Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
الإِمام ابن ماجَهْ
وسادسُهم: الإِمامُ الحافظ أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجَهْ
- بتخفيف الجيم وسكون الهاء - القزويني صاحب السنن والتفسير
والتاريخ. ولد سنة ٢٠٩، سمع أبا بكر بن أبي شيبة وطبقته، وأعلى ما عنده
الثلاثيات، وهي خمسة إلَّ أنها بطريق جُبارة بن المُغلِّس. ولابن ماجه رحلة
إلى الري وإلى العراق والبصرة والكوفة وبغداد وإلى الشام ومصر والحجاز
لكتابة الحديث.
وأول من أدخل ((كتابَ السنن)) له في عداد الأصول الستة: هو الحافظ
أبو الفضل بن طاهر، فتتابع أكثَرُ الحُفَّاظ على ذلك في كتبهم في الرجال
والأطراف، إلَّ أنهم اختلفوا هل هو سادس الخمسة أم سادس الستة
- الصواب أن يقول: هل هو سادسُ الخمسة أم ((الموطأ)) سادسُها. ع -.
وأما ما نظمه ابنُّ الجوزي في سِلك الموضوعات من أحاديثه فنحو ثلاثين
حديثاً، وفعَلَ مثل ذلك مع الترمذي، إلاّ أن ما في ابن ماجه لا يقل من
الضعف الشديد في ثلثي هذا المقدار.
وقد اشتهر أن الرجال الذين انفرد بهم ابن ماجه ضعاف، وإن كان بين
الأحاديث التي انفرد بها صحاح، وللحافظ الشهاب البوصيري ((مصباح
الزجاجة في زوائد ابن ماجه)»، تكلّم فيه على كل إسناد من أسانيد تلك
الزوائد بما يليق بحاله، من صحة وحسن وضعف وغير ذلك، وما سكت
عليه ففيه نظر. ونصُّه على الضعف الشديد في حديثٍ ما، كافٍ في سقوطه
من مقام الاحتجاج به، سواء أنَطَقَ بالوضع أم لم يَنْطِقْ به.
وليس بقليل من يَرمي نقلَةَ كتاب ابن ماجه بالتصحيف، وأصحُّ نسخة

٨٢
- فيما أعلم - تداولتها أيدي الحفاظ المتقنين من المقادسة وغيرهم طبقة
بعد طبقة: هي النسخة المحفوظة بالخزانة التيمورية (رقم ٥٢٢) بدار الكتب
المصرية .
توفي ابن ماجه يوم الاثنين لثمان بقين من شهر رمضان سنة ٢٧٣ .
رضي الله عن الجميع وأعلى منازلهم في الجنة.
٠٠

شروط الأَهْزِ السَّتَّةْ
الحافِظِ أبِ الفَضْلِ مُحُمَّد بْطَامِرُ المَقْدِىّ
ولدسنة ٤٤٨ وتوفخية ٥٠٧ رحم الله تعالى
اعْتَنِى بَهَا
عبد الفتاح أبو غدة
وُلِدَ سَنَة ١٢٣٦ وَتُوُفِي سَنَّة ١٤١٧
رَحَمَهُ الله تعالى
مكتب المطبوعات الإسلاميةَّة

٨٥
بِسْمِاللَّهِ الرَّمنِالرّيَِّ
وصلی الله علی سیدنا محمد وآله وسلم
أنبأ أبو الحسن علي بن عبد الله بن الحسن بن المعتز البغدادي، عن
أبي المعمر المبارك بن أحمد بن عبد الله بن عبد العزيز بن المعمر
الأنصاري، قال: قال الإِمام الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر بن علي
المقدسي رحمه الله تعالى:
فإن قيل: إنَّ كلَّ واحد من هؤلاء الأئمة الستة، يعني البخاري ومسلماً
وأبا داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، صَنَّف كتاباً على حِدَة، ولم يتفقوا
على ما أَخرج الأول من غير زيادة ولا نقصان، فهل تجري كلُّها مَجرىّ واحداً
في الصحة أم تتباينُ في المعنى؟
الجواب: أنَّ بعض أهل الصنعة سألني ببغداد عن شرط كل واحد من
هؤلاء الأئمة في كتابه، فأجبتُه بجواب أنا أذكره هاهنا بعينه ورُمَّته.
قلت: اعلم أن البخاري ومسلماً ومن ذكرنا بعدهم، لم يُنقَل عن واحد
منهم أنه قال: شرطتُ أن أُخرج في كتابي ما يكون على الشرط الفلاني (١)
وإنما يُعرَف ذلك مِن سَبْرٍ كتبهم(٢) فيُعلَم بذلك شرطُ كل رجل منهم.
(١) يعني سوى اشتراط اللقي عند البخاري، والاكتفاء بالمعاصرة عند مسلم كما
هو مشهور. ز.
(٢) ويعرف أيضاً من كلمات متفرقة أُثرت عن مؤلفيها تخبر عن موضوع كتبهم =

