Indexed OCR Text
Pages 261-280
( مبيّنة) ظاهرة واضحة . (مبرّح) ضربتُهُ ضرباً مُبَرْحاً، أي: شديداً شاقاً . ( فلا تبغوا عليهن سبيلاً ) أي إن أطعنكم فيما تريدون منهن، فلا يبقى لكم عليهنَّ طريقٌ ولا حكمْ فيما عداهُ، إلا أن يكونَ جوزاً وَتَعسَّفاً . ٥٣ - (غ م - عبد اللّه بن عمر رضي الله عنهما) قال: قال رسولُالله بَّهُ فِي ◌َحَجَّةِ الوَداع: «أَلا أَيُّ شهرٍ تعلمونه أعظمُ ◌ُحُرْمةً؟» قالوا: ألا شهرنا هذا، قال: ((أَلا أيُّ بلدٍ تعلمونه أعظمُ حرَّمَةً؟، قالوا: ألا بلدُنا هذا، قال: ((ألا أَيُ يُومٍ تعلمونه أعظَمُ حرمةً؟» قالوا: أَلا يومنا هذا، قال: ((فإن الله تبارك وتعالى قدْحرَّم عليكم دماء كم وأموالكمْ وأعراضكم إلّا بحقُّها، كحُرمَةِ يومِكم هذا في بلدكم هذا ، في شهركم هذا، ألا هلْ بلَّغْتُ؟))، ثلاثاً - كلُّ ذلك يُجيبونه: ألا نَعمْ! قال: " ويُحَكم، - أو وَيَلَكمْ(١) - لا تَرْجِعُنَّ بعدي كفَّاراً يَضرِبُ(٢) بعضُكم رقابَ بعضٍ . (١) قوله: ((ويحكم )) أو قال: ((ويلكم)) قال. هما كلمتان تستعملها العرب بمعنى التعجب والتوجع. قال سيبويه: ((وبل)) كلمة تقال لمن وقع في هلكة و ((ويح)) كلمة ترحم، وحكي عنه: ((ويح)» زجر لمن أشرف على الهلكة . وقال غيره : ولا يراد بها الدعاء بايقاع الهلكة ، ولكن يراد منها الترحم والتعجب، وروي عن عمر بن الخطاب، قال: ((ويح)) كلمة رحمة . وقال الهروي. ((ويج)) كلمة لمن وقع في هلكة لا يستحقها، فيترحم عليه، ويرنق له، و ( وبل)) الذي يستحقبا فلا یتر حم عليه . (٢) قال الإمام النووي في شرح مسلم ٥٦٠٥٥/٢ في معناه سبعة أقوال : أحدها : أن ذلك كفر في حق المستحل بغير حق . - ٢٦١ - أخرجه البخاريّ ، ولمسلم نحوه (١). ٥٤ (خ - عبد الله بن عباس رضي الله عنهما) أَن رسول اللّه عَ ليه = والثاني : كفر النعمة وحق الإسلام . والثالث : أنه يقرب من الكفر ويؤدي إليه . والرابع : فعل كفعل الكفار . والخامس : حقيقة الكفر ، ومعناه : لا تكفروا ، بل دوموا مسلمين . والسادس : - حكاه الخطابي وغيره - أن المراد بالكفار المتكفرون بالسلاح، يقال : تكفر الرجل بسلاحه: إذا لبه . قال الأزهري في كتاب «تهذيب اللغة)): يقال للابس السلاح: كافر . والسابع ، قاله الخطابي : لا يكفر بعضكم بعضاً، فتستحلوا قتال بعضكم بعضاً ، وأظهر الأقاويل . الرابع ، وهو اختيار القاضي رحمه الله . ثم إن الرواية ( يضرب)» برفع الباء ، هذا هو الصواب . وكذا رواه المتقدمون والمتأخرون وبه يصح المقصود هنا . ونقل القاضي عياض أن بعض العلماء ضبطه باسكان الباء ، قال القاضي : وهو إحالة للمعنى ، والصواب الضم . قلت : وكذا قال أبو البقاء العكبري : إنه يجوز جزم الماء على تقدير شرط مضمر، أي : إِن ترجموا يضرب . وأما قوله عليه الصلاة والسلام: ((بعدي)) فقال القاضي عياض: قال الهروي: معناه: بعد فراقي من موقفي هذا، وكان هذا يوم النحر يعني في حجة الوداع، أو يكون بعدي ، أي خلافي ، أي لا تخلفوني في أنفسكم بغير الذي أمرتكم به، أو يكون قد تحقق عليه الصلاة والسلام أن هذا لا يكون في حياته ، فنهاهم عنه بعد مماته . (١) البخاري ٧٥/١٢ في الحدود: باب ظهر المؤمن حى، وفي الديات ١٧٠/١٢ باب قوله تعالى: (ومن أحياها) وفي الحج ٤٠٨/٣ باب الخطبة أيام منى، وفي المغازي ٨٢/٨ باب حجة الوداع، وفي الفتن ٢٢/١٣ باب قول النبي صلى الله عليه وسلم «لا ترجعوا بعدي كفاراً))، وفي الأدب ٣٨٧/١٠، قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم)، وأخرجه مسلم رقم (٦٦) في الايمان ، باب بيان قول النبي صلى الله عليه وسلم ((لا ترجعوا بعدي كفاراً)) وأخرجه أبو داود رقم (٤٦٨٦) في السنة: باب الدليل على زيادة الايمان . -٢٦٢ - خطب الناس يوم النحر ، فقال: (( يا أيها الناس، أيُّ يومٍ هذا؟)) قالوا: يومٌ حرامٌ، قال: ((وأَيُّ بلدٍ هذا؟» قالوا: بلد حرام، قال: ((فأيُّ شهر هذا ؟)) قالوا: شهر حرام، قال: ((فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا ، في شهركم هذا ، فأعادها مراراً - ثم رفع رأسه فقال: «اللهمَّ هل بلغْتُ؟