Indexed OCR Text

Pages 841-860

مواعظ
٨٤١
لحلية الأولياء
من صاحب؛ إن حدثته ملّك، وإن فتوثبت على معاصيه، أفأسفه تريد؟ أما
سمعته يقول: ﴿فَلَمَّآ ءَاسَفُوْنَا أُنْتَقَمْنَا
مِنْهُمْ﴾؟ [الزخرف: ٥٥]. أيها الناس:
أجلّوا مقام الله، بالتنزه عما لا يحل؛
فإن الله لا يؤمن إذا عصي. [١١١/٥]
حدثك غمك، وإن سُؤته سرك، وإن
سررته ضرك، وإن فارقته أكلك، وإن
باطنته فجعك، وإن تابعته بهتك، وإن
وافقته حسدك، وإن خالفته مقتك؛ يحسد
إن يُفضل، ويزهد أن يَفضُلَ، يحسد من
فَضَله، ويزهد أن يعمل عمله؛ يعجز عن
مكافأة من أحسن إليه، ويفرط فيمن بغى
عليه؛ لا ينصت فيسلم، ويتكلم بما لا
يعلم؛ يغلب لسانه قلبه، ولا يضبط قلبه
قوله؛ يتعلم للمراء، ويتفقه للرياء،
ويظهر الكبرياء؛ فيظهر منه ما أخفى،
ولا يخفى منه ما أبدی؛ یبادر ما یفنى،
ويواكل ما يبقى، يبادر بالدنيا، ويواكل عنه بحور جهنم. [٣٧٦/٥]، [١٤/٦]
بالتقوى. [٤ /٢٦٠ - ٢٦٣]
* عن محمد بن إسحاق قال: لما
خرج النبي لل# إلى بدر، استشار الناس،
فقام المقداد بن عمرو، فقال:
يا رسول الله، امض لما أمرك الله به،
فنحن معك، والله، ما نقول لك كما قالت
بنو إسرائيل لموسى ظلّ *: اذهب أنت
وربك فقاتلا، إنا هاهنا قاعدون؛ ولكن،
اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا معكم
مقاتلون؛ والله الذي بعثك بالحق نبيًا: لو
سرت بنا إلى برك الغماد، لجالدنا معك
من دونه حتى تبلغه؛ فقال له رسول الله وَ لآه
خيرًا، ودعا له. [١٧٣/١]
* عن محمد بن كناسة قال: سمعت
عمر بن ذر يقول: آنسك جانب حلمه،
* عن بلال بن سعد قال: لا تنظر إلى
صغر الخطيئة، ولكن انظر إلى من
عصيت. [٢٢٣/٥]
* عن كعب الأحبار قال: من أراد أن
يبلغ شرف الآخرة، فليكثر التفكر، يكن
عالمًا؛ وليرض بقوت يومه، يكن غنيًا؛
وليكثر البكاء عند ذكر خطاياه، يطفئ الله
* عن أبي الدرداء ◌ُنه أنه قال: لولا
ثلاث خلال، لأحببت أن لا أبقى في
الدنيا؛ فقالت: وما هن؟ فقال: لولا
وضوع وجهي للسجود لخالقي في اختلاف
الليل والنهار، يكون تقدمة لحياتي، وظمأ
الهواجر، ومقاعدة أقوام ينتقون الكلام
كما تنتقى الفاكهة؛ وتمام التقوى: أن
يتقي الله رَك العبدُ، حتى يتقيه في مثل
مثقال ذرة، حتى يترك بعض ما يرى أنه
حلال خشية أن يكون حرامًا، يكون
حاجزًا بينه وبين الحرام؛ إن الله تعالى قد
بيّن لعباده الذي هو یصیّرهم إليه؛ قال
تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً
وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا
يَرَؤُ لَهـ
[الزلزلة: ٧ - ٨]. فلا تحقرنْ
يرم الم

مواعظ
٨٤٢
التهذيب الموضوعي
شيئًا من الشر أن تتقيه، ولا شيئًا من ربك، واعتبر بما قسم الله لك، من
الخير أن تفعله. [٢١٢/١]
الإسلام ما ذوى منك من نعمة الدنيا، فإن
في الإسلام خلفًا من الذهب والفضة،
* عن إسماعيل بن إبراهيم بن أبي
حبيبة: أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى
بعض عماله، أما بعد: فإني أوصيك
بتقوى الله، ولزوم طاعته؛ فإنه بتقوى الله
نجا أولياء الله من سخطه، وبها تحقق لهم
ولا یته، وبها رافقوا أنبياءهم، وبها نضرت
وجوههم، وبها نظروا إلى خالقهم، وهي
عصمة في الدنيا من الفتن، والمخرج من
كرب يوم القيامة، ولم يقبل ممن بقي إلا
بمثل ما رضي عمن مضى، ولمن بقي عبرة
فيما مضى، وسنة الله فيهم واحدة، فبادر
بنفسك قبل أن تؤخذ بکظمك، ويخلص
إليك كما خلص إلى من كان قبلك؛ فقد
رأيت الناس كيف يموتون، وكيف
یتفرقون، ورأيت الموت، کیف یعجل
التائب توبته؟ وذا الأمل أمله؟ وذا السلطان
سلطانه؟ وكفى بالموت موعظة بالغة،
وشاغلًا عن الدنيا، ومرغبًا في الآخرة؛
فنعوذ بالله من شر الموت وما بعده،
ونسأل الله خيره وخير ما بعده؛ ولا تطلبن
شيئًا من عرض الدنيا، بقول، ولا فعل،
تخاف أن يضر بآخرتك، فیزري بدینك،
ويمقتك عليه ربك؛ واعلم أن القدر
سيجري إليك برزقك، ويوفيك أملك من
دنياك بغير مزيد فيه بحول منك، ولا قوة،
ولا منقوصًا منه بضعف؛ إن أبلاك الله
ومن الدنيا الفانية؛ اعلم أنه لن يضر عبدًا
صار إلى رضوان الله وإلى الجنة، ما
أصابه في الدنيا من فقر، أو بلاء؛ وأنه لن
ينفع عبدًا صار إلى سخط الله وإلى النار،
ما أصاب في الدنيا من نعمة أو رخاء؛ ما
يجد أهل الجنة مس مكروه أصابهم في
دنياهم، وما يجد أهل النار طعم لذة نعموا
بها في دنياهم، كل شيء من ذلك كأن لم
يكن؛ تشيعون غاديًا أو رائحًا إلى الله قد
قضى نحبه، وانقضى أجله، وتغيبونه في
صدع من الأرض، ثم لا متوسد ولا
متمهد، فارق الأحبة، وخلع الأسلاب،
وسكن التراب، وواجه الحساب، مرتهنا
بعمله، فقيرًا إلى ما قدم، غنيًا عما ترك؛
فاتقوا الله قبل نزول الموت، وانقضاء
موافاته؛ وأيم الله، إني لأقول لكم هذه
المقالة، وما أعلم عند أحد منكم من
الذنوب أكثر مما أعلم عندي؛
وأستغفر الله، وأتوب إليه. [٢٧٨/٥ - ٢٧٩]
* عن رجل من قريش: أن عمر بن
عبد العزيز عهد إلى بعض عماله: عليك
بتقوى الله في كل حال ينزل بك؛ فإن
تقوى الله أفضل العدة، وأبلغ المكيدة،
وأقوى القوة؛ ولا تكن في شيء من
عداوة عدوك أشد احتراسًا لنفسك، وما
بفقر، فتعفف في فقرك، واخبت لقضاء معك من معاصي الله؛ فإن الذنوب أخوف