٨٦
واعلم أن شرط البخاري ومسلم أن يخرجا الحديث المتفَقَ على ثقة
نَقَلِتِهِ(١) إلى الصحابي المشهور، من غير اختلاف بين الثقات الأثبات،
ويكون إسناده متصلاً غير مقطوع، فإن كان للصحابي راويان فصاعداً
فحسن، وإن لم يكن له إلَّ راوٍ واحد إذا صح الطريقُ إلى ذلك الراوي
أخرجاه، إلاَّ أن مسلماً أخرج أحاديثَ أقوامٍ تَرك البخاريُّ حديثَهم، لشبهةٍ
وقعت في نفسه، أُخرَج مسلم أحاديثهم بإزالة الشبهة(٢)، مثلٍ حماد بن
سَلَمة، وسُهَيل بن أبي صالح، وداود بن أبي هند، وأبي الزُّبَير،
والعلاء بن عبد الرحمن، وغيرِهم. جعلنا هؤلاء الخمسةَ مثالاً لغيرهم لكثرة
روایتهم وشهرتهم .
= ومنهجهم فيها، وقد يُعرف بالنظر في أسماء كتب بعضهم، حيث سمَّوْا كتبهم بما
ينبىء عن موضوعها وشرطِ مؤلفيها فيها، انظر في ذلك رسالتي («تحقيق اسمي
الصحيحين وجامع الترمذي))، وهي مطبوعة ببيروت سنة ١٤١٤، بل الإِمام مسلم أبان
عن شرطه في مقدَّمة ((صحيحه))، وأبو داود في رسالته إلى أهل مكة، ويؤخذ من
((العلل الصغير)) للترمذي شرطه في ((جامعه)) ومنهجه فيه، كما سبق بيانه في تقدمتي
لهذا الكتاب.
(١) قال العراقي في شرح ألفيته: ليس ما قاله ابن طاهر بجيد، لأن النسائي
ضعَّف جماعة أخرج لهما الشيخان أو أحدهما. اهـ. وموعد بسط ما هو الحق في هذا
الصدد في ((شروط الحازمي)) فانتظره. ز.
(٢) بمعنى أن مرويات خاصة لهم ظهرت صحتها له بزوال الشبهة الطارئة،
ببحث خاص فانتقاها، لا بمعنى قبول جميع مروياتهم مطلقاً. فمن ظنَّ أن مرويات
رجال أخرج عنهما الشيخان: صحاحٌ كلُّها، فقد ظن باطلاً، فكما لا تكون أحاديث
سيىء الحفظ كلُّها باطلة، كذلك لا تكون أحاديث الثقة كلُّها صحيحة، على ما يظهر
من سَبْرٍ صنيعهم. ز.

٨٧
فلما تُكلِّم في هؤلاء بما لا يزيل العدالة والثقة، تَرَك البخاري إخراج
حديثهم معتمداً عليهم تحرياً(١)، وأخرج مسلمٌ أحاديثَهم بإزالة الشبهة.
ومثال ذلك أن سُهَيل بن أبي صالح، تُكلِّم في سماعه من أبيه،
فقيل: صَحِيفةً(٢)، فتَرك البخاريُّ هذا الأصل(٣) واستغنى عنه بغيره من
أصحاب أبيه، ومسلمٌ اعتمد عليه لمَّا سَبر أحاديثه، فوجده مرةً يحدث عن
عبد الله بن دينار عن أبيه، ومرةً عن الأعمش عن أبيه، ومرةً يحدث عن أخيه
عن أبيه بأحاديث فاتته من أبيه، فصَحَّ عنده أنه سمع من أبيه، إذ لو كان
سماعُه صحيفةٌ لكان يَروي هذه الأحاديث مثل تلك الأُخَر.
وكذلك حماد بن سلمة إمام كبير، مدحه الأئمة وأطنبوا، ولمَّا تَكلَّم
فيه بعضُ منتحلِي المعرفة أنَّ بعض الكذبة أدخَل في حديثه ما ليس منه، لم
يُخرِج عنه معتمداً عليه، بل استَشهَد به في مواضعَ ليبين أنه ثقة، وأَخرَج
أحاديثه التي يرويها من حديث غيره من أقرانه، كشعبة، وحماد بن زيد،
وأبي عَوانة، وأبي الأحوص، وغيرهم.
(١) يعني أن البخاري لم يخرج لهؤلاء الرواة المتكلم فيهم محتجاً بهم في
الأصول، وإن أخرج لبعضهم مقروناً أو في المتابعات والشواهد، فالضمير في (عليهم)
يرجع إلى الرواة، والنفي راجع إلى الإِخراج المقيد بالاعتماد عليهم، وقوله (تحرياً)
بمعنى تحفظاً، وهو تعليل لعدم إخراج حديث هؤلاء في الأصول.
(٢) أي لم يسمع تلك الأحاديث التي رواها عن أبيه سماعاً منه، وإنما أخَذَها
من كتاب أبيه وأوراقه، وهذا المعنيُّ بقوله: صحيفة.
(٣) قال الذهبي: أخرج ه البخاري استشهاداً، وكان النسائي إذا حدَّث بحديث
سهيل هذا قال: سهيل واللَّهِ خيرٌ من أبي اليمان ويحيى بن بكير وغيرِهما. وكتابُ
البخاري ملآن من هؤلاء. ز.