اللهم هل بلغت) قال ابن عباس: فوالذي نفسي بيده إِنَّهَا لوصيَّتُهُ إلى أُمّته، «فليُبَلِّغْ الشاهدُ الغائبَ، لاَ تَرِجِعوا بعدي كفَّاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)). أخرجه البخاري"(١). ٥٥ - (ج م د - أبو بكرة رضي الله عنه) أَنَّ النبيَّ يِِّ قال: ((إِنَّ الزَّمَانَ قد استدار كهيأته يومَ خلق اللّهُ السموات والأرضَ، السََّةُ اثنا عشر شهراً منها: أربعةٌ حُرُمٌ، ثلاثَةٌ متواليات: ذو القَعدة، وذو الحِجَّةِ والمحرَّمُ ، ورَجَبُ مُضَرَ الذي بين جمادَى وَشعبانَ، أَيُّ شهر هذا؟)) قُلنا: اللّهُ ورسولُهُ أَعلمُ، فَسكَت حتى ظنَنَّا أنّه سيُسَمِّيه بغير اسمه ، فقال : ((أُليس ذا الحجة؟، قلنا: بلى؛ قال: ((أيُّ بلد هذا؟)، قلنا: الله ورسوله أعلمُ، فَسكَتَ حتى ظنًّا أَنَّه سيُسمِّيه بغير اسمه، قال: ((أليس البلدَةَ الحرامَ ؟)) قلنا: بلى، قال: ((فَأَيُّ يومٍ هذا؟)، قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكتَ حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: (( أَليس يومَ النَّحر؟)) قلنا: بلى، قال: (( فإن دِماءَكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرامٌ ، كحُرمة يومكم هذا، (١) في الحج ٤٥٢/٣ باب الخطبة أيام منى. - ٢٦٣ - في بلدكم هذا ، في شهركم هذا، وستلْقَون رَبكم فيسألكُم عن أعْمَالِكم، ألا فلا ترجعوا بعدي كُفّاراً، يَضْرِبُ بعضُكُمْ رقاب بعضٍ، ألا لِيُبَلِّغ الشاهدُ الغائبَ، فَلعلَّ بعضَ منْ يَبْلُغُهُ أن يكون أوعى من بعض من سمعه» ثم قال: ((ألا هلْ بَلَّغْتُ؟ ألا هل بلغت؟)) قلنا: نعم! قال: ((اللّهُمَّ اشهد)). وفي رواية ((أنَّ النبيَّ ◌ٍَِّ قَعدَ على بعيره، وأمسك إنسانٌ بخطامه، أو بزمامه، فقال: ((أيُّ شهرٍ هذا؟)) - وذكر نحوه مختصراً -. أخرجه البخاري ومسلم . وزاد مسلم في رواية « ثُمَّ أَنْكَفَأَ إلى كبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ، فَذَبحهما، وإلى جُزَيْعَةٍ من الغَ فَقْسَمَها بَيْنَنا). وأخرج أبو داود طرفاً من أوله، إلى قوله ((بين جمادى وشعبان)). قال الحميدي : قال الدارقطني : زيادةُ مسلمٍ وَهُمْ من ابن عَوْنٍ عن ابنِ سيرين ، وإنّما رواه ابن سيرين عن أنس . وزادَ في رواية، فلمّا كان يومُ حُرِّقَ ابنُ الحَضْرميّ(١)، حين حَرَّقَهُ جاريةُ (١) قال الحافظ في «الفتح» ٢٣/١٣: وابن الحضرمي فيما ذكره السكري اسمه عبد الله بن عمرو بن الحضرمي ، وأبوه عمرو ، هو أول من قتل من المشركين يوم بدر ، وعلى هذا ، فلعبد الله رؤية ، وقد ذكره بعضهم في الصحابة، ففي (« الاستيعاب» قال الواقدي: ولد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وروى عن عمر، وعند المدائني أنه عبد الله بن عامر الحضرمي ، وهو ابن عمرو المذكور، والعلاء بن الحضرمي الصحابي المشهور عمه، وجارية بن قدامة هو ابن مالك بن زهير بن الحصين التميمي السعدي ، وكان السبب في ذلك ما حكاه العسكري في الصحابة : كان جارية يلقب محرقاً ، لأنه أحرق ابن الحضرمي بالبصرة ، وكان معاوية وجه ابن الحضرمي إلى البصرة ليستنفوم = - ٢٦٤ - ابنُ قُدامة ، قال: أَشْرفوا على أَبِي بَكْرَةَ ، فقالوا: هذا أَبو بكرة يراك ، قال عبدُ الرحمن: فحدثَتْني أُمِّي عن أبي بكرةَ أَنْه قال : لَو دخلوا عليّ ما يَشْتُ لهِم بِقَصَبَةٍ(١). ووجَدْتُ في كتاب رَزين بن معاوية العَبْدَريّ رحمه الله، الجامع لهذه الصِّحاح زيادةً في آخر هذا الحديث لم أجدها في الأصولِ الَّتي نقلتُ منها : وهي هذه : (( ثلاث لا يَغِلّعليهنَّ قلبُ مسلمٍ أَبداً: إخلاصُ العمل لله. ومناصحَةُ ولاة الأمر، ولزومُ جماعة المسلمين، فإِن دعوتُهُم تحيطُ من ورائِهم (٢)). = على قتال علي ، فوجه علي جارية بن قدامة ، فحصره فتحصن منه ابن الحضرمي في دار فأحرقها جارية عليه وقوله : هذا أبو بكرة يراك ، قال المهلب : لما فعل جارية بابن الحضرمي ما فعل أمر جارية بعضهم أن يشرفوا على أبي بكرة ليختبر إن كان محارباً أو في الطاعة، وكان قد قال له خيثمة : هذا أبو بكرة يراك، وما صنعت بابن الحفرمي ، فربما أنكره عليك بسلاح أو بكلام ، فلما سمع أبو بكرة ذلك وهو في علية له ، قال: لو دخلوا علي داري ما رفعت عليهم قصبة ، لأني لا أرى قتال المسلمين، فكيف أن أقاتلهم بسلاح !!. (١) البخاري ٤٥٩/٣ في الحج، باب الخطبة أيام منى، وفي الأضاحي ٦١١٠، باب من قال: الأضحى يوم النحر ، وفي التفسير ٢٤٤/٨ باب تفسير سورة براءة، وفي بدء الخلق ٢١١١٦ باب ماجاء في سبع أرضين، وفي الفتن ٢٣/١٣، باب لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض ، وفي العلم ١٤٥/١، باب رب مبلغ أوعى من سامع، وأخرجه مسلم رقم (١٦٧٩) في القسامة، باب تحريم الدماء ، وأبو داود رقم (١٩٤٧) في الحج ، باب الأشهر الحرم . (٢) لم نر هذه الزيادة فيما بين أيدينا من المصادر من رواية أبي بكرة، وقد جاء في «الترغيب والترهيب) ٢٣/١ في إخلاص العمل لله، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع («نضر الله امرء ا سمع مقالتي فوعاها؛ فرب حامل فقه ليس بفقيه، = - ٢٦٥ - [ شرح الغريب]: (الزمان قد استدار ) بمعنى: دار، وذلك أنَّ العربَ كانوا يُؤخّرونَ المحرَّم إلى صفر ، وهو النّسيء، ويفعلون ذلك سنة بعد سنة ، فينتقل المحرم من شهرٍ إلى شهرٍ ، حتى جعلوهُ في جميع شهور السنة ، فلما كان تلك السَّنة كان قد عاد إلى زمنه المخصوص به قبل أن ينقلوه. ٠ (رجب مضر) أضافَ رجباً إِلى مُضَرَ، لأَنهمْ كانوا يُعَظِّمُونَهُ، فكانهم اختصُوا به ، وقوله سَّ ◌ِّج ((الذي بين جمادى وشعبان)) ذكره تأكيداً للبيان وإيضاحاً، لأَنَّهُمْ كانوا يُنْسِوَنَهُ، وَيُؤخّرونَه من شهرٍ إلى شهر، فيُحوَّلُونَهُ عن موضعه ، فَبَيَّنَ لهم أن رجباًهو الشهر الذي بين جمادى وشعبان ، لا ما كانوا يسمونه على حسب النَسيءٍ. (أوعى) وَى يَعي: إِذا حَفِظَ ، وأوعى أَفْعَلَ: مثله. قوله: ((لا ترجعُنَّ بعدي كُفّاراً يضرب بعضكم رقاب بعض، قال = ثلاث لا يغل عليهن ... )) الحديث ثم قال : رواه البزار باسناد حسن. نقول: أخرج الشافعي في مسنده ١٤/١ من حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نصر الله عبداً سمع مقالي فحفظها ووعاها وأداها، قرب حامل فقه غير فقيه ، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، والنصيحة للمسلمين، ولزوم جماعتهم ، فان دعوتهم تحيط من ورائهم» وإسناده صحيح، وأخرجه أحمد في المسند ١٨٣/٥ وغيره من حديث زيد بن ثابت ، وإسناده صحيح، وصححه ابن حبان والحافظ ابن حجر ، وفي الباب عن أبي الدرداء ، ومعاذ بن جبل ، والنعمان بن بشير، وأبي قرصافة، وجابر، وأنس ، وجبير بن مطعم، انظر تخريجها في («مجمع الزوائد)) ١٣٧/١-١٣٩ للحافظ الهيثمي. -٢٦٦ - الهروي : قال الأزهريّ : فيه قولان . أحدهما : لا بسين السلاح ، يقال : كَفَرَ فوق دِرْعه: إذا لَيِس فوقها ثوباً ، والثاني: أنه يُكفّر النّاس فيكفُر، كما تفعله الخوارج، إِذا استعرضوا النَّاس ، وذلك كقوله عليه الصلاة والسلام: ((مَنْ قال لأخيه: يا كافر ، فقد باءَ به أَحدهما )). ( الانكفاء ) الرجوع إلى الشيء والميل إِليه . (أَملحين) الأملح من الغنم: النَّقيُّ البياض ، وقيل: هو المختلط سوادُه وبياضه ، إلا أن البياض فيه أكثر . (جُزْيعةُ ) القطعة من الغنم ، هكذا ذكره الجوهريّ ، وذكرها ابن فارس في المجمل : الجزِيعة ، بفتح الجيم وكسر الزاي. (بَشتُ): إذا ملت إليه ، وأقبلت نحوه ، يقال لكل من نظر إِلى شيء فمال إليه ، وأعجبه: بهش إليه، وقد يكون للمدافعة والذّبِّ، والمراد به : ما دَفعْتُهم بقصيةٍ ، ولا قائلْتُهُم