Indexed OCR Text

Pages 81-100

٢٠٦٧ - (خ - قيس بن أبي حازم رحمه اللّه) قال: ((دَخْلَ أبو بكرٍ
على امرأةٍ مِنْ أحْمَسَ ، يقال لها: زَيَنَبُ ، فَرَآها لا تَكَّمُ، فسأل عنها؟(١) :
فقالوا: حَجَّتْ مُصْمِتَةً، فقال لها: تَكلَّمي ، فإنَّ هذا لا يَحِلُّ(٢) ، هذا
من عمل الجاهلية ، فتكلَّمتْ ، فقالت: مَنْ أَنْتَ ؟ قال: أنا أمْرُؤُ من
المهاجرين ، قالت : من أيُّ المهاجرين؟ قال: من قريش، قالت : من أَيُ
قريشٍ ؟ قال: إِنَّكِ لَسَؤولٌ ، أنا أبو بكر ، قالت: ما بَقَاؤُنَا على هذا
الأمر الصَّالِحِ الذي جاءَ اللهُ به بعدَ الجاهلية؟ قال: بقاؤكم عليه ما استَقَامَتْ
لكم أنْتُكُمْ، قالت: وَمَا الأثِمَّةُ؟ قال: أو ما كان لِقَومِكِ رُؤُوسٌ وَأَشْرَافٌ
يأمُرو نَهُمْ فَيُطيعونهم ؟ قالت: بَلَى، قال: فهم أولئك على الناس».
أخرجه البخاري (٣).
[شرح الغريب]:
( مُصْمِتَة) الْمُصْمتِ: الصَّامِتُ، يقال: صَمَتَ وأَضَمَتَ: إِذا سَكَتَ.
٢٠٦٨ - (م - عبد الرحمن بن شماسة (٤) المهري رحمه الله) قال:
( أَتَيْتُ عائشةَ أسألها عن شيءٍ؟ فقالت: مَن أَنْتَ؟ فقلتُ: رَجُلٌ من
(١) في البخاري المطبوع: فقال: مالها لا تكلم!
(٢) انظر الفتح ١١٣/٧ في الكلام على قوله: فان هذا لا يحل .
(٣) ١١٢/٧ و ١١٣ في فضائل أصحاب النبي ، باب أيام الجاهلية.
(٤) ((شماسة)» يفتح الشين وضمها.
- ٨١ -
م ٦ - ج٤

أهل مصرَ ، فقالت: كيف كان صَاحِبُكُمْ لكم في غَزَاتِكُمْ هذه؟ فقلتُ :
مَا نَقَمْنًا [منه] شيئاً، إنْ كان لَيَمُوتُ لِلرَّجْلِ مِنَّا الْبَعِيرُ فَيَعْطِهِ البعيرَ، والعبدُ
فَيُعْطِيهِ العبدَ ، ويَحْتَاجُ إِلى النَّفْقَةِ فَيُعْطِيهِ النَّفَقَةَ، فقالت: أَمَا أَنَّهُ لا تَنَعُنِي
الَّذِي فَعَلَ في محمد [بن أبي بكر] أخي أنْ أُخبِرَكَ (١) ما سمعتُ من رسولِ الله
صَلِّ، سمعتُهُ يقول في بيتي هذا: اللّهُمَّ مَنْ وَلي من أمْرِ أُمَّي ◌َشَيْئاً، فَشَقَّ عليهم،
فَاشْقُقْ عليه، ومَنْ وَلَيَ مِن أَمْرٍ أُمَّتِي شَيْئاً فَرَ فَقَ بِهِم، فَارْفُق بهِ، (٢).
أخرجه مسلم(٣).
[شرح الغريب):
( نقمنا ) نَقَمْتُ على فلان كذا: إِذا أنكر تَه منه .
٢٠٢٥ - (د- أبو فراس الربيع بن زياد رحمه الله) قال: خطبنا
عمرُ بنُ الخطاب رضي الله عنه، فقال في خُطْبتِهِ: ((إني لم أبَعَثْ عُمَّالي
ليضربوا أبْشَارَ كُمْ، ولا ◌ِيَأْخُذُوا أَمْوالكُمْ، فَمن فُعِلَ بِهِ ذلك فَليَرْ فَعُهُ إلَيَّ،
أَقِصُهُ منه، فقال عمرو بنُ العاص: لو أنَّ رَجُلاً أَدْبَ بعضَ رَعِيَّتِهِ، أَتْقِصْهُ
(١) قال النووي في شرح مسلم: قوله: (( أما إنه لا يمنعني الذي فعل في محمد بن أبي بكر أخي أن
أخبرك)» فيه أنه ينبغي أن يذكر فضل أهل الفضل ، ولا يمتنع منه بسبب عداوة ونحوها .
(٢) قال النووي: هذا من أبلغ الزواجر عن المشقة عن الناس، وأعظم الحث على الرفق بهم ،
وقد تظاهرت الأحاديث بهذا المعنى .
(٣) رقم ١٨٢٨ في الامارة ، باب فضيلة الإمام العادل .
- ٨٢ ٥

منه؟ قال: إي والَّذي نَفْسي بيده، إلا أُقِصُهُ، وقد رأيتُ رسولَ الله عَّالِ
أَقَصَّ مِنْ نَفْسِهِ )) أخرجه أبو داود(١).
[شرح الغريب]
( أبشاركْ) : جمع بَشَرة ، وهي ظاهر جلد الإنسان .
( أَقِصُّهُ): آخذُ منه القصاص بما فَعَلَ بِهِ .
٢٠٧٠- (د- جبير بن نفير وكثير بن مرة وعمرو بن الاسود والمقدام
ابن معدي كرب (٢) [وأبي أمامة] رضي الله عنهم) قالوا: إنَّ رسولَ الله عت اتي
قال: ((إِذَا ابْتَغَى الْأَمِيرُ الرَّبِيَةَ فِي النَّاسِ أَفْسَدُهم، أخرجه أبو داود(٣).
[شرح الغريب]:
( الرَّبِبَةُ): النَّهمةُ ، والمراد: أَنَّ الأمِيرَ إِذا أَنَّهمَ رعيَّتَهُ، وَخَامَرَهُمْ
بسوءِ الظَّنُ فيهم، أدَّاهُم ذلك إلى ارتكابٍ مَاظَنَّ فيهم ففسدوا .
٢٠٧١ - ( يحيى بن سعيد رحمه الله) أنَّ عُثمانَ بن عفان رضي الله عنه
(١) رقم ٤٥٣٧ في الديات ، باب القود من الضربة وقص الامير من نفسه ، وفي سنده أبو فراس
التهدي الربيع بن زياد، وهو مجهول، قال الذهبي في ((الميزان)»: لايعرف .
(٢) في مسند أحمد : عن المقداد بن الأسود .
(٣) رقم ٤٨٨٩ في الأدب، باب النهي عن التجسس، وأخرجه أيضاً أحمد في المسند ٤/٦ وهو
حديث حسن .
٨٣٠٠-

