Indexed OCR Text

Pages 1-20

حلية الأولياء
وَطبقات الأصفِيَاء
لِلِحَافِظِ أبي نعيم أحمد بن عَبْد اللّه الأصفهاني
المتوفى سَنة ٤٣٠ هـ
الجِزْءُ الأوَّل
مكتبة الخانجي
القاهرة
دار الفكر
للطباعة والنشر والتوزيع

جميع حقوقٍ إِعَادَة الطَّيَعْ مَحْفُوظَة للنّاشِرُ
١٤١٦ هـ / ١٩٩٦ م
دارزي
الفكر
بَيروت
لبنان
حَارَة حرّكٌ - شارع عبد النّورُ - برقيًا: فكسي - صَربّ: (١١/٧٠٦
تلفون : ٨٣٨٣٠٥ -٨٣٨٢٠٢ - ٨٣٨١٣٦ - فاكس: ٠٠٩٦١١٨٣٧٨٩٨
دَولي: ٠٠٩٦١١٨٦٠٩٦٢ _ دَوَّلِي وَفاكس: ٤٧٨٢٣٠٨ -٢١٢ - ٠٠١

بسم الله الرحمن الرحيم
قال الشيخ الإمام الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن اسحاق
ابن موسى بن مهران الأصبهانی رحمه الله .
الحمد لله محدث الأكوان والأعيان، ومبدع الأركان والأ زمان ، ومنشىء
الألباب والأبدان، ومنتخب الأحباب والخلان ، منور أسرار الأبرار بما
أودعها من البراهين والعرفان ومكدر جنان الأشرار بما حرمهم من البصيرة
والايقان ، المعبر عن معرفته المنطق واللسان، والمترجم عن براهينه الاكف
والبنان، بالموافق للتنزيل والفرقان، والمطابق للدليل والبيان . فألزم الحجة
بالقادة من المرسلين ، وأبهج المنهج بالسادة من المحققين ؛ الذين جعلهم خلفاء
الأنبياء ، وعرفاء الأصفياء . المقربين إلى الرتب الرفيعة ، والمنزهين عن
النسب الوضيعة ، والمؤيدين بالمعرفة والتحقيق ، والمقومين بالمتابعة
والتصديق ، معرفة تعقب لمعرفتهم (١) موافقة، وتوجب لحكم نفوسهم
مفارقة ، وتلزم لخدمة مشهودهم معانقة ، وحقق الشريعة رسولهم مرافقة (٢)
والصلاة على من عنه بلغ وشرع ، وبأمره قام وصدع ، ولمتبعيه غرس وزرع ،
محمد المصطفى المصطنع، وعلى إخوانه (٣) من النبيين والمرسلين، وعلى آه
وصحابته المنتخبين وسلم .
﴿ أما بعد ﴾ أحسن الله توفيقك فقد استعنت بالله عز وجل وأجبتك الى
ما ابتغيت ، من جمع كتاب يتضمن أسامى جماعة وبعض أحاديثهم وكلامهم ؛
-
(١) ز: لمعروفهم. (٢) ز: موافقة (٣) ز: اخوته

-١ -
من أعلام المتحققين من المتصوفة وأئمتهم ، وترتيب طبقاتهم من النساك
ومحجتهم، من قرن الصحابة والتابعين وتابعيهم ومن بعدهم ؛ ممن عرف الأدلة
والحقائق ، وباشر الأحوال والطرائق، وساكن الرياض والحدائق، وفارق
العوارض والعلائق ، وتبرأ من المتنطعين (١) والمتعمقين ، ومن أهل الدعاوى
من المتسوفين ، ومن الكسالى والمتثبطين ؛ المتشبهين بهم فى اللباس والمقال ،
والمخالفين لهم فى العقيدة والفعال .
وذلك لما بلغك من بسط لساننا ولسان أهل الفقه (٢) والآثار فى كل
القطر والأمصار ، فى المنتسبين اليهم من الفسقة الفجار ، والمباحية والحلولية
الكفار ، وليس ما حل بالكذبة من الوقيعة والإنكار ، بقادح فى منقبة
البررة الأخيار"، وواضع من درجة الصفوة الابرار، بل فى إظهار البراءة من
الكذابين والنكير على الخونة الباطلين نزاهة للصادقين ورفعة للمتحققين.
ولو لم تكشف عن مخازى المبطلين ومساويهم ديانة ، للزمنا إبانتها وإشاعتها
حمية وصيانة ، إذ لأسلافنا فى التصوف العلم المنشور ، والصيت والذكر
المشهور. فقد كان جدى محمد بن يوسف البنا رحمه الله أحد من نشر الله
عز وجل به ذكر بعض المنقطعين إليه ، وعمر به أحوال كثير من المقبلين عليه.
وكيف نستجيز نقيصة أولياء الله تعالى ومؤذيهم مؤذن بمحاربة الله.
وهو ما * حدثنا إبراهيم بن محمد بن حمزة حدثنا أبو عبيدة محمد بن احمد بن
المؤمل. وحدثما ابراهيم بن عبد الله حدثنا محمد بن اسحاق السراج . قالا :
حدثنا محمد بن اسحاق بن كرامة حدثنا خالد بن مخلد عن سليمان بن بلال عن
شريك بن عبد الله بن أبى نمر عن عطاء عن أبى هريرة رضى الله عنه قال
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله عز وجل قال من آذى لی وليا
فقد آذنته بالحرب وما تقرب إلى عبدى بشىء أفضل من أداء ما افترضت
عليه ، وما يزال عبدى يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه
(١) ح: والمتقنطين (٢) ح: أهل العقد والآثار، والقطر: فى النسختين بالضم:
الناحية ويجمع على أقطار .

