Indexed OCR Text

Pages 321-340

- ٣٢١ -
الآخر فما أصنع ؟ قال: نطمسها قال فبدرت نفسى أن تقول أنا فيها فتوقفت
فنوديت تتوكل علينا وتشكر بلاءنا إلى سوانا؟ فسكت ، فمضيا ثم رجعا
ومعهما شىء جعلاه على رأسها غطوها به. فقالت لى نفسى : أمنت طمها
ولکن حصلتمسجونا فيها فمکنت یومی ولیاتی ، فلما كان الغد نادانی شیء
يهتف بى ولا أراه: تمسك بى شديدا، فظنفت أنه جنی فمددت يدى ألمس
ما أريد أن أتمسك به فوقعت يدى على شئ خشن فتمسكت فعلاها وطرحنى
فتأملت فوق الارض فإذا هو سبع، فلما رأيته لحق نفسى من ذلك ما يلحق من
مثله، فهتف بى هاتف: ياأبا حمزة استنقذناك من البلاء بالبلاء وكفيناك ماتخاف
قال الشيخ هذه الحكاية قد تقدمت فيما رويته عن عمرو بن نفيل عن
الشبلى وأعدتها لأن رواية ابن مقسم أعلى
• أخبرنى جعفر بن محمد بن نصير فى كتابه قال: حدثنى أبو بكر الكتانى
قال قال أبوالأزهر وجماعة من إخواننا: اجتمع نفر على باب يفتحونه فلم
ينفتح فقال لهم أبو حمزة: تنحوافأخذ الغلق بيده حركه وقال بكذا إلافتحته
اتفتح. وكان يقول: اللهم إنك تعلم أنى من أفقر خلقك إليك فان كنت أعلم
أن فقرى إليك بمعنى هو غيرك فلا تسد فقرى. وكان يقول: إذا صاح المحب
للدنيا فانما ذاك شيطان بصيح فى جوفه. وحكى لى عبد الواحد بن بكر قال
حدثنى محمد بن عبد العزيز قال سمعت أبا عبد الله الرملى يقول: تكلم أبو حمزة
فى جامع طرسوس فقبلوه فبينا هو ذات يوم يتكلم إذ صاح غراب على سطح
الجامع فزعق أبو حمزة وقال : لبيك لبيك. فنسبوه إلى الزندقة وقالوا: حلولى
زنديق فشهدوا وأخرج وبيع فرسه بالمناداة على باب الجامع : هذا فرس
الزنديق. فذكر أبو عمرو البصرى قال اتبعته والناس وراءه يخرجونه من
باب الشام فرفع رأسه إلى السماء وقال .
لك من قلبى المكان المصون * كل صعب على فيك يهون
* وأخبرنى جعفر بن محمد بن نصير فى كتابه عن أبى بكر الكتانى قال
سمعت أبا حمزة يقول: لولا الغفلة لمات الصديقون من روح ذكر الله. وحكى
(٢١ - حلية- عاشر)

٠ - ٣٢٢ -
عنه خير النساج قال قال أبو حمزة : إنى لأستحى من الله أن أدخل البادية على
شبع وأنا معتقد للتوكل فيكون شبعى زاداً تزودته. وسئل عن الأنس فقال:
ضيق الصدر من معاشرة الخلق. وكان يقول: من استشعر الموت حبب إليه كل
باق وبغض إليه كل فان. ومن استوحش من نفسه أنس قلبه بموافقة مولاه.
وقال لبعض أصحابه: خف سطوة العدل وارج دقة الفضل، ولا تأمن مكره
وإن أنزلك الجنان، ففى الجنة وقع لأبيك آدم عليه السلام ماوقع وقد يقطع
يقوم فيها فيقال لهم ( كلوا واشربوا هنيئاً بما أسلفتم فى الأيام الحالية ) فشغلهم
عنه بالأكل والشرب، ولامكرفوق هذا ولاحسرة أعظم منه . وسئل: أيفزع
المحب إلى شىء سوى محبوبه؟ فقال لا إنه بلاء دائم وسرور منقطع وأوجاع
متصلة لا يعرفها إلا من باشرها وأنعد :
يلاقى الملاقى شجوه دون غيره « وكل بلاء عند لاقيه أوجع
وكان يقول: من نصح لنفسه كرمت عليه ، ومن تشاغل عن نصيحتها هانت.
عليه، ومن خصه الله بنظر شفقة فان تلك النظرة تنزله منازل أهل السعادة،
وتزينه بالصدق ظاهراً وباطنا، والعارف يخاف زوال ما أعطى، والخائف يخاف
نزول ماوعد ، والعارف يدافع عيشه يوما بيوم ويأخذ عيشه ليوم.
٥٩٩ - حسن المسوحى
، ومنهم حسن المسوحى كان من العاملين بالتحقيق والقائمين بالتصديق
أحكم علم الأصول وسهل له سبيل الوصول .
* سمعت أبا عمرو العثمانى وذكر أنه كان يتكلم على الناس ولم يكن يجاوز
علم الأصول فى العبادات والأحوال . وحكى عن الجنيد بن محمد بن مسروق
أنه لم يكن له منزل يأوى إليه . وكان يأوى باب الكناس فى مسجد يكنه من
الحر والبرد. وحكى عنه أنه استلقى يوما فى مسجده فكظه الحر فغلبته عيناه
فرأى كان سقف المسجدانشق فنزلت منه جارية عليها قميص فضة يتخشخش
ولها ذؤابتان ، جلست عند رجلى فقبضت رجلىعنها فمدت يدها ومست
وجلى فقلت لها : ياجارية أنت لمن ؟ قالت: أنا لمن دام على مثل ما أنت عليه .