كان يقول: « مَا يَزَعُ النَّاسَ السلطانُ أَكْثُرُ بِمَا يَزَعُهُمْ القُرآنُ، أُخرجه .. (١).
[شرح الغريب]:
(يَزَع) وزَعَ يَزَعُ: إذا كَفَ وَرَدَعَ .
الباسب الثاني
في ذكر الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم وَبَيْعَتِهِمْ
٢٠٧٢ - (خ - عبد اللّه بن عباس رضي الله عنهما) أنّ علياً خرَجَ
من عندٍ رسول اللّه عَ لّهِ فِي وَجَعهِ الذي تُوقُيَ فيه، فقال الناسُ: يا أبا
حَسَنٍ، كيفَ أصْبَحَ رسولُ الله ◌ٍِّ؟ فقال: أصْبَحَ بِحَمدِ اللهِ بارِنّاً،
فَأَخذَ بيده العباسُ بنُ عبد المطلب ، فقال: أنتَ واللهِ بعدَ ثَلاثٍ عبدُ
العَصَا، وإني لأرى رَسُولَ الله عَّهِ سَيُتَوَفى من وَجَعِهِ هذا، إني لأعرفُ
وُجُوهَ بني عبد المطلب عند الموتِ، فَاذهبْ بِنَا إلى رسول الله عَليه
فَنَسْأَلَهُ: فيمن هذا الأمرُ؟ فإن كان فينَا عَلْنا ذلك ، وإن كان في غير نَاكُلَّْناهُ
فَأوصى بنا، فقال علىُّ: أما والله، كَئنْ سألناها رسولَ الله ◌ِّ فمعناهَا
لا يُعطِينَآَهَا النّاسُ بَعدَهُ: وإني والله، لا أسألُها رسولَ اللّه ◌ِلّهِ )).
(١) كذا في الأصل بياض بعد قوله: أخرجه، وفي المطبوع: أخرجهرزين، وإسناده منقطع،
وهو مشهور من كلام عثمان رضي الله عنه .
- ٨٤ -

أخرجه البخاري (١) .
٢٠٧٢ - (خ م ت - جبير بن مطعم رضي الله عنه) قال: ((إنّ
امرأةٌ أَتَتْ رسولَ الله عَنِيمٍ، فَكَلَّمَتْهُ فِي شَيْءٍ، فَأَمَرَ هَا بَأنْ تَرِجِعَ،
قالت : فإن لم أجِدْكَ؟ - كأنها تقولُ: الموتَ - قال: إنْ لم تَجِدِيني فائتي أبا
بَكرٍ ، أخرجه البخاري ومسلم والتر مذي (٢).
٢٠٧٤ - (ع س - عائشة رضي الله عنها) قالت: (( إِنْ رسولَ الله
صَلِّ مَات، وأبو بكرٍ بِالسُّحِ(٣) [قال اسماعيل](٤) - تعني بالعَالِيةِ - فقام
عمرُ يقول: واللّه مَا مَات رسولُ اللّه، قالت: وقال عمر: ( والله] مَا كانَ
يَقَعُ فِي نَفسي إلا ذاك (٥) ، ولَيَبِعْثَنْهُ اللهُ فَلَيُقَطِّعَنَّ أَيدِيَ رِجِالٍ وَأَرْجُلهمْ،
فَجَاءَ أبو بكرٍ ، فَكَشَفَ عن رسولِ الله ◌ِلّهِ، فَقبَلُهُ وقال: بِأَبِي أَنْتَ
(١) ٤٩/١١ في الاستئذان، باب المعانقة وقول: الرجل كيف أصبحت، وفي المغازي ، باب
مرض النبي صلى الله عليه وسلم ووفاته، وانظر فتح الباري ٤٩/١١ - ٥٢.
(٢) البخاري ١٨٠/١٣ في الأحكام ، باب الاستخلاف ، وفي فضائل أصحاب النبي صلى الله
عليه وسلم ، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: لو كنت متخذاً خليلا، وفي الاعتصام ، باب
الأحكام التي تعرف بالدلائل ، ومسلم رقم ٢٣٨٦ في فضائل الصحابة ، باب من فضائل أبي
بكر ، والترمذي رقم ٣٦٧٧ في المناقب، باب من فضل أبي بكر ، قال الحافظ في «الفتح»:
وفي الحديث أن مواعيد النبي صلى الله عليه وسلم كانت على من يتولى الخلافة بعد تنجيزها .
(٣) هو منازل بني الحارث من الخزرج بالعوالي بينه وبين المسجد النبوي ميل.
(٤) هو شيخ المصنف ، وهو ابن أبي أويس .
(٥) يعني عدم موته صلى الله عليه وسلم حينئذ.
- ٨٥ -