٨٤٣
لحلية الأولياء
هـ
مواعظ
عندي على الناس من مكيدة عدوهم، وأمتعتهم، ونحّ منزلك عن قرى الصلح،
ولا يدخلها أحد من أصحابك لسوقهم
وحاجتهم، إلا من تثق به، وتأمنه على
نفسه ودينه؛ فلا يصيبوا فيها ظلمًا، ولا
يتزودوا منها إثمًا، ولا يزرؤون أحدًا من
أهلها شيئًا إلا بحق؛ فإن لهم حرمة وذمة،
ابتليتم بالوفاء بها كما ابتلوا بالصبر عليها؛
فلا تستنصروا على أهل الحرب بظلم أهل
الصلح، ولتكن عيونك من العرب ممن
تطمئن إلى نصحه من أهل الأرض؛ فإن
الكذوب لا ينفعك خبره، وإن صدق في
بعضه؛ وإن الغاش عين عليك، وليس
بعين لك. [٣٠٣/٥ - ٣٠٤]
وإنما نعادي عدونا ونستنصر عليهم
بمعصيتهم، ولولا ذلك، لم تكن لنا قوة
بهم؛ لأن عددنا ليس كعددهم، ولا قوتنا
كقوتهم، فإنا لا نُنصر عليهم بمقتنا، لا
نغلبهم بقوتنا؛ ولا تكونُن لعداوة أحد من
الناس أحذر منكم لذنوبكم، ولا أشد
تعاهدًا منكم لذنوبكم؛ واعلموا أن عليكم
ملائكة الله حفظة عليكم، يعلمون ما
تفعلون في مسيركم ومنازلكم، فاستحيوا
منهم، وأحسنوا صحبتهم، ولا تؤذوهم
بمعاصي الله، وأنتم زعمتم في سبيل الله؛
ولا تقولوا: إن عدونا شر منا، ولن
ينصروا علينا، وإن أذنبنا؛ فكم من قوم قد
سلط أو سخط علیهم بأشر منهم لذنوبهم؛
وسلوا الله العون على أنفسكم، كما
* عن أبي حازم - سلمة بن دينار -
قال: نحن لا نريد أن نموت حتى نتوب؛
ونحن لا نتوب حتى نموت؛ واعلم، أنك
تسألونه العون على عدوكم؛ نسأل الله إذا مت، لم ترفع الأسواق بموتك؛ إن
شأنك صغير، فاعرف نفسك. [٢٣٢/٣]
ذلك لنا ولكم، وارفق بمن معك في
مسيرهم؛ فلا تجشمهم مسيرًا يتعبهم، ولا
تقصر بهم عن منزل یرفق بهم، حتى يلقوا
عدوهم؛ والسفر، لم ينقص قوتهم، ولا
کراعهم؛ فإنکم تسیرون إلى عدو مقیم،
جام الأنفس والكراع، وإلا ترفقوا
بأنفسكم وكراعكم في مسيركم، یکن
لعدوكم فضل في القوة عليكم في
إقامتهم، في جمام الأنفس والكراع، والله
المستعان؛ أقم بمن معك في كل جمعة
* عن الأنطاكي قال: اعلم، أن
الجاهل: من قلّ صبره على علاج عدوه
لنجاته، بل ساعد عدوه على مجاهدته،
فذلك أهل أن يضحك به الضاحكون؛
والكلام كثير موجود، وجوهره عزيز
مفقود، فإن العلم الكثير الذي يحتاج منه
القليل، والأعمال كثيرة، والصدق في
الأعمال قليل، والأشجار كثيرة، وطيب
ثمرتها قليل، والبشر كثير، وأهل العقول
يومًا وليلة، لتكون لهم راحة، يجمون بها قليل؛ فاستدرك ما قد فات بما بقي،
أنفسهم وكراعهم، ويرمون أسلحتهم واستصلح ما قد فسد فيما بقي أو وضح،

مواعظ
٨٤٤
التهذيب الموضوعي
وبادر في مهلتك قبل الأخذ بالكظم، وأعد مسرعًا، فقال: يا أمير المؤمنين، لو
الجواب قبل المسألة، فقد وجدتك تعد أرسلت إلي أتيتك؛ فقال: خذ لما جئناك
له رحمك الله، فحدثه ساعة، ثم قال له:
عليك دين؟ فقال: نعم، قال: أبا عباس،
اقض دينه؛ فلما خرجنا، قال: ما أغنى
عني صاحبك شيئًا، انظر لي رجلًا أسأله؛
قلت: هاهنا عبد الرزاق بن همام، قال:
امض بنا إليه، فأتيناه، فقرعنا الباب،
فخرج مسرعًا، فقال: من هذا؟ قلت:
أجب أمير المؤمنين، فقال: يا أمير
المؤمنين، لو أرسلت إلي أتيتك؛ فقال:
خذ لما جئناك له، فحادثه ساعة، ثم قال
له: عليك دين؟ قال: نعم، قال: أبا
الجوابات لحکام الدنیا قبل مسألتهم إياك،
فماذا أعددت من الجوابات لحكم السماء
من صدق الجوابات؟ وتقدم في الاجتهاد
لتدفع به خطر الاعتذار، فإنك عسيت لا
يقبل منك المعذرة، مع إحاطة الحجج
بك، وشهادات العلم عليك، واعتراف
العقول بالاستهانة لمن لا بد لك من لقائه؛
فاحذر من قبل أن يجافيك الأمر على عظم
غفلتك، فيفوتك إصلاح ما قد فات، مع
هموم الدنيا ما هو آتٍ، من قبل الإیاس
منك عند انقطاع الأجل، والأخذ بالكظم
مع زوال النعم، حين لا يوصل إلا إلى عباس، اقض دينه؛ فلما خرجنا، قال: ما
الندامة؛ فيا لها من حسرة إن عقلت أغنى عني صاحبك شيئًا، انظر لي رجلًا
أسأله؛ قلت: هاهنا الفضيل بن عياض،
الحسرة، ويا لها من موعظة لو صادفت
من القلوب حياة؛ وأنا موصيك ونفسي من قال: امض بنا إليه، فأتيناه، فإذا هو قائم
يصلي، يتلو آية من القرآن يرددها، فقال:
بعد بوصية، إن قبلت، عشت في الدنيا
حكيمًا مؤدبًا فيها سليمًا، وخرجت من
الدنيا فقيرًا مغتبطًا فيها مغبوطًا، وفي
الآخرة متوجهًا ملكًا. [٢٩٥/٩]
اقرع الباب، فقرعت الباب، فقال: من
هذا؟ قلت: أجب أمير المؤمنين، فقال:
ما لي ولأمير المؤمنين؛ فقلت:
سبحان الله، أما عليك طاعة؟ أليس قد
* عن الفضل بن الربيع قال: حج أمير
المؤمنين، فأتاني، فخرجت مسرعًا،
فقلت: يا أمير المؤمنين، لو أرسلت إلي
أتيتك، فقال: ويحك، قد حاك في نفسي
شيء، فانظر لي رجلًا أسأله؛ فقلت:
هاهنا سفيان بن عيينة، فقال: امض بنا
إليه، فأتيناه، فقرعنا الباب، فقال: من
روي عن النبي وَل# أنه قال: ((ليس للمؤمن
بذل نفسه)) فنزل ففتح الباب، ثم ارتقى
إلى الغرفة، فأطفأ السراج، ثم التجأ إلى
زاوية من زوايا البيت؛ فدخلنا، فجعلنا
نجول بأيدينا، فسبقت كف هارون قبلي
إليه؛ فقال: يا لها من كف ما ألينها إن
ذا؟ قلت: أجب أمير المؤمنين، فخرج نجت غدًا من عذاب الله وم، فقلت في

٨٤٥
مواعظ
لحلية الأولياء
نفسي: ليكلمنه الليلة بكلام من تقى قلب يا أخي، أذكّرك طول سهر أهل النار مع
خلود الأبد، وإياك أن ينصرف بك من
تقي؛ فقال له: خذ لما جئناك له
رحمك الله؛ فقال: إن عمر بن عبد العزيز
لما ولي الخلافة، دعا سالمَ بن عبد الله،
ومحمدَ بن كعب القرظي، ورجاء بن
حيوة، فقال لهم: إني قد ابتليت بهذا
البلاء، فأشيروا علي؟ - فعدّ الخلافة
بلاء، وعددتها أنت وأصحابك نعمة -
فقال له سالم بن عبد الله: إن أردت
النجاة من عذاب الله، فصم الدنيا، وليكن
إفطارك منها الموت؛ وقال له محمد بن
كعب: إن أردت النجاة من عذاب الله،
فليكن كبير المؤمنين عندك أبًا، وأوسطهم
عندك أخًا، وأصغرهم عندك ولدًا، فوقّر
أباك، وأكرم أخاك، وتحنن على ولدك.
عند الله، فيكون آخر العهد، وانقطاع
الرجاء. قال: فلما قرأ الكتاب، طوى
البلاد، حتى قدم على عمر بن عبد العزيز؛
فقال له: ما أقدمك؟ قال: خلعت قلبي
بكتابك، لا أعود إلى ولاية حتى
ألقى الله ؛ قال: فبكى هارون بكاءً
شديدًا؛ ثم قال له: زدني رحمك الله؛
فقال: يا أمير المؤمنين، إن العباس عم
المصطفى ◌َ﴿ جاء إلى النبي وَالقول، فقال:
يا رسول الله أمّرني على إمارة، قال له
النبي وقال: ((إن الإمارة حسرة وندامة يوم
القيامة، فإن استطعت أن لا تكون أميرًا
فافعل)). فبكى هارون بكاءً شديدًا؛ فقال
له: زدني رحمك الله، قال: يا حسن
الوجه، أنت الذي يسألك الله ربك عن
هذا الخلق يوم القيامة، فإن استطعت أن
تقي هذا الوجه من النار، فإياك أن تصبح
وتمسي وفي قلبك غش لأحد من رعيتك،
فإن النبي ◌َّ قال: ((من أصبح لهم غاشًا،
لم يرح رائحة الجنة)). فبكى هارون، وقال
له: عليك دين؟ قال: نعم، دين لربي لم
يحاسبني عليه، فالويل لي إن سألني،
والويل لي إن ناقشني، والويل لي إن لم
أُلهم حجتي؛ قال: إنما أعني من دين
العباد؛ قال: إن ربي لم يأمرني بهذا، إنما
أمرني أن أصدق وعده، وأطيع أمره،
فقال جل وعز: ﴿وَمَا خَلَقْتُ اَلْجِنَّ وَالْإِنْسَ
وقال له رجاء بن حيوة: إن أردت
النجاة غدًا من عذاب الله، فأحب
للمسلمین ما تحب لنفسك، واکره لهم ما
تكره لنفسك، ثم مت إذا شئت. وإني
أقول لك: فإني أخاف عليك أشد
الخوف، يومًا تزل فيه الأقدام، فهل معك
رحمك الله مثل هذا؟ أو من يشير عليك
بمثل هذا؟ فبكى هارون بكاءً شديداً حتى
غشي عليه؛ فقلت له: ارفق بأمير
المؤمنين، فقال: يا ابن الربيع، تقتله أنت
وأصحابك، وأرفق به أنا! ثم أفاق، فقال
له: زدني رحمك الله؛ فقال: يا أمير
المؤمنين، بلغني أن عاملًا لعمر بن
عبد العزيز شكى إليه، فكتب إليه عمر:

