Indexed OCR Text
Pages 41-60
ومالك بن أنس ، وغيرهما ممن كان في عصرهما . فدوَّنوا الحديث . حتى قيل : إن أول كتاب صنف في الإسلام, كتاب ابن جريج(١))). وقيل: ((موطأ مالك)» رحمة الله عليهما. وقيل: إن أول من صنف وبوّب الربيع بن صَبيح (٢) بالبصرة . ثم انتشر جمعُ الحديث وتدوينُه، وسطره في الأجزاء والكتب ، وکثر ذلك وعظم نفعه إلى زمن الإمامین ، أبي عبد الله محمد بن اسماعيل البخاري ، وأبي الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري ، رحمهما الله ، فدونا كتابَيْهما ، وفعلا ما اللهُ مجازيهما عليه من نُصحِ المسلمين، والاهتمام بأمور الدين ، وأثبتا في كتابيهما من الأحاديث ما قطعا بصحته، وثبت عندهما نقله. وسيجيء فيما بعد من هذه المقدمة شرطُ كتابيهما ، وذِكرُ الصحيح والفاسد مشروحاً مفصلاً إن شاء الله تعالى، وسميا كتابيهما ((الصحيح من الحديث ، وأطلقا هذا الاسم عليهما ، وهما أولُ من سمى كتابه ذلك ، (١) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي مولام المكي ثقة فقيه فاضل، لكنه يدلس ويرسل ، خرج له الجماعة . مات سنة مئة وخمسين أو بعدها وقد جاوز السبعين . (٢) هو الربيع بن صبيح - بفتح الصاد كما ضبطه الحافظ في («التقريب» - السعدي البصري صدوق سىء الحفظ وكان عابداً مجاهداً. وقد ذكروا أن أول من جمع الحديث ابن جريج بمكة وابن اسحاق أو مالك في المدينة ، والربيع بن صبيح أو سعيد بن أبي عروبة أو حماد بن سلمة بالبصرة، وسفيان الثوري بالكوفة، والأوزاعي بالشام ، وهشيم بواسط ، ومعمر باليمن، وجرير بن عبد الحميد بالري، وابن المبارك بخراسان ، وكل هؤلاء من رجال القرن الثاني الهجري، وما جعوه من الحديث كان مختلطاً بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين . - ٤١ - ولقد صدقا فيما قالا، وبَرَّا فيما زعما (١)، ولذلك رزقهما الله من حسن القبول في شرق الأرض وغربها ، وبَرِّها وبحرها ، والتصديقِ لقولهما ، والانقياد لسماع كتابيهما ، ما هو ظاهر مستغن عن البيان ، وما ذلك إِلا لصدق النية ، وخلوص الطّويَّة ، وصحة ما أودعا كتابيهما من الأحاديث . ثم ازداد انتشارُ هذا النوع من التصنيف والجمع والتأليف ، وكثر في أيدي المسلمين وبلادهم ، وتفرقت أغراضُ الناس ، وتنوعت مقاصدُهم ، إلى أن انقرض ذلك العصر الذي كانا فيه حميداً (٢) عن جماعة من الأئمة والعلماء قد جمعوا وألفوا : مثل أبي عيسى محمد بن عيسى الترمذي ، وأبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني ، وأبي عبد الرحمن أحمد بن شُعَيْب النسائي ، رحمة الله عليهم ، وغيرهم من العلماء الذين لا يُحصَوْن كثرةً . وكأنَّ ذلك العصر كان خلاصة العصور في تحصيل هذا العلم، وإليه المنتهى. ثم من بعده نقص ذلك الطلب بعدُ ، وقلَّ ذلك الحرص ، وفترت تلك الهمم ، وكذلك كلُّ نوع من أنواع العلوم والصنائع والدول وغيرها (٣) فإِنه يبتدىء قليلاً قليلاً ، ولا يزال يَنْمِي ويزيد ، ويعظم إلى أن يصلَ - (١) الزعم هنا بمعنى الظن الراجح . (٣) في المطبوع : وغيرهم. (٢) في المطبوع: ذلك العصر الحميد - ٤٢ - إلى غاية هي منتهاه ، ويبلغَ إلى