Indexed OCR Text
Pages 261-280
فلما أنزلَ اللهُ هذا في بَراءَتي ، قال أبو بكر الصديق : وكان يُنفِقُ على
مِسْطِح بن أثاثةَ - لقرابته منه وفَقْرهِ - والله لا أُنْفِقُ على مسطحٍ شيئاً
أبداً، بعد ما قال لعائشة، فأنزل اللهُ: ( وَلَا يَأْتَلِ (١) أُولُوا الْفَضْلِ منكم
والسَّعَةِ أن يُؤْتوا أولي القُرْبى والمساكينَ والمهاجرينَ في سبيل الله، وَلَيَعْفُوا
ولْيَصْفَحُوا، ألا تحبُون أن يغفر الله لكم؟ والله غَفُورٌ رحيمٌ) [التوبة: ٢٢]
فقال أبو بكر : بلى ، والله إني لأُحِبُ أَن يغْفِرَ اللّهُ لي، فرجعَ إلى مسطَحٍ
الذي كان يُجري عليه، وقال: واللّهِ لا أَنْزِعُها منه ابداً. قالت عائشة: وكان
رسولُ اللّه عَّهِ سألَ زينبَ بنتَ جحشٍ عنْ أَمْرِي، فقال: يا زينب،
مَا علمتِ ؟ مارأيتٍ ؟ فقالت: يارسولَ اللّهِ، أَخِي سَمْعي وبصري، واللهِ
= الله لكم. والله غفور رحيم) وعده الآي إلى هذا الموضع: ثلاث عشرة آية فلعل في قولها ((العشر
الآيات)» مجازا بطريق إلغاء الكر.
وفي رواية الحكم بن عيينة مرسلا عند الطبري (( لما خاض الناس في أمر عائشة)) فذكر الحديث
مختصراً، وفي آخره: فأنزل الله خمس عشرة آية من سورة النور - حتى بلغ - ( الخبيثات للخبيثين )
[ النور: ٢٦] وهذا منه تجوز. فعدد الآي إلى هذا الموضع ست عشرة وفي مرسل سعيد بن
جبير عند ابن أبى حاتم والحاكم في الإ كليل: فنزل ثماني عشرة آية متوالية كذبت من قذف عائشة
( إن الذين جاءوا - إلى قوله - رزق كريم ) وفيه مافيه أيضاً. وتحرير العدة: سبع عشرة آية.
قال الزمخشري : لم يقع في القرآن من التغليظ في معصية ما وقع في قصة الإفك بأوجز عبارة
وأشبعها، لاشتماله على الوعيد الشديد، والعقاب البليغ، والزجر العنيف، واستعظام القول في
ذلك ، واستشناعه بطرق مختلفة ، وأساليب متقنة، كل واحد منها كاف في بابه ، بل ما وقع من وعيد
عبدة الأوثان ، إلا بما هو دون ذلك ، وما ذاك إلا لإظهار علو منزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم
وتطهير من هو منه بسبيل .
(١) أي: لا تحلفوا، إذ الآلية هي اليمين ، قاله النووي.
- ٢٦١ -
ما عَلمتْ عليها إلا خيراً، قالت عائشةُ: وهي التي كانت تُسامِيني من أَزْواجٍ
النِّيِّ نَُّالْهِ، فَعَصمها اللهُ بالورَعِ، قالت عائشةُ: وطَفِقَتْ(١) أختُها حَمْنَةُ
"تحارب لها (٢)، فهلكَتْ فيمن هَلكَ من أصحاب الإفك.
قال ابن شهابٍ : فهذا الذي بلغني من حديث هؤلاء الرَّهط .
ومن الرواة من زاد: قال عُرْوةُ: قالت عائشةُ: والله إنَّ الرّجلَ الذي
قيل له ما قيل ، ليقولُ: سُبحانَ اللهِ! فوالذي نفسي بيده، ماكشفتُ مِنْ
كتفٍ(٣) أَنْثى، قالت: ثم قُتلَ بعد ذلك في سبيل الله.
وفي رواية أخرى عن عروة عن عائشة قالت: لما ذكر من شأني الذي
ذُكِرَ ، وما علمتُ به، قام رسولُ الله ◌ٍِّ خطيباً، فَتَشْهَدَ، فَحمد الله وأثنى
عليه بما هو أَهْلُه. ثم قال: أما بعدُ، فَأَشِيرُوا عليَّ في أناسٍ أُبَنُوا أَهْلِ، وأَيْمُ
الله، ماعلمت على أهلي من سوء قط، وأُ بنُوهُمُ بِنْ واللهِ ما علمتُ عليه من سوء
قطُ ، ولا دَخَلَ بيْتِيَ قِطْ إلَّا وأَنا حاضِرُ ، ولا غِبْتُ في سفَرٍ إلا غابَ معي ،
فقام سعدُ بنُ معادٍ ، فقال: إِنْذَنْ لي يارسولَ الله: أنْ نَضربَ أعناقهمْ ،
وقام رجلٌ من بني الخزرج - وكانت أُمُّ حسانٍ من رخطِ ذلك الرجل -
(١) بكسر الفاء ، وحكي فتحها . أي: جعلت أو شرعت.
(٢) أي: تجادل لها وتتعصب، وتحكي ما قال أهل الإفك أي: لتنخفض منزلة عائشة، وتعلو منزلة
أختها زينب .
(٣) هو بفتح النون: الستر، والمراد هنا: توبها الذي يكنفها، كتابة عن الجماع، ومنه: هو في
كنف الله وحفظه، والكنف أيضاً: الجانب، قاله الزركشي .
-٢٦٢ -
فقال: كذبتَ والله : أنْ لو كانوا من الأوس ما أحببت أن تُضرب أعناقهم
حتى كادَ يَكُون بَيْنَ الأوسِ والخزرجِ شرٌّ في المسجد، وما علمتُ، فلمّا
كان مساء ذلك اليوم خرجتُ لبعضِ حاجتي ومعي أمُ مِسْطَحٍ ، فَعَثَرت !