- ٣٢٣
٦٠٠ -
أبو عبد الله البرانى
﴿ ومنهم أبو عبد الله البرائى صاحب النكت المرضية والأحوال الزكية، من
كبار المشايخ ومتقدمهم.
أخبرنى أبو بكر محمد بن أحمد المفيدفيما كتب إلى وحدثنى عنه العثمانى
ثنا أحمد بن مسروق حدثنى البرجلانى قال سمعت أبا عبد الله البرائى يقول :
حملتنا المطامع على أسوأ الصنائع، تذل لمن لا يقدر لنا على ضر ولا نفع، وتخضع
لمن لا يملك لنا رزقا ولا موتا ولا حياة ولا نشوراً ، فكيف أزعم أنى أعرف
ربى حق معرفته، هيهات هيهات، للمعرفة تحقيق ولكن المؤمن على جملة
معرفة التوحيد. وأهل التحقيق للمعرفة هم المجتهدون المجدون لله فى طاعته .
• أخبرنا محمد فى كتابه ثنا أحمد بن مسروق ثنا محمد بن الحسين حدثنى
حكيم بن جعفر قال سمعت أبا عبدالله البرانى يقول: بالمعرفة هانت على العاملين
عبادتهم، وبالرضا عن تدبيره زهدوا فى الدنيا ورضوالأنفسهم بتدبيره. وكان
يقول: كرمك سيدى أطمعنا فى عفوك، وجودك أطمعنا فى فضلك وذنوبنا تؤيسنا
من ذلك وتأبى قلوبنالمعرفتها بك ان تقطع رجاءها منك، فتفضل بها يا كريم
وجد بعفوك يارحيم. وكان يقول اما بينك وبين ملاقاة السرور ومجالسة الابرار
فى كل لذة وحبور إلا أن تحرج نفسك من بين جنبيك والمولى عنك راض.
ثم يبكى ويقول: وأنى لنا بالرضا ونحن نعلم ما عندنا من الخطايا والآ ثام ثم يبكى.
أبو شعيب البراثى
٦٠١ -
ومنهم أبو شعيب برائى ذو الأحوال العالية من متقدمى شيوخ بغداد.
* أخبرنى جعفر بن محمد بن نصير - فى كتابه - وحدثنى عنه محمد بن
إبراهيم قال سمعت الجنيد بن محمد يقول : كان أبو شعيب البرانى أول من سكن
برانى فى كوخ يتعبد فيه فرت بكوخه جارية من بنات الكبار من أبناء
الدنيا، كانت ربيت فى قصور الملوك فنظرت إلى أبى شعيب فاستحسنت حاله
وما كان عليه، فصارت كالأسير له فعزمت على التجرد عن الدنيا والاتصال

- ٣٢٤ -
بأبى شعيب ، نجاءت إليه وقالت: أريد أن أكون لك خادماً. فقال لها : إن
أردت ذلك فغيرى من هيئتك وتجردى هما أنت فيه حتى تصلحين لما أردت.
فتجردت عن كل ما تملكه ولبست لبسة النساك وحضرته فتزوجها ، فلما دخلت
الكوخ رأت قطعة خصاف وكان يجلس عليها أبو شعيب تقيه من الندى.
فقالت ما أنا بمقيمة فيها حتى تخرج ما تحتك لانى سمعتك تقول: إن الأرض
تقول: ((يا ابن آدم تجعل اليوم بينى وبينك حجابا وأنت غدا فى بطنى))
فما كنت لأجعل بينى وبينها حجابا. فأخذأبو شعيب الخصاف ورمى به فمكثت
معه سنين كثيرة يتعبدان أحسن عبادة وتوفيا على ذلك متعاونين .
بنان البغدادى
٦٠٢ -
ومنهم بنان البغدادى وقيل واسطى سكن مصر ، كان بالمعروف أمارا
وللاديان ذكاراً، أمر أمير مصر ابن طولون بمعروف فوجد عليه فأغراه أبو
عبد الله القاضى عليه حتى ضربه سبع درر و ألقاه إلى السبع قدما على أبى عبيد الله
خمبسه ابن طولون بدل كل درة سنة .
* سمعت محمد بن الحسين بن موسى يقول سمعت الحسين بن أحمد الرازى
يقول سمعت أبا على الروذبارى يقول: كان سبب دخولى مصر حكاية بنان وذلك
أنه أمر ابن طولون بالمعروف فامر أن يلقى بين يدى السبع نجعل السبع
يشمه ولا يضره ، فلما أخرج من بين يدى السبع قيل له : ما الذى كان فى قلبك
حين شمك السبع ؟ قال كنت أتفكر فى اختلاف الناس فى سؤر السباع وأُعَلبها.
واحتال عليه أبو عبيد الله القاضى حتى ضرب سبع درر فقال: حبسك الله بكل
درة سنة ،حبسه ابن طولون سبعسنين .وحکی ابی عن أبى على الروذباری قال
ممعت بنانا يقول : دخلت بادية تبوك فاستوحشت فهتف بى هاتف نقضت
العهد لم تستوحش أليس حبيبك معك؟
سمعت محمد بن الحسين يقول سمعت عبد الله بن على يقول سمعت محمد بن
٠
الفضل يقول سمعت الزبير بن عبد الواحد يقول سمعت بنانا يقول: الحر عبد
ما طمع والعبد حر ما قنع.

- ٣٢٥ -
، سمعت محمد بن الحسين يقول سمعت أحمد بن محمد بن زكريا يقول سمعت
الحسين بن عبد الله القرشى يقول سمعت بنانا يقول: من كان يسره ما يضره
متی یفلح.
سمعت أحمد بن محمر ان الهروى يقول سمعت الرقی يقول سمعت بنانا
*
يقول : إن أفردته بالعبودية أفردك بالعناية والأمربيدك إن نصحت صافوك،
وإن خلطت خلوك . وإن كان رؤية الأسباب على الدوام قاطعة عن مشاهدة
المسبب والاعراض عن الأسباب جملة تؤدى بصاحبه إلى ركوب الفواضل .
أسند الحديث .
* حدثنا محمد بن على بن حبيش ثنا إسحاق بن سلمة الكوفى ثنا بنان
- بمصر - ثنائهد بن الحكم من ولد سعيد بن العاص قال حدثنى محمد بن خفتان
تنايحي بن أبى زائدة عن بنان عن قيس عن أبى بكر قال سمعت النبي صلى الله عليه
وسلم يقول فى سعد: (( اللهم سدد رميته وأجب دعوته)»
* حدثنا محمد بن عبيد الله بن المرزبان ثنا على بن سعيدثنابنان الصوفى
ثنا عبيد الله بن عمرو الجشعى ثنا الوليد بن مسلم ثنا الأوزامى ثنا يحيى بن
أبى كثير قال: ((خطب أبو بكر الصديق فقال: أين الوضأة الحسنة وجوههم
المعجبون بشبابهم أين الذين بنوا المدائن وحصنوها بالحيطان؟ أين الذين
كانوا يعطون الغلبة فى مواطن الحرب: تضعضع بهم الدهرفأصبحوا فى ظلمات
القبور الوحا الوحانم النجاء النجاء »
إبراهيم الخواص
٦٠٣ -
﴿ ومنهم المتبتل المتوكل، قبتل عن الخلق وتوكل على الحق ، أبو إسحاق
إبراهيم بن أحمد الخواص له فى التوكل الحال المشهور والذكر المنشور
سمعت أبا محمد بكر بن أحمد بن المفيد يقول سمعت ابا بكر محمد بن
عبد الله الأنصارى يقول سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن أحمد الخواص يقول:
من لم يصبر لم يظفر ، وإن لا بليس وثاقين ما أو ثق بنو آدم بأوثق منهما: خوف
الفقر والطمع .

