال البر، وإن صدور جاوزت المسجد - يعني: في طلب
الفجار تغلي بالفجور؛ والله يرى الحديث -. [٢١٨/٧]
همومكم، فانظروا ما همومكم
رحمكم الله. [٢٨٨/٦]
* عن منصور بن زاذان قال: الهم
والحزن يزيد في الحسنات، والأشر
والبطر يزيد في السيئات. [٥٩/٣]
* قال محمد بن المبارك الصوري:
قلت لراهب: متى يبلغ الرجل حقيقة
الأنس بالله؟ قال: إذا صفا المود فيه،
وخلصت المعاملة فيما بين العبد وبين الله؛
قال: قلت: فمتى يصفو الود، وتخلص
المعاملة؟ قال: إذا اجتمع الهم، فصار في
الطاعة؛ قلت: ومتى يجتمع الهم، فيصير
في الطاعة؟ قال: إذا اجتمعت الهموم،
فصارت همًا واحدًا. [١٣٢/١٠]
الهمة
* عن أبي قلابة قال: مثل أهل
* عن بكر بن بكار قال: صلى شعبة الأهواء: مثل المنافقين؛ فإن الله تعالى
الغداة، فسكت، حتى طال ذلك؛ ثم أقبل ذكر المنافقين بقول مختلف، وعمل
الهوى
* عن حسان قال: قال أبو الدرداء
لأهل دمشق: أرضيتم بأن شبعتم من خبز
البر عامًا فعامًا، لا يذكر الله تعالى في
ناديكم؟ ما بال علمائكم يذهبون،
وجهالكم لا يتعلمون؟ لو شاء علماؤكم،
لازدادوا؛ ولو التمسه جهالكم، لوجدوه؛
خذوا الذي لكم بالذي عليكم؛ فوالذي
نفسي بيده: ما هلكت أمة، إلا: باتباعها
هواها، وتزكيتها أنفسها. [٢٢٢/١]
* عن أيوب قال: قال أبو قلابة: لا
تجالسوا أهل الأهواء، ولا تحادثوهم؛
فإني لا آمن: أن يغمسوكم في ضلالتهم،
أو يلبسوا عليكم ما كنتم تعرفون. [٢٨٧/٢]

لحلية الأولياء
٨٩٩
الهوى
مختلف، وجماع ذلك: الضلال؛ وإن
أهل الأهواء: اختلفوا في الأهواء،
واجتمعوا على السيف. [٢٨٧/٢ - ٢٨٨]
* عن أبي العالية قال: ما أدري أي
النعمتين أفضل؟ أن هداني الله للإسلام،
أو عافاني من هذه الأهواء. [٢١٨/٢]
* عن أبي العالية قال: تعلموا
الإسلام، فإذا علمتموه، فلا ترغبوا عنه؛
وعليكم بالصراط المستقيم، فإنه الإسلام،
ولا تحرفوا الصراط يمينًا وشمالًا؛
وعليكم بسنة نبيكم ◌َله وأصحابه قبل أن
يقتلوا صاحبهم، وقبل أن يفعلوا الذي
فعلوه بخمس عشرة سنة؛ وإياكم وهذه
الأهواء المتفرقة: فإنها تورث بينكم
العداوة والبغضاء. [٢١٨/٢]
* عن أبي العالية قال: تعلموا القرآن،
فإذا تعلمتموه، فلا ترغبوا عنه؛ وإياكم
وهذه الأهواء، فإنها توقع بينكم العداوة
والبغضاء؛ وعليكم بالأمر الأول، الذي
كانوا عليه قبل أن يتفرقوا؛ فإنا قد قرأنا
القرآن قبل أن يقتل صاحبهم - يعني:
عثمان - بخمس عشرة سنة. قال عاصم:
فحدثت به الحسن؛ فقال: قد نصحك
والله، وصدقك. [٢١٨/٢]
أوه، دققوا قولًا، واخترعوا دينًا من قبل
أنفسهم، ليس من كتاب الله، ولا من سنة
رسول الله صل؛ فقالوا: هذا هو الحق،
وما خالفه باطل؛ لقد تركوا دين
محمد وَالر، إياك، وإياهم. [٢٢٣/٤]
* عن حكيم بن أبجر المكي قال:
سمعت ابن عيينة يتمثل:
إذا ما رأيت المرء يقتاده الهوى
فقد ثكلته عند ذاك ثواكله
وقد أشمت الأعداء جهلًا بنفسه
وقد وجدت فيه مقالًا عواذله
ولن ينزع النفس اللحوح عن الهوى
من الناس إلا وافر العقل كامله.