أمَدٍ هو أقصاه ، ثم يعود، فكأنَّ غاية هذا العلم انتهت إلى البخاري ومسلم ، ومن كان في عصرهما من علماء الحديث ، ثم نزل وتقاصر إلى زماننا هذا ، وسيزداد تقاصراً والهمم قصوراً ، سُنَّةَ الله في خلقه ، ولن تجد لسنة الله تبديلا . الفصل الثاني في بيان اختلاف أغراض الناس ومقاصدهم في تصنيف الحديث ما زلت أَنتَّعُ كتب الحديث ، وأطلبها رغبة في معرفته ، والإِحاطة به ، لما يلزمني من أمور الإِسلام والدين ١ ، فوجدت بعون الله فيها كل مطلوب ، وأدركت فيها بلطفه كل مرغوب ، ورأيتُ هذا العلم على شرفه وعلوِّ منزلته، وعظم قدره ، علماً عزيزاً ، مُشكِلَ اللفظ والمعنى، والناس في تصانيفهم التي جمعوها فيه وأنفوها مختلفو الأغراض ، متنوعو المقاصد . فمنهم من قصرت همته على تدوين الحديث مطلقاً ليحفظ لفظه ، ويستنبط منه الحكم، كما فعله عبيد الله بن موسى العَبْسي (٢) ، وأبو داود (١) في المطبوع: ((يبعثني وازع الإسلام والدين)). (٢) هو أبو محمد عبيد الله بن موسى بن أبي المختار باذام العبسي الكوفي ثقة خرج له الجماعة مات. سنة ٢١٣ هـ. - ٤٣ - الطيالسي (١)، وغيرهما من أئمة الحديث أولاً، وثانياً أحمد بن حنبل ومن بعده ، فإنهم أثبتوا الأحاديث في مسانيد رواتها ، فيذكرون مسند أبي بكر الصديق رضي الله عنه مثلاً ، ويثبتون فيه كل ما روَوْه عنه ، ثم يذكرون بعده الصحابة واحداً بعد واحد على هذا النسق . ومنهم من يُثبت الأحاديث في الأماكن التي هي دليل عليها ، فيضعون لكل حديث باباً يختص به ، فإن كان في معنى الصلاة ، ذكروه في « باب الصلاة، وإِن كان في معنى الزكاة ، ذكروه في «باب الزكاة»، كما فعله مالك بن أنس في كتاب ((الموطأ))، إلا أنه - ◌ِقَّلة ما فيه من الأحاديث - قَلَّت أبوابه . ثم اقتدى به مَنْ بعده . فلما انتهى الأمر إلى زمن البخاري ومسلم ، وكثرت الأحاديث المودعة في كتابيهما ، كثرت أبوابهما وأقسامهما ، واقتدى بهما من جاء بعدهما . وهذا النوع أسهل مطلباً من الأول لوجهين . (١) هو الحافظ الكبير سليمان بن داود بن الجارود الفارسي الأصل البصري الثقة صاحب المسند المطبوع في الهند، وقد رتبه الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا الساعاتي على الأبواب وأسماه («منحة المعبود في ترتيب مسند الطيالسي أبي داود )» مات سنة أربع ومائتين عن عمر يناهز الثمانين . - ٤٤ - الأول : أن الإِنسان قد يعرف المعنى الذى يطلب الحديث لأجله ، وإِن لم يعرف راويه ، ولا في مُسندٍ مَنْ هو، بل ربما لا يحتاج إلى معرفة راويه. فإذا أراد حديثاً يتعلق بالصلاة، طلبه من (( كتاب الصلاة)) وإن لم يعرف أن راويه أبو بكر رضي الله عنه . والوجه الثاني: أن الحديث إذا ورد في (( كتاب الصلاة»، علم الناظرُ فيه أن ذلك الحديث هو دليل ذلك الحكم من أحكام الصلاة ، فلا يحتاج أن يتفكر فيه ليستنبط الحكم منه ، بخلاف الأول . ومنهم من استخرج أحاديث تتضمن ألفاظاً لغوية ، ومعاني مشكلة ، فوضع لها كتاباً قصره على ذكر متن الحديث ، وشرح غريبه وإعرابه ومعناه، ولم يتعرض لذكر الأحكام ، كما فعله أبو عبيد القاسم بن سَلاَّم(١)، وأبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة وغيرهما . ومنهم من أضاف إلى هذا الاختيار ذكر الأحكام وآراء الفقهاء ، مثل أبي سليمان تَمد بن محمد الخطابي" في ((معالم السنن))، و«أعلام السنن » ، وغيره من العلماء . (١) وكتابه في غريب الحديث طبع حديثاً في الهند، ويقع في ثلاثة أجزاء. (٢) هو الإمام العلامة حمد بن محمد بن إبراهيم بن خطاب البستي الثقة الثبت أحد أوعية العلم والأدب واللغة والفقه، وكتابه «معالم السنن» الذي أملاه على «سنن أبي داود» يشهد له بطول الباع وسعة الاطلاع توفي رحمه الله سنه ٣٨٨ هـ . - ٤٥ - ومنهم من قصد ذكر الغريب دون متن الحديث ، فاستخرج الكلمات الغريبة ، ودوَّنها ورَتّبها وشرحها، كما فعله أبو عبيد أحمد بن محمد الهرويّ وغيره من العلماء . ومنهم من قصد إلى استخراج أحاديث تتضمن ترغيباً وترهيباً ، وأحاديث تتضمن أحكاماً شرعية غير جامعة ، فدوَّنها وأخرج متونها وحدها ، كما فعله أبو محمد الحسين بن مسعود (١) في كتاب ((المصابيح)). وغير هؤلاء المذكورين من أئمة الحديث لو رمنا أن نستقصي ذكر كتبهم ، واختلاف أغراضهم ومقاصدهم في تصانيفهم ، لطال الخطب ، ولم ننته إلى حد . فاختلاف الأغراض هو الداعي إلى اختلاف التصانيف . الفصل الثالث في اقتداء المتأخوين بالسابقين ، وسبب اختصارات كتبهم وتأليفها لما كان أولئك الأعلام هم الأوان في هذا الفن ، والسابقين إليه ، لم يأت صنعُهم على أكمل الأوضاع وأتمِّ الطرق ، فإن غرضهم كان أولاً حفظُ الحديث مطلقاً وإثباته ، ودفعُ الكذب عنه ، وحذفُ (١) هو محي السنة الحسين بن مسعود الفراء البغوي المفسر المحدث الفقيه صاحب المؤلفات النافعة التي تدل على اتساع دائرته في النقل والتحقيق ، توفي في مروالروة من مدن خراسان سنة ٥١٦ هـ وله من العمر بضع وسبعون سنة . - ٤٦ - الموضوعات عليه ، والنظرُ في طرقه وحفظ رجاله ، وتزكيتهم ، واعتبار أحوالهم ، والتفتيش عن دخائل أمورهم ، حتى قدحوا فيمن قدحوا ، وجرحوا من جرحوا ، وعَدَّلوا من عدَّلوا ، وأخذوا عمن أخذوا ، وتركوا من تركوا . هذا بعد الاحتياط والضبط والتدبر، فكان هذا مَقْصِدَهم الأكبر ، وغرضهم الأوفر ، ولم يتسع الزمان لهم والعُمر لأكثر من هذا الغرض الأعم ، والمهم الأعظم (١) ، ولا رأوا في أديانهم (٢) أن يشتغلوا بغيره من لوازم هذا الفن التي هي كالتوابع ، بل ولا كان يجوز لهم ذلك ، فإن الواجب أولاً إثبات الذات ، ثم ترتيب الصفات ، والأصل، إنما هو عين الحديث وذاته ، ثم بعد ذلك ترتيبه وتحسين وضعه، ففعلوا ما هو الفرض المتعين ، واخترمتهم المنايا قبل الفراغ والتخلي لما فعله التابعون لهم، والمقتدون بهم، والمهتدون بهديهم، فَتَعِبُوا - رحمهم الله - لراحة مَنْ بعدهم، ونصبوا لدعة (٣) من اقتفى آثارهم. ثم جاء الخلف الصالح ، فأحبوا أن يُظهروا تلك الفضيلة ، ويُشيعوا تلك المَنْقَبَةَ الجليلة ، وينشروا تلك العلوم التي أفْنَوا أعمارهم في جمعها ، ويفصلوا تلك الفوائد التي أجملوا تحسين وضعها ، إما بإبداع رتيب ،أو بزيادة تهذيب ، أو اختصار وتقريب ، أو استنباط حكم ، وشرح غريب . (١) في المطبوع: والمهم حتى يستوفوا الكلام على المهم