Indexed OCR Text

Pages 421-440

- ٤٢١ -
الدارقطنى، وصنف) فيه ( أبو محمد العسكرى ) بفتح العين والسين الساكنة
المهملتين وفتح الكاف وبعدها راء - هذه النسبة إلى عدة مواضع، وأشهرها عسكر
مكرم، وهى مدينة من كور الأهواز، وأبو أحمد المذكور من هذه المدينة واسمه
الحسن بن عبدالله بن سعيد العسكرى أحد الأئمة فى الأدب والحفظ ، وهو صاحب
"أخبار ونوادر ورواية متسعة، وله التصانيف المفيدة منها كتاب «التصحيف» الذى
جمع فيه فأوعى، وغير ذلك ، وكانت ولادته يوم الخميس لست عشرة خلت من
شوال سنة ثلاث وتسعين ومائتين ، وتوفى يوم الجمعة لسبع خلون من ذى الحجة .
سنة اثنين وثمانين و ثلاثمائة، رحمه الله تعالى! وأخذ عن أبى بكر بن دريد ، انتهى
ومثال التصحيف فى السمع، ما وقع للامام شعبة بن الحجاج فى حديث
رواه أحمد فى مسنده من طريقه قال ((حدثنا محمد بن جعفر ثناشعبة عن مالك
ابن عرفطة عن عبد خير عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن
الدباء والمزفت)) ثم قال فى شأنه ((صحفه شعبة بن الحجاج فقال عن مالك بن
عرفطة وإنما هو خالد بن علقمة)) اهـقال ابن الصلاح : وقد رواه زائدة بن
قدامة وغيره على ما قاله أحمد ، وفى النفس من هذا التمثيل شىء، إذ شعبة بن
الحجاج كيف يسمع اسم شيخه ويتصحف عليه وهو الذى يذكره ??!!
ومثال التصحيف فى اللفظ ما وقع للامام عبدالله بن لهيعة فى حديث زيد
ابن ثابت رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم ((احتجر فى المسجد)) فقد
صحفه فقال ((احتجم فى المسجد)) ومعنى احتجر انخذ حجرة من حصير
أو نحوه.
ومثال التصحيف فى المعنى - والأليق به ألا يجعل ههنا، ويجعل من قبيل
الخطأ فى الفهم - ما وقع الإمام أبى موسى محمد بن المثنى العنزى ، من قبيلة
تسمى عنزة، فى حديث روى فيه أن النبى صلى الله عليه وسلم ((صلى إلى عنزة)).
والعنزة هنا حربة أو عصا كانت قد نصبت بين يدى النبى فصلى إليها فلم يفهم
ذلك أبو موسى حتى روى عنه أنه قال: ((نحن قوم لنا شرف، نحن من عنزة
التى هى قبيلة - قد صلى النبى صلى الله عليه وسلم إلينا))

- ٤٢٢ -
من تاريخ ابن خلكان باختصار كثير ( كتابه المشهور فى ذلك، وهو) أى
التصحيف ( ينقسم إلى تصحيف البصر، وهو الأكثر، وإلى تصحيف السمع ،
وإلى تصحيف المتن) مثاله ما ذكره الدا قطنى أن أبابكر الصولى أملى فى الجامع حديث
أبى أيوب مرفوعا (( من صام رمضان وأتبعه شيئاً من شوال)) بالشين المعجمة والياء
المثناة من تحت، وكقول وكيع فى حديث معاوية ((لعن رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم الذين يشفقون الحَطَب)) بالحاء المهملة - وإنما هو بضم المعجمة، وروى
أن ابن شاهين صحفه كذلك وهو بجامع المنصور، فقال بعض الفلاحين: كيف
فعمل والحاجة ماسة ؟ يشير إلى أن ذلك من حِرْفَته، وصحف بعضهم حديث
((يا أبا ◌ُمَير ما فعل النُّغَر)» إلى ما فعل البعير فروى عمير بفتح المهملة، وهو بضمها
مصغر، وبموحدة فمهملة(١) ، وإنما هو بالنون فعجمة، وهذا النوع واسع جداً.
(و) يقع التصحيف أيضاً (فى الاسناد) مثاله ما روى عن محمد بن جرير
أنه روى عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم من بني سليم وفيه ((عتبة بن البذر)) بالموحدة
والذال المعجمة، وإنما هو بالنون مضمومة والدال المهملة ( وإلى تصحيف اللفظ
كما مثلناه ( وهو الأكثر، وإلى تصحيف المعنى) كما رواه الدارقطنى أن أبا موسى
العنزى قال يوماً: نحن قوم لنا شرف ، نحن من عنزة، قد صلى النبى صلى الله عليه
وسلم إلينا، يريد أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم صلى إلى عنزة، فتوهم أنه صلى
إلى قبيلتهم ، وإنما العنزة هنا الحربة تنصب بين يديه ، وأعجب مارواه الخطابى
عن بعض شيوخه فى الحديث أنه لما روى حديث النهى عن التحليق يوم الجمعة
قبل الصلاة قال ((ماحلقت رأسى قبل أربعين سنة)) فهم منه تحليق الرأس،
وإنما المراد تحليق الناس حلقا كما ذلك مبين فى موضعه
(١) قوله ((وبموحدة فمهملة)) هذا عطف على قوله ((بفتح المهملة»
والمراد أن بعضهم روى (( يا أبا عمير، ما فعل البعير)) لما صحف فى ((البعير
ظن أن الفاصلة الأولى على وزان الثانية ففتح العين ، والصواب فى الرواية
(يا أبا عمير، ما فعل النغير)) بضم العين والنون، والنغير: تصغير تفر، بزنة صرد