- ٥ -
الذى يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التى يبطش بها ورجله التى يمشى
بها، فلئن سألنى عبدى أعطيته، ولئن استعاذنى لأعذته ، وما ترددت عن
شىء أنا فاعله ترددى عن نفس المؤمن يكره الموت وأكره إساءته - أومساءته-))
* حدثنا القاضى أبو أحمد محمد بن أحمد بن إبراهيم حدثنا الحسن بن على بن
نصر قال قرأ على أبى محمد بن المثنى. وحدثنا الحسن بن سلمة بن أبى كبشة أن
أبا عامر العقدى حدثهما قال حدثنا عبد الواحد عن عروة عن عائشة قالت قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم ويروى عن ربه عز وجل: ((قال من آذى لى
وليا فقد استحل محاربتق)) * حدثنا سليمان بن أحمد حدثنا يحي بن أيوب
حدثنا سعيد بن أبى مريم حدثنا نافع بن يزيد حدثنى عياش بن عياش عن
عيسى بن عبد الرحمن عن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر . قال وجد عمر
ابن الخطاب معاذ بن جبل رضى الله عنه قاعداً عند قبر رسول الله صلى الله
عليه وسلم يبكى . فقال : ماییکیك ؟ قال یکین شىء سمعته من رسول الله
صلى الله عليه وسلم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن يسير الرياء
شرك وإن من عادى أولياء الله فقد بارز الله بالمحاربة)).
قال الشيخ رحمه الله: واعلم أن لأولياء الله تعالى نعوتاً ظاهرة ،
وأعلاماً شاهرة ، ينقاد لموالانهم العقلاء والصالحون ويغبطهم بمنزلتهم الشهداء
والنبيون . وهو ما * حدثنا محمد بن جعفر بن ابراهيم حدثنا جعفر بن محمد
الصائغ حدثنا مالك بن اسماعيل وعاصم بن على ، قالا : حدثنا قيس بن الربيع
حدثنا عمارة بن القعقاع عن أبى زرعة عن عمرو بن جرير عن عمر بن الخطاب
قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن من عباد الله لأناسا ماهم بأنبياء
ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانهم من الله عز وجل)).
فقال رجل: من هم وما أعمالهم؟ لعلنا نحبهم. قال: ((قوم يتحابون بروح اللّه
عز وجل من غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها بينهم . والله إن وجوههم
لنور وإنهم لعلى منابر من نور لايخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا
حزن الناس)). ثم قرأ ( ألا إن أولياء الله لاخوف عليهم ولا يحزنون ).

- ٦ -
ومن نعوتهم : أنهم المورثون جلاسهم كامل الذكر ، والمفيدون خلانهم
بشامل البر* حدثنا سليمان بن أحمد حدثنا أحمد بن على الأبار حدثنا الهيثم
ابن خارجة حدثنا رشدين بن سعد عن عبد الله بن الوليد التجيبى عن أبى
منصور(١) مولى الأنصار أنه سمع عمرو بن الجموح يقول إنه سمع رسول الله
صلى الله عليه وسلم. يقول: (( قال الله عز وجل إن أوليائى من عبادى
وأحبائى من خلقى الذين يذكرون بذكرى وأذكر بذكرهم)) * حدثنا أحمد
ابن يعقوب المعدل حدثنا الحسن بن علوية حدثنا اسماعيل بن عيسى حدثنا
الهياج بن بسطام عن مسعر بن كدام عن بكير بن الأُخنس عن سعيد رضى الله
تعالى عنه قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم من أولياء الله ؟ قال :
((الذين إذا رؤا ذكر الله عز وجل)) * حدثنا جعفر بن محمد بن عمر.
وحدثنا أبو حصين القاضى حدثنا يحيى بن عبد الحميد حدثنا داود العطار
عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد. قالت
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ألا أخبركم بخياركم)) قالوا بلى ! قال:
((الذين إذا رؤا ذكر الله عز وجل)).
ومنها : أنهم المسلمون من الفتن الموقون من المحن * حدثنا القاضى أو أحمد
محمد بن أحمد بن إبراهيم حدثنا محمد بن القاسم بن الحجاج حدثنا الحكم بن موسى
حدثنا إسماعيل بن عياش حدثنى مسلم بن عبيد الله نافع عن ابن عمر عن النبى
صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن لله عز وجل ضنائن من عباده يغذيهم
فى رحمته ويحميهم فى عافيته إذا توفاهم إلى جنته أولئك الذين تمر عليهم الفتن
كقطع الليل المظلم وهم منها فى عافية)).
ومنها : أنهم المضرورون فى الأطعمة واللباس ، المبرورة أقسامهم عند
النازلة والباس * حدثنا أبو اسحاق بن حمزة حدثنا أحمد بن شعيب بن يزيد .
وحدثنا إسحاق بن أحمد حدثنا إبراهيم بن يوسف حدثنا محمد بن عزيز
حدثنا سلامة بن روح حدثنا عقيل عن ابن شهاب عن أنس بن مالك . قال قال
(١) ح: عن منصور ولم نقف عليه.

- ٧ -
رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كم من ضعيف متضعف ذى طمرين لو أقسم
على الله لأبره منهم البراء بن مالك)). ثم إن البراء لقى زحفا من المشركين
وقد أوجع المشركون فى المسلمين. فقالوا له: يابراء إن النبى صلى الله عليه وسلم
قال لو أقسمت على ربك لأبرك فأقسم على ربك . فقال: أقسمت عليك
يارب لما منحتنا أكتافهم ، فمنحو أ كتافهم . ثم التقوا على قنطرة السوس
فأوجعوا فى المسلمين ، فقالوا أقسم يابراء على ربك عز وجل ، قال أقسم عليك
يارب لما منحتنا أكتافهم وألحقتنى بنبيك صلى الله عليه وسلم ، فمنحوا
أكتافهم، وقتل البراء شهيدا * حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن حدثنا محمد
ابن نصر الصائغ حدثنا إبراهيم بن حمزة الزبيرى(١) حدثنا ابن أبى حازم عن
کثیر بن زيد عن الوليد بن رباح عن أبى هريرة قال قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: ((رب أشعث ذى طمرين تنبو عنه أعين الناس لو أقسم على الله
عز وجل لأبره)).
/
﴿ قال الشيخ رحمه الله تعالى ومنها: إن ليقينهم تنغلق الصخور ، وبيمينهم
تنفتق البحور * حدثنا سهل بن عبد الله التسترى حدثنا الحسين بن اسحاق
حدثنا داود بن رشيد حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا ابن لهيعة عن عبد الله
ابن هبيرة عن حنش الصنعانى عن عبد الله بن مسعود أنه قرأ فى أذن مبتلى ،
فأناق. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما قرأت فى أذنه؟ قال: مبتلى،
قرأت أنحسبتم أنما خلقناكم عبثاً)) حتى ختم السورة. فقال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: ((لو أن رجلا موقنا قرأها على جبل لزال)) * حدثنا أبو بكر
أحمد بن جعفر بن حمدان حدثنا عبد الله بن احمد بن حنبل حدثنا محمد بن
يزيد الكوفى حدثنا محمد بن فضيل حدثنا الصلت بن مطر عن قدامة بن
حماظة بن أخت سهم بن منجاب(٢). قال سمعت سهم بن منجاب قال غزونا
مع العلاء بن الحضرمى، فسرنا حتى أتينا دارين والبحر بيننا وبينهم فقال :
يا عليم بإحليم ياعلى ياعظيم، إنا عبيدك وفى سبيلك نقاتل عدوك ، اللهم
(١) فى ح الزبيدى وهو خطأ (٢) كذا فى النسختين وفى أسد الغابة سهل بن منجاب التميمى