- ٣٢٦ -
* وسمعت أبا بكر يقول سمعت محمداً يقول سمعت إبراهيم الخواص يقول:
من صفة الفقير أن تكون أوقاته مستوية فى الانبساط لفقره صائنا له محتاطا
لا تظهر عليه فاقة ولا تبدو منه حاجة ، أقل أخلاقه الصبر والقناعة ، راحته
فى القلة وتعذيبه فى الكثرة، مستوحش من الرفاهات متنعم بالخشونات فهو
بضد مافيه الخليقة برى ماهو عليه معتمده وإليه مستراحه ليس له وقت
معلوم ولا سبب معروف، فلا تراه إلا مسرورا بفقره فرحا بضره، مؤنته على
نفسه ثقيلة وعلى غيره خفيفة یعز الفقر ویعظمه، ويخفیه بجهده ویکتمه ،حتى
عن أشكاله يستره. قد عظمت من الله تعالى عليه فيه المنة ، وجل قدرها فى
قلبه من نعمة فليس يريد بما اختار اللهله بدلا ولا يبغى عنه حولا ، فمن نعونهم
اثنتى عشرة خصلة: أولها أنهم كانوا بوعد الله مطمئنين . والثانية من الخلق
آيسين. والثالثة عداوتهم للشياطين. والرابعة كانوا من حيث الحق فى الاشياء
خارجين . والخامسة كانوا على الخلق مشفقين . والسادسة كانوا لأذى الناس
محتملين . والسابعة كانوا لمواضع العداوة لا يدعون النصيحة لجميع المسلمين .
والثامنة كانوافى مواطن الحق متواضعين . والتاسعة كانوا بمعرفة الله مشتغلين.
والعاشرة كانوا الدهر على طهارة. والحادية عشر كان الفقر رأس مالهم.
والثانية عشر كانوا فى الرضا فيما قل أو كثر وأحبوا أو كرهوا عن الله واحدا.
فهذه جملة من صفانهم يقصر وصف الواصفين عن أسبابهم . وكان يقول :
أربع خصال عزيزة: عالم مستعمل لعلمه. وعارف ينطق عن حقيقة فعله، ورجل
قائم الله بلا سبب، ومريد ذاهب عن الطمع. وقال: الحكمة تنزل من السماء فلا
تسكن قلبافيه أربعة: الركون إلى الدنيا ، وهم غد ، وحب الفضول ، وحسد
أخ . قال: ولا يصح الفقر للفقير حتى تكون فيه خصلتان : إحداهما الثقة بالله،
والأخرى الشكر لله فيما زوى عنه مما ابتلى به غيره من الدنيا . ولا يكمل الفقير
حتى يكون نظر الله له فى المنع أفضل من نظره له فى العطاء . وعلامة صدقه
فى ذلك أن يجد للمنع من الحلاوة ما لا يجد للعطاء، لا يعرفه غير بارئه الذى
خصه بمعرفته وأياديه ، فهو لايرى سوى مليكه ولا يملك إلا ما كان من

- ٣٢٧ -
حلیکه ، فكل شئ له تابع، وكل شىء له خاضع. قال وسمعت أبا إسحاق
يقول : من أراد الله لله بذل له نفسه وأدناه من قربه، ومن أراده لنفسه
أشبعة من جنانه وأرواه من رضوانه . وقال :
عليل ليس يبرئه الدواء * طويل الضر يفنيه الشفاء
سرائره بواد ليس تبدو * خفيات إذا برح الخفاء
* أخبرنى محمد بن نصير فى كتابه وأخبرنى عنه أبو الفضل الطوسى قال :
بت ليلة مع إبراهيم فانتبهت فإذا هو يناجى إلى الصباح وهو يقول
يرح الخفاء وفى التلاقى راحة * هل يشتفى خل بغير خليله
قال وسمعت إبراهيم بن أحمد يقول: من لم تبك الدنيا عليه لم تضحك
الآخرة له .
* سمعت محمد بن أحمد يقول سمعت أبا بكر الأنصارى يقول سمعت
إبراهيم الخواص يقول: علم العبد بقرب قيام الله على العبد يوحشه من الخلق
ويقيم له شاهد الأنس بالله. وعلم العبد بأن الخلق مسلطين مأمورين يزيل عنه
خوفهم ويقيم فى قلبه خوف المسلط لهم .
* سمعت محمد بن الحسين بن موسى يقول سمعت أحمد بن على بن جعفر
يقول سمعت الأزدى يقول سمعت إبراهيم الخواص يقول: دواء القلب خمسة
أشياء: قراءة القرآن بالتدبر، وخلاء البطن ، وقيام الليل ، والتضرع عند
السحر ، ومجالسة الصالحين. وقال إبراهيم: على قدر إعزاز المؤمن لأمر الله
يلبسه الله من عزه ويقيم له العز فى قلوب المؤمنين . فذلك قوله تعالى: (ولله
العزة ولرسوله وللمؤمنين) وقال إبراهيم: عقوبة القلب أشد العقوبات، ومقامها
أعلى المقامات، وكرامتها أفضل الكرامات، وذكرها أشرف الاذكار، وبذكرها
تستجلب الانوار عليها وقع الخطاب وهى المخصوصة بالتنبيه والعقاب .
« سمعت أبا بكر محمد بن أحمد يقول سمعت محمد بن عبيد الله الأنصارى
يقول سمعت إبراهيم بن أحمد الخواص يقول : الفقير يعمل على الأخلاص
وجلاء القلب وحضوره للعمل ، والغنى يعمل على كثرة الوساوس وتفرقة القلب