مواعظ
٨٤٦
التهذيب الموضوعي
إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
٥٦
١٩٠٠
إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّقُ ذُو الْقُوَّةِ
٥٧
﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨] فقال له:
(٥٨
الْمَنِینُ
هذه ألف دينار، خذها، فأنفقها على
عيالك، وتقوَّ بها على عبادتك؛ فقال:
سبحان الله، أنا أدلك على طريق النجاة،
وأنت تكافئني بمثل هذا؟ سلّمك الله
ووفقك؛ ثم صمت، فلم يكلمنا، فخرجنا
من عنده؛ فلما صرنا على الباب، قال
هارون: إذا دللتني على رجل، فدلني على
مثل هذا، هذا سيد المسلمین؛ فدخلت
عليه امرأة من نسائه، فقالت: يا هذا، قد
ترى ما نحن فيه من ضيق الحال، فلو
قبلت هذا المال، فتفرجنا به؟ فقال لها:
مثلي ومثلکم، كمثل قوم كان لهم بعير
يأكلون من كسبه، فلما كبر، نحروه،
فأكلوا لحمه؛ فلما سمع هارون هذا
الكلام، قال: ندخل، فعسى أن يقبل
المال؛ فلما علم الفضيل خرج فجلس في
السطح على باب الغرفة، فجاء هارون،
فجلس إلى جنبه، فجعل یکلمه فلا یجیبه؛
فبينا نحن كذلك، إذ خرجت جارية
سوداء، فقالت: يا هذا، قد آذيت الشيخ
منذ الليلة، فانصرف رحمك الله،
فانصرفنا. [١٠٥/٨ - ١٠٨]
* قال عبد الواحد بن زيد: سألت الله
ثلاث ليالٍ أن يريني رفيقي في الجنة،
فرأيت كأن قائلًا يقول لي: يا عبد الواحد،
رفيقك في الجنة ميمونة السوداء؛ فقلت:
أَنْ يُطْعِمُونِ
مَّ أُرِدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ وأين هي؟ فقال: في آل بني فلان
بالكوفة؛ قال: فخرجت إلى الكوفة،
فسألت عنها؛ فقيل: هي مجنونة بين
ظهرانينا، ترعى غنيمات لنا؛ فقلت: أريد
أن أراها؛ قالوا: اخرج إلى الخان،
فخرجت، فإذا هي قائمة تصلي، وإذا بين
يديها عكازة لها؛ فإذا عليها جبة من
صوف، مكتوب عليها: لا تباع، ولا
تشترى؛ وإذا الغنم مع الذئاب، لا الذئاب
تأكل الغنم، ولا الغنم تفزع من الذئاب؛
فلما رأتني، أوجزت في صلاتها؛ ثم
قالت: ارجع يا ابن زيد، ليس الموعد
هاهنا، إنما الموعد ثَمَّ؛ فقلت لها:
رحمك الله، وما يعلمك أني ابن زيد؟
فقالت: أما علمت أن الأرواح جنود
مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر
منها اختلف؟ فقلت لها: عظينى؛ فقالت:
واعجبًا لواعظ يوعظ، ثم قالت: يا ابن
زيد، إنك لو وضعت معاير القسط على
جوارحك لخبّرتك، بمكتوم مكنون ما
فيها؛ يا ابن زيد: إنه بلغني، ما من
عبد أعطي من الدنيا شيئًا، فابتغى إليه
ثانيًا، إلا سلبه الله حب الخلوة معه،
ويبدله بعد القرب البعد، وبعد الأنس
الوحشة؛ ثم أنشأت تقول:
يا واعظًا قام لاحتساب
يزجر قومًا عن الذنوب
تنهى وأنت السقيم حقًّا
هذا من المنكر العجيب

مواعظ
٨٤٧
لحلية الأولياء
لو كنت أصلحت قبل هذا
غيك أو تبت من قريب
كان لما قلت يا حبيبي
العبادة، وهو جاهل بأدناها، فكيف له
بأعلاها؟ وسائر ذلك من الرعاع: فقبيح
أعوج، وذئاب مختلسة، وسباع ضارية،
وثعالب جارية؛ هذا وصف عيون مثلك
موقع صدق من القلوب
تنهى عن الغي والتمادي
وأنت في النهي كالمريب
في زمانك، من حملة العلم والقرآن،
ودعاة الحكمة؛ وذلك: أني لست أرى
عالمًا، إلا مغلوبًا على عقله، بعيدًا غور
فطنته، لمضرته لأمور دنياه متبعًا هواه،
فقلت لها: إني أرى هذه الذئاب مع
الغنم، لا الغنم تفزع من الذئاب، ولا
الذئاب تأكل الغنم، فإيش هذا؟ فقالت:
إليك عني، فإني أصلحت ما بيني وبين
سيدي، فأصلح بين ما الذئاب
والغنم. [١٥٨/٦ - ١٥٩]
معجبًا برأيه، شحيحًا على دنياه، سمحًا
بدينه، متعزمًا بمذموم القضاء، معانقًا
لهواه فيما يرضى، غير منتقل عما يكره الله
تعالى منه، بل مستزيدًا من أنواع الفتنة
والبلاء، محتملًا شقاء الدنيا بالشهوة،
* عن إبراهيم بن أدهم قال: بلغني أن قاسيًا قلبه، عظيمًا غفلته عما خلق له،
الحسن البصري رأى النبي ◌ّ في منامه؛ مستبطئًا لما يدعي مما قد ضمن له، غير
واثق بالله، مفقود منه خوف ما قد
استوجب به النار، معترض للموت فيما
يستقبل، مشغوف بدنياه، غافل عن آخرته،
عاشق للذهب والفضة، زاهد فيما ندب
نقصان؛ ومن كان في نقصان، فالموت إليه من الشوق.
فقال: يا رسول الله، عظني؛ قال: من
استوی یوماه، فهو مغبون؛ ومن کان غده
شرًا من يومه، فهو ملعون؛ ومن لم
يتعاهد النقصان من نفسه، فهو في
خير له. [٣٥/٨]
فكما أنه ضعف يقينه فيما يتشوق إليه،
* عن أحمد بن عاصم الأنطاكي قال: كذلك كان أمنه عند الوعيد؛
إني أدركت من الأزمنة زمانًا: عاد فيه
الإسلام غريبًا كما بدأ، وعاد وصف الحق
فيه غريبًا كما بدأ؛ إن نزعت فيه إلى
عالم: وجدته مفتونًا بالدنيا، يحب التعظيم
والرياسة؛ وإن نزعت إلى عابد: وجدته
ناسيًا لذنوبه، ذاكرًا محاسنه، قد صيرها
نصب عينيه، وآثامه تحت قدميه، داخلًا
فيما لا يعنيه، مشغوفًا بالدنيا، لا يقنعه
قليلها، ولا يشبعه كثيرها، ولا يسعى ولا
يكدح إلا لها، ولا يفرح ولا يتزين إلا
جاهلًا في عبادته، مجذوعًا، صريع عدوه لها، ولا يرضى ويسخط إلا لها؛ راضٍ
إبليس، قد صعد به إلى أعلى سطح في بحظه، بقليل حظه المتروك، المنتقل عنه