- ٨ -
فاجعل لنا إليهم سبيلا. فتقحم بنا البحر ، خضنا ما يبلغ لبودنا الماء ، خرجنا
إليهم * حدثنا أبو حامد بن جبلة حدثنا محمد بن اسحاق الثقفى حدثنا يعقوب بن
إبراهيم الوليد بن شجاع قالا حدثنا عبد الله بن بكر عن حاتم بن أبى صغيرة
عن سماك بن حرب عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه قال لقد رأيت فى
العلاء بن الحضرمى رضى الله تعالى عنه ثلاث خصال مامنهن خصلة إلا وهى
أعجب من صاحبتها: انطلقنا نسير حتى قدمنا البحرين، وأقبلنا نسير حتى كنا
على شط البحر . فقال العلاء : سيروا، فأتى البحر فضرب دابته ، فسار وسرنا
معه ما يجاوز ركب دوابنا، فلما رآنا ابن مكعبر ، عامل كسرى ، قال لا والله
لافقابل (١) هؤلاء ، ثم قعد فى سفينة فلحق بفارس.
﴿ قال الشيخ رحمه الله ومنها : أنهم سباق الأمم والقرون، وباخلاصهم
بمطرون وينصرون * حدثنا عبد الله بن جعفر حدثنا اسماعيل بن عبد الله
حدثنا سعيد بن أبى مريم حدثنا يحيى بن أيوب عن ابن مجلان عن عياض بن
عبد الله عن عبد الله بن عمرو عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((لكل
قرن من أمتى سابقون )) * حدثنا سليمان بن أحمد حدثنا محمد بن الخزر الطبرانى
حدثنا سعيد بن أبى زيد (٢) حدثنا عبد الله بن هارون الصورى حدثنا الأوزاعى
عن الزهرى عن نافع عن ابن عمر رضى الله تعالى عنهما. قال قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: (( خيار أستى فى كل قرن خمسمائة، والأبدال أربعون .
فلا الخمسمائة ينقصون ، ولا الأربعون ؛ كما مات رجل أبدل الله عز وجل من
الخمسمائة مكانه، وأدخل من الأربعين مكانهم )) قالوا يارسول الله دلنا على
أعمالهم. قال: (( يعفون عمن ظلمهم ، ويحسنون إلى من أساء إليهم ويتواسون
فيما آتاهم الله عزوجل)) * حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن حدثنا محمد بن السرى
القنطرى حدثنا قيس بن إبراهيم بن قيس السامرى حدثنا عبد الرحمن بن
بحي الأرمنى حدثنا عثمان بن عمارة حدثنا المعافى بن عمران عن سفيان
الثورى عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عبد الله قال قال رسول الله
(١) ز با تقاتل. (٢) ح - زيدون .

- ٩ -
صلى الله عليه وسلم: ((إن لله عز وجل فى الخلق ثلاثمائة قلوبهم على قلب آدم
عليه السلام ، ولله تعالى فى الخلق أربعون قلوبهم على قلب موسى عليه السلام،
والله تعالى فى الخلق سبعة قلوبهم على قلب ابراهيم عليه السلام ، ولله تعالى فى
الخلق خمسة قلوبهم على قلب جبريل عليه السلام ، والله تعالى فى الخلق ثلاثة
قلوبهم على قلب ميكائيل عليه السلام ، ولله تعالى فى الخلق واحد قلبه على قلب
إسرافيل عليه السلام فاذا مات الواحد أبدل الله عز وجل مكانه من الثلاثة ،
وإذا مات من الثلاثة أبدل الله تعالى مكانه من الخمسة ، وإذامات من الخمسة أبدل
الله تعالى مكانه من السبعة ، وإذا مات من السبعة أبدل الله تعالى مكانه من
الأربعين ، وإذا مات من الأربعين أبدل الله تعالى مكانه من الثلاثمائة، وإذا
مات من الثلاثمائة أبدل الله تعالى مكانه من العامة. فيهم يحي ويميت ، ويمطر
وينبت ويدفع البلاء)) قيل لعبد الله بن مسعود: كيف بهم يحي ويميت! قال
(«لأنهم يسألون الله عز وجل إكثار الأمم فيكثرون، ويدعون على الجبابرة
فيقصمون ، ويتقون فيسقون، ويسألون فتنبت لهم الأرض . ويدعون
فيدفع بهم أنواع البلاء)) * حدثنا محمد أبو عمرو بن حمدان حدثنا الحسن بن
سفيان حدثنا عبد الوهاب بن الضحاك حدثنا ابن عباس حدثنا صفوان بن
عمرو عن خالد بن معدان عن حذيفة بن اليمان. قال قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: (( ياحذيفة. إن فى كل طائفة من أمتى قوما شعثا غبرا، إياى
يريدون ، وإياى يتبعون ، وكتاب الله يقيمون، أولئك منى وأنا منهم وإن لم
برونى))* حدثنا سليمان بن أحمد حدثنا بكر بن سهل حدث عمرو بن هاشم
حدثنا سليمان بن أبى كرمة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضى الله
تعالى عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من سأل عنى - أوسره
أن ينظر إلى - فلينظر إلى أشعث شاحب مشمر ، لم يضع لبنة على لبنة، ولا
قصبة على قصبة ، رفع له علم فشمر إليه ، اليوم المضار وغدا السباق ، والغاية
الجنة أو النار )) .
قال الشيخ أبو نعيم رحمه الله ومنها : أنهم نظروا إلى باطن العاجلة