- ٣٢٨ -
فى مواضع الأعمال. والفقير ضعف بدنه فى العمل قوة معرفته ومحمة تؤكله ،
والفقير يعمل على إدراك حقيقة الايمان وبلوغ ذروته، والغنى يعمل على تقصان
فى إيمانه وضعف من معرفته. والفقير يفتخر بالله عز وجل ويصول به، والغنى
يفتخر بالمال ويصول بالدنيا، والفقير يذهب حيث شاء والغنى مقيد مع ماله ،
والفقير يكره إقبال الدنيا والغنى يحب إقبالها، والفقير فوق ما يقول والغنى
دون مايقول. والناس رجلان رجل وعبد فالرجل مهموم بتدبير نفسه متعوب
بالسعى فى مصلحته، والعبدطرح نفسه فى ظل الربوبية وكان من حيث العبودية،
وعلى قدر حسن قبول العبد عن الله تكون معونة الله له. والمتوكاون الواثقون
بضمانه غابوا عن الاوهام وعيون الناظرين فعظم خطر ما أوصلهم إليه وجل
قدرما حملهم عليه وعظمت منزلتهم لديه . فيا طيب عيش لو عقل وبالذة وصل
لو کشف ويا رفعة قدر لو وصف وفى ذلك يقول .
معطلة أجسامهم لاعيونهم * ترى ما عليهم من قضاياه قديجرى
جوارحهم عن كل لهو وزينة . محجبة ما أن تمر إلى أمر
فهم أمناء الله فى أهل أرضه . ملوك كرام فى البرارى وفى البحر
رؤوسهم مكشوفة فى بلادهم * وهم بصواب الأمر أسبابهم تجرى
عدول ثقات فى جميع صفاتهم * أرق عباد الله مع مصحمة السر
هنيئاً المغبوط يصول بسيد * يعادل قرب الامر والبعد فى الفكر
فيا زلفة للعبد عند مليكه · فصار كن فى المهدربى وفى الحجر
وياحسرة المحجوب عن قدر ربه » بأدناسه فى نفسه وهو لايدرى
قال : والعارف بالله يحمله الله بمعرفته، وسائر الناس تحملهم بطونهم، ومن
فظر الأشياء بعين الفناء کانت راحته فى مفارقتها ولم يأخذ منها إلا لو قته. قال
والرزق ليس فيه توكل إنما فيه صبر حتى يأتى الله به فى وقته الذى وعد، وإنما
يقوى صبر العبد على قدر معرفته بما صبرله أولمن صبر، والصبر ينال بالمعرفة
وعلى الصابر حمل مؤونة الصبر حتى يستحق ثواب الصابرين ، لأن الله تعالى
جعل الجزاء بعد الصبر قال الله تعالى: ( وإذا ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فاتمهن

- ٣٢٩ -
قال إنى جاءلك للناس إماما) فالجزاء إنما وقع له عليه السلام بعد ما أتم حمل
البلوى. قال وسمعت أبا إسحاق يقول: الحركة للخريدين طهارة ولسائر الناس
إباحة، وللمخصوصين عقوبة لهم إذا مالوا إلى ما فيه الحظ لأنفسهم لأن الأسباب
إنما تبطئ على العارفين وتمتنع عن الحركة إليهم لما فيهم من الحركة إليها فإذا
فنيت آثارها تحركت إليهم وأقبل الملك بكليته عليهم . وكفى بالثقة بالله مع صدق
الانقطاع إليه حياطة من العبد لنفسه وأهله وولده. وكل مريد يتوجه إلى
الله وحموم الأرازق قائمة فى قلبه فانه لا يفلح ولا ينفذ فى توجهه . قال وسمعت
أبا إسحاق يقول: علامة حقيقة المعرفة بالقلب خلع الحول والقوة وترك التملك
مع الله فى شئ من ملكه ، ودوام حضور القلب بالحياء من الله وشدة انكسار
القلب من هيبة الله، فهذه الأحوال دلائل المعارف والحقيقة ، فمن لم يكن على
هذه الأحوال فانما هو على الأسماء والصفات. قال وسمعته يقول : التوكل على
ثلاث درجات على الصبر والرضى والمحبة ،لأنه إذا توكل وجب عليه أن يصبر
على توكله بتوكله لمن توكل عليه، وإذا صبر وجب عليه أن يرضى بجميع
ما حكم عليه، وإذا وضى وجب عليه أن يكون محبا لكل ما فعل به موافقة له.
قال الشيخ: كان أبو إسحاق من المحققين فى التوكل المنخلمين من حظوظهم
التاركين لاحكام نفوسهم. فكان الحق يحملهم ويلطفهم بلطائف لطفه . من
ذلك ما أخبرفيه عبد الواحد بن بكر حدثنى محمد بن عبد العزيز قال سمعت
أبا بكر الحربى يقول قلت لابراهيم الخواص: حدثنى بأحسن شئّ مرعليك
فقال: خرجت من مكة عن طريق الجادة واعتقدت فيما بينى وبين الله تعالى
ألا أذوق شيئا أو أنظر إلى القادسية، فلما صرت بالربذة إذا أنا بأعرابى يعدو
وبيده السيف مسلول وبيده الاخرى قعب لبن . فُصاح بى يا إنسان فلم ألتفت
إليه، فاحقنى فقال: اشرب هذا وإلا ضربت عنقك. فقلت: هذا شئ
ليس لى فيه شئّ فأخذت فشربته فلا والله ما عارضنى شيء بعد ذلك إلى أن
بلغت القادسية .
* وفيما حدث به عبد الواحد عن همام بن الحارث قال سمعت إبراهيم

- ٣٣٠ -
الخواص يقول: ركبت البحر وكان معى فى المركب رجل يهودى فتأملته أياما
كثيرة لا أراه يذوق شيئاً ولا يتحرك ولا ينزعج من مكانه ولا يتطهر ولا
يشتغل بشئ وهو ملتف بعباء مطروح فى زاوية ولايفاتح احدا ولا ينطق،
فسألته وكلمته فوجدته مجردامتوكلا يتكلم فيه بأحسن كلام ويأتى بأ كمل بيان.
فلما أنس بى وسكن إلى قال لى: ياأبا إسحاق ان كنت صادقا فيما تدعيه فالبحر
بيننا حتى نعبر إلى الساحل - وكنا فى اللجج - فقلت فى نفسى : واذلاه إن
تأخرت عن هذا الكافر ، فقلت له: قم بناء ذا كان بأسرع بأن زج بنفسه فى
البحر ورميت بنفسى خلفه فعبر ناجميعا إلى الساحل، فلما أن خرجنا قال: يا إبراهيم
نصطحب على شريطة ألا نأوى المساجد ولا البيع ولا الكنائس ولا العمران
فنعرف. فقلت: لك ذلك حتى أتينا مدينة فأقمنا على مزبلة ثلاثة أيام فلما كان
يوم الثالث أتاه كلب فى فمه رغيفان فطرحهما بين يديه والصرف فأكل ولم
يقل لى شيئاً، ثم أتانى شاب ظريف نظيف حسن الوجه والبزة طيب الرائحة
ومعه طعام نظيف فى منديل فوضعه بين يدى وقال لى : كل وغاب عنى فلم
ار له أثرا، فقلت لليهودى: هلم. فلم يفعل ثم أسلم وقال لى: يا إبراهيم أصلنا
صحيح إلا أن الذى لكم أحسن وأصلح وأظرف. وحسن إسلامه وصار أحد
أصحابنا المتحتقين بالتصوف .
* حدثنا عبد الواحد ثنا أحمد بن العلاء قال سمعت محمد بن عبد الله يقول
سمعت إبراهيم الخواص وقد سأله بعض أصحابنا وهو يتأوه: ما هذا التأوه؟
فقال : أوه، كيف يفلح من يسره ما يضره ؛ ثم أنشأ يقول:
تعودت مس الضر حتى ألفته * وأحوجنى طول البلاء إلى الصبر
وقطعت أيامى من الناس آيسا * لعلمى بصنع الله من حيث لا أدرى
وذكر خير النساج قال قال لى إبراهيم الخواص : عطشت عطفا شديداً
بالحاجر فسقطت من شدة العطش ، فإذا أنا بماء قد سقط على وجهى وجدت
برده على فؤاى ففتحت عينى فإذا أنا برجل ما رأيت أحسن منه قط عـ لى
فرس أشهب علیه ٹیاب خضر وعمامة صفراء و بیده قدح-أظنه قال من ذهب