مواعظ
٨٤٨
التهذيب الموضوعي
من كثير حظه من آخرته، بل راضٍ بحظه جوارحهم؟ الخير للثواب، والشر
للعقاب؛ فحركات الخير والشر: من
من المخلوقين من حظه من خالقه؛ خائف
من فقر بدأ به، آمن من معاصٍ قد قدمها،
الطاعات والمعاصي؛ فخلق سبحانه هذه
وعقوبات قد استحقها، متزين للخلائق بما الأسباب، بلا شرح ترجمة منا، جعلها
بقدرته أضدادًا، ولم يدع مستغلقًا إلا جعل
له مفتاحًا، ولا شكلاً إلا جعل عليه تبيانًا
واضحًا؛ فلا إله إلا الذي خلق للخير
أسبابًا، لا يستطيع العباد أن يصلوا إلى
شيء من أعمال الخير، إلا بتلك
الأسباب؛ وهي حاجزة عن المعاصي، إذا
أسكنها الله تعالى قلب من أحبه،
یسقطه عند خالقه، میؤس منه، غير موثوق
به؛ متحرزون، يتزينون بالكلام في
المجالس، يتكبرون في مواطن الغضب
عند خلاف الهوی، ذئاب أقران عند
ممارسة الدنيا، طلس دجر جرائزة؛
فالطمع الكاذب يستميله، والهوى المردي
یخلق مروءته، ویسلبه نور إسلامه، ولم
يكن على حقيقة خوف، فنزع به الامتحان واستعمله به. [٢٨٦/٩ - ٢٨٧]
إلى جوهره وطباعه، والله المستعان.
* عن الحسن قال: يا ابن آدم،
فتعقل الآن، وصف من هذا؟ وصف عملك عملك، فإنما هو لحمك ودمك،
فانظر على أي حال تلقى عملك؟ إن
عيون ملتك في زمانك؛ فاعتبروا يا أولي
الأبصار، واتقوا الله يا أولي الألباب
الذين آمنوا، ولهم أوجب الثواب؛ ثم
نبههم لعظم المنة في قسم العقول، ولم
يعذر بالتقصير: من ضيع شكره، وآثر
هواه؛ ذلك بأن الله تعالى خلق الھوی،
فجعله ضدًا للعقل، وجعل للعقل شكلًا:
وهو العلم، والهوى، والباطل شكلان،
مؤتلفان قرينان، يدعوان إلى مذموم
العواقب للدنيا والآخرة.
لأهل التقوى علامات، يعرفون بها:
صدق الحديث، والوفاء بالعهد، وصلة
الرحم، ورحمة الضعفاء، وقلة الفخر
والخيلاء، وبذل المعروف، وقلة المباهاة
للناس، وحسن الخلق، وسعة الخلق مما
يقرب إلى الله رم؛ يا ابن آدم، إنك
ناظر إلى عملك، يوزن خيره وشره، فلا
تحقرن من الخير شيئًا، وإن هو صغر،
فإنك إذا رأيته: سرك مكانه؛ ولا تحقرن
من الشر شيئًا، فإنك إذا رأيته: ساءك
هيهات يا أهل العقول: من الذي يحظر
على الله رحبت مواهبه؟ ومن الذي منحه الله
تعالى منحة، فيجب عنه؟ ومن الذي
مكانه؛ فرحم الله رجلًا: كسب طيبًا،
وأنفق قصدًا، وقدم فضلًا ليوم فقره
يمنعه الله رَ شيئًا، فيوجد عنده؟ هل وفاقته؛ هيهات هيهات، ذهبت الدنيا
للعباد إلى الله تعالى من حاجة بعد تركيب بحالتي مآلها، وبقيت الأعمال قلائد في

لحلية الأولياء
٨٤٩
الموت وسكراته
أعناقكم، أنتم تسوقون الناس، والساعة الوليد القريب، ورفضك الوالد والنسيب؛
فلا أنت إلى دنياك عائد، ولا في حسناتك
زائد؛ فاعمل ليوم القيامة، قبل الحسرة
والندامة؛ قال: فبكى سليمان بكاءً
شديدًا. [٦٩/٤]
تسوقكم، وقد أسرع بخياركم، فما
تنتظرون؟ المعاينة؛ فكأن قد. إنه لا
کتاب بعد کتابکم، ولا نبي بعد نبیکم؛
يا ابن آدم، بع دنياك بآخرتك، تربحهما
جميعًا؛ ولا تبيعنَّ آخرتك بدنياك،
فتخسرهما جميعًا. [١٤٣/٢]
* عن عبد الله بن مسعود، أنه كان
يقول إذا قعد: إنكم في ممر الليل
والنهار: في آجال منقوصة، وأعمال
محفوظة، والموت يأتي بغتة؛ فمن يزرع
خيرًا: يوشك أن يحصد رغبة؛ ومن
يزرع شرًا: يوشك أن يحصد ندامة؛
ولكل زارع مثل ما زرع، لا يسبق بطيء
بحظه، ولا يدرك حريص ما لم يقدر له؛
فمن أعطي خيرًا: فالله تعالى أعطاه،
ومن وقي شرًا: فالله تعالى وقاه؛
المتقون سادة، والفقهاء قادة، ومجالستهم
زيادة. [١٣٣/١ - ١٣٤]
* بينما سليمان بن عبد الملك في
المسجد الحرام، إذ أتي بحجر منقوش،
فطلب من يقرأه له؛ فأتي بوهب بن منبه،
فقرأه، فإذا فيه: ابن آدم، إنك لو رأيت
قرب ما بقي من أجلك: لزهدت في طويل
أملك، ولرغبت في الزيادة من عملك،
ولقصرت من حرصك وحيلك؛ وإنما
يلقاك غدًا ندمك، وقد زلَّت بك قدمك،
وأسلمك أهلك وحشمك؛ فبان منك
الموت وسكراته
* عن يحيى بن سعيد الأنصاري، أنه
سمع سعيد بن المسيب يذكر: أن عمر بن
الخطاب كوّم كومة من بطحاء، ثم ألقى
عليها طرف ثوبه، ثم استلقى عليها،
فرفع يديه إلى السماء؛ ثم قال: اللهم،
كبرت سني، وضعفت قوتي، وانتشرت
رعيتي؛ فاقبضني إليك، غير مضيع ولا
مفرط. [١/ ٥٤ ]
* عن عبد الله بن مسعود، أنه كان
يقول إذا قعد: إنكم في ممر الليل
والنهار: في آجال منقوصة، وأعمال
محفوظة، والموت يأتي بغتة؛ فمن يزرع
خيرًا : يوشك أن يحصد رغبة، ومن يزرع
شرًا: يوشك أن يحصد ندامة؛ ولكل زارع
مثل ما زرع.
لا يسق بطيء بحظه، ولا يدرك حريص
ما لم يقدر له؛ فمن أعطي خيرًا: فالله
تعالى أعطاه، ومن وقي شرًا: فالله تعالى
وقاه؛ المتقون سادة، والفقهاء قادة،
ومجالستهم زيادة. [١/ ١٣٣ - ١٣٤]
* عن أبي وائل شقيق بن سلمة قال:

الموت وسكراته
٨٥٠
التهذيب الموضوعي
* عن شرحبيل: أن أبا الدرداء، كان
دخلنا على خباب بن الأرت في مرضه،
فقال: إن في هذا التابوت ثمانين ألف إذا رأى جنازة قال: اغدوا، فإنا رائحون
درهم، والله، ما شددت لها من خيط، - أو: روحوا، فإنا غادون - موعظة بليغة،
ولا منعتها من سائل؛ ثم بكى، فقلنا: ما وغفلة سريعة؛ كفى بالموت واعظًا:
يبكيك؟ قال: أبكي أن أصحابي مضوا يذهب الأول فالأول، ويبقى الآخر لا
حلم له. [٢١٧/١]
ولم تنقصهم الدنيا شيئًا، وأنّا بقينا
بعدهم، حتى لم نجد لها موضعًا إلا
التراب. [١٤٥/١]
* عن أبي سفيان عن أشياخه: أن
سعد بن أبي وقاص دخل على سلمان
یعوده، فبکی سلمان، فقال له سعد: ما
يبكيك؟ تلقى أصحابك، وترد على
رسول الله * الحوض، وتوفي
رسول الله ◌َ﴿ وهو عنك راضٍ؛ فقال: ما
أبكي جزءًا من الموت، ولا حرصًا على
الدنیا؛ ولکن رسول الله پڑ عهد إلينا،
فقال: ((ليكن بلغة أحدكم من الدنيا كزاد
الراكب)) وهذه الأساود حولي - إنما حوله
مطهرة، أو إنجانة ونحوها - فقال له
سعد: اعهد إلينا عهدًا نأخذ به بعدك؛
فقال له: اذكر ربك عندهمك إذا
هممت، وعند حکمك إذا حكمت، وعند
يدك إذا قسمت. [١٩٥/١ - ١٩٦]
عن أم الدرداء، أن أبا الدرداء لما
احتضر، جعل يقول: من يعمل لمثل يومي
هذا؟ من يعمل لمثل ساعتي هذه؟ من
يعمل لمثل مضجعي هذا؟ ثم يقول:
﴿وَتُقَلِّبُ أَفِدَتَهُمْ وَأَبْصَرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ.
أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠]. [٢١٧/١].
* قال أبو الدرداء: ثلاث أحبهن،
ويكرههن الناس: الفقر، والمرض،
والموت. [٢١٧/١]
* عن عمرو بن مرة عن شيخ عن أبي
الدرداء قال: أحب الموت: اشتياقًا إلى
ربي، وأحب الفقر: تواضعًا لربي، وأحب
المرض: تكفيرًا لخطيئتي. [٢١٧/١]
* قال أبو الدرداء: من أكثر ذكر
الموت: قلّ فرحه، وقلّ حسده. [٢٢٠/١]
* عن معاذ بن جبل صه أنه لما
حضره الموت قال: انظروا: أصبحنا؟
فأتي، فقيل: لم تصبح؛ فقال: انظروا،
أصبحنا؟ فأتي، فقيل له: لم تصبح؛ حتى
أتي في بعض ذلك، فقيل: قد أصبحت؛
قال: أعوذ بالله من ليلة صباحها إلى
النار، مرحبًا بالموت مرحبًا، زائر مغيب،
حبيب جاء على فاقة؛ اللهم، إني قد
كنت أخافك، فأنا اليوم أرجوك؛ اللهم،
إنك تعلم، أني لم أكن أحب الدنيا
وطول البقاء فيها: لجري الأنهار، ولا
لغرس الأشجار؛ ولكن: لظمأ الهواجر،
ومكابدة الساعات، ومزاحمة العلماء

