Indexed OCR Text

Pages 1-20

مع المسانية
د
لابن الجَوْزِيّ
(عُبِّد الرّحمن بن ◌َعَلى ٥٩٧هـ)
تحقيقه
الدكتور عَلى حَسَيِنْ البَرَبُّ
الجزُ الأوّل
(الهمّرة - الثّاء)
مُكتَبَالرُّشِدْ
الرّيَاضْ

بسم الله الرحمن الرحيم

تَجَامِع المسائية

جميع الحقوق محفُوطُتّة
الطّبعَّة الأولى
١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ مـ
مكتبة الرشد ناشرون
المملكة العربية السعودية - الرياض - شارع الأمير عبد الله بن عبد الرحمن ( طريق الحجاز )
ص.ب :١٧٥٢٢٧ الرياض ١١٤٩٤ هاتف ٤٥٩٣٤٥١ فاكس ٤٥٧٣٣٨١
Email.alrushd@alrushdryh.com
Website : www.rushd.com
· فرع طريق الملك فهد: الرياض - هاتف ٢٠٥١٥٠٠ فاكس ٢٠٥٢٣٠١
• فرع مكة المكرمة : هاتف ٥٥٨٥٤٠١ فاكس ٥٥٨٣٥٠٦
• فرع المدينة المنورة : شارع ابى ذر الغفارى - هاتف ٨٣٤٠٦٠٠ فاكس ٨٣٨٣٤٢٧
• فرع جدة : ميدان الطائرة - هاتف ٦٧٧٦٣٣١ فاكس ٦٧٧٦٣٥٤
• فرع القصيم : بريدة - طريق المدينة - هاتف ٣٢٤٢٢١٤ فاكس ٣٢٤١٣٥٨
• فرع أبها : شارع الملك فيصل - تلفاكس ٢٣١٧٣٠٧
• فرع الدمام : شارع الخزان - هاتف ٨١٥٠٥٦٦ فاكس ٨٤١٨٤٧٣
وكلاؤنا في الخارج
• القاهرة : مكتبة الرشد - هاتف ٢٧٤٤٦٠٥
بيروت : دار ابن حزم هاتف ٧٠١٩٧٤
● المغرب : الدار البيضاء - وراقة التوفيق - هاتف ٣٠٣١٦٢ فاكس ٣٠٣١٦٧
• اليمن: صنعاء - دار الآثار - هاتف ٦٠٣٧٥٦
● الأردن : عمان - الدار الأثرية ٦٥٨٤٠٩٢ جوال ٧٩٦٨٤١٢٢١
•
البحرين : مكتبة الغرباء - هاتف ٩٥٧٨٣٣ - ٩٤٥٧٣٣
• الإمارات : مكتبة دبي للتوزيع هاتف ٤٣٣٣٩٩٩٨ فاكس ٤٣٣٣٧٨٠٠
● سوريا : دار البشائر ٢٣١٦٦٦٨
● قطر : مكتبة ابن القيم - هاتف ٤٨٦٣٥٣٣

١
*وله جامع المسانيد، استوعبَ فيه غالب ما في
مسند أحمد ومحي البخاري ومسلم وجامع الترمذي
ابن كثير
"واعتمدتُ على أتمّ المسانيد وأقربها إلى الاستيعاب
وهو جامع المسانيد ... "
العكبري
* وأنا أنقل لك هذه الكتب الأربعة ... لأنها الأصول
وهي تحوي جمهور حديث رسول الّصلّى الله عليه وسلم
ولها العُكُمُّ فِي الإِسناء
ابن الجوزي

ـِلهِ الرَّحْمِالرَّحْمِ
بشِيـ
الحمد لله العظيم ، الذي أنعم بالقرآن الكريم ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد
خاتم النبيّين والمرسلين ، بلّغَ ما أُنزلَ إليه من ربّه ، ووضّحَ للأمّة دينَها ، وأبان لها طريقَها ،
وترك فيها ما لو تَمَسَّكَتْ به لن تَضِلّ : كتاب الله وسنّته .
المصدر الثاني للتشريع بعد كتاب
لقد أجمع المسلمون على أنّ حديث رسول الله
الله تعالى، وكان هذا دافعاً لهم للعناية بالحديث ، جَمعاً وتصنيفاً . وتعدّدت الكتب في
ذلك ، وتنوّعت مناهجها وطرقها . واجتهد المتأخّرون من أئمّة هذا الفنّ في ترتيب هذه
الكتب والجمع بينها ، وهو من مظاهر تقدير الحديث الشريف ومعرفة مكانته .
وبين أيدينا كتابٌ نقدِّمه ونقدّمُ له ، وهو «جامع المسانيد)»، جمع فيه مؤلِّفُه ابن
الجوزيّ بین أربعة من کتب الحدیث ، رأى أنها تحتوي على معظم حدیث رسول الله
وأنّ لها العُلُوَّ في الإسناد، فأحبّ أن يجعلها في كتاب واحد: وهي مسند الإمام أحمد ،
وصحيحا الإمامين البخاري ومسلم ، وجامع الإمام الترمذي .
وقد بدأتْ صلتي بهذا الكتاب منذ عَقدين ، عندما كنت معنيّاً بفهرسة مخطوطات
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلاميّة في الرياض ، فقد صُوّر للمكتبة مخطوطات من
مكتبات الهند، وكان في هذه المجموعة جزآن من الكتاب . فلمّا اطّلَعتُ عليه، شَرَعْتُ
أسأل عند وأسائل ، فكانت الدهشةُ أن جَهِلَ الكتابَ كثيرٌ من المعنيّين بالمخطوطات
والمختصّين بالحديث ، ومن سَمعَ بالكتاب لا يكاد يعرف شيئاً عن مكانه . وعند بدء
ظهور الطبعة المحقّقة من ((المسند)) عن مؤسّسة الرسالة ، ذكر محقّقوه في المقدّمة أنّهم لم
يحصلوا من ((جامع المسانيد)» لابن الجوزيّ إلا على مقدّمته في خمس أوراق . ويرجع
السبب في ذلك إلى عدم توفّر نسخ الكتاب ، وإلى تبعثر أجزائه ، وربما كان كتاب ((جامع
المسانيد)) لابن كثير هو الذي يعرف ويشتهر ، حتى إنني عند السؤال عن كتاب ابن
الجوزيّ ، أُجاب بأن الجامع لابن كثير ، ويقال لي : إن الكتاب طبع أو يطبع - ويعنون بذلك
جامع ابن کثیر .
(٧)