- ٤٢٣ -
(٥٧)
مسألة
[ فى مختلف الحديث ]
(مختلف الحديث) أى اختلاف مدلوله ظاهراً ، وهو من أهم الأنواع، يضطر
إليه جميع الطوائف من العلماء، قال السخاوى (هذا (١) فن تكلم فيه الأئمة
(١) نتحدث ههنا على مختلف الحديث . والكلام على ذلك فى ثلاثة مواضع:
الموضع الأول : تعريف مختلف الحديث . الموضع الثانى : منزلة هذا الفن
وأول من ألف فيه ، الموضع الثالث: كيفية التوفيق بين الأحاديث المتعارضة.
مر أما عن الموضوع الأول فنقول:
قال الإمام النووي رحمه الله ((هو أن يأتى حديثان متضادان فى المعنى
ظاهراً فيوفق بينهما أو يرجح أحدهما))
وأما عن الموضع الثانى فقد قال الامام النووى رحمه الله (( وهذا فن
من أهم الأنواع ، ويضطر إلى معرفته جميع العلماء من الطوائف ، ... وإنما
يكمل له الأئمة الجامعون بين الحديث والفقه والأصوليون الغواصون على
المعانى ، وصنف فيه الشافعى رحمه الله تعالى، ولم يقصد استيفاءه، بل ذكر
جملة منه ينبه بها على طريقه )) ١ هـ
وأما عن الموضع الثالث - وهو أهم ما فى هذه المباحث - فإنا نقول:
اعلم أن الحديثين المتعارضين إما أن يكونا فى القوة سواء بأن يكون كل
واحد منهما من الصحة والسلامة بمنزلة الآخر ، وإما أن يكون أحدهما قويا
سليما والآخر ضعيفاً لا يخلو من علّة، فان كانت الثانية لم يعتبر تعارضهما ولم
ينظر إليه، لأن القوى لا تؤثر فيه معارضة الضعيف ، بل يهدر الضعيف
ويترك ويكون العمل للقوى ، وإن كانت الأولى فإما أن يكون الجمع بينهما
ممكنا بأى طريق من طرق الجمع من غير تكاف ، وإما أن يكون ذلك غير
ممكن، فان كان الأول عمل بهما جميعا كل واحد منهما فيها حمل عليه ، وإن