لحلية الأولياء
٨٥١
الموت وسكراته
بالركب عند حلق الذكر. [٢٣٩/١]
* عن الضحاك بن عبد الرحمن بن
عرزب قال: دعا أبو موسى الأشعري رقپبه
فتيانه حين حضرته الوفاة؛ فقال: اذهبوا،
واحفروا، وأوسعوا، وأعمقوا؛ فجاؤوا،
فقالوا: قد حفرنا، وأوسعنا، وأعمقنا .
فقال: والله، إنها لإحدى المنزلتين: إما
ليوسعن علي قبري، حتى تكون كل زاوية
منه أربعين ذراعًا، ثم ليفتحن لي باب إلى
الجنة، فلأنظرن إلى أزواجي ومنازلي،
وما أعد الله تعالى لي من الكرامة، ثم
لأكونن أهدى إلى منزلي مني اليوم إلى
بيتي، ثم ليصيبني من ريحها وروحها حتى
أبعث؛ ولئن كانت الأخرى - ونعوذ بالله
منها -: ليضيقن علي قبري، حتى يكون
في أضيق من القناة في الزج، ثم ليفتحن
لي باب من أبواب جهنم، فلأنظرن إلى
سلاسلي وأغلالي وقرنائي، ثم لأكونن إلى
مقعدي من جهنم أهدى مني اليوم إلى
بيتي، ثم ليصيبني من سمومها وحميمها
حتى أُبعث. [٢٦٢/١ - ٢٦٣]
* عن أبي عثمان عن أبي بردة قال:
لما حضر أبا موسى الوفاة، قال: يا بني،
اذكروا صاحب الرغيف؛ قال: كان رجل
يتعبد في صومعة - أراه قال: سبعين سنة -
لا ينزل إلا في يوم واحد؛ قال: فشبه
- أو: شب - الشيطان في عينه امرأة،
قال: ثم كشف عن الرجل غطاؤه، فخرج
تائبًا؛ فكان كلما خطا خطوة: صلى،
وسجد؛ فآواه الليل إلى دكان كان عليه
اثني عشر مسكينًا، فأدركه العياء، فرمى
بنفسه بين رجلين منهم؛ وكان ثم راهب
يبعث إليهم كل ليلة بأرغفة، فيعطي كل
إنسان رغيفًا؛ فجاء صاحب الرغيف،
فأعطى كل إنسان رغيفًا، ومر على ذلك
الرجل الذي خرج تائبًا، فظن أنه مسكين،
فأعطاه رغيفًا؛ فقال المتروك لصاحب
الرغيف: ما لك لم تعطني رغيفي؟ ما كان
بك عنه غنى؟ فقال: أتراني أمسكته عنك؟
سل، هل أعطيت أحدًا منكم رغيفين؟
قالوا: لا؛ قال: تراني أمسكته عنك؟
والله، لا أعطيك الليلة شيئًا؛ فعمد التائب
إلى الرغيف الذي دفعه إليه، فدفعه إلى
الرجل الذي ترك؛ فأصبح التائب ميتًا،
قال: فوزنت السبعون سنة بالسبع الليالي:
فرجحت السبع الليالي، ثم وزنت السبع
الليالي بالرغيف: فرجح الرغيف؛ فقال
أبو موسى: يا بني، اذكروا صاحب
الرغيف. [١/ ٢٦٣]
* قال حذيفة ظه عند الموت: رب
يوم لو أتاني الموت: لم أشك، فأما
اليوم: فقد خالطت أشياء، لا أدري على
ما أنا فيها. [٢٧٨/١]
* عن زياد مولى ابن عباس قال:
فكان معها سبعة أيام - أو: سبع ليالٍ -؛ حدثني من دخل على حذيفة في مرضه

الموت وسكراته
٨٥٢
التهذيب الموضوعي
الذي مات فيه؛ فقال: لولا أني أرى: أن كبيرًا، من أصحاب رسول الله صل * - وكان
هذا اليوم آخر يوم من الدنيا، وأول يوم يحب أن يقبض إليه، وكان يدعو: اللهم،
كبرت سني، ووهن عظمي؛ فاقبضني
إليك. [٢ / ١٤]
من الآخرة: لم أتكلم به؛ اللهم، إنك
تعلم: أني كنت أحب الفقر على الغنى،
وأحب الذلة على العز، وأحب الموت
على الحياة؛ حبيب جاء على فاقة، لا
أفلح من ندم؛ ثم مات ﴿ه. [٢٨٢/١]
* عن أبي وائل قال: لما ثقل
حذيفة ربه أتاه أناس من بني عبس،
فأخبرني خالد بن الربيع العبسي قال:
أتيناه وهو بالمدائن، حتى دخلنا عليه
جوف الليل؛ فقال لنا: أي ساعة هذه؟
قلنا: جوف الليل - أو: آخر الليل -؛
فقال: أعوذ بالله من صباح إلى النار؛ ثم
قال: قلنا: نعم؛ قال: فلا تغالوا
بأكفاني، فإنه إن يكن لصاحبكم عند الله
خير: فإنه يبدل بكسوته كسوة خيرًا منها،
وإلا : يسلب سلبًا. [١/ ٢٨٢]
* عن أبي الزاهرية قال: سمعت أبا
ثعلبة الخشني يقول: إني لأرجو أن لا
يخنقني الله ك كما أراكم تختفون عند
الموت؛ قال: فبينما هو يصلي في جوف
الليل: قُبض وهو ساجد؛ فرأت ابنته أن
أباها قد مات، فاستيقظت فزعة، فنادت
أمها: أين أبي؟ قالت: في مصلاه؛ فنادته،
فلم يجبها؛ فأيقظته، فوجدته ساجدًا؛
فحركته، فوقع لجنبه ميتًا. [٣١/٢]
* عن عبد الله بن محمد بن عقيل: أن
فاطمة ◌ّ لما حضرتها الوفاة: أمرت
عليًا، فوضع لها غسلًا: فاغتسلت،
وتطهرت، ودعت بثياب أكفانها؛ فأُتيت
بثياب غلاظ خشنة، فلبستها، ومسّت من
الحنوط؛ ثم أمرت عليًا: أن لا تكشف
إذا قبضت، وأن تدرج كما هي في ثيابها؛
فقلت له: هل علمت أحدًا فعل ذلك؟
قال: نعم، كثير بن العباس؛ وكتب في
* عن إسحاق، أن صلة بن زفر حدثه:
أن حذيفة بعثني وأبا مسعود، فابتعنا له
کفنا حلة عصب، بثلاثمائة درهم؛ فقال:
أرياني ما ابتعتما لي، فأريناه؛ فقال: ما
هذا لي بكفن، إنما يكفيني: ريطتان أطراف أكفانه: يشهد كثير بن عباس: أن
بيضاوان، ليس معهما قميص؛ فإني لا لا إله إلا الله. [٤٣/٢]
أترك إلا قليلًا: حتى أبدل خيرًا منهما،
أو: شرًا منهما؛ فابتعنا له ريطتين
بيضاوين. [١/ ٢٨٣]
* عن أم جعفر: أن فاطمة بنت
رسول الله ﴿ قالت: يا أسماء، إني قد
استقبحت ما يصنع بالنساء: إن يطرح على
* عن العرباض بن سارية - وكان شيخًا المرأة الثوب، فيصفها؛ فقالت أسماء:

