Indexed OCR Text
Pages 761-780
لحلية الأولياء ٧٦١ المرأة وأثرها في شتى الميادين رمل في البيت، ولا سعي بين الصفا والمروة، ولا يصعدن على الصفا والمروة. [٣٦/٩] * عن القاسم قال: لما مات عتبة بن مسعود: انتظر عمر بن الخطاب أم عتبة بن مسعود، فلم يصل عليه حتى جاءت. [٩/ ٤٠] * عن أحمد قال: أملى علي عبد الله بن أحمد بن حفصة؛ قال: نزلنا بمكة دارًا - وكان فيها شيخ يكنى بأبي بكر بن سماعة، وكان من أهل مكة - قال: نزل علينا أبو عبد الله في هذه الدار - وأنا غلام - قال: فقالت لي أمي: الزم هذا الرجل فاخدمه، فإنه رجل صالح؛ فكنت أخدمه، وكان يخرج يطلب الحديث، فسرق متاعه وقماشه؛ فجاء، فقالت له أمي: دخل عليك السراق، فسرقوا قماشك؛ فقال: ما فعلت بالألواح؟ فقالت له أمي: في الطاق، وما سأل عن شيء غيرها. [٩ / ١٧٩ - ١٨٠] * عن حسان بن عطية قال: لما عزل عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه معاوية عن الشام، بعث سعيد بن عامر بن جذيم الجمحي، قال: فخرج معه بجارية من قريش نضيرة الوجه، فما لبث إلا يسيرًا حتى أصابته حاجة شديدة، قال: فبلغ ذلك عمر، فبعث إليه بألف دينار، قال: فدخل بها على امرأته، فقال: إن * عن ابن عمر قال: ليس على النساء عمر بعث إلينا بما ترين، فقالت: لو أنك اشتريت لنا أدمًا وطعامًا، وادخرت سائرها؟ فقال لها: أوَلا أدلك على أفضل من ذلك؟ نعطي هذا المال من يتجر لنا فيه، فنأكل من ربحها، وضمانها عليه، قالت: فنعم إذًا فاشترَى أدمًا وطعامًا، واشتَرى بعيرين وغلامين يمتاران عليهما حوائجهم؛ وفرّقها في المساكين وأهل الحاجة، قال: فما لبث إلا يسيرًا حتى قالت له امرأته: إنه نفذ كذا وكذا، فلو أتيت ذلك الرجل، فأخذت لنا من الربح، فاشتريت لنا مكانه؛ قال: فسكت عنها، قال: ثم عاودته، قال: فسكت عنها حتى آذته، ولم يكن يدخل بيته إلا من ليل إلى ليل، قال: وكان رجل من أهل بيته ممن يدخل بدخوله، فقال لها: ما تصنعين؟ إنك قد آذيتيه، وإنه قد تصدق بذلك المال، قال: فبكت أسفًا على ذلك المال، ثم إنه دخل عليها يومًا، فقال: على رسلك، إنه كان لي أصحاب فارقوني منذ قريب، ما أحب أني صددت عنهم وأن لي الدنيا وما فيها، ولو أن خيرة من خيرات الحسان اطلعت من السماء، لأضاءت لأهل الأرض ولقهر ضوء وجهها الشمس والقمر، ولنصيف تُكسى خير من الدنيا وما فيها؛ فلأنت أحرى في نفسي أن أدعك لهن من أن أدعهن لك، قال: فسمحت ورضيت. [١ / ٢٤٤ - ٢٤٥] مراقبة الله ٧٦٢ التهذيب الموضوعي مراقبة الله ولا تحسبن الله يخلف ما مضى وأن الذي يخفى عليه يغيب لهونا عن الأيام حتى تتابعت * عن عروة بن الزبير قال: خطبت إلى عبد الله بن عمر ابنته، ونحن في الطواف، ذنوب على آثارهن ذنوب فيا ليت أن يغفر الله ما مضى فسكت، ولم يجبني بكلمة؛ فقلت: لو رضي لأجابني، والله، لا أراجعه فيها ويأذن لي في توبة فأتوب [٢٢٠/٩] بكلمة أبدًا؛ فقدّر له: أن صدر إلى المدينة * عن الفضل بن صدقة الواسطي قال: سمعت ذا النون المصري يقول: إذا اطلع الخبير على الضمير، فلم يجد في الضمير غير الخبير: جعل فيه سراجًا منيرًا. [٣٧٩/٩] قبلي، ثم قدمت، فدخلت مسجد الرسول ◌َ﴿، فسلمت عليه، وأديت إليه من حقه ما هو أهله؛ فأتيته، ورحب بي؛ وقال: متى قدمت؟ فقلت: هذا حين * جاء رجل إلى أبي يزيد البسطامي فقال: أوصني؛ فقال له: انظر إلى السماء؛ فنظر إلى السماء؛ فقال له أبو يزيد: أتدري من خلق هذا؟ قال: الله؛ حيث كنت، فاحذره. [٣٥/١٠] قدومي؛ فقال: أكنت ذكرت لي سودة بنت عبد الله، ونحن في الطواف نتخايل الله دشَّ بين أعيننا؟ وكنت قادرًا أن تلقاني في غير ذلك الموطن؛ فقلت: كان أمرًا قدّر؛ قال: فما رأيك اليوم؟ قلت: أحرص ما قال أبو يزيد: إن من خلقها: لمطلع عليك كنت عليه قط؛ فدعا ابنيه: سالمًا وعبد الله، فزوّجني. [٣٠٩/١] * عن ابن السماك قال: أوصاني أخي داود بوصية: انظر، أن لا يراك الله حيث نهاك، وأن لا يفقدك حيث أمرك؛ واستح في قربه منك، وقدرته عليك. [٣٥٨/٧] * قال رجل لوهيب بن الورد: عظني، قال: اتق أن يكون الله أهون الناظرين إليك. [٨ / ١٤٢] فأما الخائف: فمراقب بشدة، حذر * عن أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى من الله تعالى، وغلبة فزع. عنه قال : إذا ما خلوت الدهر يومًا فلا تقل خلوت ولكن قل علي رقيب * سئل أبو عبد الله الحارث بن أسد عن المراقبة لله، وعن المراقب لربه؛ فقال: إن المراقبة تكون على ثلاث خلال، على قدر عقل العاقلين، ومعرفتهم بربهم، يفترقون في ذلك؛ فإحدى الثلاث : الخوف من الله، والخلة الثانية: الحياء من الله، والخلة الثالثة: الحب لله. وأما المستحيي من الله: فمراقب بشدة انكسار، وغلبة إخبات. وأما المحب: فمراقب بشدة سرور، لحلية الأولياء ٧٦٣ ـامـ مراقبة الله وغلبة نشاط، وسخاء نفس، مع إشفاق لا يفارقه . ولن تكاد أن تخلو قلوب المراقبين من ذكر اطلاع الرقيب بشدة حذر من قلوبهم: أن يراهم غافلين عن مراقبته؛ والمراقبة: ثلاث خلال، في ثلاثة أحوال؛ أولها : التثبت بالحذر، قبل العمل بما أوجب الله، والترك لما نهى الله عنه، مخافة الخطأ؛ فإذا تبين له الصواب: بالمبادرة إلى العمل بما أوجب الله، والترك لما نهى الله، مخافة التفريط؛ فإذا دخل في العمل: فالتكميل للعمل، مخافة التقصير، فمن لم يثبت قبل العمل مخافة الخطأ، فغير .مراقب لمن يعمل له إذا كان لا يأمن، من أن يعمل على غير ما أحب، وأمر به؛ ومن لم یبادر ویسارع إلى عمل ما يحب، بعدما تبين له الصواب: فما راقب إذا بطأ عن العمل، لمحبة من يراقبه، إذ يراه متثبطًا عن القيام بما أمر به؛ ومن لم يجتهد في تكميل عمله: فضعيف، مقصر في مراقبة من يراقبه: إذا قصر عن إحكام العمل لمن يعمل، وقد علم أن الله جل ثناؤه یحب تکمیله وإحكامه. وقال: سبع خلال يكمل لها عمل المريد، وحكمته: حضور العقل، ونفاذ الفطنة، وسعة العمل بغير غلط، وقهر العقل للهوى، وعظم الهم: كيف يرضي الرب تعالى؟ والتثبت قبل القول والعمل، وشدة الحذر للآفات التي تشوب الطاعات. وأقل المريدين غفلة: أدومهم مراقبة، مع تعظيم الرقيب؛ والدليل على صدق المراقبة بإجلال الرقيب: شدة العناية بالفطنة لدواعي العقل من دواعي الهوى، والتثبت بالنظر بنور العلم، والتمييز بين الطاعة، وما شابهها من الآفات؛ وقوة العزم على تكميل المراقبة في الحظوة، في عين المليك المطلع؛ وشدة الفزع مما يكره خوف المقت. والدليل على قوة الخوف: شدة الإشفاق مما مضى من السيئات: أن لا تغفر، وما تقدم من الإحسان: أن لا يقبل؛ ودوام الحذر فيما يستقبل: أن لا يسلم، وعظم الهم من عظيم الرغبة، وعظيم الرغبة من كبر المعرفة، بعظيم قدر المرغوب فيه وإليه. وسمو الهمة: يخفف التعب والنصب، ويهون الشدائد في طلب الرضوان، ويستقل معه بذل المجهود بعظيم ما ارتفع إليه الهم. والنشاط بالدوب: دائم، والسرور بالمناجاة: هائج، والصبر: زمام النفس عن المهالك، وإمساك لها على النجاة. فاليقين: راحة للقلوب من هموم الدنيا، وكاسب لمنافع الدين كلها؛ وحسن الأدب: زين للعالم، وستر للجاهل؛ من قصر أمله: حذر الموت، ومن حذر الموت: خاف الفوت؛ ومن خاف المروءة ٧٦٤ التهذيب الموضوعي الفوت: قطع الشوق؛ ومن قطع الشوق: الإشفاق من رد الإحسان. [٩٣/١٠ - ٩٥] بادر قبل زوال إمكان الظفر. فاجعل التيقظ واعظك، والتثبت وكيلك، والحذر منبهك، والمعرفة دليلك، والعلم قائدك، والصبر زمامك، والفزع إلى الله ګ عونك؛ ومن لم توسعه الدنيا غنى، ولا رفعة أهلها شرفًا، ولا الفقر فيها صفة، فقد ارتفعت همته، وعزفت عن الدنيا نفسه؛ من كانت نعمته: السلامة من الآثام، ورغب إلى الله في حوادث فوائد لمريد نقل عن الدنيا بقلبه. ومن اشتد تفقده ما يضره في دينه، وينفعه في آخرته، وذكر اطلاع الله إليه، ومثل عظيم هول المطلع، وأشفق مما يأتي به الخير؛ فقد صدق الله في معاملته، وحقق استعمال ما عرفه ربه. ومن قدم العزم لله على العمل بمحبته، ووفاءً لله بعزمه، وجانب ما يعترض بقلبه من خطرات السوء ونوازع الفتن، فقد حقق ما علم، وراقب الله في أحواله. كهف المريد، وحرزه التقوى، والاستعداد عونه وجنته التي يدفع بها آفات العوارض، وسور النوازل؛ والحذر يورثه النجاة والسلامة، والصبر يورثه: الرغبة والرهبة؛ وذكر كثرة سوالف الذنوب، يورثه شدة الغم، وطول الحزن، وعظم معرفته بكثرة آفات العوارض فى الطاعات، تورثه شدة * عن محمد بن علي الترمذي قال: اجعل مراقبتك: لمن لا يغيب عن نظره إليك، واجعل شكرك: لمن لا تنقطع نعمه عنك، واجعل خضوعك: لمن لا تخرج عن ملكه وسلطانه. [٢٣٥/١٠] * سئل عبد الله بن فاتك عن المراقبة فقال: إذا كنت غافلًا: فانظر نظر الله إليك؛ وإذا كنت قائلًا: فانظر سمع الله إليك، وإذا كنت ساكتًا: فانظر علم الله فيك؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّنِى مَعَكُمَاً أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦]. [٣٥٨/١٠] المروءة * عن الحارث قال: سأل علي ابنه الحسن عن أشياء من أمر المروءة. فقال: يا بني، ما السداد؟ قال: يا أبت، السداد: دفع المنكر بالمعروف. قال: فما الشرف؟ قال: اصطناع العشيرة، وحمل الجريرة. قال: فما المروءة؟ قال: العفاف، وإصلاح المال. قال: فما الرأفة؟ قال: النظر في اليسير، ومنع الحقير. قال: فما اللؤم؟ قال: إحراز المرء نفسه، وبذله عرسه. قال: فما السماح؟ قال: البذل في العسر واليسر. : . لحلية الأولياء ٧٦٥ المروءة قال: فما الشح؟ قال: أن ترى ما في يديك شرفًا، وما أنفقته تلفًا . قال: فما الإخاء؟ قال: المواساة في الشدة والرخاء. قال: فما الجبن؟ قال: الجرأة على الصديق، والنكول عن العدو. قال: فما الغنيمة؟ قال: الرغبة في التقوى، والزهادة في الدنيا: هي الغنيمة الباردة. قال: فما الحلم؟ قال: كظم الغيظ، وملك النفس . قال: فما الغنى؟ قال: رضا النفس بما قسم الله تعالى لها، وإن قلّ، وإنما الغنى غنى النفس. قال: فما الفقر؟ قال: شره النفس في كل شيء. قال: فما المنعة؟ قال: شدة البأس، ومنازعة أعزاء الناس. قال: فما الذل؟ قال: الفزع عند المصدوقة . ٠٠ قال: فما العي؟ قال: العبث باللحية، وكثرة البزق عند المخاطبة. قال: فما الجرأة؟ قال: موافقة الأقران. قال: فما الكلفة؟ قال: كلامك فيما لا يعنيك . قال: فما المجد؟ قال: أن تعطي في الغرم، وتعفو عن الجرم. قال: فما العقل؟ قال: حفظ القلب كلما استوعيته. قال: فما الخرق؟ قال: معاداتك إمامك، ورفعك عليه كلامك. قال: فما السناء؟ قال: إتيان الجميل، وترك القبيح. قال: فما الحزم؟ قال: طول الأناة، والرفق بالولاة. قال: فما السفه؟ قال: اتباع الدناة، ومصاحبة الغواة. قال: فما الغفلة؟ قال: تركك المجد، وطاعتك المفسد. قال: فما الحرمان؟ قال: تركك حظك، وقد عرض علیك. قال: فما السيد؟ قال: الأحمق في ماله، والمتهاون في عرضه: يشتم، فلا يجيب؛ والمتحزن بأمر عشيرته هو السيد. فقال علي: سمعت رسول الله وله يقول: ((لا فقر أشد من الجهل، ولا مال أعود من العقل)). [٣٥/٢ - ٣٦] * عن يونس بن عبيد قال: سأل ابن زياد رجلًا من أبناء الدهاقين: ما المروءة فيكم؟ قال: أربع خصال: قال: أن يعتزل الريبة، فلا يكون في شيء منها؛ فإذا كان مريبًا: كان ذليلًا . وأن يصلح ماله: فلا يفسده؛ فإنه من أفسد ماله: لم تكن له مروءة. المروءة ٧٦٦ التهذيب الموضوعي وأن يقوم لأهله بما يحتاجون إليه، فيكم؟ قالوا: العفاف في الدين، حتى يستغنوا به عن غيره؛ فإن من احتاج والإصلاح في المعيشة؛ فقال معاوية: أهله إلى الناس: لم تكن له مروءة. وأن ينظر ما يوافقه من الطعام والشراب، فيلزمه؛ فإن ذلك من المروءة؛ ومشربه. [٢٢/٣] * عن جنيد قال: أتيت داود الطائي، فإذا قرحة قد خرجت على لسانه؛ قال: فبططتها، قال: فأخرجت قليل دواء، فوضعته في خرقة؛ فقلت: إذا كان الليل، فضعه عليها؛ قال: فقال: ارفع ذلك اللبد؛ قال: فرفعت، فإذا دينار؛ قال: خذه؛ قلت: يا أبا سليمان، ليس هذا ثمن هذا، إنما ثمن هذا: دانق؛ قال: فوضعت الدواء في کوة وخرجت؛ ثم عدت بعد يومين، فإذا الدواء على حاله؛ قلت: يا أبا سليمان، سبحان الله لِمَ لَمْ تعالج بهذا الدواء؟ فقال: إن أنت لم تأخذ الدینار، لم أمسه؛ وقال الرباطي: إن لم تأخذه، لم نعالجه. [٧ /٣٥٤] * عن أبي سعيد السكري قال: احتجم داود الطائي، فدفع دينارًا إلى الحجام؛ فقيل له: هذا إسراف؛ فقال: لا عبادة لمن لا مروءة له. [٧ / ٣٥٤] * عن عبد الله بن المبارك، عمن أخبره، قال: قدم وفد من وفود العرب على معاوية؛ فقال لهم: ما تعدون المروءة اسمع يا يزيد. [١٧٠/٨ - ١٧١] * قال الفضيل بن عياض: لا تكمل مروءة الرجل، حتى يسلم منه عدوه؛ كيف، وأن لا يخلط على نفسه في مطعمه والآن لا يسلم منه صديقه؟. [٣٤١/٨] * عن أحمد بن روح الزعفراني قال: كنت مع يحيى بن معين في جنازة؛ فقال له رجل: يا أبا زكريا، ما تقول في الشافعي؟ قال: دع هذا عنك، لو كان الكذب له مطلقًا، لكانت مروءته تمنعه أن يكذب. [٩ / ٩٧] * قال الشافعي: لو علمت أن الماء البارد ينقص من مروءتي، ما شربته. [٩/ ١٢٤] * عن الربيع قال: سأل رجل الشافعي عن سنه؛ فقال: ليس من المروءة: أن يخبر الرجل بسنه؛ سأل رجل مالكًا عن سنه، فقال: أقبل على شأنك. [١٢٩/٩] * عن الشافعي قال: العلم مروءة من لا مروءة له. [٩ / ١٤٠] * قال الجنيد بن محمد: المروءة امتحان ذلل الإخوان. [٢٦٨/١٠] * عن محمد بن عليان قال: المروءة: حفظ الدين، وصيانة النفس، وحفظ حرمات المؤمنين، والجود بالموجود، وقصور الرؤية عنك، وعن جميع أفعالك. [٣٧٦/١٠] * سئل أبو الحسن البوسنجي عن المروءة فقال: ترك استعمال ما هو محرم . لحلية الأولياء ٧٦٧ المريض عليك، مع إكرام الكاتبين. [٣٧٩/١٠] المريض إذا برئ؛ قيل: ليهنك الطهر. [٢٩٤/٢] * عن علي بن الحسين قال: إن الجسد إذا لم يمرض: أشر، ولا خير في جسد يأشر. [٣ / ١٣٤] * قال مجاهد: ما من مرض يمرضه العبد، إلا رسول ملك الموت عنده؛ حتى إذا كان آخر مرض يمرضه، أتاه ملك الموت، فقال: أتاك رسول بعد رسول، فلم تعبأ به؛ وقد أتاك رسول يقطع أثرك من الدنيا. [٢٩١/٣] أمرض بلا عواد. [٩٦/٨] * وقال الفضي: إنما جعلت العلل: ليؤدب بها العباد، ليس كل من مرض مات. [١٠٨/٨] * عن أبي الربيع سليمان بن داود قال: كان الشافعي إذا حدث، كأنما يقرأ سورة شديدًا؛ فقال: اللهم، إن كان هذا لك رضی: فزد؛ فبلغ ذلك إدریس بن یحیی الخولاني، فبعث إليه: يا أبا عبد الله، لست أنا، ولا أنت من رجال البلاء؛ قال: فبعث إليه: يا أبا عمرو، ادع الله لي بالعافية. [١٣٥/٩] * عن الشافعي قال: لم أر أنفع للوباء من التسبيح. [١٣٦/٩] * عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: * عن مسلم بن يسار قال: كان أحدهم قال لي أبي تَّتُهُ، في مرضه الذي توفي فيه، وذكر في شهر ربيع الآخر، سنة إحدى وأربعين ومائتين: أخرج كتاب عبد الله بن إدريس، فأخرجت الكتاب؛ فقال: أخرج أحاديث ليث، قال: قلت لطلحة: إن طاووسًا كان يكره الأنين في المرض، ما سمح له أنين حتى مات، ◌َّتُهُ؛ فقرأت الحديث على أبي؛ فما سمعت أبي أَنَّ في مرضه ذلك، إلى أن توفي، كَّتُهُ. [٩ / ١٨٣] * قال أحمد بن أبي الحواري: سمعت * قال فضيل بن عياض: أشتهي أن عتبة بن أبي السائب يقول: ثلاث هن أخذة للمتعبد: المرض، والحج، والتزويج؛ فمن ثبت بعدهن، فقد ثبت. [٧/١٠] * عن جابر قال: قال رسول الله تليفون: ((لا تكرهوا مرضاكم على الطعام والشراب، فإن ربهم يطعمهم ويسقيهم)). [٥١/١٠] * عن أنس بن مالك قال: عرق النساء من القرآن، وكان فصيحًا؛ فمرض مرضًا تأخذ إلية كبش عربي، لا عظيمه، ولا صغيره؛ فتشرح، وتذاب، وتجزأ ثلاثة أجزاء، ثم تشرب كل غذاة على ريق النفس: الثلث؛ قال أنس: فلقد نعت لأكثر من مائة، ممن به عرق النساء فبرئ. كذا رواه يزيد عن هشام موقوفًا، ورواه أبو أسامة عن هشام مرفوعًا. [٢٧٦/٦] ---- - - المزاح وآدابه وجملة من الطرائف ٧٦٨ التهذيب الموضوعي قال أبو الدرداء: ثلاث أحبهن، ويكرههن الناس: الفقر، والمرض، والموت. [٢١٧/١] المزاح وآدابه وجملة من الطرائف * كان ابن سيرين يمازح أصحابه، ويقول: مرحبًا بالمدرفشين - يعني: أنكم: تشهدون الجنائز، وتحملون الموتى .. [٢ /٢٧٤] * عن جويرية قال: قلت لمحمد بن سيرين: إني اشتريت جارية عظيمة الشفة؛ فقال: ذاك أوثر لقبلتها. [٢ /٢٧٥] * عن قرة بن خالد قال: قلت لمحمد بن سيرين: هل كانوا يمازحون؟ فقال: ما كانوا إلا كالناس؛ كان ابن عمر يمزح، وينشد الشعر، ويقول: يحب الخمر من كيس الندامى ويكره أن تفارقه الفلوس [٢٧٥/٢] * عن أبي بكر بن شعيب قال: كنت عند محمد بن سيرين، فجاءه إنسان، فسأله عن شيء من الشعر، وذاك قبل صلاة العصر؛ فأنشد هذه الأبيات: كأن المدامة والزنجبيل وريح الخزامى وذوب العسل يعدل به برد أنيابها إذا النجم وسط السماء اعتدل ثم دخل في الصلاة. [٢٧٥/٢] * عن يحيى بن خليف بن عقبة عن أبيه، قال: سئل محمد بن سيرين: أينشد الرجل الشعر، وهو على وضوء؟ فقال: نبئت أن فتاة كنت أخطبها عرقوبها مثل شهر الصوم في الطول أسنانها مائة أو زدن واحدة وسائر الخلق منها بعد ممطول ثم قال: الله أكبر. [٢٧٥/٢] * عن كثير بن عبد الله الأيلي أبي هاشم قال: كنا عند الحسن، وعنده ابن سيرين، فدخل رجلان؛ فقالا : جئناك نسألك عن شيء؛ فقال: سلوني عما بدا لكم؛ قالوا: لك علم بالجن الذين بايعوا رسول الله صل، هل بقي منهم أحد؟ فتبسم الحسن، وقال: ما كنت أظن أن أحدًا يسألني عن هذا، ولكن: عليكم بأبي رجاء العطاردي. [٣٠٤/٢] * مزح الشعبي في بيته؛ فقيل له: يا أبا عمرو، وتمزح؟ قال: قراء داخل، وقراء خارج، نموت من الغم؟. [٣٢٤/٤] * عن عمر الحنظلي قال: جاء سفيان بن سعيد إلى الأعمش، فسلم عليه؛ فقال الأعمش: كيف أنت يا أبا عبد الله؟ كيف الكاركاه؟ بلغني أنه عامر - وكان في أول ما أخذ سفيان في الحديث -؛ فقال له سفيان: لا تدع المزاح يا أبا محمد على حال، قال: ما جاء بك؟ قال: حديث بلغني أنك تحدث ٠ - لحلية الأولياء ٧٦٩ المسابقة الثقافية - المسابقة إلى الخيرات به، لا تزال تجيء بالشيء، فقال فقال: اسكتوا، إني أكره أن يعصى الله فيّ، وفيكم. [٩/٨] الأعمش: ما هو؟ فقال: قلت: إن ابن عمر قَبِل هدايا المختار؛ فقال: أما سمعت هذا بعد؟ قال: لا؛ فقال له الأعمش: ثنا حبيب بن أبي ثابت، قال: رأيت هدايا المختار تأتي ابن عباس وابن عمر، فيقبلانها. [٥٤/٥] * عن سفيان قال: جاء شبيب بن شيبة وأصحاب له إلى الأعمش، فنادوه على بابه: يا سليمان، اخرج إلينا؛ فقال الأعمش من داخل: من أنتم؟ قالوا: نحن من الذين ينادونك من وراء الحجرات؛ فقال الأعمش من داخل: أكثرهم لا يعقلون. [٥٤/٥] * عن إسماعيل بن عبيد الله يحدث قال: قال لي عمر بن عبد العزيز: يا إسماعيل، كم أتت عليك من سنة؟ قال: ستون سنة وشهور؛ قال: يا إسماعيل، إياك والمزاح. [٣٤٢/٥] * عن مالك بن أنس قال: قال رجل، ما كنت لاعبًا، فلا تلعبن بدينك. [٣٢٠/٦] المسابقة الثقافية * عن الحميدي قال: ربما ألقى الشافعي علي وعلى ابنه عثمان المسألة؛ فيقول: أيكم أصاب، فله دينار. [١١٩/٩] المسابقة إلى الخيرات * عن زيد بن أرقم عن أبيه، قال: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يقول: أمرنا رسول الله وَلي أن نتصدق، ووافق ذلك مال عندي، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يومًا؛ قال: فجئت بنصف مالي؛ قال: فقال لي رسول الله وسلم: ((ما أبقيت لأهلك؟)) قال: فقلت: مثله؛ وأتى أبو بكر بكل ما عنده؛ فقال له رسول الله وسلم: ((ما أبقيت لأهلك؟)) قال: أبقيت لهم الله ورسوله؛ قلت: لا أسابقك إلى شيء أبدًا. [٣٢/١] * عن علقمة قال: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب؛ فقال: إني جئتك من عند رجل يمل المصحف عن ظهر قلب، * عن عيسى بن حازم قال: كنا مع إبراهيم بن أدهم في بيت، ومعه أصحاب له، فأتوا ببطيخ، فجعلوا يأكلون، ويمزحون، ويترامون بينهم؛ فدق رجل الباب، فقال لهم إبراهيم: لا يتحركن أحد، قالوا: يا أبا إسحاق، تعلمنا الرياء؟ ففزع عمر وغضب، وقال: ويحك، انظر ما تقول؛ قال: ما جئتك إلا بالحق؛ قال: من هو؟ قال: عبد الله بن مسعود؛ قال: ما أعلم أحدًا أحق بذلك منه، وسأحدثك عن عبد الله: إنا سمرنا ليلة في نفعل في السر شيئًا لا نفعله في العلانية؟ بيت عند أبي بكر، في بعض ما يكون من المساجد: آداب وأحكام ٧٧٠ التهذيب الموضوعي يمشي بيني وبين أبي بكر؛ فلما انتهينا إلى المسجد: إذا رجل يقرأ، فقام النبي وَل يستمع إليه؛ فقلت: يا رسول الله، أعتمت؟ فغمزني بيده: اسكت؛ قال: فقرأ، وركع، وسجد، وجلس يدعو، ويستغفر؛ فقال النبي ◌َّلقر: ((سل تعطه)) ثم قال: ((من سره أن يقرأ القرآن رطبًا كما أنزل فليقرأ قراءة ابن أم عبد» فعلمت أنا وصاحبي: أنه عبد الله؛ فلما أصبحت: غدوت إليه لأبشره؛ فقال: سبقك بها أبو بكر؛ وما سابقته إلى خير قط؛ إلا سبقني إليه. [١ / ١٢٤] * عن محمد بن بشير عن المحاربي قال: قال لي سفيان: عمرو بن قيس هو الذي أدبني، وعلمني قراءة القرآن، وعلمني الفرائض؛ فكنت أطلبه في سوقه، فإن لم أجده في سوقه وجدته في بيته؛ إما يصلي، وإما يقرأ في المصحف كأنه يبادر أمورًا تفوته؛ فإن لم أجده في بيته وجدته في بعض مساجد الكوفة، في زاوية من بعض زوايا المسجد، كأنه سارق، قاعدًا يبكي؛ فإن لم أجده وجدته في المقبرة قاعدًا، ينوح على نفسه. [١٠١/٥] * عن خالد بن معدان قال: إذا فُتح لأحدكم باب خير، فليسرع إليه؛ فإنه لا يدري متى يغلق عنه. [٢١١/٥] حاجة النبي بَّة؛ ثم خرجنا ورسول الله وص له عمر بن عبد العزيز لمولاه مزاحم: كم ترانا أصبنا من أموال المؤمنين؟ قال: قلت: يا أمير المؤمنين، أتدري ما عيالك؟ قال: نعم، الله لهم؛ فخرجت من عنده، فلقيت ابنه عبد الملك، فقلت له: هل تدري ما قال أمير المؤمنين؟ قال: وما قال؟ قال: قلت له: هل تدري ما عيالك؟ قال: نعم، الله لهم؛ قال عبد الملك: بئس الوزير أنت يا مزاحم؛ ثم جاء يستأذن على أبيه، فقال للآذن: استأذن لي عليه؛ فقال له الآذن: إنما لأبيك من الليل والنهار هذه الساعة؛ قال: ما بد من لقائه؛ فسمع عمر مقالتهما، قال: من هذا؟ قال الآذن: عبد الملك؛ قال: ائذن له؛ قال: فدخل، فقال: ما جاء بك هذه الساعة؟ قال: شيء ذكره لي مزاحم؛ قال: نعم، فما رأيك؟ قال: رأيي أن تمضيه؛ قال: فإني أروح إلى الصلاة، فأصعد المنبر، فأرده على رؤوس الناس؛ قال: ومن لك أن تعيش إلى الصلاة؟ قال: فمه؟ قال: الساعة؛ قال: فخرج، فنودي في الناس: الصلاة جامعة، فصعد المنبر، فردّه على رؤوس الناس. [٣٥٤/٥ _ ٣٥٥] * قال ذو النون: الكيّس من بادر بعمله، وسوّف بأمله، واستعد لأجله. [٩/ ٣٨٤] المساجد: آداب وأحكام * كان خليد بن عبد الله العصري * عن هشام بن حسان قال: قال يقول: لكل بيت زينة، وزينة المساجد: لحلية الأولياء ٧٧١ المصافحة - المعاتبة رجال يتعاونون على ذكر الله. [٢٣٣/٢] * عن أنس نظّ ◌ُه قال: قال رسول الله وقال: ((أوحى الله تعالى إلى نبي من الأنبياء: ما بال عبادي يدخلون بيوتي - يعني: المساجد - بقلوب غير طاهرة، وأيد غير نقية؛ أَبِي يغترون؟ أو إياي يخادعون؟ وعزتي، وجلالي، وعلوي في ارتفاعي: لأبتلينهم ببلية، أترك الحليم فيهم حيران، لا ينجو منهم: إلا من دعا كدعاء الغريق)). [٤٨/٣] * عن يونس بن أبي إسحاق قال: كان عمرو بن ميمون إذا دخل المسجد: ذكر الله مت. [١٤٨/٤ - ١٤٩] * عن عمرو بن ميمون قال: المساجد بيوت الله، وحق على المزور أن يكرم زائره. [٤ /١٤٩] * عن أبي إدريس الخولاني قال: المساجد: مجالس الكرام. [١٢٣/٥] * عن عبد ربه بن سليمان بن عبد الله بن محیریز، قال: كل كلام في المسجد لغو، إلا كلام ثلاثة: مصلٍّ، أو ذاكر، أو سائل حق أو معطيه. [١٤٣/٥] * عن الأوزاعي: أن عمر كتب: أن امنعوا اليهود والنصارى من دخول مساجد المسلمين؛ وأتبع نهيه قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا اُلْمُشْرِكُونَ نَجَسُ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [التوبة: ٢٨] الآية. [٣٢٥/٥ - ٣٢٦] يمسكون عن ذكر النساء وعن الخنا: في المساجد. [٦ /٧٢] * عن الأوزاعي قال: كان عبدة إذا كان في المسجد: لم يذكر شيئًا من أمر الدنيا. [٦ /١١٤] * عن أبي سعيد الخدري نظرابه قال: قال رسول الله صل: (يقول الله مك يوم القيامة: أين جيراني؟ فتقول الملائكة: ومن ينبغي أن يكون جارك؟ فيقول: عمّار مسجدي)). [٢١٣/١٠] * قال كعب الأحبار: طوبى للذين يجعلون بيوتهم قبلة - يعني: مسجدًا -، قال: والمساجد بيوت المتقين في الأرض، يباهي الله تعالی ملائكته، بالمخفي صلاته، وصيامه، وصدقته. [٣٨٣/٥] المصافحة * عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿آدْفَعْ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت: ٣٤] قال: المصافحة. [٢٩٩/٣] المعاتبة * عن إبراهيم النخعي قال: ما خاصمت أحدًا قط. [٤/ ٢٢٢] * عن أبي سليمان الداراني قال: لا تعاتب أحدًا من الخلق في زماننا؛ فإنك إن عاتبته: أعقبك بأشد مما عاتبته؛ دعه * عن حسان بن عطية قال: كانوا بالأمر الأول، فهو خير له؛ قال أحمد: معرفة الله ٧٧٢ التهذيب الموضوعي فجربت، فوجدته على ما قال. [٢٥٨/٩] معرفة الله * قال أبو بكر الشبلي: من عرف الله: خضع له كل شيء؛ لأنه عاين أثر ملكه. [١٠/ ٣٧٠] * عن أبي العباس القاسم السياري قال: المعرفة حياة القلب بالله، وحياة القلب مع الله؛ ومن عرف الله: خضع له كل شيء، لأنه عاين أثر ملكه فيه؛ ومن حفظ قلبه مع الله بالصدق: أجرى الله على لسانه الحكمة. [٣٨٠/١٠ - ٣٨١] * عن محمد بن يوسف قال: أسباب المعرفة أربعة: حصافة العقل، وكرم الفطنة، ومجالسة أهل الخبرة، وشدة العناية؛ وبسبب هذه الأمور الأربعة: الرحمة؛ ومن أقرب الأمور إلى الرحمة: التبرؤ من الحول والقوة، والمعرفة بأن التبرؤ منه، والمعرفة أيضًا: هبة. ومن أفضل الأشياء: العلم؛ والمبتغى من العلم: نفعه؛ فإذا لم ينفعك: فحمل تمرة، خير لك من حمل ذلك؛ لأن رسول الله * استعاذ منه، فقال: ((أعوذ ما نفع)). والعلم: يصاب من عند المخلوقين، والنفع: لا يصاب إلا بالله ومن عنده؛ ومنفعة العلم طاعته، وطاعته أطعته؛ والذي لا ينفع: هو الذي به عصيته. [٤٠٢/١٠ - ٤٠٣] * عن ابن المبارك قال: أهل الدنيا : خرجوا من الدنيا، قبل أن يتطعموا أطيب ما فيها؛ قيل له: وما أطيب ما فيها؟ قال: المعرفة بالله وَك. [١٦٧/٨] * عن أبي عبد الله الساجي قال: خمس خصال ينبغي للمؤمن أن يعرفها : إحداهن: معرفة الله تعالى، والثانية: معرفة الحق، والثالثة: إخلاص العمل لله، والرابعة: العمل بالسنة، والخامسة: أكل الحلال؛ فإن عرف الله، ولم يعرف الحق: لم ينتفع بالمعرفة؛ وإن عرف، ولم يخلص العمل لله: لم ينتفع بمعرفة الله؛ وإن عرف، ولم يكن على السنة: لم ينفعه؛ وإن عرف، ولم يكن المأكل من حلال: لم ينتفع به بالخمس؛ وإذا كان من حلال: صفا له القلب، فأبصر به أمر الدنيا والآخرة؛ وإن كان من شبهة: اشتبهت عليه الأمور بقدر المأكل؛ وإذا كان من حرام: أظلم عليه أمر الدنيا والآخرة؛ وإن وصفه الناس بالبصر: فهو أعمى، حتى يتوب. [٣١٠/٩] * عن القاسم الجوعي قال: العمل بك من علم لا ينفع)). وقال: ((خير العلم مع المعرفة: خير من كثير العمل بلا معرفة. [٣٢٣/٩] * عن أبي عبد الله الساجي قال: خصال لا يعبد الله بمثلها: لا تسأل منفعته؛ والعلم النافع: هو الذي به إلا الله، ولا ترد شيئًا على الله، ولا تبخل لحلية الأولياء ٧٧٣ مكائد الشيطان - المناظرة وآدابها على الله - يعني: تمسك لله، وتعطي الله -؛ فإنه من عرف الله، فقد بلغ الله. قال: وقال سفيان الثوري: ليس من علامات الهدى شيء، أبين من حب لقاء الله؛ فإذا أحب العبد لقاء الله، فقد تناهى في البر - أي: قد بلغ -. [٣١٣/٩ - ٣١٤] * عن كعب الأحبار قال: من عرف الله بقلبه وحمد الله بلسانه، لم يَفنَ من فيه (١) حتى ينزل الله الزيادة؛ وذلك: لأن الله أسرع بالخير، وأولى بالفضل. [٣٦٥/٥] مكائد الشيطان : عن عثمان بن عطاء قال: سمعت أبي يقول لإبليس: كحل يكحل به الناس؛ فالنوم عن الذكر من كحل إبليس. [١٩٩/٥] الملاهي * عن ميمون بن مهران قال: ما أحب أني أعطيت درهمًا في لهو، وأن لي مكانه ألفًا؛ نخشى من فعل ذلك: أن تصيبه هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهُوَ اُلْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٦] الآية. [٤ / ٨٣] * عن الأعمش قال: مر شريح بقوم وهم يلعبون؛ فقال: ما لكم؟ قالوا: فرغنا يا أبا أمامة؛ قال: ما بهذا أُمر الفارغ. [٤ /١٣٤] (١) يعني ما أن ينتهي من الحمد بلسانه حتى يزيده الله من نعمه. المناظرة وآدابها * عن مكحول قال: اجتمعت أنا والزهري، فتذاكرنا التيمم؛ فقال الزهري: المسح إلى الآباط؛ فقلت: عن من أخذت هذا؟ قال: عن كتاب الله، إن الله تعالى يقول: ﴿فَاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيَدِيَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] فهي يد كلها؛ قلت: فإن الله تعالى يقول: ﴿وَالسََّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَأَقْطَعُوَأْ أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] فمن أين تقطع اليد؟ قال: فخصمته. [١٧٩/٥] * عن الشافعي قال: كنت أطلب الشعر وأنا صغير، وأكتب؛ فبينا أنا أمشي بمكة، أو في ناحية من مكة، إذ سمعت صائحًا يقول: يا محمد بن إدريس، عليك بطلب العلم؛ قال: فالتفت، فلم أر أحدًا، فرجعت؛ فكنت أطلب العلم، وأكتبه على الخرق، وأطرحه في الزير، حتى امتلأ؛ وكنت يتيمًا، ولم يكن لأمي شيء، فولي عم لي ناحية اليمن على القضاء، فخرجت معه؛ فلما قدمت من اليمن، أتيت مسلم بن خالد الزنجي، فسلمت عليه، فلم يرد علي السلام، وقال: أحدهم يجيئنا، حتى إذا ظننا أنه يصلح: أفسد نفسه؛ قال: فسرت إلى سفيان بن عيينة، فسلمت عليه، فرد علي السلام؛ وقال: قد بلغني يا أبا عبد الله ما كنت فيه، وما بلغني إلا خير، فلا تعد؛ قال: ثم خرجت إلى المدينة، فقرأت الموطأ على مالك، ثم خرجت إلى المناظرة وآدابها ٧٧٤ التهذيب الموضوعي العراق، فصرت إلى محمد بن الحسن، فكنت أناظر أصحابه؛ قال: فشكوني إلى محمد بن الحسن، فقالوا: إن هذا الحجازي يعيب علينا قولنا، ويخطئنا؛ فذكر محمد بن الحسن ذلك، فقلت له: إنا كنا لا نعرف إلا التقليد، فلما قدمنا عليكم سمعناكم تقولون: لا تقلدوا، واطلبوا الحق والحجاج؛ فقال لي: فناظرني؛ فقلت: أناظر بعض أصحابك، وأنت تسمع؛ فقال: لا، إلا أنا؛ قال: فقلت: ذلك؛ قال: فتسأل، أو أسأل؟ قلت: ما شئت؛ قال: فما تقول في رجل غصب من رجل عمودًا، فبنى عليه قصرًا، فجاءه مستحق، فاستحقه؟ قلت: يخير بين العمود، وبین قیمته، فإن اختار العمود: هدم القصر، وأخرج العمود، فرده على صاحبه؛ قال: فما تقول في رجل غصب من رجل خشبة، فبنى عليها سفينة، ثم لجَّ بها في البحر، ثم جاء صاحبها فاستحقها؟ قلت: تقدم إلى أقرب المرسيين، فيخير بين القيمة، وبين الخشبة، فإن أخذ قيمتها، وإلا نقض السفينة، ورد الخشبة إلى صاحبها؛ قال: فماذا تقول في رجل غصب من رجل خيط إبريسم، فخاط به خرجه، ثم جاء صاحبه فاستحقه؟ قلت: له قیمته؛ فکېّر، وکبر أصحابه، وقالوا: تركت قولك يا حجازي؛ فقلت له: على رسلك، أرأيت لو أن صاحب القصر أراد ولا يعطيه قيمته، كان للسلطان أن يمنعه من ذلك؟ فقال: لا؛ فقلت: أرأيت إن صاحب السفينة، لو أراد أن ينقض السفينة، ويرد الخشبة إلى صاحبها، أكان للسلطان أن يمنعه؟ قال: لا؛ قلت: أرأيت إن صاحب الخرج، لو أراد أن ينقض خرجه، ويخرج الخيط الذي خاط به الخرج، ويرده على صاحبه، أكان للسلطان أن يمنعه؟ قال: نعم؛ قلت: فكيف تقيس ما هو محظور، بما هو ليس بممنوع؟ [٩ /٧٥ - ٧٦] * وزاد فقلت له: يرحمك الله، فتقيس على مباح بمحرم؟ هذا حرام عليه، وهذا مباح له؟ قال: فكيف صنع بالسفينة؟ قلت: آمره أن يقرب إلى أقرب المراسي إليه مرسى، لا يهلك فيه، ولا أصحابه؛ فأنزع اللوح، وأدفعه إلى أصحابه؛ وأقول له: أصلح سفينتك، واذهب؛ قال: أليس قال ◌َله: ((لا ضرر ولا ضرار؟)) فقلت: من ضاره؟ هو ضار نفسه، وقلت له: ما تقول في رجل غصب من رجل جارية، فأولدها عشرة من الولد، كلهم قد قرأ القرآن، وخطب على المنابر، وقضى بين المسلمين؛ ثم أثبت صاحب الجارية بشاهدين عدلين: أن هذا غصبه هذه الجارية، وأولدها هؤلاء الأولاد؛ بم كنت تحكم؟ قال: أحكم بأولاده أرقاء لصاحب الجارية، وأرد الجارية عليه؛ قال: فقلت: أن يهدم قصره، ويرد العمود إلى صاحبه، نشدتك بالله أيهما أعظم ضررًا: إن رددت لحلية الأولياء ٧٧٥ المناظرة وآدابها أولاده رقيقًا، أو إن قلعت الساجة؟ [٧٦/٩] * كان محمد بن إدريس الشافعي رجلًا شريفًا، وكان يطلب اللغة والعربية، والفصاحة، والشعر في صغره؛ وكان كثيرًا ما يخرج إلى البدو، ويحمل ما فيه من الأدب. فبينا هو ذات يوم في حي من أحياء العرب، إذ جاء إليه رجل بدوي؛ فقال له: ما تقول في امرأة تحيض يومًا، وتطهر يومًا؟ فقال: لا أدري؛ فقال له: يا ابن أخي، الفضيلة أولى بك من النافلة؛ فقال له: إنما أريد هذا لذاك، وعليه قد عزمت، وبالله التوفيق، وبه أستعين. ثم خرج إلى مالك بن أنس، وكان مالك صدوقًا في حديثه، صادقًا في مجلسه، وحيدًا في جلوسه؛ فدخل عليه، وارتفع على أصحابه، فنهره مالك؛ فوجده موقرًا في الأدب، فرفعه على أصحابه، وقدمه عليهم، وقرّبه من نفسه؛ فلم يزل مع مالك، إلى أن توفي مالك كثّتُهُ . ثم خرج إلى اليمن، وقد خرج بها الخارجي على هارون الرشيد، وطعن الشافعي عليه، وأعرض عمن ساعده، ورفع من قعد عنه؛ فبلغ ذلك الخارجي ما يقول فيه، فبعث إليه، فأحضره عنده، وهمّ بقتله؛ فلما سمع كلامه، وتبين له شرفه وفضله وعفته، عفا عنه، وعرض عليه قضاء اليمن، فامتنع من ذلك. ثم أشخص هارون جيشه إلى ذلك الخارجي، فقبض عليه، وحمل إلى بساط السلطان، وحمل معه الشافعي، وأحضرا جميعًا بين يدي الرشيد، فأمر بقتلهما . فقال له الشافعي: يا أمير المؤمنين، إن رأيت أن تسمع كلامي، وتجعل عقوبتك من وراء لساني، ثم تضمني بعد ذلك إلى ما يليق لي من الشدة والرخاء؛ فقال له: هات، فبيّن له القصة، وعرّفه شرفه، وذكر له كلامًا استحسنه هارون، وأمره أن يعيده عليه، فأعاد تلك المعاني بألفاظ أعذب منها . فقال له هارون: كثّر الله في أهل بيتي مثلك - وكان محمد بن الحسن حاضرًا، فلم يقصر، وخلى له السبيل - وسأله محمد بن الحسن، فنزل عليه أيامًا . ثم سأله الشافعي أن يمكّنه من كتبه وكتب أبي حنيفة؛ فأجابه إلى ذلك ثلاث ليال، وكان الشافعي قد استعبد الوراقين؛ فكتبوا له منها ما أراد. ثم خرج إلى الشام، فأقام بها مدة: ينقض أقاويل أبي حنيفة، ويرد عليه، حتى دوّن كلامه، ثم استخار في الرد على مالك، فأري ذلك في المنام، فرد عليه خمسة أجزاء من الكلام أو نحو ذلك. ثم خرج إلى مصر، والدار لمالك وأصحابه يحكمون فيه، ويستسقون بموظّئه؛ فلما عاينوه فرحوا به، فلما 1 المناظرة وآدابها ٧٧٦ التهذيب الموضوعي