- ١٠ -
فرفضوها، وإلى ظاهر بهجتها وزيفتها فوضعوها. حدثنا أبو بكر أحمد بن جعفر
ابن مالك حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثنى أبى حدثنى غوث بن جابر.
قال سمعت محمد بن داود يحدث عن أبيه عن وهب بن منبه . قال قال الحواريون
يا عيسى من أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون؟ قال عيسى عليه
السلام : الذين نظروا إلى باطن الدنيا حين نظر الناس إلى ظاهرها ، والذين
نظروا الى آجل الدنيا حين نظر الناس الى عاجلها ، فأماتوا منها ما يخشون أن
يشينهم وتركوا ما علموا أن سيتركهم ، فصار استكثارهم منها استقلالا ،
وذكرهم إياها فوانا، وفرحهم بما أصابوا منها حزنا فما عارضهم من نيلها رفضوه،
وما عارضهم من رفعتها بغير الحق وضعوه ، وخلقت الدنيا عندهم فليسوا
بجددونها، وخربت بيوتهم فليسوا يعمرونها، وماتت فى صدورهم فليسوا
يحيونها بعد موتها، بل يهدمونها فيينون بها آخرتهم ، ويبيعونها فيشترون
بها ما يبقى لهم، ورفضوها فكانوا فيها هم الفزحين ، ونظروا إلى أهلها صرعى
قد حلت بهم المثلاث. وأحيوا ذكر الموت ، وأماتوا ذكر الحياة. يحبون الله
عز وجل ، ويحبون ذكره، ويستضيئون بنوره ، ويضيئون به . لهم خبر
عجيب ، وعندهم الخبر العجيب، بهم غام الكتاب وبه قاموا، وبهم نطق الكتاب
وبه نطقوا، وبهم علم الكتاب وبه عملوا ، وليسوا يرون نائلا مع ما نالوا ،
ولا أماناً دون ما يرجون ، ولا خوفا دون ما يحذرون .
﴾﴾ قال الشيخ رحمه الله تعالى: وهم المصونون عن مرامقة حقارة الدنيا
بعين الاغترار ، المبصرون صنع محبوبهم بالفكر والاعتبار. حدثنا أحمد بن
جعفر بن حمدان ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثنى سفيان بن وكيع
حدثنا إبراهيم بن عيينة عن ورقاء (١) . قال الشيخ أبو نعيم والصواب وفاء بن
إياس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما قال : لما بعث الله
عز وجل موسى وهارون عليهما السلام إلى فرعون قال : لا يغرنكما لباسه
الذى ألبسته، فان ناصيته يدى فلا ينطق ولا يطرف إلا بإذنى، ولا يغرنكا
(١) فى ح - ابن عيينة عن ابن اياس عن سعيد الخ وليس فيها تصحيح المؤلف لورقاء.

- ١١ -
مامتع به من زهرة الدنيا وزينة المترفين فلو شئت أن أزينكا من زينة الدنيا
بشىء يعرف فرعون أن قدرته تعجز عن ذلك لفعلت، وليس ذلك لهوانكما
على ولكنى ألبستكما نصيبكما من الكرامة على أن لا تنقصكما الدنيا شيئاً،
وإنى لأذود أوليائى عن الدنيا كما يذود الراعى إبله عن مبارك العرة ، وإنى
لأجنبهم زهرتها كما يجنب الراعى إبله عن مراتع الهلكة، أريد أن أنور (١) بذلك
مراتبهم وأطهر بذلك قلوبهم ، فى سيماهم الذى يعرفون به ، وأمرهم الذى
يفتخرون به . واعلم أنه من أخاف لى ولياً فقد بارزنى بالعداوة ، وأنا الثائر
لأوليائى يوم القيامة . حدثنا أحمد بن السرى حدثنا الحسن بن علوية القطان
حدثنا إسماعيل بن عيسى حدثنا اسحاق بن بشر عن جويبر عن الضحاك عن ابن
عباس رضى الله تعالى عنهما. وحدثنا أبى حدثنا اسحاق بن ابراهيم حدثنا محمد
ابن سهل بن عسكر حدثنا اسماعيل بن عبد الكريم حدثنا عبد الصمد بن معقل
قال سمعت وهب بن منبه يقول: لما بعث الله تعالى موسى وأخاه هارون عليهما
السلام إلى فرعون. قال: لا يعجينكما زيفته ولا مامتع به، ولا تمدا أعينكا
إلى ذلك ، فإنها زهرة الحياة الدنيا وزينة المترفين فإنى لو شئت أن أزينكا
من الدنيا بزينة ليعلم فرعون حين ينظر إليها أن مقدرته تعجز عن مثل
ما أوقيتما لفعلت ، ولكنى أرغب بكا عن ذلك وأزويه عنكما، وكذلك أفعل
بأوليائى ، وقديما ماخرت لهم فى ذلك ، فانى لأذودهم عن نعيمها ورخائها كما
يذود الراعى الشفيق غنمه عن مراتع الهلكة، وإنى لأجنبهم سلوتها وعيشتها
كما يجنب الراعى الشفيق إبله عن مبارك العرة (٢). وما ذلك لهوانهم على
ولكن ليستكملوا نصيبهم من كرامتى سالما موفوراً لم تكلمه الدنيا ولم
يعطغه الهوى . واعلم أنه لم يتزين العباد بزينة أبلغ فيما عندى من الزهد فى
الدنيا ، فإنها زينة المتقين عليهم منها لباس يعرفون به من السكينة والخشوع ،
سيماهم فى وجوههم من أثر السجود، أولئك هم أولبائى حقاً حقاً ، فإذا لقيتهم
١
فاخفض لهم جناحك وذلل لهم قلبك ولسانك . واعلم أنه من أهان لى ولياً أو
(١) كذا فى الأصلين. (٢) فى الأصول: الغرة بالمعجمة فى المكانين وذلك تصحيف .