لحلية الأولياء
٨٥٣
الموت وسكراته
يا ابنة رسول الله، ألا أريك شيئًا رأيته
بالحبشة؟ فدعت بجرائد رطبة، فحنتها، ثم
طرحت عليها ثوبًا؛ فقالت فاطمة: ما
أحسن هذا وأجمله، تُعرف به المرأة من
الرجل؛ فإذا مت أنا: فاغسليني أنت
وعلي، ولا يدخل علي أحد؛ فلما
توفيت: غسلها علي وأسماء رضي الله
تعالى عنهم. [٤٣/٢]
* عن ابن أبي مليكة قال: استأذن ابن
عباس على عائشة، فقالت: لا حاجة لي
بتزكيته؛ فقال عبد الرحمن بن أبي بكر:
يا أمتاه، إن ابن عباس من صالح بيتك،
جاء يعودك؛ قالت: فأُذن له؛ فدخل
عليها، فقال: يا أمه أبشري، فوالله، ما
بينك وبين أن تلقي محمدًا والأحبة: إلا أن
يفارق روحك جسدك؛ كنت أحب نساء
رسول الله وَله إليه، ولم يكن رسول الله ول
يحب إلا طيبًا؛ قالت: أيضًا؛ قال: هلكت
قلادتك بالأبواء، فأصبح رسول الله وَاليه
يلتقطها، فلم يجدوا ماء، فأنزل الله رحمك :
﴿فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]. فكان
ذلك بسببك وبركتك: ما أنزل الله تعالى
لهذه الأمة من الرخصة؛ وكان من أمر
مسطح ما كان، فأنزل الله تعالى براءتك من
فوق سبع سمواته، فليس مسجد يذكر الله
فيه: إلا وشأنك يتلى فيه، آناء الليل
وأطراف النهار؛ فقالت: يا ابن عباس،
دعني منك ومن تزکیتك، فوالله، لوددت
أني كنت نسيًا منسيًا. [٤٥/٢]
* عن الشعبي قال: مر رجل من مراد
على أويس القرني، فقال: كيف أصبحت؟
قال: أصبحت أحمد الله؛ قال: كيف
الزمان عليك؟ قال: كيف الزمان على
رجل، إن أصبح: ظن أن لا يمسي، وإن
أمسى: ظن أن لا يصبح؟ فمبشر بالجنة،
أو مبشر بالنار؛ يا أخا مراد، إن الموت
وذكره: لم يدع لمؤمن فرحًا، وإن علمه
بحقوق الله: لم يترك له في ماله فضة ولا
ذهبًا، وإن قيامه بالحق: لم يترك له
صديقًا. [٢/ ٨٣]
* عن مسروق قال: ما من شيء خير
للمؤمنين: من لحد، قد استراح من هموم
الدنيا، وأمن من عذاب الله. [٩٧/٢]
* عن علقمة: أنه قال لامرأته في
مرضه: تزيّني، واقعدي عند رأسي؛
لعل الله يرزقك بعض عوّادي. [٢/ ١٠٠]
* عن علقمة قال: لا تنعوني كنعي
أهل الجاهلية، ولا تؤذنوا بي أحدًا،
وأغلقوا الباب، ولا تتبعني امرأة، ولا
تتبعوني بنار؛ وإن استطعتم أن يكون آخر
كلامي: لا إله إلا الله، فافعلوا. [٣١/٢]
* كان الأسود بن يزيد مجتهدًا في
العبادة: يصوم، حتى يخضر جسده ويصفر؛
وكان علقمة بن قيس يقول له: لم تعذب هذا
الجسد؟ قال: راحة هذا الجسد أريد؛ فلما
احتضر: بكى؛ فقيل له: ما هذا الجزع؟
قال: ما لي لا أجزع؟ ومن أحق بذلك مني؟

الموت وسكراته
٨٥٤
التهذيب الموضوعي
والله، لو أُتيت بالمغفرة من الله رَبَّك: لهمّني وجعًا، ولا أظنني إلا لما بي، ولكن: ما
تقولون في مائة ألف في هذا الصندوق،
الحياء منه، مما قد صنعته؛ إن الرجل:
ليكون بينه وبين الرجل الذنب الصغير،
فیعفو عنه، فلا يزال مستحیًا منه؛ ولقد حج
الأسود ثمانين حجة. [٢ /١٠٣]
لم تؤد منها زكاة، ولم يوصل منها رحم؟
فقلنا: يا أبا معمر، فلم كنت تجمعها؟
قال: كنت والله أجمعها لروعة الزمان،
وجفوة السلطان، ومكاثرة العشيرة.
* عن عبد الملك بن عمير قال: قيل
فقال الحسن: انظروا هذا البائس، أنى
أتاه الشيطان، فحذره: روعة زمانه،
وجفوة سلطانه عما استودعه الله إياه،
وعمره فيه، خرج والله منه: كئيبًا، حزينًا ،
ذميمًا، مليمًا. أيها عنك أيها الوارث: لا
تخدع كما خدع صويحبك أمامك، أتاك
هذا المال حلالًا، فإياك وإياك: أن يكون
للربيع بن خثيم: ألا ندعو لك طبيبًا؟
قال: أنظروني؛ فتفكر، ثم قال: ﴿وَعَادًا
وَثَمُودَأْ وَأَصْحَبَ الرَّسِ وَقُرُوْنَا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرً
: [الفرقان: ٣٨]. قال: فذكر حرصهم
٣٨
على الدنيا ورغبتهم، وما كانوا فيها؛
وقال: قد كانت فيهم أطباء، وكان فيهم
مرضى: فلا أرى المداوي بقي، ولا أرى
المداوى، وأهلك الناعت والمنعوت؛ لا وبالًا عليك؛ أتاك والله ممن كان له
جموعًا منوعًا، یدأب فیه الليل والنهار،
حاجة لي فيه. [١٠٦/٢]
* كان الربيع يقول: أكثروا ذكر هذا يقطع فيه المفاوز والقفار؛ من باطل
الموت: الذي لم تذوقوا قبله مثله. [١١٤/٢] جمعه، ومن حق منعه؛ جمعه فأوعاه،
وشدّه فأوكاه؛ لم يؤد منه زكاة، ولم يصل
منه رحمًا .
* عن الربيع بن خيثم قال: ما غائب
ينتظره المؤمن خير من الموت. [١١٤/٢]
* عن سرية الربيع قالت: لما حُضِرَ
الربيع: بكت ابنته؛ فقال: يا بنية،
لم تبكين؟ قولي: يا بشراي، أتى
الخير. [٢ /١١٤]
* عن أبي بكر الهذلي قال: كنا نجلس
عند الحسن، فأتاه آت، فقال: يا أبا
سعيد، دخلنا آنفًا على عبد الله بن
الأهتم، فإذا هو يجود بنفسه، فقلنا: يا
إن يوم القيامة ذو حسرات، وإن أعظم
الحسرات غدًا: أن يرى أحدكم ماله في
ميزان غيره؛ أوَ تدرون كيف ذاكم؟ رجل
آتاه الله مالاً، وأمره بإنفاقه في صنوف
حقوق الله: فبخل به، فورثه هذا الوارث؛
فهو يراه في ميزان غيره؛ فيا لها عثرة لا
تقال، وتوبة لا تنال. [٢ /١٤٤ _ ١٤٥]
* عن أبان بن محبر عن الحسن
أبا معمر، كيف تجدك؟ قال: أجدني والله البصري: أنه لما حضره الموت: دخل عليه

لحلية الأولياء
٨٥٥
الموت وسكراته
رجال من أصحابه؛ فقالوا له: يا أبا فاطلبوا نعيمًا لا موت فيه. [٢٠٤/٢]
سعید، زوّدنا منك کلمات تنفعنا بهن؛
قال: إني مزودکم ثلاث کلمات، ثم قوموا
عني ودعوني لما توجهت له، ما نهیتم عنه
من أمر فكونوا من أترك الناس له، وما
أمرتم به من معروف: فكونوا من أعمل
الناس به؛ واعلموا: أن خطاكم خطوتان:
خطوة لكم، وخطوة عليكم؛ فانظروا أنى
تغدون، وأين تروحون. [٢/ ١٥٤]
* عن عبد الرحمن بن حرملة قال:
مروا على ابن المسيب بجنازة، ومعها
إنسان يقول: استغفروا الله له؛ فقال ابن
المسيب: ما يقول راجزهم هذا؟ حرمت
على أهلي أن يرجزوا معي راجزهم هذا،
وأن يقول: مات سعيد فاشهدوه؛ حسبي
من يقلبني إلى ربي رق، وأن يمشوا معي
بمجمرات؛ إن أكن طيبًا: فما عند الله
أطيب. [١٦٥/٢]
* عن زهير الباني قال: مات ابن
لمطرف بن عبد الله بن الشخير، فخرج على
الحي: قد رجّل جمته، ولبس حلته؛ فقيل
له: ما نرضى منك بهذا، وقد مات ابنك؛
فقال: أتأمروني أن أستكين للمصيبة؟
فوالله، لو أن الدنيا وما فيها لي،
فأخذها الله مني، ووعدني عليها شربة ماء
غدًا: ما رأيتها لتلك الشربة أهلًا؛ فكيف
بالصلوات، والهدى، والرحمة؟. [١٩٩/٢]
* عن قتادة عن مطرف قال: إن هذا
* عن أبي حرة قال: دخلنا على بكر بن
عبد الله المزني، نعوده في مرضه الذي
مات فيه؛ فرفع رأسه، فقال: رحم الله
عبدًا، رزقه الله قوة: فأعمل نفسه في
طاعة الله ريق، أو قصر به ضعف: فلم
يعملها في معاصي الله. [٢٢٥/٢]
* عن الحسن البصري قال: مات أخ
لنا، فصلّينا عليه؛ فلما وُضع في قبره،
ومدّ عليه الثوب: جاء صلة بن أشيم،
وأخذ بناحية الثوب؛ ثم نادى: يا فلان بن
فلان :
فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة
وإلا فإني لا أخالك ناجيا
قال: فبكى وأبكى الناس. [٢٤١/٢]
* كان العلاء بن زياد العدوي يقول:
لينزل أحدكم نفسه: أنه قد حضره
الموت، فاستقال ربه تعالى نفسه، فأقاله؛
فليعمل بطاعة الله . [٢ /٢٤٤]
* عن أيوب قال: كنت مع أبي قلابة في
جنازة، فسمعنا صوت قاص، قد ارتفع
صوته وصوت أصحابه؛ فقال أبو قلابة: إن
كانوا ليعظمون الموت بالسكينة. [٢٨٥/٢]
* عن أبي عمران الجوني عن غيره
قال: من قرب الموت من قلبه: استكثر ما
في يديه. [٣١٢/٢]
* عن المبارك - يعني: ابن فضالة - قال:
الموت: أفسد على أهل النعيم نعيمهم، دخلت على ثابت البناني في مرضه، وهو
١