وتعمّقت صلتي بالكتاب بعد عملي في بعض مؤلّفات ابن الجوزي ، وتحقيق كتب
في الحديث ، وبخاصة بعد إنجاز ((الجمع بين الصحيحين)) للحميدي ، و ((كشف مشكل
الصحيحين)) لابن الجوزي ، فازدادت صلتي بالحديث والمؤلّف ابن الجوزي ، وعَظُمَ حرصي
على الكتاب وتحقيقه .
وبعد جهد ومتابعة ، اهتديت إلى أجزاء متناثرة مفرّقة من الكتاب ، وتيسّر لي الحصول
على بعضها وتصويره ، وطال العهد واشتدّت الصعوبة في الحصول على غيرها ، وأذكر على
سبيل المثال أن جزأين من الكتاب في مكتبة حسين جلبي في تركيا ، كان الحصول
عليهما أُنموذجاً يُتَحَدَّثُ عنه فيما يعانيه المحقّق في سبيل الوصول إلى مخطوطاته ،
والتكلفة التي يتحمّلها . والجزء الذي كان في مكتبة الأزهر بمصر ، بذل زملائي وأصدقائي
الأساتذة في الجامعات المصريّة جهداً كبيراً في سبيل تصويره ، وأُغلقت المكتبة سنوات
للترميم ، ولم تَهُن عزيمتي وعزيمتهم حتى تمكّنوا بعد لأي من الحصول عليه .
وهكذا قُدّرلي الحصول على إحدى عشرة قطعة - أو جزءاً مخطوطاً - من الكتاب،
تُغطّي أغلب أجزائه ، وبعض أقسام الكتاب كأوّله ، وبعض المسانيد الكبيرة منه کمسند
أبي هريرة وعليّ ، تيسّر الحصول على أكثر من نسخة منه ، وبعضها كالثلث الأخير ، لم أقف
منه على أكثر من نسخة واحدة . وبقي من الكتاب بضعة مسانيد في ((العبادلة)) لم نهتد
إلى مكان وجودها . ولكنّي تتبّعت أصول المؤلّف ، وعرفت وحدّدت الناقص ، فكان منه
مسند عبد الله بن عمر ، والقسم الأكبر من مسند عبد الله بن عمرو ، مع بعض المُقِلِين من
((العبادلة)). وقمت بجمع هذه الأحاديث من المصادر المذكورة على نسق يشبه إلى حدٍّ
كبير ما سار عليه المؤلّف . وإذا كان المصادر التي استمدّ منها ابن الجوزيّ کتابه قد
أعانت على تكملة الناقص ، فهي أيضاً كانت خير معين على تحقيقه ، إذ إنّها نسخ أخرى
للكتاب بالتأکید .
(٨)

أما مؤلّف الكتاب (١) فَعلَمٌ من أعلام المسلمين ، وعالم عمّت شهرتُه ، وذاع صِيتُه ،
لِما ألّف في الفنون والعلوم، وشاركَ في الحياة، وترك من الآثار. وإذا عُدّ المكثرون من
المُصنّفين في تاريخ العربية ، كان من المتصدّرين ، بل إنّه لا يضاهيه أو يقاربه في عدد
مؤلّفاته ، وتنوّعها ، وأهميتها ، إلا قليل من العلماء .
وأبو الفرج، عبد الرحمن بن علي بن محمد ، ابن الجوزي(٢)، يرجع نسبه إلى
الصدّيق أبي بكر ، وقد وُلد في بغداد سنة عشر وخمسمائة للهجرة تقريباً . وتوفّي والده وهو
في الثالثة من عمره، فرَعَته عمّتُه - وكانت امرأة صالحة ، فحملته إلى مسجد أبي الفضل
محمد بن ناصر السُّلامي ، الذي اعتنى به .
قرأ ابن الجوزيّ القرآن ، وروى الحديث ، وتفقّه، وتعلّم مختلف الفنون والمعارف على
عدد كبير من علماء العصر . وقد أفاضت كتب التراجم بذكر أسماء شيوخه ، وذكر هو في
((مشيخته)) أكثر من ثمانين منهم، كما ذكر غيرهم في مؤلّفاته الأُخر .
(١) لأبي الفرج، ابن الجوزي ترجمة وأخبار وافرة في عدد كبير من المصادر. وقد أفدت في هذا الحديث
المختصر من :
* المختصر المحتاج إليه من تاريخ بغداد - لتلميذه ابن الدبيثي (٦٣٩ هـ) ٢٠٥/٢.
* مرآة الزمان - لسبطه وتلميذه يوسف بن قزغلي (٦٥٤ هـ) ٤٨١/٨ .
* التكملة ووفيات النقلة - للمنذري (٦٥٦ هـ) ٣٩٤/١.
* وفيات الأعيان - لابن خلّكان (٦٨٠ هـ) ١٤٠/٣.
* الوافي بالوفيات - للصفدي (٧٦٤ هـ) ١٠٩/١٨ .
* البداية والنهاية - لابن كثير (٧٧٤ هـ) ٢٨/١٣.
* سير أعلام النبلاء - للذهبي (٧٨٤ هـ) ٣٦٥/٢١.
* ذيل طبقات الحنابلة - لابن رجب (٧٩٥ هـ) ٣٩٩/١.
* طبقات الحفّاظ - للسيوطي (٩١١ هـ) ٤٨٠.
* طبقات المفسّرين - الداودي (٩٤٥ هـ) ٢٧٥/١ .
وما بعدها من الصفحات .
وكتب المحدثون دراسات كثيرة عن ابن الجوزيّ ، ومؤلّفاته . وقدّم المحقّقون لكتبه حديثاً مستفيضاً عنه .
(٢) في سبب هذه التسمية أقوال: أشهرها أنّه لُقِّبَ به جدّه لجَوزة كانت في بيته في الموصل، أو نسبة إلى
فُرضة - وهي الثّلمة على شاطىء النهر يُستقَى منها - تسمّى فُرضة الجوزة .
(٩)