- ١٢ -
أخافه فقد بارزنى بالمحاربة وبادانى، وعرضٍ لى نفسه ودعانى إليها، وأنا أسرع
شىء إلى نصرة أوليائى ، أفيظن الذى يحاربنى أن يقوم لى ؟ أو يظن الذى
يعادينى أن بعجزنى؟ أو يظن الذى يبارزنى أن يسبقنى أو يفوتنى؟ فكيف
وأنا الثائر لهم فى الدنيا والآخرة لا أكل نصرتهم إلى غيرى. زاد اسماعيل
ابن عيسى فى حديثه: فاعلم ياموسى أن أوليائى الذين أشعروا قلوبهم خوفى
فيظهر على أجسادهم فى لباسهم وجهدهم الذى يفوزون به يوم القيامة ، وأملهم
الذى به يذكرون ، وسماهم الذى به يعرفون، فإذا لقيتهم فذلل لهم نفسك .
حدثنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن مقسم ثنا العباس بن يوسف الشكلى حدثنى
محمد بن عبد الملك قال قال عبد البارى قلت لذى النون المصرى رحمه الله : صف
لى الأبدال فقال: إنك لتسألنى عن دياجى الظلم، لأ كشفنها لك عبد البارى. ثم
قوم ذكروا الله عز وجل بقلوبهم تعظيما لربهم عز وجل لمعرفتهم بجلاله . فهم
حجج الله تعالى على خلقه، ألبسهم النور الساطع من محبته ، ورفع لهم أعلام
الهداية إلى مواصلته، وأقامهم مقام الأبطال لإرادته ، وأفرغ عليهم الصبر عن
مخالفته. وطهر أبدانهم بمراقبته وطيهم بطيب أهل مجاملته، وكساهم حللا من
نسج مودته ، ووضع على رؤسهم تيجان مسرته ، ثم أودع القلوب من ذخائر
الغيوب فهى معلقة بمواصلته، فيمومه إليه ثائرة، وأعينهم إليه بالغيب
ناظرة . قد أقامهم على باب النظر من قربه، وأجلسهم على كراسى أطباء أهل
معرفته . ثم قال : إن أتاكم عليل من فقرى فداووه أو مريض من فراقى
فعالجده . أو خائف منى فآمنوه، أو آمن منى حذروه، أو راغب فى
مواصلتى فهنوه، أو راحل نحوى فزودوه ، أو جبان فى متاجرتى فشجعوه ،
أو آيس من فضلى فعدوه ، أو راج لإحسانى فبشروه ، أو حسن الظن بى
فباسطوه، أو محب لى فواظبوه، أو معظم لقدرى فعظموه. أو مستوصفكم
نحوى فأرشدوه، أو سىء بعد إحسان فعاتبوه ومن واصلكم فى فواصلوه ،
ومن غاب عنكم فافتقدوه، ومن ألزمكم جناية فاحتملوه، ومن قصر فى واجب
حقى فاتركوه ، ومن أخطأ خطيئة فناصحوه ، ومن مرض من أوليائى فعودوه ،

- ١٣ -
ومن حزن فبشروه ، وإن استجار بكم ملهوف فأجيبوه .
يا أوليائى لكم عاتبت وفى إياكم رغبت، ومنكم الوفاء طلبت ، ولكم
اسطفيت وانتخبت ، ولكم استخدمت واختصصت ، لأنى لا أحب استخدام
الجبارين، ولا مواصلة المتكبرين ، ولا مصافاة المخلطين ، ولا مجاوبة
المخادعين، ولا قرب المعجبين، ولا مجالسة البطالين، ولا موالاة الشرهين.
يا أوليائى جزائى لكم أفضل الجزاء، وعطائى لكم أجزل العطاء، وبذلى
لكم أفضل البذل ، وفضلى عليكم أكثر الفضل ، ومعاملى لكم أو فى المعاملة ،
ومطالبق لكم أشد المطالبة ، أنا مجتنى القلوب ، وأنا علام الغيوب، وأنا
مراقب الحركات ، وأنا ملاحظ اللحظات ، أنا الشرف على الخواطر ، أنا العالم
بمجال الفكر ، فكونوا دعاة إلى، لا يفزعكم ذو سلطان(١) سوائى، فمن
عاداكم عاديته، ومن والاكم واليته ، ومن آذاكم أهلكته ، ومن أحسن
إليكم جازيته ، ومن هجركم قليته.
﴿ قل الشيخ رحمه الله: وهم الشغفون به وبوده، والكلفون بخطابه
وعهده * حدثنا سليمان بن أحمد حدثنا أحمد بن منصور المدابنى حدثنا محمد بن
اسحاق المسيى حدثنا عبد الله بن محمد بن الحسن بن عروة عن هشام بن عروة
عن أبيه عن عائشة رضى الله تعالى عنها عن النبى صلى الله عليه وسلم: ((أن
موسى عليه السلام قال: يارب أخبرنى بأ كرم خلفك عليك. قال : الذى يسرع
إلى هواى إسراع النسر إلى هواه، والذى يكلف بعبادى الصالحين كما بكلف
الصبى بالناس ، والذى يغضب إذا انتهكت محارمى غضب التمر لنفسه ، فإن النمر
إذا غضب لم يبال أقل الناس أم كثروا)). حدثنا أبى حدثنا أحمد بن محمد بن
مصقلة حدثنا أبو عثمان سعيد بن عثمان الخناط حدثنا أبو الفيض ذو النون بن
إبراهيم المصرى قال : إن الله عز وجل لصفوة من خلقه وإن لله عز وجل
الخميرة، فقيل له: يا أبا الفيض فما علامتهم؟ قال: إذا خلع العبد الراحة وأعطى
المجهود فى الطاعة وأحب سقوط المنزلة . ثم قال :
(١) فى ز : سلطان دولى