طِبِتَ حَياً ومَيْتاً ، والذي نفسي بيده، لا يُذِيقَنْكَ اللهُ الموتَتَيْنِ أبداً (١)،
ثم خرج أبو بكرٍ، فقال: أيُّها الحالفُ، على رِسْلِكَ (٢) فَلَمَا تَكلّمَ أبو بكرٍ
جَلَسَ عُمرُ، فَحمدَ اللّهَ أبو بكر وأثنى عليه وقال: ألا ، مَنْ كانَ يَعْبُدُ
مَُّداً فإن محمداً قد مات ، ومن كان يعبد اللّهَ فَانَ الله حَيٌّ لا يموتُ، وقال :
(إِنّكَ مَّيْتُ، وإنّهم مَيِّتُونَ) [ الزمر: ٣٠] وقال: (وَمَا مُحَمَّدٌ إلاَّ
رسولْ قَدْ خَلَتْ مِن قَبِهِ الرَّسُلُ، أَفَانْ مَاتَ أو قُتِلَ أَنْقَبْتُمْ على أعقابِكَمْ؟
ومَنْ يَنْقَلِبْ على عَقِبَيْهِ فَلنْ يَضُرَّ اللّه شيئاً، وسَيَجزي اللهُ الشاكِرِينَ)
[ آل عمران: ١٤٤] قال: فَنَشَجَ الناسُ [ يَبِكُونَ]، قال: واجتَمَعَتِ
الأَ نصارُ إِلى سعد بن عُبادةَ في ◌َسَقِيفَةٍ بَنِي سَاعِدَةَ ، فقالوا: مِنْا أَمِيرٌ ، ومِنكم
أمِيرٌ ، فَذَهبَ إليهم أبو بكر وعمرُ بنُ الخطاب وأبو ◌ُبَيْدَةَ بنُ الجراح،
فذهب عمرُ يتكلم ، فَأَسْكَتَهُ أَبو بكرٍ ، وكان يقول: واللّهِ مَا أردتُ بذلك
إِلا أَنِّي قد هَيَأْتُ كلاماً أعجبني، خشيتُ أنْ لا يَبلَغْهُ أبو بكر؟ ◌ُمَّ تَكَلَّمـ
(١) قال الحافظ في الفتح: وعنه أجوبة، فقيل: هو على حقيقته، وأشار بذلك الى الرد على من
زعم أنه سيحيا فيقطع أيدي رجال، لأنه لو صح ذلك للزم أن يموت موتة أخرى، فأخبر أنه
أكرم على الله من أن يجمع عليه موتتين ، كما جمعها على غيره ، كالذين خرجوا من ديارهم وهم
ألوف، وكالذي مر على قرية ، وهذا أوضح الأجوبة وأسلمها .
(٢) أي : على هينتك ، ولا تستعجل ، قال الحافظ في الفتح: وأما وقوع الحلف من عمر على
ماذكره ، فبناه على ظنه الذي أداه إليه اجتهاده ، وفيه بيان رجحان على أبي بكر على عمر
فن دونه ، وكذلك رجحانه عليهم لثباته في مثل ذلك الأمر العظيم .
- ٨٦ -

أَبو بكر ، فَتَكُلِّمُ أَبْلَغَ الناسِ (١)، فقال في كلامه: تَحْنُ الأُمرَاء، وأَنْتمُ
الْوُزَرَاءُ ، فقال ◌ُحُبَابُ بن الْمُنذِرِ: لاَ واللّهِ، لاَ نَفعَلُ، مِنْا أَمِيرٌ،
ومنكم أمير ، فقال أبو بكر: لا، ولكنًا الأُمرَاء وأنتم الوزراء - زاد
رزين: لَنْ يُعْرَفَ هذا الأمرُ إِلا لِحَيٍ مِن قُرَيْشٍ - هُمْ أَوَسَطُ العربِ
داراً ، وأعزَّهُم أحساباً (٣) - فبا يعُوا مُمَرَ، أو أبا ◌ُبِيدَةَ بنَ الْجْرَّاح، فقال
عمرُ: بل نُبَايِعْكَ أنتَ، فَأَنْتَ سَيِّدُنَا وَخَيْرُنَا، وأحبنا إلى رسولِ الله ◌ِّهه
فَأَخذَ عمرُ بيدِهِ فباَعَهُ ، وبايعَهُ الناسُ، فقال قائلٌ : قَتَلْتُمْ سعدَ بن عُبَادَةَ،
فقال عمر: قَتَلَهُ اللّه، (٣).
مُسَّةٍ، ثم قال : في الرفيق
قالت عائشة(٤): شَخَصَ بَصَر النبي
(١) قال الحافظ في الفتح: قوله: ((ثم تكلم أبو بكر فتكلم أبلغ الناس)) بنصب ((أبلغ)» على
الحال، ويجوز الرفع على الفاعلية ، أي: تكلم رجل هذه صفته ، وقال السهيلي : النصب أوجه ،
ليكون تأكيداً لمدحه وصرف الوهم عن أن يكون أحد موصوفاً بذلك غيره ، قال الحافظ :
وفي رواية ابن عباس قال : قال عمر: والله ما ترك كلمة أعجبتني في تزويري إلا قالها في بديهته
وأفضل حتى سكت .
(٢) في البخاري المطبوع: وأعربهم أحساباً.
(٣) البخاري ٢٢/٧ و ٢٣ في فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم باب قول النبي صلى الله
عليه وسلم: لو كنت متخذاً خليلاً، وفي الجنائز، باب الدخول على الميت بعد الموت إذا أدرج
في كفنه ، وفي المغازي ، باب مرض النبي صلى الله عليه وسلم ووفاته .
(٤) هذا حديث آخر علقه البخاري فقال: وقال عبد الله بن سالم عن الزبيدي قال عبد الرحمن
ابن القاسم : أخبرني أبي القاسم أن عائشة قالت ... الخ .
- ٨٧ -