ومن أشهر شيوخ أبي الفرج :
أبو الفضل محمد بن ناصر السلامي ، المتوفّى سنة ٥٥٠ هـ ، وهو الذي عني بابن الجوزي
في أوّل أمره ، وروى عنه ابن الجوزيّ كثيراً من الكتب كـ((الحلية)) وغيرها . ولازمه ثلاثين سنة.
وأبو القاسم هبة الله محمد بن الحُصَين البغدادي ، المتوفّى سنة ٥٢٥ هـ، سمع منه
«المسند» وغيره .
وأبو الوقت عبد الأوّل بن عيسى بن شعيب السِّجزي الهروي ، المتوفّى سنة ٥٥٣ هـ.
روى عنه «صحيح البخاريّ)» .
وأبو بكر محمد بن عبيد الله بن نصر ، ابن الزاغوني ، المتوفّى سنة ٥٥٢ هـ، روى عنه
((صحيح مسلم .))
وأبو الفتح ، عبد الملك بن أبي القاسم ، الكَروخي ، المتوفّى سنة ٥٤٨ هـ. روى عنه
«جامع الترمذي)» .
وهؤلاء الأربعة المذكورون قبل ، هم الذي ذكرهم في كتابنا هذا ، مُسْنِداً عنهم مصادره
الأربعة .
ومن شيوخه أبو منصور، عبد الرحمن بن محمد القزّاز الشّيباني ، المتوفّى سنة
٥٢٥هـ. روى عنه كثيراً، وبخاصّة كتاب ((تاريخ بغداد)».
وأبو بكر محمد بن عبد الباقي البزّز ، المتوفّى سنة ٥٣٥هـ. روى عنه كتباً كثيرة ،
منها ((الطبقات الكبرى))، لابن سعد، و ((نشوار المحاضرة)) للتنوخي .
وعبد الوهاب بن المبارك الأنماطي ، المتوفّى سنة ٥٣٨ هـ. وقد استفاد منه كثيراً في
رواية كتب غريب الحديث ، وكتاب ((المجالسة)) للدِّينوري .
وأخيراً نذكر شيخه أبا منصور الجواليقي ، موهوب بن أحمد، اللغويّ، المتوفّى سنة ٥٤٠هـ.
فقد سمع منه كثيراً من كتب اللغة ، وغريب الحديث ، كما قرأ عليه كتابه («المعرّب)) .
هؤلاء وغيرهم كثيرون ، على تنوّع معارفهم وثقافاتهم ، تلمذ لهم ابن الجوزيّ ، وقرأ
عليهم ، وروى عنهم الكتب والموسوعات العديدة(١).
(١) في ((مشيخته)) تفصيل لأسماء شيوخه، والكتب التي قرأها عليهم. كما أنّ في مصادر ترجمته حديث طويل
عن شيوخه .
(١٠)

وصار ابن الجوزيّ إماماً بارعاً ، وعالماً مُتقناً ، يجيد العلوم والمعارف المختلفة :
ففي التفسير وعلوم القرآن له باع طويل ، ومعرفة بالمتشابه ، والنظائر ، والناسخ
والمنسوخ ، وعجائب علوم القرآن .
وفي الحديث ورجاله مجدٍّ مجتهد ، يصنّف في الأحاديث الضعيفة والموضوعة ،
ويترجم لرجالات الحديث ويجرّح ويعدّل .
وفي العقيدة وعلوم الإسلام له سهم وافر ، ومكانة مرموقة .
أما في التاريخ فحدِّث ولا حَرَجَ ، فموسوعةٌ تاريخية عظيمة كتابُه ((المنتظم)) ، وتاريخ
بعض الخلفاء والمشاهير وغيرهم كتاباته فيهم مرموقة .
ولا يَقلّ عن ذلك جهده في اللغة والأدب والأخبار والطرائف .
أما الوعظ والمواعظ والخطابة فإمام لا ينازَع ، وفارس لا يُقارَع ، سارت مواعظه وقصصه
الوعظيّة مَضْرِبَ الأمثال ، وما يحكى في الكتب عن مجالس وعظه ، وكم كان يُقْبِلُ عليها ، ومن
كان يَحْضُرُها من عِلْيةِ القوم ، وآثارٍ وعظه في سامعيه ، حكاياتٌ يَظُنُّ قارئها أنّها قريبة من الخيال ،
أو مبالغ فيها . ومؤلّفاته الكثيرة جداً في الوعظ والنُّصح للخاصّة والعامّة مشهورة متداولة .
تلمذ للإمام أبي الفرج عدد كبير من أئمّة عصره ، من أهل بغداد ومن الواردين
عليها ، نذكر بعض مشاهير العلماء الذين أخذوا عنه :
فمنهم ابنُه محيي الدين يوسف ، الذي برع في العلوم والوعظ ، توفّ سنة ٦٥٦ هـ.
ومنهم سِبْطُه ابنُ ابنته ، يوسف بن قزغلي ، الذي تربّی في حجر جدّه ، وهو صاحب
الموسوعة التاريخية : ((مرآة الزمان)» توفّي سنة ٦٥٤ هـ.
والمؤرّخ الأديب ابن الدّبيثي، محمد بن سعيد بن يحيى ، المتوفّى سنة ٦٣٧ هـ.
والمؤرّخ أبو عبد الله محمد بن محمد، ابن النجّار البغدادي، ((المُذَيِّل)) على تاريخ
بغداد ، المتوفّى سنة ٦٤٣هـ .
واللغوي النحويّ الشهير، أبو البقاء عبد الله بن الحسين العكبري ، الذي أعرب غريب
((جامع المسانيد))، توفّ سنة ٦١٦ هـ.
(١١)