٨٨
ومسلم اعتّمَدَ عليه، لأنه رأى جماعة من أصحابه القدماء والمتأخرين
رووا عنه حديثاً لم يَختلفوا عليه، وشاهَدَ مسلم منهم جماعة وأخذ عنهم، ثم
عدالةُ الرجل في نفسه وإجماعُ أئمة النقل على ثقته وإمامته.
فهذا الكلام فيما اختَلَفا فيه من إخراج أحاديث هؤلاء وما جَرى
مَجراهم .
وأما أبو داود (١) فمن بعده فإن كتبهم تنقسم على ثلاثة أقسام:
(١) ليس بقليل من يفضل كتاب النسائي الصغير على ((سنن أبي داود)"، لكن
بالنظر إلى عدد الأحاديث التي انتقدها ابن الجوزي من بين أحاديث الكتب الستة،
يكون أبو داود مقدماً على النسائي، ثم الترمذي وابن ماجه. راجع آخر تعقبات
السيوطي. ز.
قال السيوطي في آخر ((التعقبات على الموضوعات)): ((هذا آخر ما أوردته في هذا
الكتاب من الأحاديث المتعقبة التي لا سبيل إلى إدراجها في سلك الموضوعات،
وعِدَّتُها نحوُ ثلاث مئة حديث، منها في ((صحيح مسلم)) حديثٌ، وفي «صحيح
البخاري) روايةٍ حماد بن شاكر حديثٌ، وفي ((مسند أحمد)) ثمانية وثلاثون حديثاً، وفي
((سنن أبي داود)) تسعةُ أحاديث، وفي ((جامع الترمذي)) ثلاثون حديثاً، وفي ((سنن
النسائي)) عشرة أحاديث، وفي ((سنن ابن ماجه)) ثلاثون حديثاً، وفي ((مستدرك)) الحاكم
ستون حديثاً على تداخلٍ في العدّة.
فجميعُ ما في الكتب الستة و((المسند)) و ((المستدرك)) مئة وثلاثون حديثاً، وفيه
من مؤلفات البيهقي: ((السننِ)) و ((الشعبِ)) و((الدلائلِ)) وغيرِها، ومن ((صحيح ابن
خزيمة)) و((التوحيد)) له، و((صحيح ابن حبان)) و ((مسندٍ الدارمي)» و «تاريخ البخاري))
و ((خلق أفعال العباد)) و((جزء القراءة)) له، و ((سنن الدارقطني)): جملةٌ وافرة)». انتهى.
وهذه الأعدادُ التي ذكرها السيوطي لأحاديث كتب الأئمة المذكورين لا تعني أنَّ
ابن الجوزي أدرج جميعَ تلك الأحاديث في الموضوعات من طريقهم أو نقلها من =

٨٩
القسم الأول صحيح، وهو الجنس المخرج في هذين الكتابين للبخاري
ومسلم، فإن أكثر ما في هذه الكتب مخرج في هذين الكتابين، والكلامُ عليه
كالكلام على الصحيحين فيما اتفقا عليه واختلفا فيه .
والقسم الثاني صحيح على شرطهم، حكى أبو عبد الله بن مَنْدَهْ أن
شرط أبي داود والنسائي إخراجُ أحاديث أقوام لم يُجمَع على تركهم، إذا
صحَّ الحديث باتصال الإِسناد من غير قطع ولا إرسال، ويكونُ هذا القسم من
الصحيح، فإن البخاري قال أحفظ مئةَ ألفِ حديثٍ صحيح، ومئتي ألفٍ
حديث غيرٍ صحيح، ومسلم قال: أخرجتُ ((المسند الصحيح)) (١) من ثلاث
مئة ألف حديث مسموعة .
= كتبهم، بل أكثرُها مما أورده من كتب الضعفاء والمجروحين أو الكتب التي هي مجمعُ
الأحاديث الغريبة الشاذة والمنكرة الموضوعة.
ثم قد يتفق أن الرواة الذين يُعِلُّ بهم ابنُ الجوزي تلك الأحاديث يكونون في
أسانيد هؤلاء الأئمة أيضاً، وقد يكون الحديثُ عندهم من طريق آخر ليس فيه من أعلّ
ابن الجوزي الحديثَ به، وقد يكون إعلالُهُ مبنياً على قول من ضعَّفَ الراويَ والصحيحُ
فيه التوثيقُ، وقد يكون إعلالُهُ مبنياً على غفلتِهِ عن طُرُق ذلك الحديث المخرَّجة في
كتب أخر، كما عُرِفَ في محلّه، فإذاً ترتيبُ الكتبِ الستة في الصحة نظراً إلى عدد
الأحاديث التي انتقدها ابنُ الجوزي من كل كتاب: غيرُ صحيح، بل الشأنُ في صحةٍ
نقده وأن يكون نقدُه في خصوص الطريق التي أخرجها أصحاب هذه الكتب.
(١) يلاحظ أن الإِمام مسلماً رحمه الله تعالى قد سَمَّى كتابه ((المسنّدَ الصحيح))،
كما تكرّر ذكرُهُ في كلامه بهذا الاسم، ونقَلَه غيرُ واحد من أصحابه ومن بعدهم، ولم
يُسمِّ كتابَه «الجامع الصحيح)) كما اشْتَهَر. وقد أسلفتُ أني ألَّتُ رسالةً في ((تحقيق
اسمي الصحيحين واسم جامع الترمذي)»، طبعت في بيروت سنة ١٤١٤، فيَحسُّن
الوقوف عليها .