بها. ( لاَ يَغِلَّ عليهن قَلْبُ مُؤمنٍ ) تُروى هذه الكلمة بفتح الياء وكهر الغين ، وهو من الغلِّ : الحقد والضَّغْنُ، يقول: لا يدخله شيء من الحقد يُزيله عن الحق ، ويُروى بضم الياءِ وكسر الغين من الخيانةِ. والإغلالُ: الخيانةُ في كل شيء. وقوله ((عليهن)) في موضع الحال، أي: لاَ يَغِلُّ كائناً عليهن قلبُ -٢٦٧ - مُؤْمِنِ ، وإنما انتصب على النكرة، لتقدّمه، والمعنى: أنَّ هذه الخلال المذكورة في الحديث ، تُسْتَصْلَحُ بها القلوبُ، فمن تمسك بها، طَهُر قلبه من الدَّغل والفسادِ . ٥٦ - م م ط ن د - أبو هريرة رضي الله عنه) قال: قال رسول الله بَيُّ: ((ما مِن مَوْلُودٍ (١) إلا يُولَدُ على الفِطْرةِ،، ثم يقول: ((اقرؤوا (فِطرة الله التي فطر الناس عليها، لا تبديل لخلق اللّه، ذلك الدِّينُ القَيْمُ)، [ الروم: ٣٠]. كذا عِندَ مسلمٍ. وزاد البخاريّ: فَأَبَواهَ يُهَوْدَانِهِ، أَوْ يُنَصَّرَانِهِ، أَوْ يُجِّانِهِ، كما تُنْتَجُ البَهِيمَةُ(٢) بهيمةً جمعاءَ ، هلْ تُحِشُونَ فيها منَ جَدْعَاءَ ، ثم يقولُ أبو هريرة: (١) من زائدة، ومولود: مبتدأ، ويولد خبره، وتقديره: مامولود يولد على أمر إلا على الفطرة، وهي لغة: الخلقة - والمراد بها في أشهر الأفوال: الاسلام، قال ابن عبد البر: وهو المعروف عند عامة السلف ، وأجمع أهل العلم بالتأويل على أن المراد بقوله تعالى: ( فطرة الله التي فطر الناس عليها ) الاسلام . (٢) قال النووي: (( كما تنتج البهيمة بهيمة جماء)) هو بضم التاء الأولى. وفتح الثانية، ورفع «البهيمة)»، ونصب (( بهيمة))، ومعناه: كما تلك البهيمة بهيمة جمماء - بالمد - وهي مقطوعة الأذن، أو غيرها من الأعضاء ، ومعناه : أن الببيمة تلد البهيمة كاملة الأعضاء لا نقص فيها، وإنما يحدث فيها النقص والجدع بعد ولادتها . و ((كماتتج» يروى على البناء للمفعول. قال الجوهري: نتجت الناقة، على ما لم يسم فاعله تنتج نتاجاً : ولدت . ولفظ « كا)) إما حال، أي: يهود الوالدان المولود، بعد أن خلق على الفطرة، تشبيهاً بالبهيمة] التي جدعت بعد سلامتها، وإما صفة مصدر محذوف، أي: يغيرانه تغييراً ، مثل تغييرم البهيمة = -٢٦٨ - ( فِطْرَةَ اللّهِ الّي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها، لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ، ذَلِكَ الدِّينُ القَّمْ ) . وزادَ مُسلمٌ أَيضاً مِن روايَةٍ أُخرى . وفي رواية لهما قال: ((ما من مولود إلَّا يُولَدُ على الفطرةِ، فأبواه يُوْدانِه ويُنَصِّرانه، كما تُنْتجونَ الإِبل، فهل تَجدون فيها جَدْعاءَ ، حتّى تكونُوا أَنتم تجِدَعونَها ، قالوا: يارسول الله ، أَفرأَيت منْ يموت صغيراً ؟ قال: ((اللّهُ أَعْلَمُ بما كانوا عاملين(١) .. وفي أُخرى لمسلم: «ما من مولودِ إلا يولد على الفطرةِ ، فأبواه يهودانه وينصِّرانه ، ويشرِّ كانه)) . فقال رجل: يارسول الله ، أرأيتَ لو مات قبل ذلك قال: (( اللّه أَعلمُ بما كانوا عاملين)). وفي أُخرى (( ما من مولود يولدُ إلا وهو على المِلّهِ . زاد في أُخرى («على الِلة، حتى يُبيِّن عنه لسانُه)). هذه هي طرقُ البخاري ومسلم (٢). = السليمة، والأفعال الثلاثة تنازعت في (( كما)» على التقديرين، وقوله («بهيمة) مفعول ثان لقوله ( تنتج )» . (١) أي ذلك من شأن الله سبحانه، لا من شأنكم، فلا تسألوا عنه. (٢) البخاري في الجنائز ١٧٦/٣، باب إذا أسلم الصي، و ١٩٧ -١٩٩ فيه أيضاً، باب ما قيل في أولاد المشركين، وأخرجه مسلم رقم (٢٦٥٨) في القدر ، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة، والموطأ رقم (٥٢) الجنائز، باب جامع الجنائز، والترمذي رقم (٢١٣٩)، في القدر : باب كل مولود يولد على الملة، وأبو داود رقم (٤٧١٤) في السنة، باب ذراري المشركين . - ٢٦٩ - ووافقهما الموطأ والترمذيّ وأبو داود نحو ذلك وبمعناه. [ شرح الغريب]: ( الفطرةُ) الخلقة، أراد بقوله ((كل