فقالتْ: تَعِيسَ مِسطحُ، فقلتُ لها: أي أُمِّ، أَتَسُبِينَ أبنكِ؟ فسكتتْ،
ثُم عَثَرَت الثانية ، فقالت: تعس مسطحُ، فقلتُ لها: أي أمِّ ، أتسبين ابنك؟
فسكتت ، ثم عثرت الثالثة ، فقالت: تعس مسطح ، فانتهرتُها ، فقالت : والله
ما أَسْبُهُ إلا فيك، فقلتُ: في أيِّ شَأني ؟ فذكرتْ ـ- وفي رواية: فَبَقَرَتْـ
لي الحديثَ ، فقلتُ: وقد كان هذا؟ قالت: نعمْ واللّه، فرجعْتُ إلى بيتي
كأنَّ الذي خرجت له لا أجد منه قليلاً ولا كثيراً، وَوُعِكْتُ، وقلتُ
لرسولِ اللهِ عَّهُ: أرسلني إلى بيت أمي، فأرسلَ معي الغلامَ، فدخلتُ
الدارَ ، فوجدْتُ أَمَّ رَومانٍ في أسفلِ البيتِ ، وأبا بكرٍ فوقَ البيتِ يقرأ ،
فقالت أمي: ماجاء بكِ يا بنيَّةُ؟ فَأَخبرتها ، وذكرتُ لها الحديثَ. وإذا هو لم
يَبْلُغْ منها مِثْلَ ما بلغ مني، فقالت: أَي بُنِيَّةُ، حَقِّضِ عليكِ الشَّأْنَ، فإنّهُ
والله لقَّما كانت امرأةٌ حَسناء عند رجلٍ يُحِبُها لها ضرائرُ، إِلا حَسَدْنَها،
وقيل فيها ، قلت: وقد علمَ به أبي؟ قالت: نعم، قلت: ورسُولُ الله؟
قالت: نعم، ورسولُ اللّهِ، فَاسْتَعْبَرْتُ وبكيت، فسمع أبو بكرٍ صَوْتي
وهو فوق البيت يقرأُ فنزل. فقال لأمي: ما شأنُها؟ فقالت: بلَغها الذي ذُكِرَ
في شأنها، فَفاضت عيناهُ، وقال: أَقَسمتْ عليك يا بُنَيَّهُ إِلا رجعْت إلى بيتك
- ٢٦٣ -
فَرَجعت ، ولقدْ جاءَ رسولُ اللّه ◌َر ◌ِّ بيتي، فسألَ عني خادمي؟ فقالت:
لا والله، ما علمتُ عليها عيباً، إلا أنَّها كانت تَرْقُدُ، حتى تدخلَ الشَّةُ فتأكل
خُبْزَها أو عَجِينَها ـ- وفي رواية: عجينها أو خِيرَ ها - شكَّ هشام. فانتّهرها
بعضُ أَصحابه ، فقالَ: اصْدُقي رسولَ الله ، حتى أسْقَطُوا لهابِهِ ، فقالت:
سبحانَ الله! والله ما علمتُ عليها إلا ما يعلمُ الصائغ على تَبْر الذهب الأحمر (١)
وبلغ الأمرُ ذلك الرجلَ الذي قيل له ، فقال: سبحانَ اللّه! واللهِ ماكشفتُ
كَفَ أُنثى قط ، قالت عائشةُ : فقُلَ شهيداً في سبيل اللهِ ، قالت: وأصبحَ
أَبُوايَ عِندي، فلم يزالا، حتى دخلَ عليّ رسولُ الله ◌ٍِّ، وقد صلى العصر
ثم دخلَ ، وقد اكْتَتَفَني أبواي عن يميني وعن شمالي ، فحمد الله وأثنى عليه
ثم قال : أَمَّا بعدُ، ياعائشةُ إِنْ كُنْتِ قارفْت سُوءاً أَوْ ظَلْتِ ، فَتُوبِي
إلى الله، فإِنَّ اللهَ يقْبلُ التّوبة عن عباده ، قالت: وقد جاءت امرأةٌ من
الأنصارِ ، فهي جالسةٌ بالبابِ، فقلتُ : أَلا تستحيي من هذه المرأةِ: أَنْ
تذكُرَ شيئاً ؟ قالت: فوعَظَ رسولُ الله ◌ِّهِ، فَالتَفَتَّ إلَى أَبِي: فقلتُ: أَجِبُهُ،
قال : فماذا أَقُولُ؟ فالتفتُ إلى أُمّي فقلتُ: أَجِيبِيه، فقالت: أَقولُ ماذا؟ فلما
لم يُحِيباهُ تَشَّدْتُ ، فحمدتُ الله وأَثْنَيْتُ عليه بما هو أهله، ثم قُلْتُ : أما بعد
(١) قال الحافظ: أي، كما لا يعلم الصائغ من الذهب الأحمر إلا الخلوص من العيب، فكذلك
أنا : لا أعلم منها إلا الخلوص من العيب.
وفي رواية ابن أبي حاطب عن علقمة ((فقالت الجارية الحبشية: والله لعائشة أطيب من الذهب ،
ولثن كانت صنعت ما قال الناس ، ليخبرنك الله، قالت: عجب الناس من فقهها)) .
- ٢٦٤ -
فو الله، لِنْ قُلْتُ لكم: إني لم أَفْعل - والله يعلم إني الصادقةُ - ماذاك بنافِعِي
عندكم، لقد تكلّمْ به، وأُشْرِبَتْهُ قُلُوُ بكم ، وإنْ قُلْتُ: إني قد فعلت - واللّهُ
يعلم أني لم أفعل - لتُقُونَّ: قد باءتْ به على نفسها، وإني والله ما أجد لي ولكم
مثلاً - والتمسْتُ اسم يعقُوب، فلم أَقْدرْ عليه - إلا أبا يُوسُف، حين قال (فصبرٌ
جميل، والله المستعانُ على ماتصفون) وأُنْزل على رسول ◌ٍَّ منْ ساعتهِ،
فسكتْنا، فرُفعَ عنه ، وإني لأَ تَبيَّنُ السُّرور في وجهه، وهُو يَمِحُ جَبينَهُ
ويقول: أَبشري ياعائشة، فقد أنزل الله براءتك، قالت: وكُنْت أَشَدَّ
ما كُنتُ غضباً ، فقال لي أبواي: قُومى إليه ، فقُلت: والله لاأقومُ إليه،
ولا أحْمَدُهُ ، ولا أَحمدكما، ولكن أحمدُ الله الذي أنزل براءتي ولقد سَعْتُمُوهُ
فما أنكرْ تُوهُ ولا غيَرْ تُمُوهُ، وكانت عائشة تقول: أما زينب بنت جحْشٍ:
فِعَصَمها الله بدينها ، فلم تقُلْ إِلَا خيْراً، وأَما أخْتُها حَمْنَةُ: فهلَكتْ فيمن
هَملك، وكان الذي يتكلمُ فيه: مِسْطِحٌ، وحسَّنُ بن ثابتٍ، والمنافقُ: عبدُ الله
ابنْ أُفِيّ بنُ سُول، وهو الذي كان يسْتُوْشِهِ ويجمعُهُ، وهو الذي تولَّى كَثْرَهُ
منهم هو وحَمْنَةُ ، قالت: فحلَفَ أبو بكر أَلا ينفع مسطحاً بنافعة أبداً ، فأنزل
الله عز وجل: (ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسِّعة ... ) إلى آخر الآية ، يعني
أبا بكرٍ ( أنْ يُؤتوا أُولي القربى والمساكين) يعني مِسْطحاً ، إلى قوله:
(أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغفر الله لكم؟ والله غفور رحيمٌ ) فقال أبو بكر: بلى والله
يا رَبّنا ، إنا لنُحبُ أنْ تَغْفِر لنا ، وعادَ له بما كان يصْنعُ.