٩٠
ثم إنا رأيناهما أخرجا في كتابيهما - ما اتفقا عليه وما انفردا به -
قريبَ عشرة آلاف(١) تزيد أو تنقص، فعلمنا أنه قد بقي من الصحيح الكثيرُ،
إلَّ أن طريقه لا يكون كطريق ما أخرجاه(٢) في هذين الكتابين، فما أخرجوه
مما انفردوا به دونهما، فإنه من جملة ما تركه البخاري ومسلم من جملة
الصحيح .
والقسم الثالث أحاديث أخرجوها للضدية(٣) في الباب المتقدم،
(١) لكن ما سوى المكرر من الأحاديث المسندة في ((صحيح البخاري)) نحوُ
ألفين وست مئة واثنين، وفي ((صحيح مسلم)) نحو أربعة آلاف حديث كما هو
مشهور. ز.
(٢) يعني جملةً، وإلَّ فلا يصح هذا الكلام، لأنه يوجد فيما سواهما ما يُفضَّل
على ما فيهما لأسباب وملابسات تذكر في شرح أحاديث الأحكام. راجع الباب الأخير
من ((الانتصار والترجيح)) لسبط ابن الجوزي. ز .
وانظر تمامَ الكلام على أن تفضيل ما في ((الصحيحين)) على ما في غيرهما من
حيث الجملة، لا بالنسبة إلى كلّ فرد فردٍ، في حاشية ((شروط الأئمة الخمسة)»
ص ١١٥ - ١١٧، ١٤٧، ١٧٣ - ١٨٢.
(٣) قولُه: للضدية، أي لذكر ما يُخالِفُ أحاديثَ الباب، التي قدَّمها لأولويتها
وأرجحيتها عنده، للموازنةِ بينها ولمعرفتِها، فقد يستدلُّ بها مُستدلٌّ ويَحتَجُّ بها مُحتج،
فذِكْرُها مفيدٌ للغاية، من باب التبصرة والتوعية بعدَ البيان لما هو أصح وأرجَحُ منها.
فهذا من بصارة عامة أصحاب ((السنن)) و((المصنّفات)) رحمهم الله تعالى.
وأخرج هؤلاء الأئمة أيضاً كثيراً من الضعاف لأنها تُتَمِّمُ فَهْمَ الصحيح كما أنها
تَقْوى بالصحاح التي هي أصولٌ لها أو تُعْضَدُ بجريان العمل المتوارث وَفْقَه، أو بقرائنَ
وعواضد أخر تلوح لأهل البصيرة النافذة في الحديث، كما أنهم أيضاً أخرجوا الضعيفَ
إذا لم يكن في الباب غيِّره، لأنه أقوى من رأي الرجال عندهم.

٩١
وأوردوها لا قَطْعاً منهم بصحتها، وربما أبان المخرِّج لها عن علتها بما يقهمه
أهلُ المعرفة (١).
فإن قيل: لم أودعوها كتبَهم ولم تصح عندهم؟ فالجوابُ من ثلاثة
أوجه :
أحدها: روايةٌ قوم لها واحتجاجُهم بها، فأوردوها وبَيَّنُوا سَقَمها
لتزول الشبهة .
والثاني: أنهم لم يشترطوا ما ترجمه البخاري ومسلم رضي الله عنهما
على ظهر كتابيهما من التسمية بالصحة، فإن البخاري قال: ما أخرجتُ في
(١) هذا التقسيمُ الذي ذكره ابنُ طاهر لأحاديث السنن، وذَكَر فيه للحديث
الصحيح مرتبتين فقط، يختلف عن تقسيم الحافظ ابن الصلاح للحديث الصحيح، إذ
قسم ابن الصلاح الحديث الصحيح إلى سبعة أقسام، وجعل الثلاثة الأولى ما أخرجه
الشيخان أو أحدهما على الترتيب، وجعل بقية الأقسام الأربعة للأحاديث التي لم
يخرجاها أو أحدهما، ورتبها كالتالي:
٤ - ما كان على شرطهما ولم يخرجاه.
٥ - ما كان على شرط البخاري ولم يخرجه.
٦ - ما كان على شرط مسلم ولم يخرجه.
٧ - ما صحّ عند غيرهما.
فأدخل ابنُ طاهر هذه الأقسامَ الأربعةَ كلّها في القسم الثاني من تقسيمه، وأنزلها
في مرتبة واحدة، والقسم الثاني عند ابن طاهر يلاقي القسم السابع عند ابن الصلاح،
فتكون الأقسامُ الثلاثةُ الأولى من الأربعة عند ابن طاهر في مرتبة القسم السابع من
تقسيم ابن الصلاح.
وفي التسويةِ بين هذه الأقسام كلِّها نظر، إذ أن هذه الأقسام الثلاثة أرفعُ رتبةً من
القسم السابع من حيث الجملةُ، وإن لم يُحكّم بذلك بالنسبة إلى كلِّ فرد فرد.

٩٢
كتابي إلَّ ما صح، وتركتُ من الصحاح لحال الطول. ومسلم قال: ليس كلُّ
حديث صحيح أودعتُه هذا الكتابَ، وإنما أخرجتُ ما أجمعوا عليه(١). ومن
بعدَهما لم يقولوا ذلك، فإنهم كانوا يخرجون الشيء وضِدَّه.
والثالث: أن يقال لقائلٍ هذا الكلام: رأينا الفقهاء وسائرَ العلماء
يُوردون أدلةَ الخصم في كتبهم، مع علمهم أن ذلك ليس بدليل، فكان
فِعلُهما (٢) هذا كفعل الفقهاء، والله أعلم.
وأما أبو عيسى الترمذي فكتابه وحده على أربعة أقسام:
قسم صحيح مقطوع به (٣)، وهو ما وافق فيه البخاريَّ ومسلماً.
وقسم على شرط الثلاثة دونهما كما بَيَّنًا.
وقسم أخرجه للضدية، وأبان عن علته ولم يُغْفِله.
وقسم رابع أبان هو عنه، فقال: ما أخرجتُ في كتابي إلَّ حديثاً قدْ
عَمِل به بعضُ الفقهاء (٤).
(١) المراد إجماعُ شيوخه، وإلاّ فأين الإجماع في مواطن الخلاف !. ز.
(٢) يعني أبا داود والنسائي. ز.
(٣) إفادة خبر الآحاد غير المحفوف بالقرائن للقطع مذهبٌ شاذ يَذْهَبُ إليه
المصنف، لكونه ظاهریاً. ز.
(٤) هذا يذكرنا صنيعَ المجد ابن تيمية في ((منتقى الأخبار))، حيث جمَعَ فيه كلَّ
ما تمسك به فقيه من الفقهاء، بل ترَكَ الكلامَ على تلك الأحاديث تصحيحاً وتضعيفاً،
باعتبار أن ذلك بالنظر إلى ما يظهر للناقد، لا بالنسبة إلى ما في نفس الأمر، وقد
أحسن صُنعاً في ذلك، لاختلاف شروط قبول الأخبار عند المجتهدين، فما يُصحِّحه
هذا قد يُضعِّفه ذاك. ولم يُشْرَح ((منتقى الأخبار)» بعدُ على مَلْمَح مُصنَّفه، فالشروحُ
الموجودة بالأيدي اليوم مُغرِّبة فيما يُشرِّق فيه المصنف !. ز.