الأعلى - ثلاثاً -... وقَصَّ الحديث](١) قالت: فما كان من خطبتهما من
خطبَةٍ إلا نَفَعَ الله بها ، لقد خَوَّفَ عمرُ الناسَ ، وإنَّ فيهم ◌َتُقيّ(٢) فَرَدْهم
الله بذلك ، ثم لقد بَصَّرَ أبو بكر الناسَ في اللّه، وعَرَّ فَهُمْ الحقَّ الذي عليهم
وخَرجوا به يَتْلُونَ ( وما مُحمدٌ إلا رسولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرَّسِلُ ... )
إلى ( الشاكرينَ)). أخرجه البخاري (٣).
وأخرج النسائي منه إلى قوله: ((المو تَتَيْنِ أبداً، وقال: أَّا الموتةُ
التي كَتَبَها اللهُ عليك فقدْ مُتَّها » .
وله في أخرى: (( إِنَّ أبا بكرٍ قَبْلَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم وهو
مَيْتُ، وَلَمْ يَزِدْ (٤).
(١) ما بين المعقفين زيادة من البخاري المطبوع .
(٢) في البخاري المطبوع: وإن فيهم لنفاقاً، قال الحافظ في الفتح: أي: إن في بعضهم منافقين،
وهم الذين عرض بهم عمر في قوله المتقدم ، قال: ووقع في رواية الحميدي في ((الجمع بين
الصحيحين)) ((وإن فيهم لتقى)) فقيل: إنه من إصلاحه، وإنه ظن أن قوله: ((وإن فيهم
لنفاقاً)) تصحيف، فصيره ((لتقى)) كأنه استعظم أن يكون في المذكورين نفاق ، وقال
عياض: لا أدري هو إصلاح منه أو رواية ، وعلى الأول فلا استعظام ، فقد ظهر في أهل
الردة ذلك ، ولاسيما عند الحادث العظيم الذي أذهل عقول الأكابر، فكيف بضعفاء الإيمان ،
فالصواب مافي النسخ ، وقد أخرجه الإسماعيلي من طريق البخاري وقال فيه : إن
فيهم لنفاقاً .
(٣) معلقاً ٢٦/٧ في فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، باب فضل أبي بكر رضي الله عنه،
قال الحافظ في الفتح: وهذه الطريق لم يوردها البخاري إلا معلقة ، ولم يسقها بتمامها ، وقد
وصلها الطبراني في مسند الشاميين .
(٤) النسائي ١١/٤ في الجنائز، باب تقبيل الميت، وإسناده صحيح .
- ٨٨ -

والذي قرأتُه في كتاب البخاري من طريق أبي الوقت « وأغْرَبُهُمْ
أَحسَاباً ». وفي كتاب الحميدي ((وَأَعْزُهُمْ أَحْسَاباً، (١).
[شرح الغريب]
:
( فَنَشَجَ ) النَّشِيجُ: تَرَدُّدُ صوت الباكي في صدره من غير انتحاب .
( سَقِيفَة) السَّقِيفَةُ: الصَُّّة في البيت ، وبنُو ساعدةَ : بطن من
الأنصار .
٢٠٧٥ - (خ - أبو سلمة بن عبد الرحمن رحمه الله) قال: قالت عائشةٌ
رضي الله عنها في حديثها: «أقبَلَ أبو بكرٍ على فَرَسٍ من مسكّنِهِ بِالسُّحِ
حتى نَزَلَ ، فدخل المسجدَ ، فلم يُكُلِم الناسَ ، حتى دخلَ على عائشةَ ،
فَبَصُرَ بِرسولِ الله ◌ِلّهِ وهو مَسجَّى بِيُرْده، فَكَشَفَ عن وَجْهِ، وأَكَبْ
عليه فَقَبَّهُ، ثُمَّ بَكَى، فقال: بِأَبي أنت وأمي يا رسولَ اللّهِ، لاَيَجْمَعُ الله
عليك مَو تَتَيْنِ ، أَمَّا الَوتَةُ التي كُتِبَتْ عليك، فقدْ مُتَّها ، فقال أبو سَأَمَةَ :
فَأَخْبَرَفي ابنُ عباس: أنْ أبا بكرٍ خَرَجَ وُمَرُ يُكُلُمُ النَّاسَ، فقال: أجلِسْ،
فَأَبِى، فقال: اجلس، فَأَبِى، فَتَشَهْدَ أبُو بَكْرٍ ، فَمَالَ إليه النَّاسُ،
وَتَرَكوا عمرَ ، فقال: أما بعد، فَمَنْ كان منكم يَعْبُدُ محمداً فَإنَّ محمداً قد
(١) كما في رواية البخاري التي ذكرها المؤلف .
- ٨٩ -

مَاتَ، وَمَنْ كَان يَعْبُدُ اللّه فَإِنّ اللهَ حَيُّ لا يموتُ، قال الله: (وَمَا مُحَمَّدْ
إلَّ رسولٌ قَد ◌َخَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرَّسِلُ) - إلى - ( الشَّاكِرِينَ) قال : واللهِ،
لَكأنَّ النَّاس لم يكونوا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللّهَ أَنْزَلَ هذه الآيةَ حتى تلاها أبو بكر ،
فَتَلَقَّاهَا منه الناسُ، فما أسمعُ بشراً من الناس إلا يتلوها، أخرجه البخاري (١).
ورأيت الحميديّ رحمه الله قد أخرج هذا الحديث في«مسندأبي بكر) ،
والذي قبله في ((مسند عائشة) ، وهما بمعنى واحده، إِلا أن الأولَ أطولُ،
ولعله لم يفرقهما إلا لكون هذا الحديث قد اشترك فيه عائشة وابن عباس ،
ولم يجعله في مسند أحدهما ، وجعله في مسند أبي بكر ، فاقتدينا به ،
وأفردناه عن الأول .
٢٠٧٦ - (خ - عبد اللّهبن عباس رضي الله عنهما) قال: كنتُ
أُقْرِىءُ رجالاً مِنَ المهاجرين ، منهم عبدُ الرحمن بنُ عوفٍ (٢)، فبينما أنا في منزله
بمنّى، وهو عند عمر بن الخطاب في آخر حَجَّةٍ حَجّها، إذ رَ جَعَ إليَ عبدُ الرحمن
فقال: لورأيتَ رُجُلاً أْتَّى أَمِيرَ المؤمنينَ اليومَ، فقال : هل لك يا أميرَ
(١) ١١٠/٨ في المغازي، باب مرض النبي صلى الله عليه وسلم ووفاته، وفي الجنائز، باب الدخول
على الميت بعد الموت إذا أدرج في كفنه ، وفي فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ،
باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: لو كنت متخذاً خليلاً
(٢) قال الحافظ في الفتح: وكان ابن عباس ذكياً، سريع الحفظ، وكان كثير من الصحابة
الاشتغالهم بالجهاد لم يستوعبوا القرآن حفظاً، وكان من اتفق له ذلك يستدركه بعد الوفاة
وإقامتهم بالمدينة ، فكانوا يعتمدون على نجباء الأبناء ، فيقرؤونهم تلقيناً للحفظ .
- ٩٠ -

المؤمنين في فلان يَقول: لو قَد ماتَ عُمَرُ لَقَدْ بَايِعْتُ فلاناً ،
فواللهِ ما كانَتْ بَيْعَةُ أبي بكرٍ إلا مَلتَةً [ فَتَمْتْ]، فغضب عمرُ ، ثم قال:
إِنِي إِن شاءَ اللهُ لقائمٌّ العَشِيَّةَ في الناس، فَمُحَذَّرُهُمْ هؤلاءِ الذين يُريدون أن
يُغضِبُوهم أمرهم (١) ، قال عبد الرحمن: فقلت: يا أمير المؤمنين لا تفعل،
فإِن الموسمِ يَجْمَعُ رَعَاعَ الناسِ وَوغاءُم، وإِنْهُم هم الذين يَغْلبونَ على قُرْبِك
حين تقُوم في الناسِ ، فأنا أخشى أن تقومَ ، فتقولَ مقالة يطير بها أولئك عند
كلُ مُطِرٍ(٢)، وأنْ لا يُعُوها، وأن لا يَضَعُوها على مَوَاضِعِها، فَأَمْهِلْ حتى تَقْدَمَ
المدينةَ ، فإنها دار الهجرة والسُّنّة، فَتَخلُصَ بأهل الفقه وأشراف الناس،
فتقول ما قلتَ متمكّاً ، فَيعي أهلُ العلم مقالتَكَ ، ويَضَعوها على مواضعها ،
قال: فقال عمرُ: أما والله إن شاء اللّه لأقُومنَّ بذلك أَوَّلَ مَقامِ أقومُهُ
بالمدينة ، قال ابن عباس : فَقَدِ مْنا المدينةَ في عَقَب ذي الحجّة ، فلما كان
(١) في البخاري المطبوع: أن يغصبوم أمورهم، قال الحافظ في الفتح: كذا في رواية الجميع
بغين معجمة ، وصاد مهملة، وفي رواية مالك : يغتصبوم بزيادة مثناة بعد الغين المعجمة ،
وحكى ابن التين أنه روي بالعين المهملة وضم أوله ، من أعضب، أي : صار لا ناصر له ،
والمعضوب : الضعيف ، وهو من عضبت الشاه: إذا انكسر أحد قرنيها أو قرنها الداخل ،
وهو المشاش ، والمعنى: أنهم يغلبون عن الأمر فيضعف لضعفهم ، والأول أولى، والمراد: أنهم
يثبون على الأمر بغير عهد ولا مشاورة ، وقد وقع ذلك بعد علي وفق ما حذره عمر
رضي الله عنه .
(٢) في البخاري المطبوع: يطيرها عنك كل مطير .
- ٩١ -

يومُ الجمعة عَجَّلنا بالرَّواحِ حينَ زاَغَتِ الشمسُ - زادرزين: فَخَرّجْتُ
في صَكَّةٍ عُميٍّ - حتى أَجدَ سعيدَ بن زيدِ بن عمرو بن نُفيل جالساً إلى رُكُتِ المنبر،
فجلستُ حَذوهُ(١) ، تَسُ رُ كَبَتِي رُكِيَتَهُ، فلم أَنْشِبْ أنْ خَرَجَ عُمَرُ بن
الخطاب ، فَلَمَّا رأيتُهُ مُقْبلاً، قلتُ لِسعيدِ بنِ زيدبن عمرو بن نفيل: لَيَقولَنَّ
العشيةَ على المنبر مَقالةً لم يَقُلْها مُنذُ اسْتُخْلِفَ، فأنكرَ عَلَّ، وقال :
ما عَسى أن يقولَ ما لَمْ يَقُلْ قَيْلَهُ؟ فَجَسَ عمرُ على المنبر، فَلما سَكَتَ
المؤذْنُ(٢) قَامَ . فَأَتْنى على اللهِ بما هو أهله ، ثم قال: أما بعدُ : فإني قائلٌ لكم
مقالةً قَدْ قُدْرَ لي أن أَقُولَها، لا أدري لعلَّهَا بَيْنَ يَدَيْ أَجْلٍ (٣) فَمَنْ عَقَلَها
ووعَاَها فليُحَدِّثْ بِها حيث انْتَهَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ، وَمَنْ خَشِيَ أن لا يَعقِلَها
فلا أُحِلْ لأحدٍ أنْ يَكذِبَ عَليَّ: إنَّ الله عزَّ وجلَّ بَعَثَ محمداً عَالم
بالحقّ ، وأنْزَلَ عليه الكتابَ ، فكان ما أنزلَ الله عليه: آيةُ الرَّجم ، فقر أناها
وعقلناها، ووعَيْنَاهَا، ورَجَمَ رسولُ الله ◌ِّهِ، ورجمنا بعده، فأخشى إن
طَالَ بالنَّاس زمانٌ أَنْ يقولَ قائلٌ: والله مَا تَجِدُآيَةَ الرجم في كتاب الله ،
(١) في البخاري المطبوع : حوله .
(٢) في البخاري المطبوع : المؤذنون .
(٣) قال الحافظ في الفتح: أي بقرب موتي، وهو من الأمور التي جرت على لسان عمر
فوقعت كما قال .
- ٩٢ -