1
- ٣٣١ -
أو من جوهر - فسقانى منه شربة وقال لى: ارتدف خلفى فارتدفت، فلم يبرح
•ن مكانه حتى قال لى: ما ترى؟قلت: المدينة. قال: انزل واقرأعلى رسول الله صلى
الله عليه وسلم السلام وقل له : أخوك رضوان يقرأ عليك السلام.
• يحكى عن أبى إسحاق لطائف من صنع الله للمتحققين المخلصين فى
التوكل اقتصرنا منها على ماذكرنا. ومن وثق بالله وسكن إلى ضمانه فيما ضمن
من الكفاية فالالطاف عنه لا تنقطع، ومواد إنعامه عليه غير ممتنع .
أبو الله عبد خاقان
٦٠٤ -
ومنهم من يسبى بسره الفتيان، ويجذب بدعوته من الأسران إلى
الرجحان وكان ذابيان وبرهان أبو عبد الله خاقان .
* سمعت والدى قال سمعت جعفر الحذاء الشيرازى يقول - وذكر خاقان-
فقال: إنه كان صاحب آيات وكرامات . وذكر أن ابن فضلان الرازى قال :
كان أبى أحد الباعة ببغداد، وكنت على سرير حانوته جالسا فر إنسان
فظنفت أنه من افتراء البغداديين - وأنا حينئذ لم أبلغ الحلم - جذب قلبى
وقمت إليه وسلمت عليه، ومعى دينار فدفعته إليه فتناوله ومضى ولم يقبل
على، فقلت فى نفسى : ضيعت الدينار فانه مهوس، فتبعته حتى انتهى إلى مسجد
الشونيزية ، فرأى فيه ثلاثة من الفقراء فدفع الدينار إلى أحدهم واستقبل
هو القبلة يصلى، فرج الذى أخذ الدينار وأنا أتبعه وراءه أراقبه، فاشترى
طعاما وحمله ، فأ كله الثلاثة، والشيخ مقبل على صلاته يصلى . فلما فرغوا
أقبل عليهم فقال: أتدرون ما حبسنى عنكم ؟ قالوا : لا يا أستاذ. قال : شاب
ناوانى الدينار فكنت أسال الله أن يعتقه من رق الدنيا، وقد فعل . فلم أتمالك
أن قعدت بين يديه وقلت: صدقت يا أستاذ. فلم أرجع إلى والدى إلا بعد
حجتين ، وكان هذا الشيخ خاقان .
ابراهيم المارستانى
٦٠٥ -
* ومنهم المعلم المفهم ، أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد المارستانى.

- ٣٣٢-
كان الجنيد له مواخيا، وعليه عاميا وعانيا. وذلك أن الجنيد بلغه أن بعض
المتأولين زين له تأويلا فمال إليه فكتب إليه الجنيد رسالة :
• أخبرنا بها أبو بكر محمد بن أحمد بن المفيد وحدثنا بها عنه أبو عمرو
العثمانى ثنا عبد الصمد بن محمد الجبلى قال: كتب الجنيد إلى إبراهيم بن أحمد
المارستانى رسالة فيها : ياأبا إسحاق لا ضيع الله ميلى إليك ، ولا إقبالى عليك
أنا عليك عاقب واجد، ولما تقدم من فعلك غير حامد، أرضيت أن تكون
لبعض عبيد الدنيا عبدا ? أويكون بطاعتك له عليك مهيمنا وربا، ينخولك
ببعض ما يعطيك، ويمتهنك بيسير ما يزريك مبتذلا لك ، ثم يدنسك بأوساخ
وضره ويجتذبك بمأثور ضرره ؟ فسبحان من بسط إليك به رحمته ورأفته
فاستنقذك بذلك من وبال ما اخترته لنفسك وملت إليه ، لقد كدت أن تغرق
فى خلجان بحرها، أو تهلك فى بعض مفاوزها. ولقد أوجب على من الشكر
لما جدد من النعمة عليك ووهب لى من السلامة فيك. مالا أقوم به عجزاً
عن واجب حقه إلا أن يقوم به لى منى ، وأنا أسأل المنان المتطول بفضله
المبتدی بکرمه وامتنانه ، أن يقوم لی عنی ما قصر له به شکری ، بادئا فى
ذلك بالحمد والجود كما هو أهله ، بل مالا أحصيه من أسمه ، فليت شعرى
أبا إسحاق كيف معرفتك بما جددلك من نعمه وآلائه، وزوى عنك من عطب
فرط بلائك ، وكيف علمك بعد معرفتك فيما أثرمك المنعم عليك والمنان بفضله
وإحسانه فيما أسدى إليك. ألك ليل ترقده، أم نهار تمهده أم مستراح عن
الجدتجده، أم طعام تعهده، أم سبب من الأسباب دون ذلك تقصده؟ على
أن ذلك غير نائب عنك فى وجوب حق النعمة عليك فيما جدد به من عتيد البر
لديك، لكنه الغاية الممكنة من فعلك، والاجتهاد فى بلوغ الاجرمن عملك،
فكن له بأفضل ما هيألك عاملا، وعليه به فى سائر أوقاتك مقبلا . ثم كن له
بعد ذلك خاضعا مذعنا ضارما معترفا، فان ذلك يسير من كثير وجب له عليك.
وبعد يا أخى محذر ميل التأويل عن الحقائق، وخذ لنفسك بأحكم الوثائق.
فان التأويل كالصفاء الزلال الذى لا تثبت عليه الأقدام، وإنما هلك من