مولوديولد على الفطرة )) أي: يولد على ابتداء الخلقة في علم الله تعالى مؤمناً أو كافراً ، وقيل : يولد على الخلقة التي فُطرَ عليها في الرحم : من سعادة أَو شقاوَةٍ ، فأبواهُ يهوِّدانِه : يعني في حكم الدنيا ، وقيل : كل مولود يولد على الملة الإسلامية ، والدين الحق ، وإنما أبواه ينقلانه إلى دينهما ، وقيل معناه : أن كل مولود من البشر إنما يولد في مبدإِ الخلقة، وأَصل الجيلَّة، على الفطرة السليمة، والطبع المتهيىء القَبول الدين الحق، فلو تُركَ عليها لاستمر على لزومها ، ولم يفارقها إلى غيرها ، لأن هذا الدين الحق حسنه موجود في النفوس ، وَ بِشْرُهُ في القُلوب ، وإنما يَعدلُ عنه من يعدلُ إلى غيره لآفة من آفات الشر والتقليد، فلو سَلمَ المولودُ من تلك الآفات لميعتقد غيره ، ثم تمثّل بأولاد اليهود والنصارى في اتباعهم لآبائهم، والميل إلى أديانهم، فَيَزْلُون بذلك عن الفطرة السليمة . (الدِّين القيم ) المستقيم الذي لا زيغ فيه ، ولا ميل عن الحق : ( تُنْتَجُ) نُتِجَتِ النّاقَةُ تُنْتَج، فهي منتوجة: إذا وَلَدَتْ. (جمعاء ) الجمعاء من البهائم وغيرها : التي لم يذهب من بدنها شيء. (ُتُحِسُون) أَحْسَسْتُ بالشيء: إِذا شعَرْتَ به وعلمتَه . (جَدْعاء) أي: هل ترون فيها من جَدْعاء؟ والجدعاء: المقطوعة الأُذُن - ٢٧٠ - أو الأنف، أو الشَّفَة ، أو اليد ونحو ذلك. ومعنى هذا الحديث: أَنَّ المولودَ يُولَدُ على نوع من الجبلَّة، وهي فطرة الله تعالى ، وكوُنُهُ مُتَهَيِّئَاً لقبول الحقيقة طبعاً وطوعاً، ولو خلَّهُ شياطينُ الإنس والجن وما يختارُ ،لم يَخْتُرْ إِلَا إِيَّها، وضرَبَ لذلك - الجمعاء والجدعاء- مثلاً ، يعني: أَنَّ البهيمةَ تُوَلَدُ سوَّيَّةَ الأطرافِ ، سليمةَ من الجدع ونحوه، لولا النَّاسُ وتعرُّضهم إليها، لبقيت كما وُلدت سليمة. وقوله ((اللّهُ أَعلم بما كانوا عاملين)) إشارة إلى تعلُّق المثوبة والعقوبة بالعمل . الباب الثالث في أحاديث متفرقة ، تتعلّق بالإيمان والإسلامِ ٥٧ - (فخ م - - أبو هريرة رضي الله عنه) قال: قال رسول الله مَّهُ: (( مَثلُ المؤمِنِ كَثَلِ خامةِ الزَّرع، مِنْ حَيثُ أَتَنْها الريح ◌ُفِيتُها ، فإِذا اعتدَلَتْ تُلَقَّى بالبلاء، والْفَاجِرْ كَالأَرَزَةِ صَّاء معتدلةً، حتَّى يَقْصِمَها اللّه إذا شاءَ)). وفي أخرى (( مثل المؤمن مثل الزرع، لاتزال الريح تميله ، ولا يزال المؤمنُ يُصيبُهُ البَلاء، ومثل المنافِقِ كَمَثَلِ شَجَرَة الأَرْزِ لا تهتز حتى تَسْتَخْصِدَ)). - ٢٧١ - أخرجه البخاري والترمذيّ مثلَ الرواية الثانية ، إلاّ أنه ذكر فيها « الخَامَةَ من الزَّرعِ(١)). [ شرح الغريب: ] ( خامة) الخامات من النبات : الْغَضَّةُ الرَّطْبَةُ اللَّيْنَةُ. (تُفِيتها ) أي : ثُميلها كذا وكذا ، حتى ترجع من جانب إلى جانب. ( كالأرزَة ) بفتح الراء : شجرةُ الأرْزِن ، وهو خشب معروف ، وبسكونها : شجرة الصنوبر ، والصنوبر: تَمرُها . (يقصِمُها ) الفَضْمُ: الكسر، يقال: قَصَمْتُ الشيء قَصماً: كسرته حتى يَبينَ وينفصل . ( تستحصد) الاستحصاد: التهيؤ لْحَصْد، وهو القطع . ( صَمَّاء ) الصماء الْمُكْتَنزَةُ، التي لا تخلْخُلَ فيها . ٥٨ - (خ م - كعب بن مالك رضي الله عنه) قال: قال رسولُ الله عٍَّ: « مثل المؤمن: كمثل الخَامَةِ مِنَ الزَّرعِ، تُفِيئها الريحُ، تَصْرَعُها مرةً، وتعْدِها أُخرى، حتى تَيجَ)). وفي أخرى (( حتّى يأْتِيَهُ أَجُلُهُ، ومثلُ المنافق: مثلُ الأَرْزةِ المُجْذِيَةِ على أصلِها ، لا يُفيئها شيءٌ، حتى يكونَ انجعاُفُها مرَّةً واحدةً)). أُخرجه (١) البخاري ٩٣/١٠ في المرضى، باب ما جاء في كفارة المرضى. ومسلم رقم (٢٨٠٩) في صفات المنافقين . باب مثل المؤمن كالزرع . والترمذي رقم (٢٨٧٠) في الامثال ، باب ٤ . -٢٧٢- البخاري ومسلم (١). [ شرح الغريب]: ( تَصْرَعُها ) أَي ترميها وتُلقيها ، من المصارعة . ( تهيج) هاج