ونذكر ممّن روى عن أبي الفرج الإمامين الكبيرين عبد الغني بن عبد الواحد
المقدسي ، المتوفّى سنة ٦٠٠ هـ، وابن خالته موفّق الدین ، عبد الله بن أحمد ، ابن
قدامة ، المتوفّى سنة ٦٢٠هـ.
أما مؤلّفات ابن الجوزيّ فكثيرٌ عددُها ، متنوعةٌ فنونُها ، متفاوتةٌ أحجامُها ، فبين ما هو
في مجلّدات كثيرة ، أو في جزء واحد . والعلماء مختلفون كثيراً في عدّ كتب ابن الجوزيّ،
ما بين قائل إنها مئات ثلاث ، وبين من يجعلها ضعفين أو ثلاثة أضعاف ذلك .
وقد عُني القدماء والمُحْدَثون بحصر مؤلّفات ابن الجوزيّ . وكان حظُّه في بقاء مؤلّفاته
جيّداً، ونصيبُه من عناية المحقّقين والناشرين بكتبه وافراً . وقد كنتُ عَدَدْتُ في تقديمي
لكتابه ((كشف مشكل الصحيحين)) بضعة وسبعين كتاباً مطبوعاً ، عَرَفْتُها في ذلك الوقت ،
وقد زاد العدد حتى وصل إلى ما يقرب من مائة .
وهذا ذكر لبعض كتبه المطبوعة (١):
أخبار الأذكياء. أخبار الحمقى والمغفّلين. برّ الوالدين. تاريخ عمر بن الخطاب .
التبصرة في أحوال الموتى والآخرة . التحقيق في أحاديث الخلاف . تذكرة الأريب في
تفسير الغريب. تقويم اللسان . تلبيس إبليس . تلقيح فهوم الأثر . زاد المسير . صفة
الصفوة . الضعفاء والمتروكون . العِلَل المتناهية في الأحاديث الواهية . غريب الحديث . قُرّة
العيون النواظر في الأشباه والنظائر . القصّاص والمذكّرين . كشف مشكل الصحيحين .
المشيخة . المصباح المضيء في خلافة المستضيء . المنتظم . الموضوعات . نواسخ
القرآن . الوفا بأحوال وفضائل المصطفى .
وقد أثنى العلماء على ابن الجوزيّ ، وقدّروه :
قال عنه ابن الدّبيئي: ((صاحب التصانيف في فنون العلم والتفسير والفقه والحديث
والوعظ والتاريخ ، وإليه انتهت معرفة الحديث وعلومه ... )).
(١) ينظر مقدّمة كشف المشكل ٦،٥.
(١٢)

وقال ابن خلّكان: «الفقيه الحنبلي الواعظ ، كان علامة عصره ، وإمام وقته في الحديث
وصناعة الوعظ)) .
وقال ابن كثير: ((أحد أفراد العلماء ، برز في كثير من العلوم، وجمع المصنّفات الكبار
والصغار ... وتفرّد بفنّ الوعظ الذي لم يُسبق إلى مثله ، ولا يُلحق شأوه في طريقته
وشكله ، وفي فصاحته وبلاغته وعذوبة كلامه ... وله في العلوم اليد الطُّولى .. )).
وقال الذهبي: (( .. وكان بحراً في التفسير، علاّمة في السير والتاريخ ، موصوفاً بحُسن
الحديث ، ومعرفة فنونه ، فقيهاً، عليماً بالإجماع والاختلاف، جيّد المشاركة في الطبّ .. )).
وقال ابن رجب: ((الحافظ المفسّر الفقيه الواعظ الأديب، شيخ وقته، وإمام عصره ..
لم يكن لمجالسة الوعظيّة نظير ، ولم يُسمع بمثلها ، وكانت عظيمة النّفع ، يتذكّر بها
الغافلون ، ويتعلّم منها الجاهلون ، ويتوب فيها المذنبون . وقد تكلّم مرّة فتاب في المجلس
نحو مائتي رجل» .
وبعد هذه الحياة الحافلة ، تعلّماً وتعليماً ، وتأليفاً وعملاً، وهذا التقدير العظيم الذي
لقيه ابن الجوزيّ من أهل عصره، ثم من العلماء الذين ذكرنا بعض قولهم فيه ، وعلى
مرّ العصور إلى يومنا هذا ، من الإقبال على مؤلّفاته ، والانتفاع بها ، بعد هذا كلّه أصابه
شيء من البلاء الذي يصيبُ المؤمنين العاملين ، فقد كاد له بعض الزّنادقة الواشين ،
الذین لا یسژهم شیوعُ الحقّ وبروزُ رجالاته ، فتمكّنوا من الإيقاع بابن الجوزي عند وزير
رافضي خبيث ، فنفاه إلى واسط وهو في الثمانين من عمره ، وسجنه فريداً وحيداً ،
قضى في سجنه سنوات خمساً من أواخر أيامه ، ثم أُعيد إلى بغداد ، فلم يَلْبَثْ كثيراً حتى
قضى نحبه .
وكانت وفاة ابن الجوزيّ ليلة الجمعة الثالث عشر من رمضان المبارك سنة سبع
وتسعين وخمسمائة للهجرة . وقد دُفِن بعد صلاة الجمعة ، في يوم مشهود ، أفاضت
المصادر بالحديث عنه ، وعن جنازة حضرها الجموع الغفيرة .
(١٣)