- ١٤ -
منع القران بوعده ووعيده مقل العيون بليلها أن تهجعا (١)
فهموا عن الملك الكريم كلامه فهماً تذل له الرقاب وتخضعا
وقال له بعض من كان فى المجلس حاضراً : يا أبا الفيض من هؤلاء القوم
يرحمك الله ؟ فقال ويحك هؤلاء قوم جعلوا الركب لجباههم وساداً ، والتراب
لجنوبهم مهاداً. هؤلاء قوم خالط القرآن لحومهم ودماءهم ، فعزلهم عن الأزواج
وحركهم بالادلاج ، فوضعوه على أفئدتهم فانفرجت ، وضموه إلى صدورم
فانشرحت ، وتصدعت هممهم به فكدحت ، فجعلوه لظلمتهم سراجا ، ولنومهم
مهادا. ولسبيلهم منهاجا ، ولحجتهم افلاجا، يفرح الناس ويحزنون ، وينام
الناس وبسهرون ، ويفطر الناس ويصومون ، ويأمن الناس ويخافون . فهم
خائفون حذرون ، وجلون مشفقون مشمرون ، يبادرون من الفوت ،
ويستعدون للموت . لم يتصغر جسيم ذلك عندهم لعظم ما يخافون من العذاب
وخطر ما يوعدون من الثواب ، درجوا على شرائع القرآن ، وتخلصوا بخالص
القربان، واستناروا بنور الرحمن، فمالبثوا أن أنجز لهم القرآن موعوده ،
وأوفى لهم عهوده ، وأحلهم سعوده، وأجارهم وعيده ، فنالوا به الرغائب ،
وعانقوا به الكواعب ، وأمنوا به العواطب وحذروا به العواقب ، لأنهم
فارقوا بهجة الدنيا بعين قالية، ونظروا إلى ثواب الآخرة بعين راضية ،
واشتروا الباقية بالفانية ، فنعم ما اتجروا ربوا الدارين ، وجمعوا الخيرين ،
واستكملوا الفضلين، بلغوا أفضل المنازل ، بصبر أيام قلائل ، قطعوا الأيام
باليسير ، حذار يوم قمطرير ، وسارعوا فى المهلة ، وبادروا خوف حوادث
الساعات، ولم يركبوا أيامهم باللهو واللذات ، بل خاضوا الغمرات الباقيات
الصالحات ، أوهن والله قوتهم التعب ، وغير ألوانهم النصب، وذكروا ناراً
ذات لهب، مسارعين إلى الخيرات منقطعين عن اللهوات ، بريئون من الريب
والخنا ، فهم خرس فصحاء ، وعمى بصراء . فعنهم تقصر الصفات؟. وبهم
تدفع النقمات ، وعليهم تنزل البركات ، فهم أحلى الناس منطقا ومذاقا ، وأوفى
(١) فى ح - تهجم ، وتخضم.

- ١٥ -
الناس عهداً وميثاقا ، سراج العباد ، ومنار البلاد ، مصابيح الدجى ، ومعادن
الرحمة ، ومنابع الحكمة، وقوام الأمة، تجافت جنوبهم عن المضاجع ،
فهم أقبل الناس المعذرة ، وأصفحهم للمغفرة ، وأسمحهم بالعطية ، فنظروا
إلى ثواب الله عز وجل بأنفس تائقة، وعيون راسقة، وأعمال موافقة ، حملوا
عن الدنيا مطى رحالهم، وقطعوا منها حبال آمالهم ، لم يدع لهم خوف ربهم
عز وجل من أموالهم تليداً ولا عتيداً، فتراهم لم يشتهوا من الأموال كنوزها.
ولا من الأوبار خزوزها ، ولا من المطايا عزيزها، ولا من القصور مشيدها،
بلى ! ولكنهم نظروا بتوفيق الله تعالى لهم وإلهامه إياهم ، فركهم ما عرفوا بصبر
أيام قلائل فضموا أبدانهم عن المحارم ، وكفوا أيديهم عن ألوان المطاعم ،
وهربوا بأنفسهم عن المآثم، فسلكوا من السبيل رشاده ، ومهدوا للرشاد
مهاده، فشاركوا أهل الدنيا فى آخرتهم ، عنوا عن الرزايا ، وغسص المنايا ،
هابوا الموت وسكراته وكرباته ونجعاته، ومن القبر وضيقه، ومنكر ونكير
ومن ابتدارهما وانتهارهما وسؤالهما ، ومن المقام بين يدى الله عن ذكره،
وتقد ست أسماؤه .
قال الشيخ أبو نعيم رحمه الله: وهم مصابيح الدجى ، وينابيع الرشد
والحجى ، خصوا بخفى الاختصاص ، ونقوا من التصنع بالإخلاص * حدثنا
عبد الله بن محمد وأبو أحمد محمد بن أحمد - فى جماعة - قالوا حدثنا الفضل بن
الحباب حدثنا شاذ بن فياض حدثنا أبو تخدم عن أبى قلابة عن عبد الله بن
عمر بن الخطاب قال: مر عمر بمعاذ بن جبل رضى الله تعالى عنهما وهو يبكى.
فقال: ما يبكيك يا معاذ؟ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
(« أحب العباد إلى الله تعالى الأتقياء الأخفياء، الذين إذا غابوا لم يفتقدوا ،
وإذا شهدوا لم يعرفوا أولئك هم أئمة الهدى ومصابيح العلم)) * حدثنا أبو
عمرو بن حمدان حدثنا الحسن بن سفيان حدثنا أبو موسى اسحاق بن إبراهيم
الهروى حدثنا أبو معاوية عمرو بن عبد الجبار السنجارى حدثنا عبيدة بن
حسان عن عبد الحميد بن ثابت بن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ١٦ -
قال حدثنى أبى عن جدى شهدت من رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلساً
فقال: ((طوبى للمخلصين أولئك مصابيح الهدى تتجلى عنهم كل فتنة ظلماء)).
،قال الشيخ رحمه الله : وهم الواصلون بالحبل ، والباذلون الفضل ،
والحاكمون بالعدل * حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن حدثنا بشر بن موسى
حدثنا يحيى بن اسحاق السيلحينى حدثنا ابن لهيعة عن خالد بن أبى عمران عن
القاسم بن محمد عن عائشة رضى الله تعالى عنها . قالت قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: ((أندرون من السابقون إلى ظل الله عز وجل؟)) قالوا الله ورسوله
أعلم! قال: ((الذين إذا أعطوا الحق قبلوه، وإذا سئلوه بذلوه، وحكموا
للناس كحكمهم لأنفسهم )) رواه أحمد بن حنبل عن يحي بن اسحاق مثله .
﴿ قل الشيخ رحمه الله: وهم المنبسطون جهراً، المنقبضون سراً، يبسطهم
روح الارتياح والاشتياق، ويقلقهم خوف القطيعة والفراق . حدثنا
عبد الله بن محمد بن جعفر حدثنا عبد الله بن محمد بن زكريا حدثنا سلمة بن
شبيب حدثنا الوليد بن اسماعيل الحرانى حدثنا شيبان بن مهران عن خالد بن
المغيرة بن قيس عن مكحول عن عياض بن غنم أنه سمع رسول الله صلى الله
عليه وسلم يقول: ((إن من خيار أمتى - فيما نبأتى الملأ الأعلى ، فى الدرجات
الأعلى - قوما يضحكون جهراً من سعة رحمة ربهم، وييكون سراً من خوف
شدة عذاب ربهم عز وجل . يذكرون ربهم بالغداة والعشى، فى بيوته الطيبة ،
ويدعونه بألسنتهم رغباً ورهباً، ويسألونه بأيديهم خفضاً ورفعاً، ويشتاقون
إليه بقلوبهم عوداً وبدءاً، مؤنتهم على الناس خفيفة وعلى أنفسهم ثقيلة، يدبون
فى الأرض حفاة على أقدامهم دبيب النمل بغير مرح ولا بذخ ولا مثلة ، يمشون
بالسكينة، ويتقربون بالوسيلة ، يلبسون الخلقان ، ويتبعون البرهان ، ويتلون
الفرقان ، ويقربون القربان، عليهم من الله تعالى شهود حاضرة ، وأعين حافظة
ونعم ظاهرة ، يتوسمون العباد ، ويتفكرون فى البلاد، أجسادهم فى الأرض
وأعينهم فى السماء . أقدامهم فى الأرض وقلوبهم فى السماء، وأنفسهم فى
الأرض وأفئدتهم عند العرش ، أرواحهم فى الدنيا وعقولهم فى الآخرة ،