٨٥٦
التهذيب الموضوعي
الموت وسكراته
في علو له، وكان لا يزال يذكر أصحابه؛ قط، لا نبي، ولا غيره؛ إلا يوسف ظَلا،
حين تكاملت عليه النعم، وجمع له
الشمل: اشتاق إلى لقاء ربه رَك : ﴿رَبِّ
قَدْ ءَاتَّبْتَنِ مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِّ فَاطِرَ
السَّمَوَتِ وَاْأَرْضِ أَنَتَ وَلِيٍّ، فِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ نَوَقَّنِى
مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بِالصَّلِحِينَ
(١٩) [يوسف: ١٠١]
فاشتاق إلى ربه وجل. [٣٣٩/٢]
فلما دخلنا عليه، قال: يا إخوتاه، لم أقدر
أن أصلي البارحة كما كنت أصلي، ولم
أقدر أن أصوم كما كنت أصوم، ولم أقدر
أن أنزل إلى أصحابي، فأذكر الله رَك كما
كنت أذكره معهم؛ ثم قال: اللهم، إذ
حبستني عن ثلاث: فلا تدعني في الدنيا
ساعة - أو قال: إذا حبستني: أن أصلي كما
أريد، وأصوم كما أريد، وأذكرك كما أريد:
وقته رَحْتُهُ. [٣٢٠/٢]
* مر مالك بن دينار على رجل يغرس
فسيلًا: فغبر عنه يسيرًا، ثم مر بالفسيل،
فلا تدعني في الدنيا ساعة؛ فمات من وقد أطعم؛ فسأل عن الذي غرسه،
فقالوا: مات؛ ثم أنشأ يقول:
* عن ثابت البناني: أنه كان يقول: ما
أكثر أحد ذكر الموت، إلا رؤي ذلك في
عمله. [٣٢٥/٢]
* عن ثابت البناني قال: طوبى لمن ذكر
ساعة الموت، وما أكثر عبد ذكر الموت:
إلا رؤي ذلك في عمله. [٣٢٦/٢]
* عن ثابت البناني قال: كان شاب به
زهو، فكانت أمه تعظه: يا بني، إن لك
يومًا، فاذكر يومك؛ فلما نزل به أمر الله:
كبّت عليه أمه، فجعلت تقول: قد كنت
أحذرك مصرعك هذا يا بني، فأقول: إن
لك يومًا، فاذكر يومك؛ فقال: يا أمه، إن
لي ربًا كثير المعروف، وإني أرجو: أن لا
يعذبني اليوم بفضل معروفه، ويلي إن لم
يغفر لي؛ قال: يقول ثابت كَّتْهُ: حسّن
ظنه بالله وَّ في حالته تلك. [٣٢٦/٢]
مؤمل دنيا لتبقى له
فمات المؤمل قبل الأمل
يربي فسيلًا ويعنى به
فعاش الفسيل ومات الرجل
[٣٨٣/٢]
* مرض سليمان التيمي، فبكى في
مرضه بكاء شديدًا؛ فقيل له: ما يبكيك؟
أتجزع من الموت؟ قال: لا، ولكن:
مررت على قدريٌّ، فسلمت عليه؛ فأخاف
أن يحاسبني ربي رَّ عليه. [٣: ٣٢]
* شهدت جنازة منصور بن زاذان،
فرأيت النصارى على حدة، والمجوس
على حدة، واليهود على حدة، كل واحد
منهم على حدة؛ وقد أخذ خالي بيدي من
كثرة الزحام، وأنا حدث. [٣/ ٥٧]
* عن داود بن أبي هند قال: اثنتان لو
لم يكونا، لم ينتفع أهل الدنيا بدنياهم:
* عن قتادة قال: لم يتمن الموت أحد الموت، والأرض تنشف الندا. [٣/ ٩٤]

لحلية الأولياء
٨٥٧
الموت وسكراته
* عن أبي حازم قال: كل عمل تكره
* عن أبي الصديق قال: إن كان شسع
الرجل لينقطع في الجنازة، فما يكاد الموت من أجله: فاتركه، ثم لا يضرك
متى مت. [٢٣٩/٣]
يدركهم - أو: فما يدركهم -. [٣ /١٠١]
* عن شميط بن عجلان قال: من جعل
الموت نصب عینیه: لم یبال بضیق الدنیا،
ولا بسعتها. [١٢٩/٣]
* عن أبي جعفر : أن رجلًا صحب عمر بن
الخطاب رضي الله تعالى عنه إلى مكة؛ فمات
في الطريق، فاحتبس عليه عمر في
الطريق، حتى صلى عليه ودفنه؛ فقلّ یوم،
إلا كان عمر رضي الله تعالى عنه يتمثل:
وبالغ أمر كان يأمل دونه
ومختلج من دون ما كان يأمل
[١٨٨/٣]
* عن زيد بن أسلم قال: سكن رجل
المقابر، فعوتب في ذلك؛ فقال: جيران
صدق، ولي فيهم عبرة. [٢٢٣/٣]
* عن أبي حازم سلمة - بن دينار - أنه
قال: تجد الرجل يعمل بالمعاصي، فإذا
قيل له: ثحب الموت؟ قال: لا، وكيف،
وعندي ما عندي؟ فيقال له: أفلا تترك ما
تعمل من المعاصي؟ فيقول: ما أريد تركه،
وما أحب أن أموت حتى أتركه !. [٢٣٢/٣]
* قال أبو حازم: نحن لا نريد أن
نموت حتى نتوب، ونحن لا نتوب حتى
نموت؛ واعلم، أنك إذا مت: لم ترفع
الأسواق بموتك، إن شأنك صغير،
فاعرف نفسك. [٢٣٢/٣]
* عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال:
بعث سليمان عليّل إلى مارد من مردة
الجن، فأتي به؛ فلما كان على باب
سليمان غالبا: أخذ عودًا، فذرعه بذراعه،
ثم رمى به وراء الحائط، فوقع بين يدي
سليمان عليّا؛ فقال: ما هذا؟ فأُخبر بما
صنع المارد؛ فقال: أتدرون ما أراد؟
قالوا: لا؛ قال: اصنع ما شئت، فإنك
تصير إلى مثل هذا من الأرض. [٣٥٦/٣]
* قال ابن طاووس عن أبيه قال: قلت
له: ما أفضل ما يقال على الميت؟ فقال:
الاستغفار. [١٤/٤]
* بينما سليمان بن عبد الملك في
المسجد الحرام، إذ أتي بحجر منقوش،
فطلب من يقرأه له؛ فأتي بوهب بن منبه،
فقرأه، فإذا فيه: ابن آدم، إنك لو رأيت
قرب ما بقي من أجلك: لزهدت في طويل
أملك، ولرغبت في الزيادة من عملك،
ولقصرت من حرصك وحيلك؛ وإنما يلقاك
غدًا ندمك، وقد زلّت بك قدمك، وأسلمك
أهلك وحشمك؛ فبان منك الوليد القريب،
ورفضك الوالد والنسيب؛ فلا أنت إلى
دنياك عائد، ولا فى حسناتك زائد؛ فاعمل
ليوم القيامة، قبل الحسرة والندامة؛ قال:
فبكى سليمان بكاء شديدًا. [٦٩/٤]