أمّا نسبة الكتاب الذي تتحدّث عنه ونقدّم له محقّقاً لابن الجوزي ، فمن فُضول
القول ، ولکن نذکر بإيجاز :
أن الكتب الأربعة التي جمعها في هذا الكتاب ، ذكر إسناده لها ، عن شيوخه
المعروفين . كما أسند في الكتاب أحاديث عن شيوخه .
وأحال المؤلّف على بعض كتبه: ((الموضوعات)) و((الأحاديث الواهية)) و((كشف
المشكل)) و((التحقيق)).
وذكر المترجمون لابن الجوزي الكتاب في مؤلّفاته . ونقل حاجٌ خليفة أوّه(١) .
والعكبري تلميذ ابن الجوزيّ ألّف ((إعراب الحديث)) واختار كتاب شيخه هذا ، قال: ((واعتمدْتُ
على أتمّ المسانيد وأقربها إلى الاستيعاب، وهو جامع المسانيد، للإمام الحافظ .... ))(٢).
أما الكتاب فلم يُسَمّه المؤلّف في المقدّمة أو الخاتمة ، وأكثر من ذكره سمّاه ((جامع
المسانيد)) ، منهم العكبري ، والذهبي ، وابن كثير ، والصفدي ، والسيوطي ، والداودي . وزاد
ابن رجب فيه: ((جامع المسانيد بألخص الأسانيد)» وتابعه إسماعيل باشا البغدادي(٣)
وكتب هذا العنوان في بعض المخطوطات. أما حاجّ خليفة فسمّاه : ((جامع المسانيد
والألقاب». وذكر أن الشيخ أبا العبّاس أحمد بن عبد الله، المعروف بالمُحِبّ الطبريّ،
المتوفى سنة ٦٤٩ هـ، رتّب الكتاب(٤).
وذكر الذهبي والصفدي والداودي أن الكتاب سبعة أجزاء . وهذا الغالب على تقسيمه .
ولكن إحدى نسخ الكتاب يتبيّن منها تقسيمه إلى أحد عشر جزءاً .
وننبّه هنا إلى هناك كتاباً للإمام ابن كثير المتوفّى بعد ابن الجوزي بحوالي قرنين من
الزمان سنة ٧٧٤ هـ، يعرف بـ((جامع المسانيد والسنن)). أقامه أيضاً على مسند الإمام
أحمد ، ورتّب فيه الأحاديث على المسانيد ، ولكنّه أضاف إلى الكتب التي اعتمدها ابن
الجوزي : سنن ابن ماجه ، وأبي داود ، والنسائي ، ومسند أبي يعلى ، والمعجم الكبير
للطبراني ، ومسند البزّار، فصارت عشرة . ورتّب الرواة عن الصحابة على حروف المعجم،
(١) كشف الظنّون ٥٧٣/١.
(٢) إعراب الحديث ٩٢ .
(٣) هدية العارفين ٥٢١/١ .
(٤) كشف الظنّون ٥٧٣/١.
(١٤)