خالفهم وثبوا عليه، ونالوا منه؛ فبلغ ذلك خبره، ونقطع حجته، ثم تضاعف عليه عقوبة أمير المؤمنين. سلطانهم، فجمعهم بين يديه، فلما سمع كلامه، وتبيّن له فضله عليهم: قدّمه عليهم، وأمره أن يقعد في الجامع، وأمر الحاجب أن لا يحجبه أي وقت جاء؛ فلم يزل أمره يعلو، وأصحابه يتزايدون، إلى أن وردت مسألة من هارون الرشيد، يدعو الناس إليها، وقد استكتمها الفقهاء؛ فأجابوه إلى ذلك، وقبلوها منه طوعًا ومنهم كرهًا؛ فجيء بالمسألة إلى الشافعي، فلما نظر فيها قال: غفل والله أمير المؤمنين عن الحق، وأخطأ المسير عليه بهذا، وحق الله علينا أوجب وأعظم من حق أمير المؤمنين، وهذا خلاف ما كان عليه أصحاب رسول الله وَلات، وخلاف ما اعتقدته الأئمة والخلف؛ فكتب بذلك إلى هارون، فكتب في حمله مقيدًا، فحُمل، حتى أحضر في دار أمير المؤمنين، فأُجلس في بعض الحجر، ثم دخل محمد بن الحسن وبشر المريسي جميعًا . فقال لهما هارون الرشيد: القرشي الذي خالفنا في مسألتنا قد أُحضر في دارنا مقيدًا، فما الذي تقولان في أمره؟ فقال محمد بن الحسن: يا أمير المؤمنين، وقد بلغني أيضًا أنه قد خالف صاحبه، وقد رد عليه وعلى صاحبي أيضًا، وجعل لنفسه مقالة يدعو الناس إليها، ويتشبه بالأئمة؛ فإن رأيت أن تحضره حتى نبلو فدعا به بقيده، فأُحضر بين يدي أمير المؤمنين؛ فسلّم عليه، فلم يرد عليه، وبقي قائمًا طويلًا، لا يؤذن له بالجلوس، وأمير المؤمنين مقبل عليهما دونه؛ ثم أومأ إلیه، فجلس بين الناس. فقال محمد بن الحسن : هات مسألة یا شافعي نتكلم عليها؛ فقال له الشافعي: سلوني عما أحببتم؛ فتجرّد بشر، وقال له: لولا أنك في مجلس أمير المؤمنين وطاعته فرض لننزلن بك ما تستحقه، فليس أنت في كنف العمر، ولا أنت في ذمة العلم، فيليق بك هذا؟ فقال له الشافعي: عض ما أنت، وذا بلغة أهل اليمن؛ فأنشأ يقول: أهابك يا عمرو ما هبتني وخاف بشراك إذا هبتني وتزعم أمي عن أبيه من أولاد حام بها عبتني فأجابه الشافعي، وهو يقول: من هاب الرجال تهيبوه ومن حقر الرجال فلن يهابا من قضت الرجال له حقوقًا ولم يعص الرجال فما أصابا فأجابه بشر، وهو يقول: هذا أوان الحرب فاشتدي زيم فأجابه الشافعي، وهو يقول: لحلية الأولياء ٧٧٧ المناظرة وآدابها سيعلم ما يريد إذا التقينا بشط الراب أي فتى أكون فقال بشر: يا أمير المؤمنين، دعني وإياه؛ فقال له هارون: شأنك وإياه؛ فقال له بشر: أخبرني، ما الدليل على أن الله تعالى واحد؟ فقال الشافعي: يا بشر، ما تدرك من لسان الخواص فأكلمك على لسانهم، إلا أنه لا بد لي أن أجيبك على مقدارك، من حيث أنت الدليل عليه، به، ومنه، وإليه. واختلاف الأصوات في المصوت إذا كان المحرك واحدًا: دليل على أنه واحد. وعدم الضد في الكمال على الدوام: دليل على أنه واحد. وأربع نيرات مختلفات في جسد واحد، متفقات على ترتيبه في استفاضة الهيكل : دليل على أن الله تعالى واحد. وأربع طبائع مختلفات في الخافقين أضداد، غير أشكال مؤلفات على إصلاح الأحوال: دليل على أن الله تعالى واحد. وفي خلق السماوات والأرض بعد موتها، وبث فيها من كل دابة، وتصريف الرياح، والسحاب المسخر بين السماء والأرض، لآيات لقوم يعقلون؛ كل ذلك: دليل على أن الله تعالى واحد لا شريك له . فقال بشر: وما الدليل على أن محمدًا رسول الله؟ قال: القرآن المنزل، وإجماع الناس عليه، والآيات التي لا تليق بأحد، وتقدير المعلوم في کون الإیمان بدلیل واضح: دليل على أنه رسول الله، لا بعده مرسل يعزله؛ وامتحانك إياي بهذين السؤالين، وقصدك إياي بهما دون فنون العلوم: دليل على أنك حائر في الدين، تائه في الله رحمة؛ ولو وسعني السكوت عن جوابك لاخترته؛ وإن قلت أمرًا لي: لا تشمر من سؤاليك هذين؛ لقلت: بعيد من بركات اليقين، وكيف قصرت یدي عنك، لقد وصل لساني إليك. فقال له بشر: ادعيت الإجماع، فهل تعرف شيئًا أجمع الناس عليه؟ قال: نعم، أجمعوا على أن هذا الحاضر أمير المؤمنين، فمن خالفه قُتل؛ فضحك هارون، وأمر بأخذ القيد عن رجليه. قال: ثم انبسط الشافعي في الكلام، فتكلم بكلام حسن، فأعجب به الرشيد، وقرّبه من مجلسه، ورفعه عليهما . قال: ثم غاصا في اللغة - وكان بشر مد بها، حتى خرجا إلى لغة أهل اليمن - فانقطع بشر في مواضع كثيرة؛ فقال محمد بن الحسن لبشر: يا هذا، إن هذا رجل قرشي، واللغة من نسكه، وأنت تتكلفها من غير طبع؛ فدعوني ومالگًا، ودعوا مالكًا معي. قال الشافعي: إن كنت أبا ثور يعقر الحرف. --------- --- - المناظرة وآدابها ٧٧٨ التهذيب الموضوعي فجرى بينهما عشر مسائل، انقطع محمد بن الحسن في خمس منها، حتى أمر هارون الرشيد بجز رجل محمد بن الحسن؛ فأراد الشافعي أن يكافئه لما كان له عليه من اليد، فقال: يا أمير المؤمنين، والله ما رأيت يمنيًا هو أفقه منه، وجعل يمدحه بين يدي أمير المؤمنين، ويفضله؛ فعلم هارون الرشيد ما يريد الشافعي بذلك؛ فخلع عليهما، وحمل كل واحد منهما على مهري قرطاس، يريد بذلك مرضاة الشافعي؛ وخلع على الشافعي خاصة، وأمر له بخمسين ألف درهم؛ فانصرف إلى البيت وليس معه شيء، قد تصدق بجمیع ذلك، ووصل به الناس؛ فقال له هارون الرشيد: أنا أمير المؤمنين، وأنت القدوة؛ فلا يدخل علي أحد من الفقهاء قبلك، فأنشأ محمد بن الحسن يقول : أخذت نارًا بيدي أشعلتها في كبدي فقلت ويحي سيدي قتلت نفسي بيدي [٨١/٩ - ٨٤] * عن عبد الله بن محمد البلوي قال: لما جيء بأبي عبد الله الشافعي إلى العراق، أُدخل إليها ليلًا على بغل قتب، وعليه طيلسان مطبق، وفي رجليه حديد؛ وذاك أنه كان من أصحاب عبد الله بن الحسن. وأصبح الناس في يوم الاثنين، لعشر خلون من شعبان، سنة أربع وثمانين ومائة؛ وكان قد اعتور على هارون الرشيد أبو يوسف القاضي، وكان قاضي القضاة محمد بن الحسن على المظالم؛ فكان الرشيد يصدر عن