٩٣
وهذا شرط واسع، فإن على هذا الأصل: كلُّ حديث احتجَّ به محتج
أو عَمِل بموجَبِه عامل أخرجه سواءٌ صح طريقه أو لم يصح، وقد أزاح عن
نفسه الكلام، فإنه شَفى في تصنيفه، وتكلّم على كل حديث بما يقتضيه(١).
(١) قوله: (وهذا شرط واسع ... )، فيه أن الأمر ليس كما ظهر له، إلاَّ لو كان
الترمذي التزم أن يذكر كل حديث هو بتلك المثابة، وأما قوله: ما أخرجت في كتابي
إلَّ ما كان كذلك، فلا يلزم منه ذلك المراد، كما أفاده الحافظ ابنُ سيد الناس في
مقدّمة كتابه ((النفح الشذي في شرح جامع الترمذي)) ١: ١٨٩.
قال الحافظ الذهبي في (سير أعلام النبلاء)» ٢٧٤:١٣، ٢٧٦ في ترجمة الإِمام
الترمذي: ((في ((الجامع)) - أي جامع أبي عيسى الترمذي - علمٌ نافع وفوائدُ غزيرة
ورؤوسُ المسائل، وهو أحد أصول الإِسلام، لولا ما كذَّره بأحاديث واهية، بعضها
موضوع، وكثير منها في الفضائل، وقال أبو نصر عبد الرحيم بن عبد الخالق: ((الجامع))
على أربعة أقسام: قسم منها مقطوع بصحته، وقسم على شرط أبي داود والنسائي كما
بيّنا، وقسم أخرجه للضدّية، وأبان عن علّته، وقسم رابع أبان عنه، فقال: ما أخرجت في
كتابي هذا إلَّ حديثاً قد عَمِل به بعض الفقهاء، سوى حديث: ((فإن شَرِبَ في الرابعة
فاقتلوه))، وسوى حديث: ((جَمَع بين الظهر والعصر بالمدينة، من غير خوف ولا سفر)).
قلت - القائل الذهبي -: ((جامعُه)) قاضٍ له بإمامته وحفظه وفقهه، ولكن
يَتَرخّص في قبول الأحاديث، ولا يشدِّد، ونَفَسه في التضعيف رخو». انتهى كلام الإِمام
الذهبي.
وأبو نصر عبد الرحيم هذا ولد سنة ٥٠٥، وتوفي في آخر سنة ٥٧٤ أو أول سنة
٥٧٥، كما ذكره ابن نُقْطَة في ((التقييد لمعرفة رواة السنن والمسانيد)) ١١٨:٢، فالظاهر
أن كلامه مأخوذ من المؤلف - وقد توفي سنة ٥٠٧ -، وإن لم يعزه إليه، ونقل هذا
الكلام ابن سيد الناس أيضاً في مقدّمة ((النفح الشذي في شرح الترمذي)) ١٨٧:١، عن
أبي نصر عبد الرحيم هذا، وذكر أنه قاله في كتابه ((مذاهب الأئمة في تصحيح
الحدیث)).
=

٩٤
وأورد الحافظ أبو القاسم عبيد بن محمد الإِسعردي نصَّ المؤلف هنا في شرط
=
الترمذي بحروفه، في جزء ((فضائل الكتاب الجامع لأبي عيسى الترمذي)) ص ٣٣، وذكر
إسناده إليه من طريق أبي القاسم بن صَصْرَى، عن أبي القاسم التاريخي، عن
المبارك بن محمد الأنصاري، قال: قال لنا أبو الفضل محمد بن طاهر المعروف بابن
القيسراني رضي الله عنه في كتابه الموسوم بـ ((مذاهب الأئمة في تصحيح الحديث)) قال:
وأما أبو عيسى ... ، فذكره.
ففي هذا النص ذكر (شروط الأئمة الستة) لابن طاهر باسم ((مذاهب الأئمة في
تصحيح الحديث))، وأرى أن الأمر اشتبه على ابن سيد الناس أو على يوسف بن أحمد
الذي نقل ابنُ سيد الناس الكلامَ المذكور من طريقه، فعَزَا الكلامَ إلى أبي نصر في حين
أنّه لابن طاهر، وأبو نصر ناقلٌ عنه، والله تعالى أعلم.
و (المبارك بن محمد الأنصاري) كذا جاء اسمُه في كتاب الإِسعردي المطبوع، وورد
اسمُه في أول هذه الرسالة (المبارك بن أحمد الأنصاري)، وهو الصوابُ كما في ترجمته في
((التقييد)) لابن نُقْطَة ٢: ٢٤٠، وغير كتاب.
هذا، وإن ما قاله الذهبي هنا من أنَّ الإمام الترمذي يترخّصُ في قبول الأحاديث
ولا يُشدِّد، وإن نَفَسَه في التضعيف رَخْو، فقد قال أشدَّ منه في مواضع من ((ميزان
الاعتدال)) فقال في ٤٠٧:٣: (( ... لا يعتمد العلماءُ على تصحيح الترمذي)) وقال في
٤١٦:٤: ((لا يعتد بتحسين الترمذي فعند المحاققة غالبها ضعاف)»، فهذا من الذهبي
رحمه الله تعالى نوع حطّ على الإِمام الترمذي رحمه الله تعالى، وقد قال العراقي في
(شرح الترمذي) ردّاً عليه: ((وما نقله عن العلماء من أنهم لا يعتمدون على تصحيح
الترمذي ليس بجيّد، وما زال الناسُ يعتمدون تصحيحَه)). انتهى. نقله الأخ الدكتور نور
الدين عتر في ((الإمام الترمذي والموازنة بين جامعه وبين الصحيحين)) ص ٢٤١.
وقال شيخُ شيوخنا إمامُ العصر محمد أنور شاه الكشميري في ((فيض الباري)»
٤: ٤١٤ - ٤١٥: ((وليعلم أن تحسينَ المتأخرين وتصحيحَهم لا يُوازي تحسينَ
المتقدّمين، فإنهم كانوا أعرفَ بحال الرواة لقرب عهدهم بهم، فكانوا يحكمون ما
يحكمون به بعد تثبت تامّ ومعرفة جزئية، أما المتأخرون فليس عندهم من أمرهم غيرُ =