فتكرّر الحديث الواحد في مواضع ، وترجم لكلّ صحابيّ في أوّل مسنده. كما أنّه أفرد
للمكثرين من الصحابة أجزاء ، منها ما أتمّه ، ومنها ما أدركه الأجل قبل إنجازه .
وإذا خطونا لنتحدّث عن الكتاب فإننا نبدأ بعرض المقدّمة المختصرة التي عقدها
ابن الجوزي له ، تناول فیھا دوافع التأليف ومنهاجه :
٤، وأنهم
ذکر ابتداءً أن جماعة من أصحابه أحبُّوا أن يطَّلعوا علی حدیث رسول الله
لاحظو أن الأحاديث تتكرّر في الكتب ، وألفاظها تنقص وتزيد ، وأنّهم قد أخذتهم الحيرة
فيما يعتمدون عليه منها : فبعضها لا يستوعب وتفوته أحاديث ، وبعضها يتكرّر فيه الحديث
ويعاد في مواضع ، وبعضها يقتطع من الحديث ما يناسب الموضوع الذي يسوقه فيه . وأن
الجمع بينها صعب ، يفوت معه أشياء وعلوم أخر. فكان المؤلّف مسارعاً لتلبية حاجهم ،
وإزال انزعاجهم ، بأن صنّف هذا الكتاب .
ثم تحدّث ابن الجوزي عن أوائل المصنّفين في الحديث وجامعي المسانيد ، ونقل
الأقوال في ذلك ، ليصل إلى أن مسند الإمام أحمد أجمعُ هذه الكتب .
وذكر بعدها أن سيجمع بين أكثر الكتب الحديثيّة استيعاباً، وأعلاها إسناداً : المسند
والبخاري ومسلم والترمذي .
وعن طريقته في الجمع بيّن أنه يأتي بالحديث في أتمّ ألفاظه من أيّها كان ، وأنّه
یحذف المكرّر ، إلا أن یکون فیه زیادة حكم أو فائدة .
وأشار إلى أنّه ترك أحاديث يسيرة ممّا في المسند والجامع ، لأنّها لا تصلح ، وأنّ
بعضها ذكره في الأحاديث الضعيفة أو الموضوعة . وممّا سيفعله المؤلّف أن يبيّنَ إذا كان
الحديثُ عند الشيخين أو أحدهما ، وأنّه سيستغني عن الأحاديث غير المسندة وكلام
الصحابة - إلا قليلاً منه ، وأنّه سيوضّح الكلمات الغريبة والمعاني المشكلة .
ثم عقد ابن الجوزي فصلاً في فضائل هذه الكتب الأربعة . أعقبه ذكر إسناده إليها ،
ليستغني عن إعادة الإسناد في كلّ حديث. فإذا قال : حدّثنا أحمد فهو من مسنده،
وإذا قال: حدّثنا عبد الله فهو من زياداته على المسند ، وإذا قال : حدّثنا البخاري فهو
من صحيحه ...
(١٥)

وذكر أنّه أضاف أحاديث نادرة عن غير هذه الكتب ، وسيذكرُها بأسانيدها .
ثم أبان عن طريقة ترتيبه الكتاب على المسانيد ، مراعياً حروف المعجم ، في الرجال
وفي النساء ، وإنّه سيُتبع كلّ قسم بالكنى والمجاهيل .
هذا إيجاز لما احتوته المقدّمة ، وسأفصّل الكلام عن الكتاب كما تبيّن لي من عملي
الطويل فيه :
جعل ابن الجوزي الجامع في قسمين : الأوّل لمسانيد الرجال ، والثاني لمسانيد النّساء
- وهو الأصغر .
يقسم كلّ قسم إلى ((مسانيد)) مراعياً في ذلك حروف المعجم ، والواو قبل الهاء . فهو
لا يعتدّ بكون الصحّابيِّ مقدّماً أو غير مقدّم، مُكْثِراً أو مُقِلّاً، أنصاريّاً أو قرشيّاً. ولم يَعُدْ
للباب أو الموضوع الذي كان عمدة الصحيحين والترمذي مكانٌ في عمل ابن الجوزي .
وهو یختار اسم الصحابي ، لا کنیته ولا شهرته : فأبو بكر: عبد الله عثمان ، وأبو
أيوب : خالد بن زيد ، وأبو هريرة تحت عبد شمس ، أما سعد بن أبي وقاص ، وسلمة بن
الأكوع، فالاسم هو سعد بن مالك ، وسلمة بن عبيد . أما أمّ هانىء فهي فاختة ، وأمّ
سلمة : هند . فإن اتّفق اسم الصحابيّ مع غيره ، رتّب على اسم أبيه : فهو يقدّم عبدالرحمن
ابن سنّة على عبد الرحمن بن شبل ، وبعدهما عبد الرحمن بن صفوان .. وهكذا يلزم من
يعرف أين يجد مسند صحابيّ أن يعرف اسمه واسم أبيه .
ولمّا كان في بعض الأسماء خلاف ، فإنّه محتاج لأن يرجّح أحد الأقوال في ذلك ،
وربما أشار إلى ما قبل في اسمه(١).
وسأشير في المآخذ على المؤلّف كيف وقع في قليل من الخلل في ذلك ، حين قدّم أو
أخّر أسماء بعض الصحابة أو آبائهم عن مواضعها .
(١) هذه من صعوبات البحث في الكتاب، لأننا نعرف أبا سعيد وأبا قتادة وأبا مسعود ، ونعرف الأقرع بن حابس
وأمّ حرام .. دون معرفة أسمائهم . وقد عملت في آخر الكتاب فهرساً للصحابة جميعاً الواردة مسانيدهم في
الكتاب - غير الفهرس الذي يختم به كلّ جزء- وذلك للإحالة في الأسماء المشهورة للصحابة إلى الموضع
التي نجد مسند الصحابيّ تحته .
(١٦)