الموت وسكراته
٨٥٨
التهذيب الموضوعي
* عن سلمة بن كهيل قال: لقي خيثمة
محارب بن دثار، فقال له: كيف حبك
للموت؟ قال: ما أحبه؛ قال خيثمة: إن
هذا بك لنقص كبير. [٤ /١١٥]
* قال خيثمة بن عبد الرحمن: كان لا تخلفني مع الأشرار، وألحقني
يعجبهم؛ أن يموت الرجل عند خير
يعمله، إما حج، وإما عمرة، وإما غزوة،
وإما صيام رمضان. [١١٥/٤]
* عن شهر بن حوشب قال: دخل
ملك الموت على سليمان #*، فجعل
ينظر إلى رجل من جلسائه، يديم إليه
النظر؛ فلما خرج، قال الرجل: من هذا؟
قال: هذا ملك الموت علا؛ قال: لقد
رأيته ينظر إلي، فكأنه يريدني؛ قال: فما
تريد؟ قال: أريد أن تحملني على الريح،
فتلقيني بالهند؛ قال: فدعا بالريح، فحمله
عليه، فألقته بالهند؛ ثم أتى ملك الموت
سليمان عليّل*، فقال: إنك كنت تديم النظر
إلى رجل من جلسائي؟ قال: كنت أعجب
منه، إني أُرت أن أقبض روحه بالهند،
وهو عندك. [١١٨/٤]
* عن عبد الرحمن بن عبد الله بن
زياد بن سمعان قال: كتب شريح القاضي
إلى أخ له هرب من الطاعون: أما بعد:
فإنك والمكان الذي أنت به: بعين من لا
يعجزه من طلب، ولا يفوته من هرب؛
والمكان الذي خلفته: لم يعجل أمر
لعلى بساط واحد، وإن المنتجع من ذي
قدرة لقريب؛ والسلام. [١٣٦/٤]
* عن أبي بلج عن عمرو بن ميمون:
أنه كان يتمنى الموت، ويقول: اللهم،
بالأخيار. [٤ /١٤٨]
* عن عمرو بن ميمون: أنه كان لا
يتمنى الموت، حتى أرسل إليه يزيد بن أبي
مسلم، فتعنته، ولقي منه شدة، ولم يكد
أن يدعه، ثم تركه بعد ذلك؛ قال: فكان
يقول: اليوم أتمنى الموت، اللهم، ألحقني
بالأبرار، ولا تخلفني مع الأشرار،
واسقني من خير الأنهار. [١٨٤/٤]
* عن سعيد بن عامر عن إبراهيم - أو
رفعه إلى أبيه - قال: إني لأقعد من امرأتي
مقعد الرجل من أهله، فإذا ذكرت
الموت: فما أنا بأقدر عليه مني من أن
أمس السماء. [٢١٠/٤]
* عن عون بن عبد الله قال: ما أحد
ينزل الموت حق منزلته: إلا عدَّ غدًا ليس
من أجله؛ كم من مستقبل يومًا لا
يستكمله، وراج غدًا لا يبلغه؛ لو تنظرون
إلى الأجل ومسيره: لأبغضتم الأمل
وغروره. [٢٤٣/٤]
* عن عون بن عبد الله قال: لما أتت
عبد الله - يعني: ابن مسعود - وفاة عتبة
- يعني: أخاه - بكى؛ فقيل له: أتبكي؟
حمامه، ولم يظلمه أيامه؛ وإنك وإياهم قال: كان أخي في النسب، وصاحبي مع

لحلية الأولياء
٨٥٩
الموت وسكراته
رسول الله وَ﴿؛ وما أحب مع ذلك أني
كنت قبله؛ أن يموت: فأحتسبه، أحب
إلي من أن أموت: فيحتسبني. [٢٥٣/٤]
* عن سعيد بن جبير قال: لو فارق
ذكر الموت قلبي: خشيت أن يفسد علي
قلبي. [٢٧٩/٤]
* عن الأعمش قال: يوشك إن
احتبس علي الموت: إن وجدته بالثمن،
اشتريته. [٥٠/٥]
* عن خلف بن حوشب قال: لم تطب
لأحد الحياة، وهو يذكر الموت في كل
حين مرة. [٧٣/٥]
* عن مالك بن مغول قال: رؤي
الربيع بن أبي راشد ذات يوم على
صندوق من صناديق الحدادين؛ فقال له
قائل: يا أبا عبد الله، لو دخلت
المسجد، فجالست إخوانك؛ فقال: لو
فارق ذكر الموت قلبي ساعة واحدة:
خشيت أن يفسد علي قلبي. [٧٥/٥ - ٧٦]
* عن سفيان قال: لم يكن بالكوفة
رجل أكثر ذكرًا للموت: من الربيع بن أبي
راشد. [٥/ ٧٧]
* عن عبد الأعلى التيمي قال: ما من
أهل بيت: إلا ويتصفحهم ملك الموت في
كل يوم مرتین. [٨٨/٥]
* قال عبد الأعلى التيمي شيئان قطعا
عني لذاذة الدنيا: ذكر الموت، والوقوف
بين يدي الله رجل. [٨٨/٥ - ٨٩]
* قال مجمع التيمي: ذكر الموت
غنى. [٩٠/٥]
* عن محمد بن كناسة قال: لما مات
ذر بن عمر بن ذر الهمداني - وكان موته
فجأة - جاء أباه أهل بيته يبكون؛ فقال:
ما لكم؟ إنا والله ما ظُلمنا، ولا قهرنا،
ولا ذهب لنا بحق، ولا أخطئ بنا، ولا
أريد غيرنا، وما لنا على الله معتب؛ فلما
وضعه في قبره، قال: رحمك الله يا بني،
والله، لقد كنت بي بارًا، ولقد كنت عليك
حدبًا؛ وما بي إليك من وحشة، ولا إلى
أحد بعد الله فاقة؛ ولا ذهبت لنا بعز، ولا
أبقيت علينا من ذل؛ ولقد شغلني الحزن
لك عن الحزن عليك؛ يا ذر، لولا هول
المطلع ومحشره: لتمنيت ما صرت إليه؛
فليت شعري يا ذر، ما قيل لك؟ وماذا
قلت؟ ثم قال: اللهم، إنك وعدتني
الثواب بالصبر على ذر؛ اللهم، فعلى ذر
صلواتك ورحمتك؛ اللهم، إني قد وهبت
ما جعلت لي من أجر على ذر لذر، صلة
مني؛ فلا تعرفه قبيحًا، وتجاوز عنه، فإنك
أرحم به مني؛ اللهم، وإني قد وهبت لذر
إساءته إلي، فهب له إساءته إليك، فإنك
أجود مني وأكرم؛ فلما ذهب لينصرف،
قال: يا ذر، قد انصرفنا وتركناك، ولو
أقمنا ما نفعناك. [١٠٨/٥]
* عن عمر بن ذر قال: ما دخل الموت دار
قوم: إلا شتت جمعهم، وقنعهم بعیشھم،
بعد أن كانوا يفرحون ويمرحون. [١١١/٥]

الموت وسكراته
٨٦٠
التهذيب الموضوعي
* عن رجاء بن حيوة قال: ما أكثر عبد ذكر فرجع، فقال: أكثر من ذكر الموت، فإن
كنت في ضيق من العيش: وسّعه عليك،
وإن كنت في سعة من العيش: ضيقه
عليك. [٢٦٥/٥]
* عن خالد بن معدان قال: والله، لو
كان الموت في مكان موضوعًا: لكنت
أول من يسبق إليه. [٢١١/٥]
* قال عمر بن عبد العزيز قال: لقد
نغص هذا الموت على أهل الدنيا ما هم
فيه من نضارة الدنيا وزهوتها؛ فبينا هم
كذلك، وعلى ذلك: أتاهم جاد من
الموت، فاخترمهم مما هم فيه؛ فالويل
والحسرة هنالك لمن لم يحذر الموت
ويذكره في الرخاء، فیقدم لنفسه خیرًا يجده
بعدما فارق الدنيا وأهلها؛ قال: ثم بكى
عمر، حتى غلبه البكاء، فقام. [٢٦٤/٥]
* كتب عمر بن عبد العزيز إلى بعض
أهل بيته: أما بعد: فإنك إن استشعرت
ذكر الموت في ليلك أو نهارك: بغض
إليك كل فان، وحبب إليك كل باق؛
والسلام. [٢٦٤/٥]
* عن أسماء بن عبيد قال: دخل
عنبسة بن سعيد بن العاص على عمر بن
عبد العزيز، فقال: يا أمير المؤمنين، إن
من كان قبلك من الخلفاء: كانوا يعطون
عطايا منعتناها، ولي عيال وضيعة، أفتأذن
عيالي؟ فقال عمر: أحبكم إلينا: من كفانا
* قال عمر بن عبد العزيز: من قرب
الموت من قلبه: استكثر ما في
يديه. [٣١٦/٥]
* عن سعيد أن عمر بن عبد العزيز كان إذا
ذكر الموت: اضطربت أوصاله. [٣١٦/٥]
* عن القداح يذكر أن عمر بن
عبد العزيز، كان إذا ذكر الموت: انتفض
انتفاض الطير، وبكى، حتى تجري دموعه
على لحيته. [٣١٦/٥]
* قال عمر بن عبد العزيز: لولا أن
تكون بدعة، لحلفت: أن لا أفرح من
الدنيا بشيء أبدًا، حتى أعلم ما في وجوه
رسل ربي إلي عند الموت؛ وما أحب أن
يهون علي الموت: لأنه آخر ما يؤجر عليه
المؤمن. [٣١٦/٥]
* قال عمر بن عبد العزيز: ما أحب
أن يخفف عني الموت، لأنه: آخر ما
يؤجر عليه المسلم. [٣١٧/٥]
* عن عمر بن عبد العزيز قال: ما أحب
أن تهون علي سكرات الموت، لأنها: آخر
لي أن أخرج إلى ضيعتي، وما يصلح ما يكفّر به عن المسلم. [٣١٧/٥]
* عن ميمون بن مهران، أنه قال:
مؤنته؛ فخرج من عنده؛ فلما صار عند دخلت على عمر بن عبد العزيز يومًا،
الباب، قال عمر: أبا خالد، أبا خالد؛ وعنده سابق البربري الشاعر، وهو ينشد
الموت: إلا ترك الحسد والفرح. [١٧٣/٥]