الأعظم. (٣) الدعة: الخفض والسعة في العيش. (٢) في المطبوع («دنيام)). - ٤٧ - فمن هؤلاء المتأخرين من جمع بين كتب الأولين بنوع من التصرف والاختصار، كما فعله أبو بكر أحمد بن محمد البرقاني (١) ، وأبو مسعود إبراهيم بن محمد بن عُبيد الدمشقي (٢) . واقتفى أثرهما أبو عبد الله محمد ابن أبي نصر الحميدي (٣). فإنهم جمعوا بين كتابي البخاري ومسلم ، ورتبوا كتبهم على المسانيد ، دون الأبواب ، كما سبق ذكره . وتلاهم آخراً أبو الحسن رزين بن معاوية العبدري السَّرَّقُسْطي (٤). فجمع بين كتب البخاري ومسلم و«الموطأ، لمالك، و«جامع أبي عيسى الترمذي))، و(( سنن أبي داود السجستاني))، و(سنن أبي عبد الرحمن النسائي ، رحمة الله عليهم . ورتب كتابه على الأبواب دون المسانيد ، (١) هو الحافظ شيخ الفقهاء والمحدثين أبو بكر أحمد بن محمد بن أحمد بن غالب الخوارزمي البرقاني شيخ بغداد ، قال الخطيب : كان ثقة ورعاً ثبتاً لم نر في شيوخنا أثبت منه ، عارفاً بالفقه ، له حظ من على العربية كثير ، صنف مسنداً ضمنه ما اشتمل عليه صحيح البخاري ومسلم ، مات سنة ٤٢٥ ه. (٢) هو ابراهيم بن محمد بن عبيد الدمشقي الحافظ مصنف كتاب ((الأطراف)» وأحد من برز في هذا العلم . قال الخطيب: سافر الكثير وكتب ببغداد عن أصحاب أبي سعيد الحرافي وبالبصرة والأهواز وواسط وخراسان وأصبهان ، وكان له عناية بالصحيحين ، كان صدوقاً ديناً ورعاً فهماً، مات سنة أحدى وأربعمئة . (٣) هو الحافظ الثبت الامام أبو عبد الله محمد بن أبي نصر الأزدي الحميدي الاندلسي الظاهري . قال. ابن ماكولا: لم أر مثل صديقنا الحميدي في نزاهته وعفته وورعه وتشاغله بالعلم . كان ورعاً ثقة إماماً في الحديث وعلله ورواته ، متحققاً في على التحقيق والاصول على مذهب أصحاب الحديث، له عدة مؤلفات منها ((جذوة المقتبس)) و((الجمع بين الصحيحين)) رحمه الله توفي سنة ٠٠٤٨٨ (٤) هو أبو الحسن رزين بن معاوية بن عمار العبدري السرقسطي الاندلسي جاور بمكة زمناً طويلاً وتوفي بها سنة ٥٥٣٥.، وأسم كتابه «التجريد الصحاح السنة)). - ٤٨ - إلا أن هؤلاء جميعهم لم يؤدِعوا كتبهم إلا متون الحديث عارية من الشرح والتفسير ، حَسْبَ ما أدَّاهم إليه الغرض، وأحسنوا في الصنع ، وفعلوا ما جنَوا ثمرته دنيا وأخرى ، وسَنُوا لمن بعدهم الطريق ومَّدوا المحجَّةَ في طلب هذا العلم ، فأحسن الله إليهم . الفصل الرابع في خلاصة الغرض من جمع هذا الكتاب لما وقفت على هذه الكتب ، ورأيتُها في غاية من الوضع الحسن والترتيب الجميل، ورأيت كتاب ((رزين، هو أكبرها وأعمّها، حيث حوى هذه الكتب الستة التي هي أمُ كتب الحديث ، وأشهرُها في أيدي الناس، وبأحاديثها أخذ العلماء ، واستدل الفقهاء، وأثبتوا الأحكام، وشادوا مباني الإسلام . ومصنفوها أشهر علماء الحديث ، وأكثرهم حفظاً ، وأعرفُهم بمواضع الخطأ والصواب ، وإليهم المنتهى، وعندهم الموقف . وسنعقد فيما بعد باباً يتضمن مناقبهم وفضائلهم ، وإلى أين انتهت مراتبهم في هذا الفن . فحينئذ أحببت أن أشتغل بهذا الكتاب الجامع لهذه الصحاح ، ٢ - ٤ - ٤٩ - وأعتنيَ بأمره ، ولو بقراءته ونسخه ، فلما تتبّعته وجدته - على