٩٥
وكان من طريقته رحمة الله عليه أن يترجم الباب الذي فيه حديث مشهور عن
صحابي قد صح الطريقُ إليه، وأُخرِجَ من حديثه في الكُتُبِ الصِّحاح، فيُورِدَ
في الباب ذلك الحكم من حديث صحابي آخر لم يخرجوا حديثَه، ولا
تكون الطريقُ إليه كالطريق الأول، وإن كان الحكم صحيحاً، ثم يُتبعَه بأن
يقول: (وفي الباب عن فلان وفلان)، ويَعُدَّ جماعةً فيهم ذلك الصحابي
المشهور وأكثر. وقلما يسلك هذه الطريقة إلاّ في أبواب معدودة (١)،
= الأثر بعد العين، فلا يَحْكُمون إلاّ بعد مطالعة أحوالهم في الأوراق، وأنت تعلم أنه كم
من فرق بين المجرِّب والحكيم، وما يُغْنِي السواد الذي في البياض عند المتأخرين عمّا
عند المتقدّمين من العلم على أحوالِهم كالعِيَان، فإنهم أدركوا الرواةَ بأنفسهم فاستغنوا
عن التساؤل والأخذ عن أفواهِ الناس، فهؤلاء أعرفُ الناس، فِهم العبرةُ.
وحينئذ إن وجدتَ النووي مثلاً يتكلّم في حديثٍ والترمذيُّ يُحسِّنُه، فعليك بما
ذهب إليه الترمذي، ولم يُحْسِن الحافظ - أي ابن حجر - في عدم قبول تحسين
الترمذي، فإنّ مبناه على القواعد لا غير، وحكمُ الترمذي مبني على الذوق والوجدان
الصحيح، وإن هذا لهو العلم، وإنما الضوابط عصا الأعمى». انتهى.
وقد بحث العلامةُ النظّارُ المحقق الشيخ محمد بن إبراهيم الوزير اليماني في
(تنقيح الأنظار) ١: ١٦٩ - ١٩٤، بحثاً طويلاً في أنه هل يجوز العملُ بما حكم الترمذي
بتحسينه أو تصحيحه، وانتهى إلى جواز الاعتماد على الإمام الترمذي في ذلك، فانظره
إذا شئت، ولا ريب أن الترمذي مجمع على إمامته في معرفة الحديث، ولم يثبت أنه
كثيرُ الخطأ في باب التصحيح والتحسين فلا جرم أنه يجوز العمل بقوله في هذا الباب،
كيف وقد أثنى عليه الإِمامُ البخاري رحمهما الله تعالى وقال له: انتفعتُ منك أكثرَ مما
انتفعت مني. فهذا ثناء فوق أن يثمّن. والله تعالى أعلم بالصواب.
(١) وقد أوردنا فيما كتبناه على شروط الحازمي، ما يشفي غُلَّة الباحث من شرح
ابن رجب وغيره في هذا البحث وما يليه، فانظره - في ص ١٥١ - ١٥٤، ١٦٨ -
١٦٩، ١٧٠.