النبات هيْجاً: إِذا أَخَذَ في الجفاف والاصفرار ، بعد الغضاضة والاخضرار . (المجذية) الثابتة ، يقال: جذا يجذُو، وأَجْدَى يُجذي ، لغتان. ( انجعافها ) الانجعافُ: الانقلاع، وهو مطاوع: جعَفْتُ الشيءَ: إذا قلعته . ٥٩ - (خ م - ابن عمر رضي الله عنهما) قال: قال رسول الله عد اله (( مثلُ المؤمنِ كمثل شجرةٍ خضراءَ ، لا يسقُط ورُقُها ، ولا يَتحاتُ)). فقال القومُ كذا، هي شجرةُ كذا، فأردتُ أَنْ أَقُولَ: مي النَّخْلَةُ ، وأَنا غلام شاب، فاستحيَيْتُ ، فقال: ، هي النَّخْلَةُ .. أخرجه البخاريّ ومسلم. وأَخْرجاهُ من طُرقٍ أُخرى ، أطولَ من هذا بزيادةٍ أَو جبتْ ذِكْرُهُ في غير هذا الموضع (٢). [ شرح الغريب]: (يَتَحات) تحات ورق الشجر : إِذا انتثر وتساقط بنفسه. (١) البخاري ٩٢،٩١/١٠ في المرضى، باب ما جاء في كفارة المرضى، ومسلم رقم (٢٨١٠) في صفات المنافقين ، باب مثل المؤمن كالزرع . (٢) البخاري ١٣٤،١٣٣/١ في العلم، باب ما يقوله المحدث، ومسلم رقم (٢٨١١) في صفات المنافقين باب مثل المؤمن كالزرع. - ٢٧٣ - م-١٨ ٦٠ (ن - النواس بن سمعان رضي الله عنه) قال: قال رسول الله بَّهِ((إِنَّ اللّه ضرب مثلاً صراطاً مستقيماً، على كَنَفي الصّرَاطِ زُوْرَان(١) لهم أبوابٌ مفتَّحةٌ، على الأبوابِ سُتُورٌ ، وداعٍ يَدْعو على رأْس الصُّراطِ، وداعٍ يدعو فوقه ( واللّهُ يدعو إلى دار السَّلام ويهدي من يشاء إلى صراطٍ مستقيم) [يونس: ٢٥] والأبواب التي على كنتَفيِ الصراطِ حدودالله، فلا يقَعُ أَحدٌ في حُدودِ اللّه حتى يَكْثِفِ السِّر، والذي يدْعو من فوقهِ واعِظُ رَبّهِ». أخرجه الترمذي(٣). [ شرح الغريب]: ( كنفي ) كتف الشيء : جانبه . (حدود) جمع حدٍّ، وهي أحكام الشرع، وأَصلُ الحدِّ: الفاصلُ (١) أي جداران، وفي حديث ابن مسعود الآتي ((سوران)) والظاهر أن السين قد أبدلت بالزاي، كما يقال في الأسدي : الأزدي . (٢) رقم (٢٨٦٣) في الامثال، باب رقم ١، وقال: هذا حديث حسن غريب. تقول: وأخرجه أحمد في المند ١٨٢/٤ من حديث النواس بن سمان بلفظ: «ضرب الله مثلاً مراطاً مستقيماً، وعلى جنبي الصراط سوران فيها أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة ، وعلى باب الصراط داع يقول: يا أيها الناس أدخلوا الصراط جميعاً، ولا تعوجوا (وفي المسند: تتفرجوا، وهو تحريف )، وداع يدعو من جوف الصراط: فإذا أراد أن يفتح شيئاً من تلك الأبواب ، قال: ويحك لا تفتحه ، فانك إن تفتحه تلجه ، والصراط: الاسلام: والسوران : حدود الله تعالى، والأبواب المفتحة: محارم الله تعالى ، وذلك الداعي على رأس الصراط: كتاب الله عز وجل، والداعي فوق الصراط: واعظ الله في قلب كل مسلم)»، وإسناده صحيح، وأخرجه الحاكم في المستدرك ٣١٨/٢، وقال: صحيح على شرط مسلم ، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا . - ٢٧٤ - بين الشيئين ، فكأن حدود الشرع فواصل بين الحلال والحرام . وهذا حديثٌ وَجَدْتُهُ في كتابٍ رَزِين بنٍ مُعاوية ، ولم أجدُهُ في الأصول. ٦١ - (ابن مسعود رضي الله عنه) قال: إِنَّ رسولَ اللّه فَ الع قال: ((ضَربَ اللّهُ مثلاً صراطاً مُستقيماً، وعن جَنَبِي الصَّراطِ سورانِ فيها أبوابٌ مفَتَّحةٌ ، وعلى الأبواب ستُورٌ مُرْخاةٌ ، وعندَ رَأْسِ الصِّراطِ داع يقول : استقيموا على الصراط ولا تَعْوَّجُوا ، وفوقَ ذلك داعٍ يدعو كُلّمَا هَمْ عَبْدٌ أَنْ يَفْتْحَ شيئاً من تلك الأبواب، قال: ويُحَكَ، لا تَفْتَحْهُ، فإنك إن تفتحه تَلِجْهُ. ثم فسّره فأخبر: أنَّ الصّراط: هو الإِسلام، وأَن الأبواب المفتَّحة: محارمُ اللهِ، وأنَّ السُّورَ الْمُرْخاةَ : حُدودُ اللّهِ، والدَّاعي على رَأْس الصراطِ: هو القُرآنُ ، وأَنَّ الدَّاعِيِ منْ فوقِهِ: هو واعظُ الله في قلْبِ كُلِّ مؤمنٍ (١). ٦٢ - (م - أبو هريرة رضي الله عنه) قال: إن رسول اللّه عزّ الم قال: « بَدَأْ الإِسلامُ غريباً، وسَيَعودُ غريباً كما بدَأْ، فَطُوَبَى للغرباءِ (٣)). (١) الحديث بهذا اللفظ لا يعرف من حديث ابن مسعود، وإنما هو من حديث النواس بن سمان ، وقد روى الإمام أحمد في ((المسند)) ٤٤٣٧٠٤١٤٢، والحاكم ٣٦٨/٢، والطبري ٢٣٠/١٢ من حديث عبد الله بن مسعود قال: خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطأً، ثم خط عن يمينه وشماله خطوطاً، ثم قال : هذا سبيل، الله وهذه السبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، ثم قرأ، ( وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه، ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله )، واسناده حسن ، وصححه الحاكم ، وأقره الذهبي . (٢) قال النووي في شرح مسلم: (بدأ الإسلام غريباً)) كذا ضبطناه: ((بدأ)» بالهمزة من الابتداء، و((طوبى)» فعلى من الطيب، قال الفراء: وإنما جاءت الواو نضمة الطاء، قال: وفيها = -٢٧٥- أخرجه مسلم(١). ٦٣ - ( - عبد الله بن مسعود رضي الله عنه) قال: إِنّ رسولَ اللّه عَّ لّهِ قال: ((إن الإسلامَ بدَأْ غريباً، وسَيَعودُ غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء)». أخرجه الترمذيّ (٢). = لفتان . تقول العرب : طوباك ، وطوبى لك . وأما معنى « طوبى)) فاختلف المفرون في معنى قوله تعالى: (طوبى لهم) [الرعد ٢٩] فروي عن ابن عباس أن معناه : فرح وقرة عين ، وقال عكرمة : نعمى لهم ، وقال الضحاك : غبطة لهم ، وقال قتادة : حسنى لهم، وعن قتادة أيضاً معناه: أصابوا خيراً، وقال إبراهيم: خير لهم وكرامة . وقال عجلان : دوام الخير، وقيل: الجنة ، وقيل: شجرة في الجنة، وكل هذه الأقوال محتملة في الحديث . وقال الفاضي عياض . روى ابن أبي أويس عن مالك: معنى بدأ غريباً، أي بدأ الإسلام غريباً في المدينة ، وسيعود إليها . وظاهر الحديث العموم، وأن الاسلام بدأ في آحاد من الناس وفلة ثم انتشر وظهر ، ثم سيلحق أهله النقص والاختلاف ، حتى لا يبقى إلا في آحاد وقلة أيضاً كما بدأ . وجاء في الحديث تفسير الغرباء ((هم النزاع من القبائل)» قال الهروي: أراد بذلك المهاجرين الذين هجروا أوطانهم إلى الله تعالى . نقول: وللحافظ ابن رجب الحنبلي رسالة قيمة استوفى فيها شرح هذا الحديث سماها ((كشف الكرية في وصف أهل الغربة )» (١) رقم (١٤٥) في الايمان، باب بيان أن الاسلام بدأ غريباً .. (٢) رقم (٢٦٣١) في الايمان، باب ١٣ وقال: حديث حسن غريب صحيح. ٠٠٢٧٦٠ الكتاب الثاني في الاعتصام بالكتاب والسنة وفيه بابان الباب الأول في الاستمساك بها ٦٤ - (ط - مالك بن أنسى رحمه اللّه) بَلَغَهُ، أَنَّ رسول اللّه عَ اله قال: ((ترَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لِنْ تَضْلُوا مَا تَسَّكُمْ بهما: كتابَ الله، وسنة رسوله)». أخرجه الموطأ(١) . ٦٥ (ن - جابر بن عبد الله رضي الله عنهما) قال: رأيتُ رسولَ الله عَظِلَهُ فِي حَجَّة الوداع يوم عرفة، وهو على ناقته القَصْواء، يُخْطُبُ، فَسَمعْتُهُ يقولُ: ((إني تركْتُ فيكم ما إنْ أَخذُ تُمْ به، لنْ تَضْلُوا: كتابَ الله، وعترني أَهلَ بْتِي)». أخرجه الترمذي (٢). [شرح الغريب]: ( القصْواء): اسم ناقة النبي ◌ٍَّ، ولم تكن قصواء، لأنَّ الناقة (١) في القدر رقم ٣ باب النهي عن القول بالقدر بلاغاً، لكن يشهد له حديث ابن عباس عند الحاكم ٩٣/١ بسند حسن فيتقوى به . (٢) رقم (٣٧٩٠) في المناقب، باب ٧٧، وإسناده ضعيف، لكن يشهد له حديث زيد بن أرقم الآتي، ولذا قال الترمذي رحمه الله : هذا حديث حسن غريب . - ٢٧٧ - القصواء هي التي قُطع طرف أُذُنها ، ولم تكن ناقته كذلك ، يقال : ناقة قصواء ، وشاةٌ قصواء، ولا يقال: جمل أقصى، وإنما يقال: مقصُوٌّ ، ومقصيٌّ ، تركوا فيه القياس . ٦٦ - ( - زيد بن أرقم رضي الله عنه) قال: قال رسولُ اللّه ◌َ اله « إنّي تاركٌ فيكم ما إن تَسَّكْتُمْ به لن تَضْلُوا بعدي، أحدُهما أعظمُ من الآخر، وهو كتابُ اللّه، حبلٌ تَمدودٌ من السَّمَاءِ إلى الأرض ، وعترتي أهل بيتي ، لنْ يَفْترقا حتى يردا عليَّ الحوضَ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما ؟)) أخرجه التر مذي (١). ٦٧ - (من قال عبد الرَّحمن بن عمرو السُّلَمِيّ وُحُجْر بن ◌ُحُجْر) « أَتَيْنَا العِرباضَ بْنَ ساريةَ رضي الله عنه، وهو ثمّن نَزل فيه ( ولا عَلىَ الذين إذا ما أَ تَوْك لِتَحْمِلَهم قلتَ: لا أَجِدُ ما أحملُكم عليه) [التوبة ٩٢] فسلّمنا، وَقُلنا: أَتَناكَ زائِرِ ينِ ، وعائدين، ومُقْتَبِسِين، فقال العرباضُ: صلى بنا رسول الله ◌َِّذاتَ يومٍ، ثمّ أَقبلَ علينا بوجهِ، فوعَظَنا موعظةً بليغةً، ذَوَفتْ منها العيون ، وَوَجِلتْ منها القلوبُ، فقالَ رجل: يارسولَ الله، كأنَّ هذه موعظةُ مودِّعٍ ، فماذا تَعْهدُ إِلينا؟ قال: ،أوصيكم بتقوى الله. والسَّمعِوالطّاعة، (١) رقم (٣٧٩٠) في المناقب ، باب ٧٧، وقال: هذا حديث حسن غريب. - ٢٧٨ - وإِنْ عَبْداً حبشيًا ، فإنه من يَعِشْ منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاءِ الراشِدينَ المهدِّينَ، تمسكوا بها ، وعَضْوا عليها بالنواجذ، وإيا كم وُمُحدثاتِ الأُمور، فإنَّكلَّ ◌ُحدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وكل بدْعَةٍ ضَلَة ». هذه رواية أبي داودَ . وأخرجه الترمذي ، ولم يذكر الصَّلاةَ، وفي آخره: تقديم وتأخير (١). [شرح الغريب] ( مقتبسين ) الاقتباس في الأصل: أَخْذُ القبس من النار ، وأَراد به: الأخذ من العلم والأدب. ( ذرفت ) العينُ تذرفُ: إذا دمعت . ( وَجِلتْ) وَجِلَ القلبُ يَوْجَلُ: إذا خافَ وفَزِعَ، والوَجَلُ : الفزع. ( تعهد) عهد إليه بكذا يعهد: إذا أوصى إليه. (الراشدين) الراشد: اسم فاعل من رِشِدَ يَرَشَدُ ، وَرَشَدَ يَرْشُدُ رشداً، وهو خلاف الغَيِّ ، وأرشدُتُه أنا : إِذا هديته . ( المهديين ) المهدي : الذي قد هداه الله إلى الحق ، هداه يهديه فهو ٥٠٠ و مهديٌّ ، والله هاديه . (١) أبو داود في ((السنة)) رقم (٤٦٠٧): باب ثروم السنة، والترمذي في العلم رقم (٢٦٧٨): باب ١٦، واسناده صحيح، وأخرجه أحمد في المسند ١٢٧،١٢٦/٤، وابن ماجة في المقدمة رقم ٤٢ باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين. وانظر شرح هذا الحديث مفصلًا في ((جامع العلوم والحكم)) للحافظ ابن رجب الحنبلي . - ٢٧٩ - (وإنْ عَبْداً حبشيًّا) أي: أَطِعْ صاحبَ الأمر، واسمع له، وإن كان عبداً حبشيًّا ، فحذف (( كان )» وهي مرادة . ( وَضُّوا عليها بالنواجذ ) الذَّواجِذُ : الأضراس التي بعد النابِ ، جمع ناجذ ، وهذا مثلُ في شدَّةِ الاستمساك بالأمرِ، لأنَّ العَضَّ بالنواجذِ عَضٌّ بمعظم الأسنان التي قبلها والتي بعدها . ( الهدي) بفتح الهاء وسكون الدال : الطريقةُ والسيرةُ. ( محدثات الأمور ) ما لم يكن معروفاً في كتابٍ ولا سنةٍ ولا إجماع . ( بدعة) الابتداع: إذا كان من اللّه وحده فهو إخراجُ الشيء من العدم إلى الوجود، وهو تكوين الأشياء بعد أن لم تكن ، وليس ذلك إلاّ إلى الله تعالى ، فأمَّا الابتداع من المخلوقين ، فإن كان في خلاف ما أمر الله به ورسوله ، فهو في حيّز الذمِّ والإنكار ، وإن كان واقعاً تحت عموم ما نَدَبَ اللّه إليه ، وحضَّ عليه أو رسولُه، فهو في حيِّز المدح، وإِن لم يكن مثاله موجوداً ، كنوع من الجود والسخاء ، وفعل المعروف، فهذا فعل من الأعمال المحمودة لم يكن الفاعل قد شُبِق إليه ، ولا يجوز أن يكون ذلك في خلاف ما وَرَدَ الشَّرعُ به، لأن رسول اللّه عَِّّهِ، قد جعل له في ذلك ثواباً فقال : ((مِنْ سَنَّ سُنَّةً حسنَةً، كان له أجرها وأجرُ منْ عمل بها)» وقال في ضده: ((من سنّ سُنَّةَ سَيِّئَةً، كان عليه وزرُهَا وَوِزْرُ من عمل بها(١)). وذلك إذا كان في خلاف ما أمرَ الله به ورسوله ، ويعضدُ ذلك قول (١) قطعة من حديث طويل أخرجه مسلم في صحيحه رقم (١٠١٧) من حديث جرير . - ٢٨٠ -