- ١٧ -
ليس لهم هم الا أمامهم ، قبورهم فى الدنيا ومقامهم عند ربهم عز وجل» ثم
تلى هذه الآية ( ذلك لمن خاف مقامى وخاف وعيد).
أ قال الشيخ رحمه الله: وهم المبادرون إلى الحقوق من غير تسويف
والموفون الطاعات من غير تطفيف * حدثنا سليمان بن أحمد ثنا محمد بن موسى
الايلى ثنا عمر بن يحي الايلى ثنا حكيم بن حزام عن أبى جناب الكلى عن أبى
الزبير عن جابر عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((إن من موجبات الله ثلاثا ؛
إذا رأى حقا من حقوق الله لم يؤخره إلى أيام لا يدركها وأن يعمل العمل الصالح
العلافية على قوام من عمله فى السريرة وهو يجمع مع ما يعمل صلاح ما يأمل )).
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((فهكذا ولى الله وعدد بيده ثلاثا)) * حدثنا
أبو بكر بن خلاد ثنا الحارث بن أبى أسامة ثنا داود بن المحبر ثنا ميسرة بن
عبد ربه عن حنظلة بن وداعة عن أبيه عن البراء بن عازب أن النبى صلى الله
عليه وسلم قال: (( إن لله عز وجل خواص يسكنهم الرفيع من الجنان كانوا
أعقل الناس قلنا يارسول الله وكيف كانوا أعقل الناس ؟ قال كانت همتهم للمسابقة
إلى ربهم عز وجل والمسارعة إلى ما يرضيه وزهدوا فى فضول الدنيا ورياستها (١)
ونعيمها وهانت عليهم فصيروا قليلا واستراحوا طويلا)).
﴿ قال الشيخ رحمه الله: قد روينا بعض مناقب الأولياء ومراقب الأصفياء
فأما التصوف : فاشتقاقه عند أهل الإشارات والمنبثين عنه بالعبارات من
الصفاء والوفاء ، واشتقاقه من حيث الحقائق التى أوجبت اللغة فانه تفعل من
أحد أربعة أشياء من الصوفانة ، وهى بقلة وغباء قصيرة ، أو من صوفة وهى
قبيلة كانت فى الدهر الأول تجيز الحاج وتخدم الكعبة ، أو من صوفة القفا
وهى الشعرات الثابتة فى متأخر.(٢) أو من الصوف المعروف على ظهور
الضأن، وإن أخذ التصوف من الصوفانة التى هى البقلة فلاجتزاء القوم بما
توحد الله عز وجل بصنعه ومن به عليهم من غير تكلف بخلقه ، فاكتفوا
به عما فيه للآدميين، صنع كاكتفاء البررة الطاهرين ، من جلة المهاجرين ،
(١) فى ح: ورياشها. (٢) وفيها: القنا - ومتأخرها.
( ٢ - ل - حلية)

- ١٨ -
فى مبادئ* إقبالهم وأول أحوالهم.
وهو * ما حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال
حدثنى أبى ثنا يزيد بن هرون قال أخبرنا اسماعيل بن أبى خالد بن أبى (١) عن
قيس بن أبى حازم قال سمعت سعد بن أبى وقاص يقول: واقه إنى لأول العرب
رمى بسهم فى سبيل الله عز وجل ولقد كنا تغزوا مع رسول الله صلى الله عليه
وسلم مالنا طعام نا كله إلا ورق الحبلة ، وهذا السمر حتى قرحت أهداقنا
وحتى إن أحدنا ليضع كما تضع الشاة ماله خلط .
وإن أخذ من الصوفة التى هى القبيلة فلأن المتصوف فيما كفى من حاله
ونعم من ماله وأعطى من عقباه وحفظ من حظ دنيا أحد أعلام الهدى
لعدولهم عن الموبقات واجتهادهم فى القربات . وتزودهم من الساعات وتحفظهم
للأوقات . فسالك منهجهم ناج من الغمرات. وسالم من الملكات * حدثنا
محمد بن الفتح ثنا الحسن بن أحمد بن صدقة ثنا محمد بن عبد النور الخزاز ثنا
أحمد بن الفضل الكوفى ثنا سفيان عن حبيب بن أبى ثابت عن عاصم بن
ضمرة عن على بن أبى طالب كرم الله وجهه قال قال النبى صلى الله عليه وسلم :
((يا على إذا تقرب الناس إلى خالقهم فى أبواب البر فتقرب إليه بأنواع العقل.
تسبقهم بالدرجات والزلفى عند الناس فى الدنيا وعند الله فى الآخرة)) حدثنا محمد
ابن أحمد بن الحسن ثنا جعفر بن محمد الفريابى ثنا إبراهيم بن هشام بن محي بن
يحي الغسانى ثنا أبى عن جدى عن أبي إدريس الخولانى عن أبى ذر الغفارى .
قال جلست إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : يارسول الله ما كانت
محف إبراهيم عليه السلام فقال: ((أمثال كلها وكان فيها: وعلى العامل مالم
يكن مغلوبا على عقله أن يكون له ساعات ، ساعة يناجي فيها ربه تعالى، وساعة
يحاسب فيها نفسه، وساعة يفكر فى صنع الله تعالى، وساعة يخلو فيها بمحاجته
من المطعم والمشروب ).
وإن أخذ من صوف القفافمعناه أن المتصوف معطوف به إلى الحق .
(١) كذا فى النسختين واسم أبيه أبو خالد: سعيد وقيل كثير حكاه فى تهذيب التهذيب