فإذا أنهى المؤلّف المسانيد على النحو المذكور في الرجال ، وجد أمامه كمّاً من
الأحاديث في مصادره - وبخاصة المسند - لم يستطع أن يوردها تحت ما سبق . فيأتي
بسبعة أحاديث لصحابة وقع الشكّ فيهم . ثم قسم لأحاديث الصحابة الذين يعرفون بكناهم
ولم يهتد إلى أسمائهم . ثم أحاديث أقوام نُسبوا إلى أقاربهم : أخو خزيمة بن ثابت ، عمّ أبي
حرّة الرقاشي ، ابن عمّ الأحنف بن قيس ، ثم أحاديث من عرفوا بالقرب إلى أقوام : مولى
، مصدّق رسول الله
لرسول الله
* ، جار لخديجة ..
وابن الجوزيّ يجد في مواضع من المسند أحاديث جاءت تحت : رجال من أصحاب
النبي :﴿، أو: رجل سمع النبي {8}، أو: حديث بعض أصحاب النبي حَ ﴾(١) .. حاول
المؤلّف أن يرتّبَها، فقد يكون الحديث مرويّاً بالإسناد إلى رجل سمع النبيّ {﴿ ، أو
أعرابيّ ، أو رجل من جهينة، أو أنصاريّ .. فعليه جعلَ المؤلِّفُ مسانيد: رجل من بني
سليم ، رجل من جهينة ، الفِراسيّ ، رجلٌ من الأنصار، أعرابيّ ، بدويّ ...
وفي القسم الثاني - النساء- يسلك المنهاج نفسه ، إلاّ أن الأحاديث الأخيرة فيه
قليلة ، مثل : حديث بعض أزواج النبي ﴿
، حديث امرأة ..
وكلّ واحدٍ من هؤلاء، تجمع أحاديثه تحت ((مسند))، وقد يكون في هذا المسند حديث
أو حديثان أو بضعة أحاديث أو مئات .
فإذا كان لصاحب المسند حديث واحد ذكره دون ترقيم ، فإذا كان له أكثر من ذلك
قال: الحديث الأوّل ، الحديث الثاني .. الحديث العاشر .. الحديث الرابع بعد
الثلاثمائة .. إلى أن ينتهي المسند .
وسيذكر المؤلّف الحديث على أتمّ صورة - في رأيه ، ولن يذكر المكرّرات إلاّ لفائدة . فإن
ذكر مكرّراً قال : طريق آخر . وقليلاً ما يستخدم عبارات مثل : طريق فيه زيادة ، طريق مختصر ،
وقد روي على غير هذا .. وهذه العنوانات تعني أنّه سيذكر رواية أو مكرّراً للحديث .
ولو أردنا أن نتحدّث عن ((حديث)) و((طريق))، لطال بنا المطاف ، فكم طريقٍ كان يمكن
أن يجعل حديثاً ، يقابله أحاديث مفردة جعل أمثالها عنده طرقاً . فتحديد الأمرين فيه
كلام . وأنّه على كثير منه في التعليق على الكتاب .
(١) ينظر على سبيل المثال: المسند ٦٢/٤، ٣٦٢/٥، ٤١٢ وما بعدها .
(١٧)

ونشير هنا إلى مسألة مرتبطة بما سبق ، وهي أنه قد لا يذكر الطريق أو الرواية الأخرى ،
ولكنّ يُنَبّه على اختلاف الروايات ، أو الألفاظ :
(٤٤٤٣) ((وبيده الأخرى القبض)) قال: وفي بعض الألفاظ: ((القبض أو الفيض ... )).
(٤٤٥٣) ((لا أزال أقاتل الناس حتى ... )) وفي بعض الألفاظ: «أُمرتُ أن أقاتلَ ... )).
(٤٤٧٠) ((لا يَقُلْ أحدُكم للعنب الكرم ، فإنّما الكرم الرجلُ المسلم» قال: وفي لفظ:
((فإنّما الكرم قلب المؤمن» .
(٤٥٤٨) («انتقص من أجره كلَّ يوم قيراط)) وفي لفظ: ((قيراطان)) ...
أما كيف يختار المؤلّف من هذه المصادر؟ وما معايير الرواية الأتمّ والأكمل؟ فإنّني لا
أتردّد في القول إنّ صاحبنا لم يلتزم بما قدّم ، ولما يأخذ بما رسم ، ولم يفِ بما وعد .
إنّ أبا الفرج من أئمّة الحنابلة ، ومن أنصار المذهب - وإنْ غمز بعضهم فيه . وإجلال
المسلمين للإمام أحمد ، وتقديرهم للمسند لا خلاف فيه . والاتّفاق قائمٌ على أنّ في
المسند تكراراً ، وفيه أحاديث كثيرة في غير مواضعها ، والكلام في ما يحويه المسند من
أحاديث غير صحيحة : كمّها ، ودرجة الضعف فيها ، مشهور بين العلماء . والأمل كان يراود
العلماء على مرّ العصور ، أنّ يُقَيِّض الله تعالی للمسند من یرتّبه ، ویحذف مكرّره ، ویحکم
على أحاديثه .
وكأنّي بالمؤلّف قد وضع نصب عينيه المسند ، يسعى إلى أن يقدّم ما يُرجى له ، ويدفع
عنه ما فيه ، فأحاديث الصحابيّ التي تكون في أكثر من موضع يريد أن يجمعَها في موضع
واحد ، والحديث الذي يتكرّر دون زيادة أو فائدة ، إما لاختلاف شيخ أحمد ، أو أحد رواته ،
يحاول حذفه . وإذا رَبَطَ هذه الأحاديث بالصحيحين ، فإنّ في ذلك تقويةً لها ، ورفعاً من
شأن المسند وصاحبه . والشكوى التي أشار إليها في المقدّمة من أصحابه ، كأنّها تعبِّر عن
ابن الجوزي نفسه ورغبته .
فكم حديث في الكتاب رواه عن المسند ، وعند الشيخين والترمذي رواية قريبة منه ،
أو أتمّ وأكمل ، ونظرة سريعة في الكتاب تظهر ذلك . والمؤلّف إذا روى حديثاً عن البخاري
(١٨)