٩٦
والله أعلم(١).
قال السائل: فإنَّ الحاكم أبا عبد الله النيسابوري الحافظ، ذكر في كتاب
(المدخل إلى معرفة كتاب الإكليل)) شَرْطاً على غير هذا النحو.
قلتُ: نعم أخبرناه أبو بكر أحمد بن علي الأديب الشيرازي بنيسابور،
قال: قال أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ: القسمُ الأول من المتفق عليه
اختيارُ البخاري ومسلم، وهو الدرجة الأولى من الصحيح. ومثالُه الحديث
الذي يرويه الصحابي المشهور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وله
راويان ثقتان، ثم يرويه عنه التابعي المشهور بالرواية عن الصحابي وله
راويان ثقتان، ثم يرويه عنه من أتباع التابعين الحافظ المتقنُ المشهور وله
رواة من الطبقة الرابعة، ثم يكون شيخُ البخاري أو مسلم حافظاً متقناً مشهوراً
بالعدالة. فهذه الدرجة الأولى من الصحيح.
(الجواب) أنَّ البخاري ومسلماً لم يشترط هذا الشرط، ولا نُقِلَ عن
واحد منهما أنه قال ذلك، والحاكمُ قدَّر هذا التقدير، وشَرَط لهما هذا الشرط
على ما ظَنَّ.
ولَعَمْري إنه شرط حسن لو كان موجوداً في كتابيهما، إلاّ أنا وجدنا
هذه القاعدةَ التي أسّسها الحاكمُ منتقِضةً في الكتابين جميعاً.
(١) الإشارة بقوله (هذه الطريقة) إلى ما ذكره من إيرادِ الطريق المشهور للحديث
ضمن قوله: (وفي الباب ... ) وتخريج الطريق غير المشهور في الترجمة. وقولُ
المؤلِّف: إنَّ الترمذي يسلك هذه الطريقة في أبواب معدودة فيه نظر، فقد ثبت من واقع
المشاهدة - كما تتبَّعتُه أنا - أنه يسلك هذه الطريقة في أبواب كثيرة، وإن كان الأكثرُ
من صنيعه هو تخريجُ الطريق المشهور في الترجمة والإِشارةُ إلى الطرق غيرِ المشهورة
بقوله (وفي الباب)، والله تعالى أعلم.

٩٧
فمن ذلك في الصحابة: أن البخاري أخرج حديث قيس بن
أبي حازم، عن مِرداس الأسلمي: ((يَذهبُ الصالحون أولاً فأولاً)) الحديث.
ولیس لمرداس راوٍ غیرُ قیس .
وأخرج هو ومسلم حديث المسيَّب بن حَزْن في وفاة أبي طالب. ولم
يرو عنه غيرُ ابنه سعيد .
وأخرج البخاري حديث الحسن البصري عن عَمْرو بن تَغْلِب ((إني
لأعطي الرجلَ والذي أدَعُ أحبُّ إليَّ)) الحديث. ولم يَرو عن عمرو غيرُ
الحسن.
هذا، في أشياء عند البخاري على هذا النحو.
وأما مسلم فإنه أخرج حديث الأغرّ المُزَني («إنه لَيُغانُ على قلبي)». ولم
يَرو عنه غير أبي بُرْدَة.
وأخرج حديث أبي رِفاعة العَدَوي. ولم يرو عنه غيرُ حُمَيد بن هلال
العَدّوي .
وأخرج حديث رافع بن عمرو الغفاري. ولم يرو عنه غيرُ عبد الله بن
الصامت .
وأخرج حديث ربيعة بن كعب الأسلمي. ولم يرو عنه غيرُ
أبي سلمة بن عبد الرحمن.
هذا، في أشياء كثيرة اقتصرنا منها على هذا القدر (١)، ليعلم أن القاعدة
(١) وعلى نُور هذا البيان أبان الحازمي الحقَّ في كتابه، فكان من واجبه أن يُنَوِّهَ
بفضل المصنِّ عليه، لكنه لم يفعل! ( ز ).
=

٩٨
التي أسسها منتقِضة لا أصل لها (١).
قال عبد الفتاح: وهكذا صَنَع ابنُ الجوزي في مقدّمة ((الموضوعات)) ٣٣:١ -
=
٣٤، فقد نقض كلامَ الحاكم فيما زعمه من شرط الشيخين على ضوء كلام المؤلّف ولم
يعزه إليه، وهكذا صنع أيضاً الإمام النووي في مقدمته لشرح صحيح مسلم ٢٨:٢ -
٢٩ فذكر ما قاله الحافظ ابنُ طاهر في نقض كلام الحاكم ولم يعزه إليه، بل قال:
((غلَّطه - أي الحاكمَ - الأئمةُ فیه)).
(١) وقال الحاكم نفسه في ((المستدرك على الصحيحين)) ٨:١ بعد أن خرّج
حديثاً لهِصَّان بن كاهن: ((هذا حديث صحيح وقد تداوله الثقاتُ، ولم يخرجاه جميعاً
بهذا اللفظ، والذي عندي والله أعلم أنهما أهملاه لهِصّان بن كامل ويقال: ابنُ كاهن،
فإن المعروفَ بالرواية عنه حُميدُ بنُ هلال العدوي فقط، وقد ذكر ابن أبي حاتم ((أنه
روى عنه قرّة بن خالد أيضاً، وقد أخرجا جميعاً عن جماعةٍ من الثقات لا راوي لهم إلاَّ
واحد فيلزمهما بذلك إخراجُ مثله، والله أعلم)). انتهى.
فهذا مما يستغرب من الحاكم، قدّر من عنده شرطاً للشيخين ثم بدأ يُلزمهما
بمخالفته، وأشدُّ من ذلك إلزامُهما أن يخرجا جميعَ الصحاح من مثل ما أخرجاه، مع
أنه قال في خطبة ((المستدرك)): ((ولم يَحْكُما ولا واحد منهما أنه لم يصح من الحديث
غيرُ ما أخرجه)). انتهى. بل قد صرّحا أنهما لم يستوعبا الصحيحَ وما قصدا ذلك،
فكيف يصح إذاً إلزامهما بقوله (فيلزمهما بذلك إخراج مثله)، وقد صرّح كلٌّ منهما في
تسمية كتابه بأنه (مختصر) كما بينته في رسالتي ((تحقيق اسمي الصحيحين واسم جامع
الترمذي)).
ومن هذه البابة قول الحاكم في ((المستدرك)» ٢٣:١ بعد تخريج حديث هاني بن
يزيد: ((هذا حديث مستقيم وليس له علّة ولم يخرجاه، والعلة عندهما فيه أن هاني بن
يزيد ليس له راوٍ غير ابنه شريح، وقد قدمت الشرط في أول هذا الكتاب - كذا قال
ولم يقدّم في ذلك شيئاً صريحاً فلعله أراد العبارة التي نقلتها عنه - أن الصحابي
المعروف إذا لم نجد له راوياً غير تابعي واحد معروف احتججنا به وصححنا حديثه إذ =