- ٣٣٣ -
هلك من المنسوبين إلى العلم والمشار إليهم بالفضل بالميل إلى خطأ التأويل
واستيلاء ذلك على عقولهم، وهم فى ذلك على وجوه شتى، وإنى أعيذك باله
وأستعينه لك، وأعيذك به من ذلك كله، وأسأله أن يجعل عليك جنة من جنته،
وواقية من واقيته وإحسانه . وبعد يا أخى كيف أنت فى ترك مواصلة من
عرضك للتقصير ودعاك إلى النقص والفتور ؟ وكيف ينبغى أن تكون مبايفتك
له وهجرانك، وكيف إعراض سرك ونبو قلبك وعزوف ضميرك عنه ؟ وحقيق
عليك ما وهبه الله لك وخصك به من العلم الجليل والمعرل الشريف أن تكون
عن المقبلين على الدنيا معرضا، وأن تكون لهم فى بلائهم إلى الله شافعا،
فذلك بعض حقك لك ، وحرى بك أن تكون للمذنبين ذائداً وأن تكون
لهم بفهم الخطاب إلى الله رائدا، وفى استنقاذهم وافدا ، فتلك حقائق العلماء،
وأماكن الحكماء. وأحب الخلق إلى الله أنفعهم لعباده، وأعمهم تهما لجملة خلقه.
جعلنا الله وإياك من أخص من أخلصه بالأخلاص إليه وأقربهم فى محل الزلفى لديه.
* سمعت أبا الحسن بن مقسم يحكى عن أبى محمد الجريرى قال سمعت
أبا إسحاق المارستانى يقول: رأيت الخضر عليه السلام فعلمنى عشر كلات
- وأحصاها بيده - اللهم إنى أسالك الاقبال عليك، والاصغاء إليك، والفهم
عنك ، والبصيرة فى أمرك، والنفاذ فى طاعتك، والمواظبة على إرادتك ،
والمبادرة فى خدمتك، وحسن الأدب فى معا ملتك، والتسليم والتفويض اليك.
أبو جعفر المجذوم
٦٠٦ -
* ومن الأتقياء الابرياء، والضعفاء الاقوياء، الاخفياء الاولياء المجذوم
أبو جعفر . كان مسكينا خاضعا، فكان الحق له معينا صالها .
• سمعت أبا الفضل أحمد بن عمران الهروى يقول سمعت منصور بن عبدالله
يقول سمعت أبا الحسين الدراج يقول: كان يصحبنى كل سنة حججت جماعة
من المشاة من الفقراء وغيرهم - لمعرفتى بالطرق والمياه - فكنت أتولى المقام
بأمرثم فعزمت سنة من السنين أن أحج متفرداً لا يصحبنى أحد ولا أصحب أحداً
تخرجت فدخلت مسجد القادسية فرايت رجلا مجذوما مبتلى فى المحراب مسلم

- ٣٣٤ -
على وقال: ياأبا الحسين عزمت الحج فاجبته مغتاظا عليه فقلت: نعم . فقال
لى : فالصحبة فقات فى نفسى: هربت من الاصحاء الاقوياء ابتلى بمجذوم
مبتلى فقلت: لا. فقال لى: افعل فقلت: والله لا فعلت . فقال لى : يصنع
الله للضعيف حتى يتعجب القوى. فقلت نعم - كالمنكر عليه - فتركته
فصليت العصر ومشيت نحو المغيئة فبلغتها من الغد ضحوة فدخلت مسجدها
فاذا الشيخ جالس فى المحراب فسلم على وقال لى : يا أبا الحسين يصنع الله بالضعيف
حتى يتعجب القوى . فاعترضنى الوسواس فى أمره ولم أجلس وغدوت ماشيا
حتى بلغت القرماء مع الصبح فدخلت المسجد فإذا بالشيخ قاعد فقال لى :
يا أبا الحسين يصنع الله بالضعيف حتى يتعجب القوى . قال : فبادرت إليه
ووقعت على وجهى بين يديه، وقلت: المعذرة إلى الله وإليك . فقال لى :
مالك ؟ قلت: أخطأت. قال: وما هو ؟ قلت ؟ الصحبة قال: قد حلفت
وأ كره أن أحدثك. قلت: فأراك فى كل منزل؟ قال: هذا نعم . قال: فطار عنى
ما كان من التعجب والجزع، وما كان بى إلا أن يجمعنى وإياه المنازل ،
فكنت ألقاه فى المنازل إلى أن بلغت المدينة فغاب عنى فلم أره ، فلما قدمت
مكة ذكرت ذلك لمشايخنا أبى بكر الكتافى وأبى الحسن المزين وغيرهما،
فاستحمقونى وقالوا : ذاك أبو جعفر المجذوم ما منا أحد إلا ويسأل الله رؤيته
ولقاءه منذ كذا. فقلت : قد كان ذاك ، فقالوا : إن لقيته فتلطف له وأعلنا
لعلنا نراه. فقلت : نعم. فطلبته بمنى وعرفات فلم أره ، فلما كان يوم النحر وأنا
أرمى الجمرة جذبنى إنسان وقال: السلام عليك أبا الحسين . فنظرت فإذا هو ،
فلحقنى من رؤيته أن صحت وغشى على وسقطت فذهب، فقصدت مسجد
الخيف وأخبرت أصحابى فعاتبونى . فسكنت أصلى يوم الوداع خلف المقام ركعتين
رافعا يدى لجذبنى إنسان من خافى فالتفت فقال: ياأبا الحسين عزمت عليك
أن لا تصيح. فقلت: نعم، لكن أسالك الدماء لى . فقال: سل ماشئت.
فسألت الله ثلاثا فأمن على دمائى وغاب عنى فلم أره. قال منصور: فسألت
أبا الحسين الدراج عن سؤالاته قال: أحدهما قلت: رب حبب إلى الفقر . فليس

- ٣٣٥ -
شىء أحب إلى منه، والثانى قلت: اللهم لا تجعلنى أبيت عندى ما أدخره لغد،
فانا من تلك السنة أبيت وليس لى شيء أدخره. والثالثة قلت: اللهم إذا
أذنت لأوليائك فى النظر إليك فارزقنى ذلك واجعلنى منهم . فانا أرجو أن
يمن الله على بالثالثة إن شاء الله .
٦٠٧ -
أبو عبد الله المغربى
* ومنهم أبو عبد الله المغربى. كان من المعمرين. صحب على بن رزين،
قيل إنه توفى عن مائة وعشرين سنة وقبره بجبل طور سينا ، عند قبر أستاذه
٥- لى بن رزين . كان من المحققين له النكت الوثيقة والاستغاثة على الطريقة .
* سمعت أبا عبد الله محمد بن أحمد بن دينار الدينورى - بمكة - يقول
سمعت إبراهيم بن شيبان يقول سمعت أبا عبد الله المغربى يقول: أهل الخصوص
مع الله على ثلاث منازل: قوم ضن بهم عن البلاء لكيلا يستغرق البلاء صبر هم
فيكرهون حكمه ويكون فى صدورهم حرج من قضائه . وقوم ضن بهم عن
مجاورة العصاة لتسلم صدورهم للعالم فيستريحون ولا يغتمون. وقوم صب
عليهم البلاء صبا فصبرهم ورضاهم ، فازدادوا بذلك له حبا ورضى بحكمه. وله
عباد منحهم نعما تجدد عليهم وأسبغ عليهم باطن العلم وظاهره وأخمل ذكرهم.
وكان يقول: أفضل الأعمال عمارة الأوقات فى الموافقات . وكان يقول: الفقير
الذى لا يرجع إلى مستند فى الكون غير الالتجاء إلى من إليه فقره ليفنيه
بالاستغناء به كما عززه بالا فتقار اليه . وقال: أعظم الناس ذلا فقير داهن غنيا
أو تواضع له . واعظم الخلق عزاً غنى تذلل لفقير أوحفظ حرمته . وقال :
الراضون بالفقرهم أمناء الله فى أرضه، وحجته على عباده، بهم يدفع البلاء
عن الخلق .
وأنشدنى محمد بن الحسين قال أنشدنى الورثانى لأبى عبد الله المغربى:
امن يعد الوصال ذنبا * كيف اعتذارى من الذنوب
إن كان ذنبى اليك حبى * فاننى منه لا أنوب