ما قد تعب فيه - قد أودع أحاديث في أبواب ، غيرُ تلك الأبواب أولى بها ، وكرر فيه أحاديث كثيرة ، وترك أكثر منها . ثم إنني جمعت بين كتابه وبين الأصول الستة التي ضّتها كتابه ، فرأيت فيها أحاديث كثيرة لم يذكرها في كتابه ، إما للاختصار ، أو لغرض وقع له فأهملها ، ورأيت في كتابه أحاديث كثيرة لم أجدها في الأصول التي قرأتها وسمعتها ونقلت منها ، وذلك لاختلاف النسخ والطرق ، ورأيته قد اعتمد في ترتيب كتابه على أبواب البخاري ، فذكر بعضها ، وحذف بعضها . فناجتني نفسي أن أُهذّب كتابه ، وأرتّب أبوابه ، وأوطّىء مقصده، وأُسَهّلَ مطلبه ، وأضيف إليه ما أسقطه من الأصول ، وأُتبعه شرح ما في الأحاديث من الغريب والإِعراب والمعنى ، وغير ذلك مما يزيده إيضاحاً وبياناً ، فاستصغرتُ نفسي عن ذلك، واستعجزتها (١) ، ولم يزل الباعث يقوى ، والهمة تنازع، والرغبة تتوفر ، وأنا أعللها بما في ذلك من التعرض للملام ، والانتصاب القدح ، والأمن من ذلك جميعه مع الترك ، ويأبى الله إلا أن يُتِمَّ نورَهُ، فتحققتْ بلطف الله العزيمة ، (١) في المطبوع: فاستصغرت نفسي هنالك وأستعجزتها عن ذلك. - ٥٠ - وصدقت بعونه النية ، وخَلَصَت بتوفيقه الطوية . فشرعتُ في الجمع بين هذه الكتب الستة التي أودعها ((رزين)، رحمه الله كتابه ، وصَدَفْتُ عما فعله ورتبه ، فاعتمدت على الأصول دون كتابه ، واخترت له وضعاً يزيد (١) بيانه حسبما أدى إليه اجتهادي ، وانتهى إليه عرفاني . هذا بعد أن أخذت فيه رأي أولي المعارف والنَّهى، وأرباب الفضل والذكاء ، وذوي البصائر الثاقبة ، والآراء الصائبة ، واستشرت فيه من لا أتهمه ديناً وأمانة وصدقاً ونصيحة (٢)، وعرضتُ عليه الوضع الذي عرض لي ، واستضأت به في هذا الصنع الذي سنح لي ، فكلُّ أشار بما قَوَّى العزم ، وحقق إخراجَ ما في القوة إلى الفعل . فاستخرتُ الله تعالى ، وسألته أن يجعله خالصاً لوجهه ، ويتقبَّله ويُعينَ على إنجازه بصدق النية فيه ، ويسهله ، وهو المجازي على مودَعَات السرائر ، وخفيات الضمائر . هذا مع كثرة العوائق الدنيوية ، وازدحام العوارض الضرورية ، وتكاثر الفوادح النفسانية ، وضيق الوقت عن فراغ البال لمثل هذا المهم (١) في الاصل: يرد. (٢) في هامش الاصل مانصه: كان شيخاً له في ديار بكر. - ٥١ - ٠ العزيز ، والغرض الشريف الذي إذا أعطاه الإِنسان كلّه واناه منه أيسره ، وإِذا قَصَر عليه عمرَهُ أمكنه منه أقصره . ولولا أن الباعث عليه دينيٌّ ، والغرض منه أخروي ، لكانت القدرة على الإلمام به واهية ، والهمة عن التعرض إليه قاصرة ، والعزيمة عن الشروع فيه فاترة ، وإنما كان المحرك قوياً ، والجاذب شريفاً علياً . وأنا أسأل كلَّ من وقف عليه ، ورأى فيه خللا ، أو لمح فيه زللا أن يُصلحه ، حائزاً به جزيل الأجر وجميل الشكر ، فإن المهذبَ قليل، والكامل عزيز ، بل عديم ، وأنا معترف بالقصور والتقصير ، مقر بالتخلف عن هذا المقام الكبير . على أن هذا الكتاب في نفسه بحر زاخرةٌ أمواجُه، وَبَرُ وَيِرَة فجَاجُه ، لايكاد الخاطر يجمع أشتاته ، ولا يقوم الذِّكْرُ بحفظ أفراده، فإِنها كثيرة العدد ، متشعبةُ الطرق ، مختلفةُ الروايات ، وقد بذلت في جمعها وترتيبها الوسع ، واستعنت بتوفيق الله تعالى ومعونته في تأليفه وتهذيبه ، وتسهيله وتقريبه . وسميته : ((كتاب جامع الأصول في أحاديث الرسول)) عَّه. صَلى الله - ٥٢ - الباب الثاني في كيفية وضع الكتاب ، وفيه ستة فصول الفصل الأول في ذكر الاسانيد والمتون لما وفق الله سبحانه وتعالى للشروع في هذا الكتاب ، وسهل طريقه ، فكنت فيه طالباً أقرَب المسالك وأهداها إلى الصواب ، أول ما بدأت به أني حذفت الأسانيد ، كما فعله الجماعة المقدَّم ذِكْرهم رحمة الله عليهم ، ولنا في الاقتداء بهم أسوةٌ حسنة ، لأن الغرض من ذِكْر الأسانيد كان أولاً لإثبات الحديث وتصحيحه ، وهذه كانت وظيفة الأولين رحمة الله عليهم (١)، وقد كفَوْنا تلك المؤنة ، فلا حاجة بنا إلى ذكر ما قد (١) بل هي وظيفة كل عالم في كل عصر إذا تمكن في هذا العلم وقويت معرفته، فله أن يحكم بالصحة أو بالضعف على الحديث بعد الفحص عن اسناده وعلله، قال النووي رحمه الله في رده على ابن الصلاح : والاظهر عندي جواز التصحيح لمن تمكن وقويت معرفته ، قال العراقي : وهذا هو الذي عليه عمل أهل الحديث ، فقد صحح غير واحد من المعاصرين لابن الصلاح ومن بعده أحاديث لم يجر لمن تقدمهم فيها تصحيح كأبي الحسن بن القطان ، والضياء المقدسي ، وزكي الدين عبد العظيم المنذري ومن بعده . أنظر المقدمة ص ١٢، ١٣. - ٥٣ - فرغوا منه ، وأغنَونا عنه. فلم أثبت إلا اسم الصحابي الذي روى الحديث عن النبي عَ لَّهِ إن كان خبراً، أو اسم من يرويه عن الصحابي إن كان أثراً ، اللهم إلا أن يعرض في الحديث ذكر اسم أحد رواته فيما تمس الحاجة إليه ، فأذكره لتوقف فهم المعنى المذكور في الحديث عليه . وقد أفردت باباً في آخر الكتاب يتضمن أسماء الجماعة المذكورين في جميع الكتاب ، إن كان صحابياً ، أو تابعياً ، أو غيره ، ورتبته على حروف ( أ ب ت ث ) . وكتبت الأسماء في أول الحديث على الهامش ، وذكرت بإزائه ما أمكن معرفته من نسبه وعمره ، وإسلامه وحاله ، حسبما انتهت إليه القدرة ، ومن لم أجد له ذكراً ذكرت اسمه ، وتركته مفتوحاً لأحققه ، وقصدت في ذلك إزالة الخلل والتصحيف في الأسماء والاشتباه . وأما متونُ الحديث ، فإني لم أثبت منها إلا ما كان حديثاً عن رسول الله عٍَّ، أَو أثراً عن صحابي ، وما كان من أقوال التابعين ومن بعدهم من مذاهب الفقهاء والأئمة ، فلم أذكره إلا نادراً، اقتداءً بالحميدي رحمه الله وغيره ممن جمع بين الكتب ما عدا رَزِيناً ، فإِنه ذكر في كتابه فقه مالك رحمه الله الذي في ((الموطأ))، وتراجم - ٥٤ - أبواب كتاب البخاري ، وغير ذلك مما لاحاجة إليه . واعتمدت في النقل من كتابي البخاري ومسلم على ما جمعه الإمام أبو عبد الله الحميدي في كتابه ، فإنه أحسن في ذكر طرقه ، واستقصى في إيراد رواياته، وإليه المنتهى في جمع هذين الكتابين (١) . وأما باقي الكتب الأربعة ، فاني نقلتُها من الأصول التي قرأتها وسمعتها ، وجمعتُ بينها وبين نسخ أخرى منها . وَعَوَّلت في المحافظة على ألفاظ البخاري ومسلم أكثر من غيرهما من باقي الأئمة الأربعة ، اللهم إلا أن يكون في غيرهما زيادة أو بيان أو