- ٢٦٥ -
وفي رواية: أن عائشةَ لَّا أُخبرتْ بالأمر قالت: يارسول اللّه، أتأذنُ
لي أَنْ أنطَلقَ إلى أهلي؟ فأذن لها ، وأرسل معها الغلامَ، وقال رُجُلٌ من
الأنصار (١): ( سبحانك! ما يكون لنا أن نتكلّم بهذا، سبحانك! هذا
بُهْتَانٌ عظيم ) لمْ يَزِدِ على هذا .
هذه روايات البخاري ومسلم .
وعند البخاري قال : قال الزهري : كان حديث الإفك في غزوةٍ
الُرَّيْسِيعِ ، ذكره البخاري في غزوة بني المصْطَلِقِ من خُزاعَةَ، قال: وهي
غزوَةِ الْمُرْيسِيعِ ، قال ابن إسحاق: وذلك سنة ستٍ ، وقال موسى بنُ عُقْبة:
سنة أربعٍ ، إلى هنا ماحكاه البخاري .
وأخرج البخاري من حديث الزُّهري قال: قال لي الوليد بن عبد الملك:
أَبَلَغَك أنَّ عليّا كان فيمن قِذَف عائشة؟ قُلتُ: لا، ولكن قد أخبرني
رُجُلان من قومِك : - أبو سلمةَ بن عبد الرحمن ، وأبو بكر بن عبد الرحمن
ابن الحارث بن هشام - أنَّ عائشة قالت لهما: كان عليٌّ مُسَلِمّاً(" في شأنها.
وأخرج البخاري أيضاً من حديث الزهري عن عروة عن عائشة (والّذي
(١) قال الحافظ في مقدمة الفتح: هو أبو أيوب الأنصاري، رواه الحاكم في الإكليل.
(٢) بكسر اللام ، كذا رواه القابسي، من القسليم وترك الكلام في إنكاره ، وفتحها الحموي
من الخوض فيه. رواه ابن أبي شيبة، وعليه يدل فصول الحديث في غير من السلامة موضع، وهو
رضي الله عنه منزه أن يقول ما قال أهل الإفك . كما نص عليه في الحديث ، ولكن أشار بغراقها،
وشدد على بريرة في أمرها ، قاله الزر كتي .
-٢٦٦ -
توَلَى كِبْرَهُ منهم ) : عبد الله بن أُبيّ.
زاد في رواية: قال ◌ُروة : أخبرتُ أنه كان يُشاعُ ، ويُتحدّثُ به
عندَه، فيُقِرُّهُ وَ يُشِيعُهُ وَيَسْتُوشِهِ ، قال عروةُ: لم يُسمَّ من أهْلِ الإفك أيضاً
إِلَا حسَّانُ بن ثابتٍ، ومِسْطِحُ بِنُ أُثانة، وحَمْنَةُ بذىُ جحشٍ، في تاسٍ آخرين،
لا عِلم لي بهم ، غير أَنهم عُصْبَةُ، كما قال اللّه تعالى، قال عروةُ: وكانت عائشةُ
تكره أَنْ يُسبَّ عِندها حسَّانْ ، وتقول: إنه الذي قال:
لِعِرْضِ محمدٍ منكم وِقاء
فإنَّ أَبِي وَوَالدَهُ وعِرْضي
وفي رواية لهما : قال مسروق بن الأجدع : دخلتُ على عائشة،
وعندها حسانُ يُنْشِدُها شعراً، يُشبِّبُ(١) من أبياتٍ ، فقال :
حَصانٌ رَزانٌ ، ما تُزَنْ برِيبةٍ
وتُصبِحُ غَرْثَى من ◌ُومِ الغوافلِ
فقالت لهعائشة: لكنّك لست كذلك، قال مسروق: فقلت لها: أتأذنين(٣)
له أن يدُخُل عليك؟ وقد قال الله تعالى: (والذي تولى كِبْره منهم له عذابٌ
عظيمٌ )؟ قالت: وأيُّ عذابٍ أَشدُّ من العمى ؟ وقالت: إنه كان يُنافحُ -
(١) أي : ينشد شعراً يتغزل به.
(٢) قال الحافظ: هذا مشكل، لأن ظاهره: أن المراد بقوله (والذي تولى كبره منهم)
هو : حسان بن ثابت. وقد تقدم قبل هذا : أنه عبد الله بن ابي . وهو المعتمد .
وقد وقع في رواية أبي حذيفة عن سفيان الثوري عند أبي نعيم في ((المستخرج)» وهو ممن تولى
كبره فهذه الرواية أخف إشكالاً .
-٢٦٧ -
أو يُهاجي - عن رسول اللّه مَ له.
وأخرج الترمذي الرواية الثانية من الروايتين الطويلتين عن عروة عن
عائشة بطولها ، وقال : وقد رواه یو نس بن یزید ، ومعمر ، وغیرُ واحد عن
الزهري عن عروة بن الزبير ، وسعيد بن المسيب ، وعلقمة بنِ وَقَّاص الليثيِّ،
وعبيد الله بن عبد الله - عن عائشة أطولَ من حديث هشام بن عروة وأثمَّ،
يعني بذلك : الرواية الأولى بطولها .
وأخرج النسائي من الرواية الأولى إلى قوله: ((فلم يستنكِرِ القومُ خِفَةً
الهودج حين رفَعوهُ وحملوهُ ، وكنت جارية حديثةَ السنِّ ، ثم قال : وذكر
الحديث ، ولم يذكر لفظه .
وأخرج أبو داود منه طرفين يسيرين .
أحدهما : عن ابن شهاب قال : أخبرني عروة بن الزبير ، وسعيد بن
المسيب ، وعلقمة بن وقاص الليثي، وعبيد الله بن عبد الله عنحديث عائشة،
وكُلُّ حدَّني طائفة من الحديث ((قالت: واشآني في نفسي كار أحقرَ من أن
يتكلّم الله فيَّ بأمْرٍ يُثْلى».