- ٣٣٦ -
٦٠٨-
عبد الرحيم بن عبد الملك
ومنهم عبد الرحيم بن عبد الملك : كان من المنحققين الواثقين . محب
المتقدمين من أصحاب السرى وبشر .
* ذكرلى أبو بكر المفيد عن إبراهيم الخواص قال: دخلت مسجد النوبة
فرأيت عبد الرحيم مستنداً إلى سارية ، فقلت للقيم: متى قعد هذا الرجل
ههنا؟ فقال: اليوم ثلاثة أيام قاعداً على ما تراه، لم يخرج ولم يتكلم . فقعدن
بحذائه، فلما أمسينا قلت له: أى شئ تريد حتى أحمله ونا كل ؟ فسكت عنى
فكررت عليه فقال: أريد مصلية معقدة وخبزاً حاراً. تخرجت إلى باب الشام
فطلبت ذلك فلم أجده، فعاقبت نفسى وقلت : يافضول من دعاك إلى أن
تستدعى شهوته؟ لو اشتريت خبزاً وإداءاً وحملت استغنيت عن ذلك. ورجعت
مغتما إلى المسجد ، فاذا رجل يدق باب المسجد فقلت: من ؟ فقال: افتح،
ففتحت فاذا على رأسه زنبيل خطه وقال لى : أسألك أن يأ كل أهل المسجد من
هذ الطعام. فأخرج منه خبزاً حاراً ومصلية معقدة فى قدر ، فبهت وقلت
لامه حتى تخبرنى به . فقال: أنا رجل صانع واشتهيت مصلية معقدة وخبزاً
حاراً فاشتريت اللحم وما يصلحه ، وأمر تهم بطبخه وأن يخبزوا خبزاً حاراً
وجئت العتمة من الدكان . وبعد ما فرغ منه ما كان خبز الخبز، خلفت
بالطلاق أن لا يأكل من هذا الخبز أو المصلية أحد إلا من فى مسجد التوبة،
فأحب أن تأكلوه. قال إبراهيم: فرفعت رأسى وقلت: ياسيدى أنت أردت أن
قطعمه لم غممتنى فى الوسط ؟.
محمد السمين
٦٠٩ -
ومنهم الفاتك الأمين ، القوى المكين، المعروف بمحمد السمين .
أخبر نى جعفر بن محمد فى كتابه وحدثنى عنه محمد بن إبراهيم قال سمعت
الجنيد بن محمد يقول قال محمد السمين: كنت فى وقت من أيامى محمولا أعمل على

- ٣٣٧ -
الشوق وأنا أجد من ذلك وأنا مستقبل، فرج الناس فى غزاة وخرجت معهم
فاشتدت شوكة الروم على المسلمين والنقوا ، ولحق المسلمين من ذلك خوف
لكثرتهم ، فرأيت نفسى مروعاً تضطرب، فكبر ذلك على فوبخت نفسى ألومها
وأقول لها : أين ما كنت تدعينه من الشوق ؟ وأعاتبها أقول لها لما ظفرت
ما كنت تؤملين تغيرت واضطربت ؟ فبينا أنافى عتابى وتوبيخى لها وقع لى
أن أنزل إلى هذا البحر وأغتسل وبحضرتنا نهر من أنهارالروم خلعت ثيابى واتزرت
ودخلت البحر فاغتسلت فاعطيت قوة وذهب عنى الروع والاضطراب بتلك القوة
واشتدت بى العزيمة فرجت ولبست ثيابى وأخذت سلاحى وأتيت الصف حملت
حملة لا أحس من نفسى شيئا، فرقت صفوف المسلمين وصفوف الروم وصرت
من وراء صفوف الروم ، فكبرت تكبيرة فسمع العد و تكبيرتى وقدروا أن
كمينا للمسلمين قد خرج عليهم من ورائهم فولوا منهزمين، وحمل عليهم المسلمون
فقتل منهم نحو أربعة آلاف رجل ، وجعل الله ذلك التكبير سببا للفتح والنصر.
* سمعت محمد بن الحسين بن موسى يقول سمعت محمد بن الحسن البغدادى
يقول سمعت محمد بن عبد الله الفرغانى يقول سمعت مؤملا المغازلى يقول:
كنت أصحب محمد السمين فسافرت معه حتى بلغنا ما بين تكريت وموصل، فبينا
نحن فى برية فسير إذا زار السبع من قريب تجزعت وتغيرت وظهر ذلك على
صفتى ، وهممت أبادر، فضبطنى محمد وقال : يامؤمل ، التوكل ههنا ليس فى
مسجد الجامع .
محمد بن سعيد القرشى
٦١٠ -
ومنهم أبو عبد الله محمد بن سعيد القرشى. ذو البيان الشافى واللسان الموافى.
سمعت أبا عمرو عثمان بن محمد العثمانى يقول قال أبو عبد الله القرشى -فى
كتابه شرح التوحيد فى نعت المتحقق بالله فى وجده به -: إن لله عباداً اختارهم
من خلقه واصطفاهم لنفسه ، وانتخبهم لسره وأطلعهم على غامض وحيه ولطيف
حكمته، ومخزون علمه ، أبانهم عن أو صافهم المنتشئة عن طبائعم ، ولم يردهم
إلى علومهم المردودة إلى استخراجهم بمكرعقولهم، ولم يخرجهم إلى المرسوم من
( ٢٢ - حلية - ماشر )

- ٣٣٨ -
حكمة حكمائهم، بل كان هو لسانهم الذى به ينطقون، وبصر م الذى به يبصرون،
وأسماعهم التى بها يسمعون، وأيديهم التى بها يبشطون، وقلوبهم التى بها
يفكرون، وبه فى جميع أوصافهم يتصرفون . بائن عن الحلول فى ذواتهم
وأبدأ الأشياء فيما بينه وبينهم . قهر كل موجود، وغمر کل محدود ، وأفنى
كل معهود. ظهر لأهل صفوته فلم يعترضهم الشك فى ظهوره، وحققهم به فلم
يطلبوا الادراك فى تحصيله، ألبس حقائقهم لبسة البقاء ، وأشهدهم نفسه بعد
الفناء . فلم يجعل للعلم إلى كيفيته سبيلا، ولا إلى نعت ذلك تمثيلا، بل جعل
فى الأصول وحكم العقول على صحة ذلك علما ودليلا، ليهديه الحق إلى ذى
العقل الأصيل، والسالك فى الوجه الجميل ، وذلك قول السيد الجليل فى ذكره
الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: ( ما زاغ البصر وماطفى)
( وقوله ما كذب الفؤاد ما رأى أفتمارونه على ما يرى ولقد رآه نزلة
أخرى) فقال ابن عباس - وهو من المختصين بالحكمة فى التنزيل - وأسماء
بنت أبى بكر: إن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى ربه . وكذلك رواه أنس
وغيره . وأقول فى ذلك:
لنعت لحاظ العين إن كان لحظها * إلى وصفها حقايليق ويرجع
وأثبت لحظ العين منك بلبسة * إلهية يعنى بها الطبع أجمع
فأشهدنا مالا يحد ظهوره * وليس له علم به اللفظ يصدع
فلم يعترضها الشك فيما تحققت » ولم يبق منها ما يشك ويجزع
كذا من بجمع الحق كان ظهوره * يخلصه من طبعه ثم يجمع
، أخبرنا عبد الواحد بن بكر قال حدثنى أحمد بن سعيد قال سمعت
أبا عبدالله القرشى وسئل عن البكاء الذى يعترى العبد من أى وجه يعتريه أفقال:
الباكى فى بكائه مستريح إلى لقائه، إلا أنه منقطع راجع مما كان بينه وبينه ،
فدخل عليه استراحة وشفاء ثم أنشأ يقول :
بكيت بعين ليس تهدى دموعها * وأسعدها قلب حزين متيم
فنوديت كم تبكى فقلت لأننى * فقدت أوانا كنت فيه أكلم

- ٣٣٩ -
وكان جزائى منكم غير ماأرى * فقد حل بى أمر جليل معظم
فقال كذا من كان فينا بحظه . إذالحظ وصف قد يبيد ويعدم
ولكننا لا نشتكى ضر مابنا. وأستره حتى يبين فيعلم
قال وسمعت أبا عبد الله القرشى وسئل عن شرط الحياء، فقال : شرط
الحياء موافقة من أنت منوط بمعونته، فإذا استولى عليك من مشهد الحياء عين
المشاهدة رجعت إليه به .
على السامرى
٦١١ -
ومنهم القارئ التالى السارى إلى المعالى الموافق للبارى، على بن الحسين
السامری: ثابت فى قصدهواف بعهده
« سمعت محمد بن أحمد بن إبراهيم يقول سمعت جعفربن محمد بن نصير يقول:
ذكر عمر بن ملكان عن أبيه قال: كان بينى وبين على السامرى مؤاخاة ، فلما
قبض كنت أتمنى مدة أن أراه فأعلم حاله عند الله ، فرأيته فى بعض الليالى فى
زينة حسنة وهيئة جميلة وقد غمض إحدى عينيه فقلت له: ياأخى عهدى بك
ولم يكن بعينك بأس ، فارقتنا وعيناك محيحتان فما بال التى أغمضتها ؟ قال :
اعلم أنى كنت فى بعض الليالى أقرأ كتاب الله فمرت بى آية وعيد فأشفقت
هذه - يعنى عينه الناظرة - فبكت، وقنطت هذه فأمسكت ، فلما أفقت عاتبتها
فقلت لها : ما بالك لم تشفتى شفقة أختك هذه؟ وقلت لها فى عتابى لها : وحبى
لمحبوبى لمن أبا حنى منه مناى لأمنعنك مالك منه. فغمضتها عند ذلك وفاء
بما قلت. فقلت له : ياأخى فهل قلت فى ذلك شيئا! فأنشأ يقول:
بكت عينى غداة البين حزنا » وأخرى بالبكا بخلت علينا
الجازيت التى جادت بدمع « بأن أقررتها بالحب عينا
وعاقبت التى بخلت بدمع « بان غمضتها يوم التقينا
٦١٢ -
أبو جعفر الحداد
﴿ ومنهم أبو جعفر الحداد المتشمر فى التزود والاجتهاد ، صحب أباتراب
وأكابر العباد.

- ٣٤٠ -
* أخبرنى عبد الواحد بن بكر ثنا محمد بن عبد العزيز قال حدثنى أبو عبد
الله الحضرمى قال: مكث أبو جعفر الحداد عشرين سنة يعمل فى كل يوم
بدينار وينفقه على الفقراء ويصوم، ثم يخرج من بين الصلاتين - المغرب
والعشاء - فيتصدق ما يفطر عليه من الأبواب . وكان يقول: الفراسة هى أول
خاطر فلا معارض، فان اعترض فيها معارض بشىء يزيل المعنى فليست بفراسة ،
فان ذلك خاطر أو محادثة النفس . وحكى عنه أحمد بن النعمان أنه قال : كنت
جالساعلى بركة بالبادية فيها ماء وقد مر على ستة عشر يوما لم آكل ولم أشرب،
فانتهى إلى أبو تراب فقال لى : ماجلوسك ههنا ! فقلت: أنا بين المعرفة والعلم
أنتظر ما يغلب على فأكون معه . فقال أبو تراب : سيكون لك شأن. وحكى
عنه أبو الحسين العلوى ، قال قال أبو جعفر: إذا رأيت ضر الفقير على ثوبه
فلا ترج خيره .
٦١٣ -٦١٤ أبو جعفر الكبير وأبو الحسن الصغير
ومنهم المعروفان بالمزينين: الكبير أبو جعفر، والصغير أبو الحسن .
جاورا الحرم سنين عدة، وماتا بمكة، كانا جميعا من الاجتهاد متمتعين،
وبالعبادة متنعمين .
سمعت والدى يقول سمعت أبا جعفر المزين الكبير يقول: سمعت ان
الله لم يرفع المنواضعين بقدر نواضهم ولكن يرفعهم بقدر عظمته، ولم يؤمن
الخائفين بقدر خوفهم ولكن بقدر جوده وكرمه، ولم يفرح المحزونين بقدر
حزنهم ولكن بقدر رأفته ورحمته .
« سمعت أبا جعفر الخياط الاصبهانى - مكة - يقول سمعت أبا جعفر
المزين يقول محنتنا وبلاؤنا صفاتنا ، فمتى فنيت حركات صفاتنا أقبلت
القلوب منقادة للحق منصرفة لحالها.
، سمعت أحمد بن أبى عمران الهروى يقول حكى أبو نصر الهروى قال
سمعت أبا الحسنن المزين الصغير يقول: دخلت البادية على التجريد حافيا حاسراً
وكنت قاعداً على بركة الربذة ، خطر بقلبى أنه مادخل العام البادية أحد أشد