أو مسلم ، فغالباً ما يُتبعه برواية أحمد ، على أنّها طريق ، إذا كانت عنده . أما إذا روى رواية
أحمد فإنّه يكتفي بالتنبيه على إخراجهما لها .
صحيح أنّه روى أحاديث عن الشيخين والترمذي ، وفي المسند ما هو أمثالها ، أو بسند
أعلى منها، ففي مسند عوف بن مالك (٤٤٠) نقل الأحاديث كلّها عن غير المسند .
ولكنّها ظاهرة قليلة إذا ما قورنت بالصورة الأخرى .
لهذا يُعَدّ الكتاب من أهمّ الكتب التي عُنيت بالمسند ، ودارت حوله ، تهذيباً للكتاب ،
وربطاً له بالصحيحين . ولَسْتُ مع محقّقي المسند عندما لم يَعُدّوا في مقدّمتهم ((جامع
المسانيد)) من جملة ما خَدَمَ المسند ، لأنّه ذكر في مقدّمته أنه جمع بين الكتب الأربعة ،
على أنّهم ذكروا جامع ابن كثير ، الذي جمع مع المسند تسعة كتب كما سلف ، لكنّ عدم
اطّلاعهم على الكتاب ، وعدم تيسّر المخطوطة لهم ، جعلهم يحكمون هذا الحكم .
ونذكر هنا إضافة ابن الجوزيّ أحاديث إلى مصادره الأربعة ، فقد أضاف عشرات من
الأحاديث ، بعضها لصحابة ليس لهم مسانيد أصلاً في هذه المصادر، وبعضهم له
أحاديث ، ولكنّه أضاف عن غير مصادره. عن ابن ماجه ، أو أبي داود ، أو الدارقطني ، أو
عبد بن حميد ، وهو يروي الحدیث بسنده إلى الصحابي :
(٦١٦٣) أخبرنا أبو غالب الماورديّ قال: أخبرنا أبو عمر الهاشمي قال: أخبرني
القشيري قال : أخبرنا اللؤلؤي قال : حدّثنا أبوداود السجستاني قال : حدّثنا سليمان بن
عبدالحميد البهراني ..
فبهذا الإسناد إلى أبي داود، ومنه إلى مالك بن يسار عن النبيّ :﴿ جعل المؤلّف
((مسنداً)) لمالك .
ومسند «سُرّق)) روى فيه حديثاً بإسناده إلى الدارقطني (١٨٤٧) . وجعل ليزيد بن
شجرة مسنداً ، روى عن شيخه عن الأوّل إلى عبد بن حميد .. إلى يزيد (٦٦٦٢). ومثله
مسند يزيد بن عامر (٦٦٦٣)، ومسند يزيد من نعامة (٦٦٦٦)، ومسند أبي السَّمح
(٦٧١٦)، ومسند السرّاء بنت نبهان (٧١٢١). هؤلاء الصحابة لم يكن لهم في مصادره
أحاديث ، فجمع أحاديث لهم من غيرها .
(١٩)

ولكن هناك أحاديث لصحابة لهم مسانيد ، فأضاف أحاديث ممّا لم ترد في
مصادره(١) .
ولكن أغرب ما في هذا الجانب ، أن يكون أمامه أحاديثُ في البخاري أو مسلم أو
المسند ، ومع ذلك يستدركها بإسناده إلى غيرها ، وقد يقول في بعضها : أخرجاه .. أو
أخرجه مسلم (٢٦٣١، ٤٦٤١، ٤٦٨٧، ٠٠٠٦٣١٥).
هذه الأحاديث التي جمعها من الكتب الأربعة والزيادات لم تصل عند ابن الجوزي
في ((الجامع)) إلى ثمانية آلاف حديث - عدا الطرق. في حين تصل الأحاديث- مع
مكرّراتها في هذه الكتب إلى أضعاف ذلك ، بحيث يكون مختصر المؤلّف لا يصل إلى ربع
عدد الأحاديث الموجودة في هذه المصادر .
ولكن هذا الاختصار لم يمنع من تكرار الحديث في مواضع ، لأنّ الحدیث قد یرویه
أكثر من صحابي ، فيتكرّر في المسانيد ، وقد يشترك في قصّة الحديث أكثر من صحابي ،
فيكون مظنّة وروده في مسانيد: فأمر النبيّ ﴿﴿ أن يصلّيَ أبو بكر في الناس ، في مرضه .
وما دار بين ابن عمر وأبي هريرة في فضل من تبع جنازة ، واحتكامهما إلى عائشة . وقصّة
تأيّم حفصة، وعرض عمر إيّاها على أبي بكر وعثمان، وزواج النبيّ نَّهُ منها . والنهي عن
أن تُحِدَّ المرأةُ أكثر من ثلاث إلا على زوجها. وأكل المؤمن في معىٍّ واحد والكافر في
سبعة أمعاء . وقصّة الدّجّال ، وابن صيّاد، وغيرها من الأحاديث ورد الواحد منها في أكثر
من مسند من الكتاب .
وأما ترتيب المؤلّف الأحاديث في المسند الواحد فأمرٌ لا دقّة فيه . ولا ضابط واضحاً
له . فلم يُراع ترتيب الرواة عن الصحابة ، كما أنّه لم يرتّب على أسماء شيوخه . وابن
الجوزيّ أمامه المسند، يحاول - إلى حدّ كبير - أن يراعيّ ترتيب الأحاديث كما وردت
فيه ، وإن لم يكن ذلك مُلزماً له في كلّ مسند ، ففي بعض المسانيد يبدأ بحديث من وسط
المسند أو من آخره، لأنّه يرى أنّه أتمّ رواية . وهو إذا ذكر حديثاً سار وراءه متتبّعاً طرقه
ورواياته في مواضعها . وأحياناً نجد المؤلّف يحاول أن يجمع الأسانيد المتشابهة والمتقاربة
(١) ينظر الأحاديث (٥٢٣٨، ٥٣٣٥، ٥٣٩٦، ٥٤٥٣، ٥٤٥٥، ٥٨٨٠، ٥٨٨١، ٩٣٣، ٥٩٤٥، ٠٠٠٥٩٤٧).
(٢٠)