رأيهما، ويتفقه بقولهما . فسبقا في ذلك اليوم إلى الرشيد، فأخبراه بمكان الشافعي، وانبسطا جميعًا في الكلام. فقال محمد بن الحسن: الحمد لله الذي مكن لك في البلاد، وملكك رقاب العباد، من كل باغ ومعاند إلى يوم المعاد؛ لا زلت مسموعًا لك ومطاعًا؛ فقد علت الدعوة، وظهر أمر الله وهم كارهون؛ وإن جماعة من أصحاب عبد الله بن الحسن اجتمعت، وهم متفرقون، قد أتاك من ينوب عن الجميع، وهو على الباب، يقال له: محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن عبد المطلب بن عبد مناف، يزعم أنه أحق بهذا الأمر منك، وحاش لله؛ ثم إنه يدعي من العلم ما لم يبلغه سنه، ولا يشهد له بذلك قدره؛ وله لسان، ومنطق، ورواء؛ وسيحليك بلسانه، وأنا خائف؛ كفاك الله مهماتك، وأقالك عثراتك؛ ثم أمسك. فأقبل الرشيد على أبي يوسف، فقال: يا يعقوب؛ قال: لبيك يا أمير المؤمنين؛ : لحلية الأولياء ٧٧٩ المناظرة وآدابها قال: أنكرت من مقالة محمد شيئًا؟ فقال له أبو يوسف: محمد صادق فيما قاله، والرجل كما خلق. فقال الرشيد: لا خبر بعد شاهدين، ولا إقرار أبلغ من المحنة، وكفى بالمرء؛ إنما أن يشهد بشهادة يخفيها عن خصمه؛ على رسلكما، لا تبرحا؛ ثم أمر بالشافعي، فأُدخل، فوضع بين يديه بالحديد الذي كان في رجليه؛ فلما استقر به المجلس، ورمى القوم إليه بأبصارهم؛ رمى الشافعي بطرفه نحو أمير المؤمنين، وأشار بكفة كتابه مسلمًا؛ فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته؛ فقال له الرشيد: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، بدأت بسنة لم تؤمر بإقامتها، وزدنا فريضة قامت بذاتها، ومن أعجب العجب أنك تكلمت في مجلسي بغير أمري. فقال له الشافعي: يا أمير المؤمنين، إن الله رَّك وعد الذين آمنوا وعملوا الصالحات: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِ الْأَرْضِ كَمَا اُسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَمْ دِينَهُمُ الَّذِى أَرْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِلَهُ مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنَا﴾ [النور: ٥٥]، وهو الذي إذا وعد وفى؛ فقد مكنني في أرضه، وأمنني بعد خوفي يا أمير المؤمنين. فقال الشافعي: فقد حدثت أنك لا تقتل قومك صبرًا، ولا تزدريهم بهجرتك غدرًا، ولا تكذبهم إذا أقاموا لديك عذرًا . فقال الرشيد: هو كذلك؛ فما عذرك مع ما أرى من حالك، وتسييرك من حجازك إلى عراقنا التي فتحها الله علينا؟ بعد أن بغى صاحبك؛ ثم اتبعه الأرذلون، وأنت رئيسهم؛ فما ينفع لك القول مع إقامة الحجة، ولن تضر الشهادة مع إظهار التوبة . فقال له الشافعي: يا أمير المؤمنين، أما إذا استطلقني الكلام، فلسنا نكلم إلا على العدل والنصفة. فقال له الرشيد: ذلك لك. فقال الشافعي: والله يا أمير المؤمنين، لو اتسع لي الكلام على ما بي: لما شكوت، لكن الكلام مع ثقل الحديد يعور؛ فإن جدت علي بفكه، تركت كسره إياي، وفصحت عن نفسي؛ وإن كانت الأخرى: فيدك العليا، ويدي السفلى، والله غني حمید. فقال الرشيد لغلامه: يا سراح، حل عنه؛ فأخذ ما في قدميه من الحدید. فجثا على ركبته اليسرى، ونصب اليمنى، وابتدر الكلام؛ فقال: والله يا أمير المؤمنين، لأن يحشرني الله تحت فقال له الرشيد: أجل، قد أمّنك الله إن راية عبد الله بن الحسن - وهو ممن قد علمت، لا ينكر عنه اختلاف الأهواء، أمّنتك. المناظرة وآدابها ٧٨٠ التهذيب الموضوعي وتفرق الآراء - أحب إلي وإلى كل مؤمن، من أن يحشرني تحت راية قطري بن كلها حِكَم مفصلة، فيها فرائض ونذر. الفجاءة المازني. وكان الرشيد متكئًا، فاستوى جالسًا؛ وقال: صدقت وبررت، لأن تكون تحت راية رجل من أهل بيت رسول الله وَلـ وأقاربه إذا اختلفت الأهواء، خير من أن يحشرك الله تحت راية خارجي يأخذه الله بغتة؛ فأخبرني يا شافعي: ما حجتك على أن قريشًا كلها أئمة، وأنت منهم؟ قال الشافعي: قد افتريت على الله كذبًا يا أمير المؤمنين أن تطيب نفسي لها، وهذه كلمة ما سبقت بها، والذين حكوها لأمير المؤمنين أبطلوا معانيه، فإن الشهادة لا تجوز إلا كذلك. فنظر أمير المؤمنين إليهما، فلما رآهما لا يتكلمان، علم ما في ذلك، وأمسك عنهما؛ ثم قال له الرشيد: قد صدقت يا ابن إدريس، فكيف بصرك بكتاب الله تعالى؟ فقال له الشافعي: عن أي كتاب الله تسألني؟ فإن الله وَلَ أنزل ثلاثة وسبعين كتابًا على خمسة أنبياء، وأنزل كتابًا موعظة لنبي وحده، وكان سادسًا . وأنزل على إبراهيم عليّل ثماني صحف: وأنزل على موسى عليّلا التوراة: كلها تخويف وموعظة. وأنزل على عيسى ظلَّ الإنجيل: ليبيّن لبني إسرائيل ما اختلفوا فيه من التوراة. وأنزل على داودلئلا كتابًا: كله دعاء، وموعظة لنفسه، حتى يخلصه به من خطيئته؛ وحِكَم فيه لنا، واتعاظ لداود وأقاربه من بعده. وأنزل على محمد بَّر الفرقان: وجمع فيه سائر الكتب، فقال: ﴿ِبِينًا لِكُلِّ شَىْءٍ وَهُدَّى وَرَحْمَةً﴾ [النحل: ٨٩]، ﴿أُحْكِمَتْ ءَايَتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ [هود: ١]. فقال له الرشيد: قد أحسنت في تفصيلك؛ أفكل هذا علمته؟ فقال له: إي والله يا أمير المؤمنين. فقال له الرشيد: قصدي كتاب الله الذي أنزله الله على ابن عمي رسول الله وَقار، الذي دعانا إلى قبوله، وأمرنا بالعمل بمحكمه، والإیمان بمتشابهه. فقال: عن أي آية تسألني؟ عن محکمه، أم عن متشابهه، أم عن تقديمه، أولهم آدم لعلّها، وعليه أنزل ثلاثين أم عن تأخيره، أم عن ناسخه، أم عن منسوخه، أم عن ما ثبت حكمه وارتفعت صحيفة، كلها أمثال. وأنزل على أخنوخ، وهو إدريس ظلّا: تلاوته، أم عن ما ثبتت تلاوته وارتفع ست عشرة صحيفة، كلها حِكَم، وعلم حكمه، أم عن ما ضربه الله مثلًا، أم عن ما ضربه الله اعتبارًا، أم عن ما أحصى فيه الملكوت الأعلى.