فَيَضِلُوا بتركِ فريضةٍ أَنْزَلَهَا الله (١) فَالرَّجُمُ في كتاب اللهِ حَقُّ على مَنْ زَنَى إذا
أُخْصِنَ من الرجالِ والنساء، إذَا قَامَتِ البَيْنَةُ، أو كان الْحَبَلُ أو الاعترافُ،
ثم إِنَا كُنَّا نَقْرَأُفيما نَقْرَأُ مِنْ كتاب الله: أن لاتَزْغَبُوا عَنْ آبَاء ◌ِكُمُ، فَإِنَّهُ
كُفْرٌ بِكُمْ: أَنْ تَرْغَبُوا عن آبائكم- أَوْ إِنَّ كُفْراً بكم (٢)أنْ ترغبوا عن آباؤكم -
ألا وإنَّ رسولَ الله عَ لْمٍ قال: لا تَطْرُوني(٣) كما أُظْرِيَ عيسى بن مريم،
وقولوا: عبدُ اللّه ورسولُه (٤)، ثم إنه بلغني أنَّ قائلاً منكم يقول: والله
لو مات عمرُ بَايِعتُ فلاناً، فلا يَغتَرَّ امرؤٌ أَنْ يقول: إنما كانت بيعةُ أبي
بكرٍ فَلتَةً وَمَتْ ، أَلا وإنها قد كانت كذلك، ولكنَّ اللّه وَفَى شرَّها،
وليس فيكم مَنْ تُقْطِعُ إليهِ الأَعْنَاقُ مثلُ أبي بكرٍ ، (من بايع رجلاً عن غير
مَشُورةٍ من المسلمين فلا يُبايَعُ هو ولا الذي بايعه تَغْرَةً أن يقتلا]، وإِنَّهُ قد
كان من خبرنا - حين تُوفٌيَ نِيُّ اللّهِلّهِ (٥) - أنَّ الأنصار خالفونا واجْتَمَعوا
(١) أي: في الآية المذكورة التي نسخت تلاوتها وبقي حكمها، وقد وقع ماخشيه عمر أيضاً، فأنكر .
الرجم طائفة من الخوارج ، أو معظمهم ، وبعض المعتزلة .
(٢) في بعض النسخ: إن كفرانكم .
(٣) قال الحافظ في الفتح: هذا القدر ما سمعه سفيان من الزهري، أفرده الحميدي في مسنده عن
ابن عيينة سمعت الزهري به ، وقد تقدم مفرداً في ترجمة عيسى عليه السلام من أحاديث الأنبياء
عن الحميدي بسنده .
(٤) قال الحافظ في الفتح: قال ابن التين : والنكتة في ايراد عمر هذه القصة هنا، أنه خشي عليهم
الغلو ، يعني خشي على من لاقوة له في الفهم أن يظن بشخص استحقاقه الخلافة ، فيقوم في
ذلك ، مع أن المذكور لايستحق فيعطى بما ليس فيه فيدخل في النهي .
(٥) في البخاري المطبوع: حين توفى الله نبيه صلى الله عليه وسلم.
- ٩٣ -

بأسرِهِم في سَقيفة بني سَاعِدَةُ، وَخَالفَ عَنْا عليٌّ والزُّبَيرُ ومن معهما ،
واجتَمَعَ المهاجرونَ إلى أبي بكر، فَقُلْتُ لأبي بكر: [يا أَبا بكر]، انطَلِق
بِنَا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصارِ، فانطلَقْنَا تُرِيدُهم، فَلَمَّا دَفَوْنَا مِنْهُم لَقِنا
منهم ر ◌ُجُلانِ صَالِحَانِ، فَذَ كَرَا مَا تَمالاً عليه القوم، فقالا: أيْنَتُرِيدُونَيا معشرَ
المهاجرينَ؟ فقلنا: نُريدُ إخواننا هؤلاء من الأنصار، فقالا: لا عَلَيْكم،
لاَ تَقْرِ يُوهِ (١) ، اقضُوا أمْرَكم، فقلت: والله لنَأْ تِيَنْهم ، فانطلقنا حتى أتيناهم
في ◌َقيفة بني ساعدة ، فإذا رجلٌ مُزهَّلٌ بين ظهرَانَيْهمْ، فقلتُ: مَنْ هذا؟
قالوا: هذا سعدُ بنُ عُبَادَةَ، فقلتُ: مَا لَهُ؟ قالوا: يُوَعَكُ، فلما جَلَسْنا قليلاً
تَشَهَّدَ خَطِيبُهُمْ، فَأْثَنى على اللّه بما هو أهله، ثم قال: أمّا بعدُ، فَنحنُ أَنْصارُ الله
وكتيبَةُ الإسلام، وآنْتُمْ مَعَاشِرَ المهاجرينَ رَهْطُ مِنَّا، وقد دَّفَتْ داًَّةٌ من
قومكم ، فإِذا ◌ُمْ يريدون أنْ يَخْتَزِلونا من أصلنا، وأنْ يَحضُنُوَنَا من الأمر،
فَلما سكتَ أرَدتُ أن أَتَكُلّمَ ، وَكُنْتُ زَوَّرْتُ مَقَالَةَ أَعْجَبَتْني أُرِيدُ أن
أَقَدْمَها بين يديْ أبي بكر، وكنتُ أُدَاري منه بعض الَحْدُ، فلما أردتُ
أَن أتكلّم قال أبو بكر: على رِسْلِكَ، فَكرِ هِتُ أن أُغْضِبَهُ ، فَتكلم أبو
بكر ، فكانَ هو أحْلَمَ مِي وأوقَرَ ، والله ما تَرَكَ من كلمةٍ أَعجَبَتْني في تَزْوِيرِي
(١) في البخاري المطبوع: لا عليكم أن لا تقربوم.
- ٩٤ -

إلا قال في بَدِيهتِهِ مِثْلَهَا، أَو أفضلَ منها، حتى سكتَ ، فقال: ماذكر ثم
فيكم من خَيْرٍ ، فَأَنتَمَ لَهُ أهلُ ، وَلَنْ تَعرِفَ العربُ هذا الأمرَ إلا لهذا الحيّ
مِنْ فُريشٍ ، هم أوْسَطُ العربِ نسباً ودَاراً ، وقد رَضِيتُ لكم أحَدَ هذين
الرجلين ، فبا بِعُوا أيَّهُمَا شِئْتُم؟ فأخذَ بِيدِي وبدِ أبي عُبَيدَةَ بن الجراح ،
وهو جالسٌ بيننا ، فلم أكرَهْ بِمَا قال غيرَها ، كان والله أن أُقَدَّمَ فَتُضْرَبَ
◌ُنُقي - لا يُقَرْ بُني ذلك من إِثْمِ أحَبَّ إليَّ من أن أنْأَمَّرَ على قَومٍ فيهم أبو
بكر ، اللهم إلا أنْ تُسَوِّلَ لي نفسي عند الموتِ شيئاً لا أَجِدُهُ الآن، فقال
قائلٌ من الأنصارِ: أَنا جُذَيلُها المُحَكَّكُ، وُذْفُها الْمُرَّجَبُ، مِنَّا أميرٌ،
ومنكم أميرٌ ، يا معشر قريش، فكثُرَ اللَّغَطُ، وار تفعت الأصواتُ،
حتى فَرِقْتُ من الاختلاف، فقلتُ: ابْسُط ◌َيَدَكَ يا أبا بكر، فبسطَ يَدَهُ،
فبايَعْتُهُ وَبَايَعَهُ المهاجرُونَ، ثم بايَعَتُهُ الأَنصَارُ، وَنَزَوْنَا على سعدِ بنِ عُبَادَةً،
فقال قائلٌ منهم: قَتَلْتُمْ سعدَ بنَ عبادة ، فقلتُ: قَتلَ الله سعد بن عبادةَ ،
قال عمرُ: وإِنا واللهِ، مَا وَجَدَنَا فيا حَضَرَنَا مِنْ أمْرِنا أقوى من مُبَايَعَةِ
أبي بكر ، خشينَا إنْ فَارقنا القومَ ، ولم تَكُنْ بَيْعَةٌ: أن يُبابِعوا رجلاً
منهم بعدَنا ، فإما تَبَعْناهم (١) على مالا نرضى، وإما أن تُخَالِفَهُم فيكونَ
(١) في البخاري المطبوع: فإما بايعنام.
- ٩٥ -