والطرف الآخر: أَخرجه في باب الأدب، قال. قال رسولُ الله عَلّه:
« أبْشري يا عائشة، فإن الله عزَّ وجلَّ قَدْ أنزلَ عُذْرَك، وقرأ عليها
القرآنَ، فقال أبوايَ: قُومي فقَبِّلي رأسَ رسول اللهِ بِّهِ، فقلتُ: أَحَمَدُ
الله، لا إِيَّاكُما)».
- ٢٦٨ -
وحيث اقتصر على هذين الطرفين اليسيرين، لم أُثْبِتْ علامته مع
الجماعة، ونبَّهْتُ بِذِكْرِ هِما هاهنا، لِثَلا يُخِلَّ بِهِما (١).
[شرح الغريب] :.
( الإفك) الكذب ، وأراد به : قذف عائشة رضي الله عنها .
( أو ◌ْعَى): أحفظ .
(١) البخاري ١٩٨/٥ - ٢٠١ في الشهادات، باب تعديل النساء بعضهن بعضاً، وباب القرعة في المشكلات
وفي الهبة، باب هبة المرأة لغير زوجها وعتقها. وفي الجهاد، باب حمل الرجل امرأته في الغزو دون
بعض نسائه ، وفي المغازي ، باب شهود الملائكة بدراً، وباب غزوة النساء ، وفي تفسير سورة
يوسف، باب (بل سولت لكم أنفسكم أمرا) وفي تفسير سورة النور، باب ( لولا إذ إذ سيمنوه ظن
المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا ) وباب ( إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا )
وفي الايمان والنذور ، باب اليمين فيما لا يملك، وفي الاعتصام، باب قول الله تعالى(وأمرهم شورى
بيئمه ) وفي التوحيد ، باب قول الله تعالى ( يريدون أن يبدلوا كلام الله) وباب قول التي صلى الله
عليه وسلم: الماهر بالقرآن مع الكرام البررة، ومسلم رقم (٢٧٧٠) في التوبة، باب حديث الإفك
وقبول توبة القاذف، والترمذي رقم (٣١٧٩) في التغير، باب ومن سورة النور ، والنسائي
١٦٣/١ - ١٦٤ في الطهارة، باب بدء التيمم. قال العلماء: في هذا الحديث من الفوائد ، جواز
الحديث عن جماعة ملفقاً مجملًا ، وفيه مشروعية الفرعة حتى بين النساء ، وفي المسافرة بهن ،
والسفر بالنساء حتى في الغزو، وجواز حكاية ما وقع المرء من الفضل ولو كان فيه مدح ناس
وذم ناس إذا تضمن ذلك إزالة قوم النقص عن الحاكي إذا كان بريئاً عند قصد نصح من
يبلغه ذلك لئلا يقع فيما وقع فيه من سبق ، وأن الاعتناء بالسلامة من وقوع الغير في الاثم أولى من
تركه يقع في الاثم ، وتحصيل الأجر الموقوع فيه، وفيه استعمال التوطئة فيما يحتاج اليه من الكلام ،
وأن الهودج يقوم مقام البيت في حجب المرأة ، وجواز ركوب المرأة الهودج على ظهر البعير ،
ولو كان ذلك مما يشق عليه حيث يكون معطيقاً لذلك . وفيه خدمة الأجانب للمرأة من وراء الحجاب،
وجواز تستر المرأة بالشيء المنفصل عن البدن ، وتوجه المرأة لقضاء حاجتها وحدها وبغير إذن
خاص من زوجها، بل اعتمادا على الاذن العام المستند إلى العرف العام ، وجواز تحلي المرأة في السفر
بالقلادة ونحوها ، وصيانة المال ولو قل النهي عن إضاعة المال ، فإن عقد عائشة لم يكن من ذهب =
- ٢٦٩ -
- ولا جوهر، وفيه شؤم الحرص على المال لأنها لو لم تظل في التفتيش أرجعت بسرعة. فلما زاد على قدر
الحاجة أثر ما جرى. وتوقف رحيل الجند على إذن الأمير، والاسترجاع عند المصيبة، وتغطية المرأة
وجها عن نظر الأجتي ، وإغاثة الملهوف ، وعون المنقطع ، وإنفاذ الضائع، وإكرام ذوي القدر
وإيثارهم بالركوب، وتجتم المشقة لأجل ذلك، وحسن الأدب مع الأجانب خصوصاً الناء ،
لا سيا في الخلوة، والمشي أمام المرأة ليستقر خاطرها وتأمن مما يتوم من نظره لما عاه ينكشف
منها في حركة التي، وفيه ملاطفة الزوجة وحسن معاشرتها ، والتقصير من ذلك عند إشاعة ما يقتضي
النقص وإن لم يتحقق، وفائدة ذلك أن تتفطن لتغير الحال فتعتذر أو تعترف، وأنه لا ينبغي لأهل
المريض أن يعلموه بما يؤذي باطنه لئلا يزيد ذلك في مرضه، وفيه السؤال عن المريض والاشارة إلى
مراتب الهجران بالكلام والملاطفة ، وفيه أن المرأة إذا خرجت لحاجة تستصحب من يؤنسها أو
يخدمها من يؤمن عليها، وفيه ذب المسلم عن المسلم خصوصاً من كان من أهل الفضل ، وردع من
يؤذيهم ولو كان منهم بسبيل، وبيان مزيد فضيلة أهل بدر، وفيه البحث عن الأمر القبيح إذا أشيع ،
وتعرف صحته وفساده بالتنقيب على من قيل فيه ، واستصحاب حال من اتهم بسوء إذا كان قبل ذلك
معروفاً بالخير إذا لم يظهر عنه بالبحث ما يخالف ذلك ، وفيه فضيلة قوية لأم مسطح لأنها لم تحاب ولدها
في وقوعه في حق عائشة، بل تعمدت سبه على ذلك، وفيه مشروعية التسبيح عند سماع ما يعتقد السامع
أنه كذب ، وفيه توقف خروج المرأة من بيتها على إذن زوجها ولو كانت إلى أبويها ، وفيه البحث
عن الأمر المقول من يدل عليه المقول فيه، والتوقف في خبر الواحد ولو كان صادقاً، وطلب الارتقاء
من مرتبة الظن الى مرتبة اليقين ، وأن خبر الواحد إذا جاء شيئاً بعد شيء أفاد القطع، لقول عائشة:
لأستيقن الخبر من قبلها ، وأن ذلك لا يتوقف على عدد معين ، وفيه استشارة المرء أهل بطانته ممن
يلوذ به بقرابة وغيرها ، وتخصيص من جربت صحة رأيه منهم بذلك ولو كان غيره أقرب ، والبحث
عن حال من اتهم بشيء ، وحكاية ذلك للكشف عن أمره ، ولا يعد ذلك غيبة ، وفيه استعمال
«لا نعلم إلا خيراً)» في التركية، وأن ذلك كاف في حق من سبقت عدالته ممن يطلع على خفي أمره،
وفيه التثبت فى الشهادة، وفطنة الامام عند الحادث المهم ، والاستنصار بالأخصاء على الأجانب، وتوطئة
العذر لمن يراد إيقاع العقاب به أو العتاب له، واستشارة الأعلى لمن هودونه ، وان من استفسرعن
حال شخص فأراد بيان مافيه من عيب فليقدم ذكر عذره في ذلك إن كان يعلم ، كما قالت بريرة في
عائشة حيث عابتها بالنوم عن العجين فقدمت قبل ذلك أنها جارية حديثة السن ، وفيه أن الني صلى
الله عليه وسلم كان لا يحكم لنفسه إلا بعد نزول الوحي، لأنه صلى الله عليه وسلم لم يجزم في القصة بشيء
قبل نزول الوحي ، وأن الحمية لله ورسوله لاتذم ، وفيه فضائل جمة لعائشة ولأبويها ولصفوان ولعلي
ابن أبي طالب واسامة وسعد بن معاذ وأسيد بن حضير ، وفيه أن التعصب لأهل الباطل يخرج عن =
- ٢٧٠ -
( آذَنَ ) أي أعلم ، يعني : نادى بالرحيل .