بسط، فانني أذكرها . وإن كان الحميديُ قد أغفل شيئاً وعثرتُ عليه ، أثبتُه من الأصول ، وتتبعت الزيادات من جميع الأمهات ، وأضفتها إلى مواضعها . وأما الأحاديث التي وجدتها في كتاب «رزين))، ولم أجدها في الأصول ، فانتي كتبتها نقلا من كتابه على حالها في مواضعها المختصة بها ، وتركتها بغير علامة ، وأُخليت لذكر اسم من أخرجها موضعا ، (١) ذكر العلماء بأن الحميدي لم يقتصر في كتابه على ذكر ألفاظ «الصحيحين)»، بل أتى فيه بزيادات صرح بأنها من كتب المستخرجين عليها ، ولعل المؤلف ينقل عنه ما كان منسوباً فيه إلى الشيخين البخاري ومسلم أو أحدهما، دون ما زاده من كتب المستخرجين وغيرها، فقد تتبع في غير ما حديث ، فوجد كما ذكرنا . - ٥٥ - العلى أتتبع نسخاً أخرى لهذه الأصول وأعثر عليها فأثبت اسم من أخرجها. وقد أشرت في أوائل الكتاب إلى ذِكْر أحاديث، من ذلك : أن رزيناً أخرجها ولم أجدها في الأصول . وأخليت ذكْر الباقي ليعلم أنه من ذلك القبيل . الفصل الثاني في بيان وضع الأبواب والفصول قد سبق في الباب الأول أن من العلماء من رتب كتابه على المسانيد ، ومنهم من رتبه على الأبواب ، ورجحنا اختيار الأبواب على المسانيدبما قدَّمنا ذكْره، فلذلك اخترنا لكتابنا الأبواب على المسانيد، ولأن هذه الكتب الستة الأصول، جميعُها مرتبةٌ على الأبواب، فكان الاقتداء بهم أولى. وحيث اعتبرت أبواب كتبهم وجدتها مختلفة في الوضع ، فإِن البخاري قد ذكر أحاديث في أبواب من كتابه ذكرها غيره في غير تلك الأبواب ، وكذلك كل منهم ، فصدفتُ عن ذلك . ثم إنني عمدت إلى الأحاديث جميعها في هذه الكتب الستة ، فاعتبرتها وتتبَّعتها ، واستخرجت معانيها ، فبنيت الأبواب على المعاني التي دلت عليها الأحاديث ، فكل حديث انفرد بمعنى أثبته في باب يخصه . - ٥٦ - فإِن اشتمل على أكثر من معنى واحد ، فلا يخلو : أن يكون اشتماله على ذلك اشتمالا واحداً ، أو أحد المعاني فيه أغلب من الآخر ، فإن كان اشتماله عليه اشتمالا واحداً ، أوردته في آخر الكتاب في كتاب سميته ((كتاب اللواحق)) وقسمته إلى أبواب عدة ، يتضمن كلُّ باب منها أحاديث تشتمل على معاني متعددة من جنس واحد . على أن هذا (( كتاب اللواحق ، جميعه ما يعظم قدره ولا يطول ، فإنه لا يتجاوز ثلاثة كراريس(١) . وأما ما كان مشتملا على أكثر من معنى واحد ، إلا أنه بأحدها أخصُ ، وهو فيه أغلب ، فإني أثبته في الباب الذي هو أخص به وأغلب عليه ، وقصدت فيه غالباً أن يكون في باب المعنى الذي هو أول الحديث . ثم إنني عمدت إلى كل كتاب من الكتب المسماة في جميع الكتب وفصلته إلى أبواب ، وفصول، وأنواع ، وفروع، وأقسام ، بحسب ما اقتضته القسمة التي تراها في الكتاب . وكان الموجب لهذا التقسيم اختلافُ معاني الأحاديث التي تختص (١) جمع كراسة وهي الجزء من الصحيفة، يقال: قرأت كراسة من كتاب سيبويه، وهذا الكتاب عدة كراريس، وتقول: التاجر مجده في كيسه ، والعالم مجده في كراريسه . - ٥٧ - بكل كتاب ، فإِن منها ما يتعلق بوجوبه (١)، ومنها ما يتعلق بأركانه وحقيقته ، ومنها ما يتعلق بسننه ونوافله ، ومنها ما يتعلق بشروطه ولوازمه ، ومنها ما يتعلق