[٧ /٢٧٦]
* عن ابن لهيعة قال: كان رجل من
أصحاب الأهواء رزقه الله تعالى التوبة؛
فقال لنا: انظروا هذا الحديث: ممن
تأخذونه، أو: كيف تأخذونه؛ فإنا كلما
رأينا رأيًا، جعلناه حديثًا. [٩/ ٣٩]
* عن ابن طاووس قال: جاء رجل من
الخوارج إلى أبي؛ فقال: أنت أخي؟
فقال: أخي من بين عباد الله؟ المسلمون
كلهم إخوة. [١٣/٤]
* عن وهب بن منبه، أن رجلًا من
العباد قال لمعلّمه: قد قطعت الهوى،
* عن أبي حمزة الأعور قال: لما
كثرت المقالات بالكوفة: أتيت إبراهيم
النخعي، فقلت: يا أبا عمران، أما ترى
فلست أهوى من الدنيا شيئًا؛ فقال له
معلّمه: أتفرق بين النساء والدواب إذا
ما ظهر بالكوفة من المقالات؟ فقال: رأيتهن معًا؟ قال: نعم؛ قال: أفتفرق بين

الھوی
٩٠٠
التهذيب الموضوعي
ويكذبون بالشفاعة والحوض، وينكرون
الدنانير والحصى إذا رأيتهن معًا؟ قال:
نعم؛ قال: يا بني، إنك لم تقطع الهوى عذاب القبر؛ أولئك الذين لعنهم الله،
عنك، ولكنك: قد أوثقته. [٦٥/٤]
* عن الشافعي قال: لأن يلقى الله
العبد بكل ذنب ما خلا الشرك بالله؛ خير
· من أن يلقاه بشيء من الأهواء. [١١١/٩]
* عن إبراهيم النخعي قال: لا تجالسوا
أهل الأهواء. [٢٢٢/٤]
* عن أبي حمزة قال: قلت لإبراهيم
النخعي: إنك إمامي، وأنا أقتدي بك،
فدلني على الأهواء؛ قال: ما جعل الله
فيها مثقال حبة من خردل من خير، وما
الأمر إلا الأمر الأول. [٢٢٢/٤]
* عن أبي الجوزاء قال: والذي نفسي
بيده: لأن تمتلئ داري قردة وخنازير،
أحب إلي من أن يجاوزني أحد من أهل
الأهواء؛ ولقد دخلوا في هذه الآية:
﴿هَأَنْتُمْ أُوْلَاءِ مُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ
بِالْكِنَبِ كُلِّهِ، وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوَاْ ءَامَنَا﴾ الآية
[آل عمران: ١١٩]. [٧٨/٣]
* وعنه قال: لأن أجالس القردة
والخنازير، أحب إلي من أن أجالس رجلًا
من أهل الأهواء. [٧٨/٣]
* عن عبد العزيز الرقاشي قال: سمعت
يونس يقول: فتنة المعتزلة على هذه الأمة:
أشد من فتنة الأزارقة، لأنهم يزعمون: أن
أصحاب رسول الله ◌َ﴿ ضلوا، وأنهم لا
تجوز شهادتهم؛ لما أحدثوا من البدع،
فأصمهم، وأعمى أبصارهم؛ ويجب على
الإمام أن يستتيبهم؛ فإن تابوا، وإلا نفاهم
من ديار المسلمين. [٢١/٣]
* عن الأوزاعي قال: كان يحيى بن
أبي كثير وقتادة يقولان: ليس من الأهواء
شيء، أخوف عندهم على الأمة من
الإرجاء. [٦٧/٣]
* عن خويل بن واقد الصفار قال:
سمعت رجلا سأل يونس بن عبيد، فقال:
جار لي معتزلي أعوده؟ قال: أما لحسبة
فلا؛ قلت: مات، أصلي على جنازته؟
قال: أما لحسبة فلا. [٢١/٣]
* عن حماد بن زيد قال: قال يونس بن
عبيد: ثلاثة احفظوهن عني: لا يدخل
أحدكم على سلطان: يقرأ عليه القرآن؛
ولا يخلون أحدكم مع امرأة شابة: يقرأ
عليها القرآن؛ ولا يمكّن أحدكم سمعه من
أصحاب الأهواء. [٢١/٣]
* عن الشعبي قال: إنما سميت
الأهواء أهواء، لأنها تهوي بصاحبها في
النار. [٤ /٣٢٠]
* عن الليث بن سعد قال: لو رأيت
صاحب هوى يمشي على الماء، ما
قبلته. [١١٦/٩]
* عن أبي حازم - سلمة بن دينار - قال:
قاتل هواك، أشد مما تقاتل عدوك. [٢٣١/٣]