٩٩
ولو اشتغلنا بنقض هذا الفصل الواحد في التابعين وأتباعهم، ومن روى
عنهم إلى عصر الشيخين، لأربى على كتابه ((المدخل)) أجمع، إلاّ أن
الاشتغال بنقضٍ كلام الحاكم لا يُسدي فائدةً، وله في سائر كتبه مثلُ هذا
كثير، عفا الله عنا وعنه .
وأما الإِمام الحافظ المتقن أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده،
فأشار إلى نحوٍ ما ذكرناه، وهو خلافُ ما رسمه الحاكمُ. أخبرنا أبو عَمْرو
عبد الوهاب بن أبي عبد الله بن منده، قال: قال أبي:
من حُكم الصحابي أنه إذا رَوى عنه تابعي واحد، وإن كان مشهوراً،
مثلَ الشعبي، وسعيد بن المسيب: يُنسَب إلى الجهالة(١)، فإذا رَوى عنه
= هو صحيح على شرطهما جميعاً، فإن البخاري قد احتج بحديث قيس بن أبي حازم عن
مرداس الأسلمي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((يذهب الصالحون))، واحتج
بحديث قيس عن عدي بن عَمِيرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((من استعملناه
على عمل))، وليس لهما راوٍ غير قيس بن أبي حازم.
وكذلك مسلم قد احتج بأحاديث أبي مالك الأشجعي عن أبيه وأحاديث
مَجْزَأَة بن زاهر الأسلمي عن أبيه، فلزمهما جميعاً على شرطهما الاحتجاج بحديث
شريح عن أبيه، فإن المقدام وأباه شريحاً من أكابر التابعين)) !! انتهى.
وفيه أن حديث عدي بن عَمِيرة أخرجه مسلم دون البخاري، وحديث زاهر
الأسلمي أخرجه البخاري دون مسلم، انظر ((شروط الأئمة الخمسة)) ص ٣٣ - ٣٤.
(١) ولكن هذه الجهالة لا تمنع من قبول روايته، فإن الصحابة كلُّهم عدول،
والمعتمدُ ثبوت الصحبة برواية واحدٍ عن الرجل ما يدلّ على صحبته، كما تقرر في
محلّه، لا سيما إذا كان معروفاً بذكره في الغزوات، أو فيمن وفد من الصحابة، أو نحو
ذلك، فإن مثل هذا لا يَحتاج في ثبوت صحبته إلى رواية أي راوٍ عنه، فلا يُعْتَمَدُ ما
يظهر من كلام ابن منده من عدم الاحتجاج بالصحابة الذين لم يروِ عنهم إلاَّ واحد.

١٠٠
رجلان صار مشهوراً واحتُجَّ به، وعلى هذا بنَى محمد بن إسماعيل البخاري
ومسلم بن الحجاج كتابيهما ((الصحيحين)) إلَّ أحرفاً تبيَّن أمرُها (١).
فأما الغريبُ من الحديث كحديث الزهري وقتادة وأشباههما من
الأئمة، ممن يُجمَع حديثُهم إذا انفرد الرجلُ عنهم بالحديث يُسَمَّى غريباً،
فإِذا رَوى عنهم رجلان وثلاثةٌ (٢) اشتركوا في حديث يُسَمی عزيزاً.
فإذا رَوى الجماعةُ عنه حديثاً سُمِّي مشهوراً (٣).
فاستثنى أبو عبد الله بن منده أحرفاً، وهو هذا النوع الذي أشرتُ إليه،
فقد صح لديك بيان ما قدمته إليك، والله أعلم بالصواب.
أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أبي نصر الأندلسي (٤)، قال: سمعت
أبا محمد علي بن أحمد بن سعيد الحافظ الفقيه(٥)، وقد جَرى ذكر
الصحيحين، فعَظّم منهما ورَفَع من شأنهما، وذكَرَ أن سعيد بن السَّكَن اجتمع
إليه يوماً قومٌ من أصحاب الحديث، فقالوا له: إن الكتبَ في الحديث قد
كَثُرت علينا، فلو دَلَّنا الشيخُ على شيء نقتصر عليه منها، فسكت ودخَلَ إلى
(١) ومعلوم أن حكم تلك الأحرف هو الصحةُ اتفاقاً بين المحدّثين.
(٢) الواو هنا بمعنى أو، وكأن ابنَ منده يشير بهذا إلى الاختلاف في تعريف
(العزيز) هل هو مروي ثلاثة أو مروي اثنين؟
(٣) قولُ ابن مندَهُ (فإذا روى الجماعة ... ) يُفيدُ أن مروي ثلاثة هو المشهور
عنده .
(٤) هو الحُميدي الظاهري صاحب ((الجمع بين الصحيحين))، وهو الذي جذَبَ
المصنف إلى مذهب أهل الظاهر. ز.
(٥) هو ابن حزم، ولم يجعل لكتاب ابن ماجه ولا لكتاب الترمذي شأناً، حيث
کان یجھلھما کما سيأتي في ۔۔ ص ١٧٠ - . ز.