== اسم الصلاح، وجواز سب من يتعرض الباطل، ونسبته إلى ما يبوؤه وإن لم يكن ذلك في الحقيقة
فيه، وإطلاق الكذب على الخطأ، والقسم بلفظ («لعمر الله)) وفيه الندب إلى قطع الخصومة وتسكين
ثائرة الفتنة ، وسد ذريعة ذلك. واحتمال أخف الضررين بزوال أغلظها، وفضل احتمال الأذى، وفيه
مباعدة من خالف الرسول ولو كان قريباً حميماً ، وفيه أن من آذى التي صلى الله عليه وسلم بقول أو
فعل يقتل ، لأن سعد بن معاذ أطلق ذلك ولم ينكره الني صلى الله عليه وسلم ، وفيه مساعدة من نزلت
فيه بلية بالتوجع والبكاء والحزن ، وفيه تثبت أبي بكر الصديق في الأمور لأنه لم ينقل عنه في هذه
القصة مع تمادي الحال فيها شهراً كلمة فما فوقها ، وفيه ابتداء الكلام في الأمر المهم بالنشهد والحمد
والثناء، وقول: ((أما بعد))، وتوقيف من نقل عنه ذنب على ماقيل فيه بعد البحث عنه، وأن قول :
(( كذا وكذا)» يكىبها عن الأحوال كما يكن بها عن الأعداد ولا تختص بالأعداد ، وفيه مشروعية
التوبة، وأنها تقبل من المعترف المقلع المخلص، وأن مجرد الاعتراف لا يجزىء فيها، وأن الاعتراف
بما لم يقع لا يجوز ولو عرف أنه يصدق في ذلك، ولا يؤاخذ على ما يترتب على اعترافه ، بل عليه
أن يقول الحق أو يسكت ، وأن الصبر نحمد عاقبته ويغبط صاحبه، وفيه تقديم الكبير في الكلام،
وتوقف من اشتبه عليه الأمر في الكلام ، وفيه تبشير من تجددت له نعمة ، أو اندفعت عنه نقمة، وفيه
الضحك والفرح والاستبشار عند ذلك ، ومعذرة من انزعج عند وقوع الشدة لصغر سن ونحوه ،
وإدلال المرأة على زوجها وأبويها ، وتدريج من وقع في مصيبة فزالت عنه لئلا يهجم على قلبه الفرح
من أول وهلة فيهلكه، وفيه أن الشدة إذا اشتدت أعقبها الفرج، وفضل من يفوض الأمر لربه، وأن
من قوي على ذلك خف عنه الهم والغم، وفيه الحث على الانفاق في سبيل الخير خصوصاً في صلة الرحم،
ووقوع المغفرة لمن أحسن إلى من أساء إليه او صفح عنه ، وأن من حلف أن لا يفعل شيئاً من الخير
استحب له الحنث، وجواز الاستشهاد بآي القرآن في النوازل ،والتأسي بما وقع للأكابر من الأنبياء
وغيرهم، وفيه التسبيح عند التعجب، واستعظام الأمر، وذم الغيبة، وذم سماعها ، وزجر من يتعاطاها
لاسيما إن تضمنت تهمة المؤمن بما لم يقع منه، وذم إشاعة الفاحشة. تحريم الشك في براءة عائشة
رضي الله عنها .
- ٢٧١ -
(جِزْعُ أَظْفَارِ الجِزْعِ هنا: الحجر اليماني المعروف، وإضافتهُ إِلى
أنظفار : تخصيص له ، وفي اليمن موضع يقال له: ظفار ، والراوية في
الحديث ((أظفار ــ وظفّار)).
((لم يُبَّلْن) أي: لم يكثر لحمهن من السِّمنِ فَيَثْقُلْن ، والمُهَبَّلُ: الكثير
اللحم، الثَّقِيلُ الحركة من السُّمَن، وقد روي ((لم يُبِّلنَ.
(الْعُلْقَةُ ) بضم العين: البُلْغة من الطعام قَدْرَ مايُمسِك الرَّمقَ ، تريد :
القليل .
( داع ولا ◌ُجيب ) أي ليس بها أحدٌ، لامنْ يدعو، ولا من يَرْدُّ
جواباً .
( عرَّس فادَّلج ) التعريس: نزول آخر الليل نزلة الاستراحة،
والادِّلَاج- بالتشديد -: سير آخر الليل .
( الاسترجاع ) هو قول القائل: (إنا لله وإنا اليه راجعون ).
( بِلْبابِي) الجلبابُ: ما يتَغطّى به الإنسانُ من ثوبٍ أو إزادٍ .
( وَهَوِيَ) هَوِيَ الإنسانُ: إذا سقط من عُلوٍ، والمراد : أنه نزل من
بعيره عجلاً .
(مُوغِرِينَ) الْوَغْرةُ: شدَّةُ الحرِّ ، ومنه يقال: وغَرَ صدرُه يُوغرُ : إذا
- ٢٧٢ -
اغْتَاظَ وحِيَ ، وأوَغَرَهُ غَيْرُهُ، فيكون قوله: مُوغِرِين، أي : داخلين في
شدة الحرِّ .
( نَحْرَ الظَّهيرة ) الظهيرةُ: شدة الحرِّ، وتَخْرُها: أولها، ونحرُ كل
شيء : أوله .
(كبْرُ الإفك ) الكبر - بكسر الكاف وضها هاهنا - معظم الإفك.
( يُفيضُونَ) الإِفاضةُ في الحديث: التَّحَدُّثُ به والخوض فيه بين الناس.
( يريبُني) را بني الشيء ◌َريبني: شكَكْتُ فيه، ولا يكون ريباً إلا
في شَكٍ مع تهمة .
( المناصِع) : المواضع الخالية تقضى فيها الحاجة من الغائط والبول ،
وأَصله: مكان فسيحٌ خارج البيوت ، واحدها : مَنْصَعْ.
( مِرْطها) المرطُ: كساء من صوفٍ أَوْ خَزٍ يُؤْتَزَرُ به، وجمعُهُ:
مُرُوَطْ .
( تَعِسَ) الإنسان: إذا عثر، ويقال في الدعاء على الإِنسان: تعِسَ
فُلانٌ ، أي : سقِطَ لِوجههِ .
( هَنتاه) يقال: امرأةٌ هَنتَاه، أي: بَلهاء، كأنها منسوبة إلى الْبَلَهِ وقِلّة
المعرفةِ بمكائِدِ الناس وفسادِهم.
(وَضِيئَةٌ ) الوضاءَةُ: الْحُسْنِ ، وَوَضِيئَةُ : فَعيلَةٌ بمعنى: فاعلة .
(أَغْمصُهُ ) الْغَمْصُ : أَلْعَيْبُ.
- ٢٧٣ -
١٨٦٣
( الدَّاجِنُ): الشَّةُ التي تألف البيْتَ وَتُقيمُ بهِ ، يقال: دجنَ بالمكان:
اذا أقام به .
( فاسْتَعْذَرَ ) يُقال: من يَعذرني من فلانٍ، أي: من يقوم بعذري إنّ
كافأتُهُ على سوءِ صَنْيعِهِ ، فلا يُلُوُمُني، واسْتَعْذَرَ : اسْتفعَل من ذلك، أي قال:
من يعْذِرني؟ فقال له سعدُ بن مُعاذٍ: أنا أَعْذِرُك، أَي أَقومُ بعذْرِك.
( مِنْ فَخِذِهِ) الْفَخِذُ في العشائِ، أَقَلُّ من البطن، أولها: الشَّعُب، ثم
القبيلة ، ثم الفصيلة ، ثم العمارة ، ثم البطن ، ثم الفخذ، كذا قال الجوهري .
( اجْتَهَلَتْهُ الحمية) الإجتهال : افتعال من الجهل، أي: حملته الحمية ، وهي
الأنفة والغضب على الجهل ، واحتَمَلَتْهُ : افْتَعَلَتْهُ من الْحَمْلِ .
( فَتَنَاوَرَ) تَشَاوَرَ النَّاسُ، أَي: ثَاوَرُوا وَنَهضُوا من أماكنهم، طَلَباً
الْفِتْنَةِ.
( يخفّضهم): يُهَوِّنُ عليهم ويُسكِّنُهُمْ.
( فَالِقٌ ) فَاعِلٌ، من فَلَقَ الشيء : إذا شَقَّهُ.
(أَمْتٍ) الإلمام: المقاربة، وهو من اللمم: صِغارَ الذنوب،
وقيل: اللهم : مُقاربة المعصيةِ من غير إيقاعٍ فعلٍ (١).
(١) قال في اللسان: الإلمام في اللغة، يوجب أنك تأتي في الوقت. ولا تقيم على الشيء. فهذا معنى اللهم.
قال أبو منصور : ويدل على صواب قوله قول العرب: ألممت بفلان إلماماً ، وما تزورنا إلا لماماً.
قال أبو عبيد : معناه : في الاحيان ، على غير مواظبة .
- ٢٧٤ -
(قَلَصَ ) قلص الدمع : انقطع جريانه .
(مَارَامَ) أي ما يَرِحَ من مكانه، يُقالُ: رامَ يرِيمُ: إذا برح وزال،
وَقَلْمَا يُسْتَعْمَلُ إلا في النفي .
(الْبُرَحاء ) : الشدة .
(الْجْمَان) جمع جمانَة: وهي الدُرَةُ، وقيل: هي خَرَزَةٌ تعمل من
الفضة مثل الدُّرَّة .
( سُرِّيَ عنه ) أي كشف عنه .
( ولا يَأْتَلِ ) يأتل: يَفْتَعِلُ، من الألِيّةُ: وهي القسم، يقال: آلَى
وأثَلى وتَلَى .
( أُخِي سَمعي ) حميتُ سمعي وبصري: إذا منعتُهما من أَنْ أنسب
إليهما مالم يدركاه .
( تُسَامِينِي) المساماةُ: مُفاعلةٌ من السُّمُوْ والعُلُوْ: أي أنها تَطلُبُ
من السُّمُو والعلوِّ مثلَ الذي أُطْلُبُ.
(فَعَصَمها اللّهُ بالورع) أَي منعها بالمعدلة، ومُجَانَبَةٍ مَالا يحلّ.
( كَنَف) الكنفُ: الجانبُ، والمراد: ما كشفتُ على امرأةٍ ماسَتَّرَتْه
من نفسها ، إشارةً إلى التَّعَفُّف .
( أَنُوا أهلي) التّأبينُ على وجهَينِ: فَتَأَبِينُ الحَيُّ: ذِكِرُهُ بالقَّبِيحِ ،
- ٢٧٥ -
ومنه قوله: أبنوا أهليٍ: أي ذَكَرُ وُهِم بِسُوءٍ. والثاني تأبينُ الميت: وهو
مدحه بعد مو ته .
(فبقرت).البقر: الفتح والتوسعة والشقُ، والمعنى: فَفَتَحَتْ لي الحديث
وكَشَفَتْهُ وأَوْ ضَحَتْهُ .
( وَأْمُ اللهِ) من ألفاظِ القسم ، وفيها لغات كثيرة .
( وَأْقَطُوا لها بِهِ ) أسقَطُوا به: أي: قالوا لها السَّقَط من القول،
وهو الرديء ، يريد: أنهم سبُوها، وقوله ((به)) أي بسبب هذا المعنى: وهو
الذي سُئلت عنه من أمر عائشة رضي الله عنها. فيكون المعنى: سبوها بهذا
السبب. وقد رُويَ هذا اللفظ على غير ما قلناه ، والصحيح المحفوظ: إنما هو
ما ذكر ناه. والله أعلم.