فسادٌ ، فمن بايعَ رجلاً على غير مَشورَةٍ من المسلمين فلا يُتَابَع ◌ُهُو ، ولا الذي
باَيَعهُ، تَغْرَّةً أَن يُقتَلا » هذه رواية البخاري .
وهو عند مسلم مختصر حديث الرجم ، ولقلة ما أخرج منه لم نُثبِت
له علامةَ .
وقد ذكر [منه] البخاري مفرداً في موضع آخر: ((لا تُطرُ وني كما
أَظْرَتِ النَّصَارَى عيسى بنَ مريمَ )، (١).
(١) ١٢٨/١٢ و١٢٩ و١٣٠ و١٣١ و١٣٢ و١٣٣ و١٣٤ و ١٣٥ في انحاربين، باب
الاعتراف بالزنا ، وباب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت ، وفي الاعتصام ، باب ماذكر النبي
صلى الله عليه وسلم وحض على اتفاق أهل العلم، وفي المظالم، باب ماجاء في السقائف ، وفي
فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، باب مقدم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه
المدينة ، وفي المغازي، باب شهود الملائكة بدراً، وأخرجه أيضاً أحمد في المسند ٥٥/١ و ٥٦ ،
وأخرجه مسلم مختصراً رقم ١٦٩١ في الحدوه ، باب رجم الثيب .
قال الحافظ في الفتح ما ملخصه : وفي هذا الحديث من الفوائد : أخذ العلم عن أهله وإن
صغرت سن المأخوذ عنه عن الآخذ ، وكذا لو نقص قدره عن قدره ، وفيه التنبيه على أن
العلم لا يودع عند غير أهله ، ولا يحدث به إلا من يعقله ، ولا يحدث القليل الفهم بما لا يحتمله ،
وفيه جواز إخبار السلطان بكلام من يخشى منه وقوع أمر فيه إفساد للجماعة ، ولا يعد ذلك
من النميمة المذمومة ، لكن محل ذلك أن يبهمه صوناً له وجمعاً له بين مصلحتين ، ولعل الواقع
في هذه القصة كان كذلك، واكتفى عمر بالتحذير من ذلك، ولم يعاقب الذي قال ذلك ، ولا من
قيل عنه، وفيه أن العظيم يحتمل في حقه من الأمور المباحة مالا يحتمل في حق غيره ، وفيه
أن الخلافة لاتكون إلا في قريش، وأدلة ذلك كثيرة ، ومنها أنه صلى الله عليه وسلم أوصى من
ولي أمر المسلمين بالأنصار ، وفيه أن المرأة إذا وجدت حاملاً ولا زوج لها ولا سيد وجب
عليها الحد ، إلا أن تقيم بينة على الحل أو الاستكراه ، وفيه الحث على تبليغ العلم من حفظه
وفهمه ، وحث من لايفهم على عدم التبليغ إلا من كان يورده بلفظه ولا يتصرف فيه ، وفيه اهتمام
الصحابة وأهل القرن الأول بالقرآن والمنع من الزيادة في المصحف ، وكذا مع النقص =
- ٩٦ -

[ شرح الغريب]
( رَعَاعُ الناس ): عَامَتُهُمْ وِسِغْلَتُهم.
(َوْغَاؤُهُمْ) غَوْغاءُ النَّاسِ: الذين يُكْثِرُونَ الجلبة(١) والضّجَّةَ من غير تثبت.
(صكة عُميّ ) : كناية عن شدة الحرُّ ووقت الهاجرة، يقال: جاء
صكة ◌ُّيٍ ، أي : في وقت الهاجرة ، وغاية القيظ، وذلك أن الإنسان إذا
خرج وقت الهاجرة لايكاد يملأ عينيه من نور الشمس ، أرادوا: أنه يصير
أعمى ، وُمَيِّ تصغير أعمى مُرَخماً، وقيل: هو اسم رجل من العمالقةِ أَغَارَ
على قومٍ ظهراً، فَاستأصلَهُمْ، [ فَنُسِبَ الوقتُ إليه] .
( لم أَنْشَبُ) أي: لم ألبَثْ، وأصلهُ من نَشَبْتُ في الشيء: إِذا
علقت فيه .
( تُطْروني) الإظْرَاءُ: المبالَغَةُ في المدح والإسرافُ فيه بما ليس
في الممدوح .
=بطريق الأولى، وفيه دليل على أن من خشي من قوم فتنة ، وأن لا يجيبوا إلى امتثال الأمر ،
أن يتوجه اليهم ويناظرهم ويقيم عليهم الحجة ، وفيه أن الكبير القدر أن يتواضع ويفضل من
هو دونه على نفسه أدباً وفراراً من تزكية نفسه ، وفيه أن لايكون للمسلمين أكثر من إمام ،
وفيه جواز الدعاء على من يخشى في بقائه فتنة ، وفيه أن على الامام إن خشي من قوم
الوقوع في محذور أن يأتيهم فيعظهم ويحذرهم قبل الايقاع بهم ، وفيه إشارة ذي الرأي على
الامام بالمصلحة العامة بما ينفع عموماً وخصوصاً وإن لم يستشره ، ورجوعه اليه عند
وضوح الصواب .
(١) في المطبوع : يكثرون اللغط .
- ٩٧ -
م٧ - ج٤