بالحث عليه والترغيب فيه ، ومنها ما يتعلق بفضله وشرفه . وأشياء كثيرة تراها في غضون الكتاب ، كل واحد منها لمعنى . ثم إنني عمدت إلى كل فصل وكل فرغ وكل باب ، فنضْدت الأحاديث فيه، كُلُّ حديث يتلو ما يشبهه ، أو يماثله أو يقاربه ، بحيث إنك إذا تجاوزت ذلك المعنى من ذلك الفصل لاتكاد تعود تراه في باقي الفصول إلا نادراً ، لضرورة اقتضته ، أو سهو . وإذا جاء من الأحاديث شيء يتعلق بذلك الكتاب ، وليس معه حديث آخر من نوعه ، كتبته في فصل أو فرع من تقسيم ذلك الكتاب ، حيث ليس معه من جنسه ونوعه مثله أو أمثاله . ثم إنني عمدت إلى ما جاء من الأحاديث في فضائل جميع الكتب المودعة في كتابنا ، وما جاء في فضائل الأنبياء والصحابة وغيرهم، فجعلته كتاباً واحداً سميته ((كتاب الفضائل والمناقب)) وأودعته كل حديث (١) في المطبوع: بموجبه، وهو تحريف . - ٥٨ - يتضمن فضل شيء من الأعمال والأقوال والأحوال والرجال ، ولم أضف فضل كل شيء إلى بابه ، فإنه يجيء متفرقاً ، فرأيت أن جمعه أولى ، وستراه إن شاء الله تعالى مفصلاً مبوباً . الفصل الثالث في بيان التقفية ، وإثبات الكتب في الحروف لما نضدت الأحاديث في الأبواب والفصول والفروع - كما سبق بيانه - رأيتُها كثيرةَ العدد ، والكتاب في نفسه كبير المقدار ، يحتاج الناظر فيه والطالب لحديث من أحاديثه أن يتطلب كتبه التي هي تراجمه ، حتى يجد الحديث المطلوب فيها ، وكان عليه في ذلك كلفة ومشقة متعبة، فخرجت أسماء الكتب المودعة في الكتاب ، وجعلتها مرتبة على حروف . (أب ت ث) طلباً لتسهيل كلفة الطلب، وتقريباً على المريد بلوغ الأرب. ولم أضبط في وضعها الحرف الأصلي من الكلمة فحسب ، إنما لزمت الحرف الذي هو أول الكلمة ، سواء كان أصلياً أو زائداً، ولم أحذف من الكلمة إلا (١) الألف واللام التي للتعريف حسب. (١) كلمة ((إلا)) لم ترد في المطبوع. - ٥٩ - فأودعت ((كتاب الإِيمان والإسلام))، و((كتاب الإيلاء)) و(( كتاب الآنية)»: في حرف الهمزة. وهذا حرف أصلي . ووضعت فيه أيضاً ((كتاب الاعتصام))، و((كتاب إحياء الموات)) وهذا حرف زائد، فإِن ((الاعتصام)) حقه أن يكون في حرف (( العين )) و((إِحياء الموات)) في حرف ((الحاء)). وكذلك جميع الكتب على الوضع ، ولم أقصد به إلا طلب الأسهل ، فإِن كتب الحديث يشتغل بها الخاص والعام ، والعالم بتصريف اللفظ والجاهل . ولو كلفت العامي أن يعرف الحرف الأصلي من الزائد لتعذر عليه ، لكنه يسهل عنده معرفة الحرف الذي هو في أول الكلمة من غير نظر إلى أنه أصلي أوزائد . ثم وجدت في الأبواب أبواباً عدة ، هي من جملة الكتب التي انقسم الكتاب إليها ، وإذا ذكرتها في الحرف الذي يختص بها أكون قد أفردت أحد أحکام ذلك الکتاب عنه ، وفر قته ووضعته في غیر موضعه الأولى به . مثال ذلك : أن ((كتاب الجهاد )) هو في حرف الجيم ، وفي جملة أحكام الجهاد أبواب عدة لا يجوز أن تنفرد عنه ، مثل الغنائم ، والفيىء والغلول ، والنفل ، والخمس، والشهادة ، وكل واحد من هذه يختص بحرف غير حرف الجيم ، فإن ذكرته في حرفه، تَقَسَّمَ(١) (( كتاب الجهاد))، وعدلت عن واجب (١) في المطبوع: حرف تقسيم، وهو خطأ: - ٦٠ -