- ١٩ -
مصروف به عن الخلق ، لا يريد به بدلا ولا يبغى عنه حولا * حدثنا القاضى
عبدالله بن محمد بن عمرثنا عبد الله بن العباس الطيالسى(١) ثنا عبد الرحيم بن محمد
ابن زياد أنبأنا أبو بكر بن عياش عن حميد عن أنس بن مالك : أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال: ((أتى بإبراهيم عليه السلام يوم النار إلى النار فلما بصر
بها قال حسبنا الله ونعم الوكيل)). حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر ثنا محمد بن
محمد بن سليمان ثنا سلمان بن توبه ثنا سلام(٢) بن سلمان الدمشقى ثنا اسرائيل
عن أبى حصين عن أبى صالح عن أبى هريرة . قال قال رسول الله صلى الله عليه.
وسلم: (( لما ألقى إبراهيم عليه السلام فى النار قال حسبى الله ونعم الوكيل)) *
حدثنا أبو عمرو بن حمدان ثنا الحسن بن سفيان ثنا محمد بن يزيد الرفاعى ثنا
إسحاق بن سلمان ثنا أبو جعفر الرازى عن عاصم بن بهدلة عن أبى صالح عن
أبى هريرة قال قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((لما ألقى إبراهيم عليه السلام فى
النار قال اللهم إنك واحد فى السماء، وأنا فى الأرض واحد أعبدك)) حدثنا
أبو بكر بن مالك ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ثنا عبد الله بن عمر القواريرى
ثنا معاذ بن هشام قال حدثنى أبى عن عامر الأحول عن عبد الملك بن عامر
عن نوق البكالى. قال قال ابراهيم عليه السلام يارب إنه ليس فى الأرض
أحد يعبدك غيرى ، فأنزل الله ثلاثة آلاف ملك فأمهم ثلاثة أيام . حدثنا أحمد
ابن جعفر بن حمدان ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ثا شيبان ثنا أبو هلال
ثنا بكر بن عبد الله المزنى . قال لما ألقى إبراهيم عليه السلام فى النار جأرت
عامة الخليقة إلى ربها . فقالوا : يا رب خليلك يلقى فى النار فائذن لنا أن نطفىء
عنه قال هو خلیلیلیس لی فی الأرض خلیل غيره ، وأنا ر به ليس له رب غيرى
فإن استغائكم فأغيثوه ، وإلا فدعوه. قال نفجاء ملك القطر فقال يا رب خليلك
يلقى فى النار فائذن لى أن أطفىء عنه بالقطر قال هو خليلى ليس لى فى الأرض
خليل غيره وأنا ربه ليس له رب غيرى فإن استغائك فاغثه وإلا فدعه فلما ألقى
فى النار دعا ربه فقال الله عز وجل يا نار كونى برداً وسلاما على ابراهيم . قال :
(١) فى ح: أنبأنا هنا وما قبله (٢) وفيها سليمان بن سليمان

- ٢٠ ٠
فبردت يومئذ على أهل المشرق والمغرب فلم ينضج بها كراع)). حدثنا أحمد بن
السندى ثنا الحسن بن علوية ثنا إسماعيل بن عيسى ثنا اسحاق بن بشر . قال
قال مقاتل وسعيد: لما جىء إبراهيم عليه السلام نفلموا ثيابه وشدوا قماطه
ووضع فى المنجنيق بكت السموات ، والأرض ، والجبال، والشمس، والقمر ،
والعرش ، والكرسى، والسحاب، والريح، والملائكة كل يقولون : يا رب
إبراهيم عبدك بحرق بالنار فائذن لنا فى نصرته . فقالت النار وبكت يا رب
سخرتنی لبنى آدم وعبدك بحرق بى فأوحى الله عز وجل إليهم إن عبدى إياى
عبد وفى جنبى أوذى إن دعانى أجبته وإن استنصركم فانصروه . فما رمى
استقبله جبريل عليه السلام بين المنجنيق والنار فقال: السلام عليك يا إبراهيم
أنا جبريل ألك حاجة؟ قال أما إليك فلا! حاجتى إلى الله ربى، فلما قذف فى
النار كان سبقه إسرافيل فسلط النار على قماطه وقال الله عز وجل ( يا نار كونى
برداً وسلاماً على إبراهيم) فلو لم خلطه بالسلام لكز فيها برداً. حدثنا الحسين
ابن محمد بن على ثنا يحيى بن محمد مولى بنى هاشم ثنا يوسف القطان ثنا مهران
ابن أبى عمر ثنا إسماعيل بن أبى خالد عن المنهال بن عمرو قال : أخبرت أن
إبراهيم عليه السلام لما ألقى فى النار كان فيها - ما أدرى إما خمسين وإما أربعين
يوما - قال ما كنت أياما وليالى قط أطيب عيشا منى إذ كنت فيها ووددت أن
عيشى وحياتى كلها إذ كنت فيها .
قال الشيخ رحمه الله تعالى: وإن أخذ من الصوف المعروف فهو لاختيارم
لباس الصوف إذ لا كلفة للآدميين فى إنباته وإنشائه وإن النفوس الشاردة
تذلل بلباس الصوف وتكسر فخوتها وتكبرها به لتلتزم المذلة والمهانة وتعتاد
البلغة والقناعة . وقد ذكرنا شواهده فى كتاب لبس الصوف مجموداً . وقد
كثرت أجوبة أهل الإشارة فى مائميته بأنواع من العبارة وجمعناها فى غير هذا
الكتاب. وأقرب ما أذكره ما حدثت عن جعفر بن محمد الصادق رضى الله
تعالى عنه أنه قال: من عاش فى ظاهر الرسول فهو سنى ، ومن عاش فى باطن
الرسول فهو صوفى وأراد جعفر بباطن الرسول صلى الله عليه وسلم أخلاقه