(قَارَ فَت) المِقَارَ فَةُ: الكسبُ والعمل في الأصل، ويقالُ لمنْ باشر
معصيةً أو ألمّ بها.
(وأُشْرِبَتْه قلوبكم) أي: تداخل هذا الحديث قلوبكم، كما يتداخل
الصبغُ الثوب فيشربه .
(باءَتْ به ) أي : رجعت به وتحمَّلته .
(يَسْتَوِشِيه) أي: يستَخْرُجُهُ بالبحثِ عنه، والاستقصاءِ، كما يَسْتوشِي
الرَّجُلُ فَرسَهُ: إذا ضَرَبَ جَنْبَيْهِ بعَقِبَيْهِ لِيَجْرِي، يقال: أوْشَى فِرَسَهُ،
واسْتَوْشاهُ .
-٢٧٦-
(خَصانٌ رَزَانٌ ) امرأةٌ حصانٌ: بَيْنَةُ الحصانَةِ، أَي: عَفِيفَةٌ حَبِيَّةٌ،
وامرأةٌ رَزَانٌ : ثقيلة ثابتة .
( تُزَنُ) : تُرْمَى وَ تُقْذَفُ.
( بِرِيبَةٍ) أي : بأمرٍ يَرِيبُ النَّاسَ، كالرِّنا ونحوه .
(غَرْلَى) أي: جائِعَةٌ، والمذكر : غرثان .
( الْغَوافِل ) جمع غافِلَةٍ ، والمراد بها : الغفلةُ المحمودة، وهي ما لا يقدح
في دينٍ أَو مُرُوءَةٍ.
( منافح) المنافحةُ: المناضلَةُ وَالْمُخَاصَةٌ.
(أكثَفِ) الأكنف: الأَسْتَرُ الْأَصْفَق، ومن هاهنا قيل للوعاء الذي
يحرزُ فيه الشيءَ: كَنَفٌ ، والبناء السَّاتِرُ لَمَا وَرَاءهُ: كَنِيفُ.
٧٣٠ - (غ - أمُّ رُومان (١) رضي الله عنها) - وهي أُمُ عائشةَ رضي
اللّه عنها - قالت: بيْنَا أَنا قاعدَةٌ أنا وعائشةُ، إذْ وَ لَحَت امرأةٌ من الأنصار،
فقالت : فَعَلَ الله بِفُلانِ وِفَعَلَ ، فقالت أُمُّ رُومان: ومَا ذَاك ؟ قالت: ابْنِي فِيمَنْ
حَدَّثَ الْحَدِيثَ ، قالت: وما ذَاك؟ قالتْ: كذا وكذا، قالت عائشةُ: وَمِعَ
رسول الله مَ الٍ ؟ قالت: نعم، قالت: وأبو بكرٍ؟ قالت: نعم، فَخرَّتْ
مَغْشِيًّا عليها، فَا أفاقَت إلّا وعليها ◌ُّى بنافض، فطرَحْتُ عليها ثيابَها،
(١) أم رومان : - بفتح الراء وضمها - هي ام عائشة وعبد الرحمن، ولدي أبي بكر الصديق رضي الله
عنهم .
- ٢٧٧ -
فَغَطَّيْتُها، فجاء النبيِّيَِّلّهِ، فقال: ((ما شأنُ هذه؟)) قُلْتُ: يارسول الله،
أخذتها الحمّى بنافضِ ، قال : فلعلَّ في حديثٍ تُحُدُثَ بهِ ؟ قالت : نعم ،
فقعدتْ عائشةُ، فقالت: واللّهِ لتن حَلفتُ لا تُصدِّقوني، ولئن قلتُ
لا تعذِروني ، مثلي ومثلُكم كيعقوبَ وبَفِيهِ ( والله المستعان على ما تَصفُونَ)
قالت: فانْصرفَ ، ولم يقل لي شيئاً، فأنزل اللّه عُذْرها، قالت: بحمدِ اللّهِ،
لا بحمدٍ أحدٍ ، ولا بحمْدِكَ، . أخرجه البخاري .
قال الحميدي ، في كتاب ((الجمع بين الصحيحين)): كان بعضُ من لقينا
من الحفّاظِ البغداديين يقول: إِن الإرسال في هذا الحديثِ أَبْيَنُ، واستدلَّ
على ذلك بأنَّ أُمَّ رُومانٍ توفّيتْ في حياة النبي ◌َّهِ. ومَسْرُوقُ بن الأجْدَعِ
- راوي هذا الحديثِ عن أُمِّ رومانٍ- لم يُشاهِدِ النّيَّنَ ◌ّبِلا خِلافٍ(١).
(١) ٣٣٧/٧ في المغازي، باب حديث الإفك، وفي الأنبياء، باب قول الله تعالى (لقد كان في يوسف
وإخوته آيات للسائلين) وفي تفسير سورة يوسف، باب (قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا) وفي تفسير سورة
النور ،باب قوله (ولولا فضل الله عليكم ورحمته) وقد استشكل فول مسروق: حدثتني أم رومان مع أنها
ماتت في زمن الني صلى الله عليه وسلم، ومسروق ليست له صحبة، لأنه لم يقدم من اليمن إلا بعد موت
التي صلى الله عليه وسلم في خلافة أبي بكر أو عمر. قال الحافظ: قال الخطيب لا نعلمه روى هذا الحديث عن
أبى وائل غير حصين ( بن عبد الرحمن الواسطي) ومسروق لم يدرك أم رومان، وكان يرسل هذا
الحديث عنها ، ويقول: سئلت أم رومان، فوم حصين فيه حيث جعل السائل لها مروقاً، أويكون
بعض النقلة كتب: ((سئك)) بألف، فصارت سألت، فقرئت بفتحتين، على أن
بعض الرواة قد رواه عن حصين على الصواب ، يعني بالمنسنة ، وأخرج البخاري هذا
الحديث بناء على ظاهر الاتصال ، ولم يظهر له علة. وقد حكى المزي كلام الخطيب هذا في التهذيب
وفي الأطراف ولم يتعقبه ، بل أقره، وزاد أنه روي عن مسروق عن ابن معود عن أم رومان،
وهو أشبه بالصواب، كذا قال. وهذه الرواية شاذة، وهي من ((المزيد في متصل الأسانيد))
على ما سنوضحه، والذي ظهر لي بعد التأمل أن الصواب مع البخاري ، لأن عمدة الخطيب ومن =
- ٢٧٨ -
٧٢١ - (ن - عاُُّ رضي الله عنها) قالت: لَّا أُنْزِلَ عُذْرِي،
قام رسولُ الله ◌َّ على المنبر، وذكرَ ذلك، وتلا القُرآنَ، قالت: وأمرَ
بِرَجُلَيْنِ وامرأَةٍ، فَجُلِدوا الحدَّ)، أخرجه الترمذي (١).