( تُقْطُحُ دُوتُهُ الأعناق) أي: ليس فيكم سابقٌ إلى الخيرات نُقْطَعُ
أعناق مُسَابِقِيِهِ سبقاً إلى كلُّ خَيْرِ مثلُ أبي بكر (١)، كأنه تنقطع الأعناق من
المشقة في تكلْف السبق الذي لم ينالُوهُ .
( فَلَتَّةَ وَفَى اللّه شَرَّها ) القَلْتَةُ: الفجأة، وذلك أَنَّهم لم يَنْتَظِرُوا بِبَيْعَةِ
أبي بكر رضي الله عنه عامّةَ الصحابة، وإنما ابتَدَرَ ها مُمر، وَمَنْ تَابَعَهُ وقيل:
القَلْتَةُ: آخِرُ ليلةٍ من الأشهر الحرُمِ، فَيَخْتَلِفُونَ فيها: من الحِلُّ هي، أم
من الحرم؟ فيُسَارِعُ الْمَوْتُورُ إلى درك الثأر، فيكثُر الفساد، وتُسفَكُ الدماء،
فَشَبَةَ أيام رسولِ اللهِنَِّ بالأشهر الحرم، ويوم مَوتِهِ بالفَلْتَةِ فِي وُقُوع
الشّرّ: من ارتداد العرب، وتخلّف الأنصار عن الطاعة، ومنعٍ مَن مَنع الزكاة،
والجري على عادة العرب في أن لا يسودَ القَبِيلَةَ إِلا رجلٌ منها، ويجوز أن يُريدَ
بالفَلْتَةِ: الْخَلسَةَ، يعني: أَنَّالإمامةَ يومَ السَّقيفةِ مَالَتْ إلى تَوَلَيها الأنفسُ، ولذلك
كَثُرَ فِيها النَّشَاجُرُ، فما قُلْدَها أبو بكر إلا انتِزَاعاً من الأيدي واختلاساً ،
ومثلُ هذه البيعة جديرةٌ أن تكون مُهيجةً للفتن ، فعصمهم الله من ذلك
ووَ شَرْها .
(١) قال الحافظ في الفتح: وفيه إشارة إلى التحذير من المسارعة إلى مثل ذلك حيث لايكون
هناك مثل أبي بكر ، لما اجتمع فيه من الصفات المحمودة، من قيامه في أمر الله ، ولين جانبه
للمسلمين ، وحسن خلقه ، ومعرفته بالسياسة ، وورعه التام ، ممن لايوجد فيه مثل صفاته
لا يؤمن من مبايعته عن غير مشورة الاختلاف الذي ينشأ عنه الشر .
- ٩٨ -

(ظَهْرَاً نْيِهِمْ) يقال: جَلَسْتُ بَيْنَ ظَهْراًفي القوم - بفتح النون - أي:
بينهم، وقد مَرَّ تفسير هذه اللفظة مُستَقْصى في حرف الهمزة .
( مُزَمَّلٌ ) الْمُزَمَلُ المدَثْرُ المغَطْى بثوبٍ ونحوه.
( يُرَعَكُ) الوغكُ: الحمَى .
(كَتِيبةٌ) الكتيةُ : الجيش.
( دَفَّتْ دَافَةٌ) الدافَّةُ: الجماعةُ من أهل البادية ، يقصدون المصرَ ،
أي : جاءت جماعة .
( يُخْتَزِلُونَا) أي: يقطعونا عن مرادنا، وانْخَزَلَ الرجلُ: ضَعُفَ.
( يَحِضُنُونَا) حَضَنْتُ الرجل عن الأمر حَضْناً وَحِضَانَةَ: إِذا نَحْيَتَهُ
عنه ، وانفردت به دونه.
(زَوَّرْتُ) أي: هيَّأْتُ ورَتَبتُ، والمراد : رَّتْبتُ في نفسي كلاماً
لأَذْكُرَهُ.
( بعض الحدّ) الحدُّ والحدّةُ: سواء، من الغضب، يقال: حَدَّ يَحدُ حَدّاً
وحِدَّةً : إذا غَضِبَ .
( أدَّارِىءُ) المدارَةَةُ - بالهمز - المدافعة بلين وسكون، وبغير الهمز:
الخديعة والمكر ، وقيل : هما لغتان بمعنى .
(على رسلكَ ) يقال: افعل ذلك على رسلك - بكسر الراء - : على
مِينتكَ وَ تُؤَدَّتِكَ وَأنْيُكَ.
- ٩٩ -

(بَدِيهته) البديهةُ: ضِدُ التَّرَوِّي والتفَكُّرِ.
( تُسوِّلُ) سَوْلَت له نفسُهُ شيئاً: زَيَّنَتْهُ له وحَسَنَتْهُ إِليه .
(ُجُذَيلُها المحكَّك) الْذَيلُ: تصغير الِذْلِ، وهو عودٌ ينصَبُ للإِبلِ
الجزبى تَحْتكُ به فَتَستَشْفي، والمحكَّك: الذي كثُرَ به الاحتكاك حتى
صاراًملسَ .
(وُذَيْقُهَا الْمُرَجِبُ) عُذَيَقُها: تصغير العَذْقِ - بفتح العين - وهو
النخلة، والمُرَجّبُ: المسندُ بالرّجْبَةِ، وهي خشبة ذات شعْبْتَين، وذلك
إذا طالت الشجرة وكثُر خَمْلها اتخذوا ذلك لها ، لضعفها عن كثرة حملها،
والمعنى: أني ذُو رأيٍ يُستَشفى به في الحوادث، لاسيما في مثل هذه الحادثة ،
وأني في ذلك كالعود الذي يشفي الجربى، وكالنخلة الكثيرة الحمل: من توفر
موادِّ الآراء عندي ، ثم إنه أشار بالرأي الصائب عنده، فقال: ((منّا أميرٌ
ومنكم أميرٌ» .
( الْغَطُ): كثرةُ الأصوات واختلافُها .
( فَرْقْتُ ) الفرَقُ : الخوف والفزع.
(وَنَزَوْا) النَّرْوُ: الوَّثْبُ، ومنه نَزَا التيس على أُنتاه .
(فلا يبايع هؤلاء الذي بايعه تَغِرَّةٌ أَن يُفْتلا) التغِرَّةُ: مصدر غَرَر ◌ُه:
إذا لقيته في الغرَرِ ، وهي من التغرير ، كالتعلّةِ من التعليل ، وفي الكلام
مضاف محذوف، تقديره : خَوفَ تَغِرَّةٍ أن يُقتلا ، أي : خوف إيقاعهما
- ١٠٠ -