= تبعه في دعوى الوم، الاعتماد على قول من قال: ان أم رومان ماتت في حياة التي صلى الله عليه وسلم
سنة أربع . وقيل: سنة خمس، وقيل: ست، وهو شيء ذكره الواقدي ، ولا يتعقب الأسانيد
الصحيحة بما يأتي عن الواقدي، وذكره الزبير بن بكار بسند منقطع فيه ضعف أن أم رومان ماتت سنة
ست في ذي الحجة، وقد أشار البخاري إلى رد ذلك في تاريخه الأوسط، والصغير، فقال بعد أن ذكر
أم رومان في فصل من مات في خلافة عثمان : روى علي بن يزيد عن القاسم قال : ماتت أم رومان
في زمن الني صلى الله عليه وسلم سنة ست، قال البخاري : وفيه نظر ، وحديث مسروق أسند ،
أي أقوى إسناداً وأبين اتصالاً انتهى. وقد جزم إبراهيم الحربي بأن مسروقاً سمع من أم رومان وله
خمس عشرة سنة، فعلى هذا يكون سماعه منها في خلافة عمر، لأن مواد مسروق كان في سنة الهجرة،
ولهذا قال أبو نعيم الأصبهاني: عاشت أم رومان بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد تعقب ذلك كله
الخطيب معتمداً على ما تقدم عن الواقدي والزبير ، وفيه نظر لما وقع عند أحد من طريق أم سلمة
عن عائشة قالت: لما نزلت آية التخيير، بدأ التي صلى الله عليه وسلم بعائشة فقال: ياعائشة إني عارض
عليك أمراً فلا تفتاتي فيه بشيء حتى تعرضيه على أبويك أبي بكر وأم رومان .. الحديث، وأصله في
الصححين دون تسمية أم رومان ، وآية التخيير نزلت سنة تسع اتفاقاً ، فهذا دال على تأخر موت أم
رومان عن الوقت الذي ذكره الواقدي والزبير أيضاً ، فقد تقدم في علامات النبوة من حديث
عبد الرحمن بن أبي بكر في قصة أضياف أبي بكر، قال عبد الرحمن: وانما هو أنا وأبي وأمي وامر أتي
وخادم، وفيه عند المصنف ( يعني البخاري) في الأدب، فما جاءأبو بكر، قالت له أمي: احتبست عن أضيافك ...
الحديث، وعبد الرحمن إنما هاجر في هدنة الحديبية ، وكانت الحديبية في ذي القعدة سنة ست ،
وهجرة عبد الرحمن في سنة سبع في قول ابن سعد، وفي قول الزبير فيها أو في التي بعدها، لأنه
روي أن عبد الرحمن خرج في مئة من قريش قبل الفتح إلى النبي صلي الله عليه وسلم ، فتكون أمرومان
تأخرت عن الوقت التي ذكراه فيه ، وفي بعض هذا كفاية في التعقيب على الخطيب ومن تبعه فيما تعقبوه
على هذا الجامع الصحيح ، والله المستعان . وقد تلقى كلام الخطيب بالتسليم صاحب المشارق والمطالع
والسهيلي وابن سيد الناس، وتبع المزي الذهي في مختصر اته والعلائي في المراسيل وآخرون، وخالفه
صاحب «الهدي )).
(١) رقم (٣١٨٠) في التفسير، باب ومن سورة النور: وقال: هذا حديث غريب ، لا نعرفه إلا من
حديث محمد بن اسحاق ، نقول : وفيه عنعنة ابن اسحاق ، وهو مدلس لكن قد صرح بالتحديث كما
ذكر الحافظ فى الفتح ، فالحديث حسن .
- ٢٧٩ -
٧٣٢ - (خر - عامّة رضي الله عنها) قالت: يَرْحُمُ الله ◌ِنِساء
اْهَاجِرَاتِ الأُوَّلَ(١). ◌َا أنزل ( وَلْيَضْرِ بْنَ بِخُمُرِ مِنْ عَلَى جُيُوبِنَّ ... ) الآية
[ النور: ٣١] شَقَقْنَ مُرُوَطَهُنَّ، فَاخْتَمَرْنَ بها» .
وفي أُخرى قالت: ((أَخَذْنَ أُزُرَهُنَّ، فَشَقَقْنَها مِنْ قِبَلِ الْحْوَائي،
واخْتَمَرْن بها (٢))). أخرجه البخاري.
وفي رواية أبي داود، قال: ((شَقَّقْنَ أَكْتُفَ مُرُوطِنَّ(٣)، فاختَمَرْنَ
تَهَا (٤).
[شرح الغريب]:
( مُرُوَطَهُنَّ) المروط: جمع مِرْط، وهو كِساء من خَزّ أو صوف
يُتَغَطَّى به.
٧٣٣ - (د - ابن عباس رضي الله عنهما)، (وقُلْ لِلْمُؤْمِناتٍ يَغْضُضْنَ
(١) قال الحافظ: أي: السابقات من المهاجرات، وهذا يقتضي أن الذي صنع ذلك نساء المهاجرات، لكن في
رواية صفية بنت شيبة عن عائشة: أن ذلك في نساء الأنصار. كما سأنبه عليه. انظر التعليق رقم (٤).
(٢) أي: غطين وجوههن. وصفة ذلك: أن تضع الخمار على رأسها وترميه من الجانب الأيمن على العائق
الأيسر ، وهو التقنع . قال الفراء : كانوا في الجاهلية تدل المرأة خمارها من ورائها وتكثف
ما قدامها ، فأمرن بالاستتار ، والخمار المرأة كالعمامة الرجل .
(٣) قال أبو داود: قال ابن صالح: أكثف مروطهن. ومعنى أكتف مروطهن: أي أشدها ستراً لصفافته،
والأكثف : الأغلظ والأنخن .
(٤) البخاري ٣٧٦/٨ في تفسير سورة النور، باب وليضربن بخمر هن على جيوبهن ، وأبو داود رقم
(٤١٠٢) في اللباس، باب قول الله تعالى (وليضربن بخمرهن على جيوبهن) قال الحافظ في «الفتح» : =
- ٢٨٠ -