- ٤٢٤ -
٠٠.
٠٠
٠٠٠
كان الثانى فاما أن يعلم تاريخ كل واحد منهما ويكون أحدهما أسبق من الآخر
تاريخا ، وإما أن يجهل تاريخهما، فان كان الأول فالمنقدم منهما منسوخ
والمتأخر ناسخ ويكون العمل له، وإن كان الثانى فأما أن يمكن ترجيح أحدهما
بحال رواته أو بطرق تحملهم أو كيفية روايتهم أو نحو ذلك من طرق الترجيح
المبينة فى علم الأصول، وقدعدها الحازمى خمسين وجها، وزاد عليها العراقى
حتى أوصلها مائة وعشرة، وإما أن يتعذر ذلك، فان أمكن ترجيح أحدهما
فالعمل له، وإن لم يمكن توقف فى العمل بهما جميعا حتى يتبين للناظر وجه
لترجيح أحدهما، وهذا هو المعنى الذى يعبر عنه بقول الأصوليين ((تعارضا
تساقطا)) وقيل: يفتى بواحد منهما، أو يفتى بهذا فى وقت وبالآخر فى وقت
آخر. وقد مثل السيوطي رحمه الله للحديثين المتعارضين اللذين أمكن الجمع بينهما
بحديث رواه مسلم وغيره من حديث جابر ((لاعدوى ولا طيرة)) مع حديث
رواه الشيخان وهو ((فر من المجذوم فرارك من الأسد)) وقد ذكر فى الجمع
بينهما أربع طرق: الأولى - وهى مختار ابن الصلاح - أن هذه الأمراض
لا تعدى بطبعها، لكن الله تعالى قد جعل فى مخالطة المريض للصحيح سببا
لاعدائه مرضه، وقد يتخلف ذلك عن سببه كما فى غيره من الأسباب،
الثانية - وهی مختار ابن حجر رحمه الله - أن نفى العدوی باق على عمومه
والأمر بالقرار من باب سد الذرائع، لئلا يتفق للذى يخالطه شى بتقدير الله
تعالى ابتداء، لا بالعدوى المنفية ، فيظن أن ذلك بسبب مخالطته، فيعتقد
صحة العدوى فيقع فى الحرج، فأمر بتجنبه حسما للمادة، الثالثة - وهى
ما اختاره القاضى أبى بكر الباقلانى - أن إثبات العدوى فى الجذام ونحوه
مخصوص من عموم نفى العدوى؛ فيكون معنى قوله (( لا عدوى )) أى :
إلا من الجذام ونحوه ؛ فكأنه قال بمجموع الحديثين : لا يعدى شىء إلافيما
تقدم تبيينى له أنه يعدى ، الرابعة : الأمر بالفرار ليس مخافة العدوى ، وإنما
هو لرعاية خاطر المجذوم؛ فانه إذا رأى الصحيح السليم عظمت مصيبته
وزادت حسرته ؛ لأن الصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يعرفها إلا المرضى،
وهناك مسالك أخر للجمع بينهما نجترىء منها بهذا القدر .

- ٤٢٥ -
ومما يتصل بهذا الموضوع نوع اتصال الكلام على المحكم والمتشابه من
أنواع الحديث، ورغبة فى استيفاء البحث نرى أن نلم بهما إلمامة يسيرة.
أما المحكم فقد عقد له الحاكم أبو عبد الله فى كتابه ((علوم الحديث))
بابا وعدد نوعا، وهو عبارة عن ((الحديث الذى سلم من معارضة حديث آخر
يناقضه فى المعنى)) وإذا استوفى ما هذه حاله شروط الصحة وجب العمل به
من غير شبهة. وأمثلته كثيرة ؛ لأن أكثر الأحاديث لم يعارضها معارض: منها
حديث ((إن أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يشبهون بخلق الله)) وحديث"
((إذا وضع العشاء وأقيمت الصلاة فابدأوا بالعشاء)) وحديث ((لا شغار فى
الاسلام)) وقد صنف فى هذا النوع عثمان بن سعيد الدارمى كتابا كبيرا.
وأما المتشابه فهو عبارة عن ((الحديث الذى لا يعلم تأويله على وجه الجزم»
وهل يمكن الاطلاع على عامه، أو عامه عند الله ورسوله لا يعلمه إلاهما ! خلاف
بين العلماء، وينبغى للمسلم الورع الذى يتجنب الزلل ويخشى المزالق أن
يسكت عن الخوض فيه، ويترك علمه الذى يعلم السر وأخفى، وقد مثل له
السيوطي رحمه الله بحديث رواه مسلم وأبو داود وغيرهما من حديث الأغر المزنى
وكانت له صحبة عن النبى صلى الله عليه وسلم ((إنه ليغان على قلبى، وإنى
لأستغفر الله فى اليوم مائة مرة)، فهذا الحديث عندالسيوطي من المتشابه، وقد
سئل عنه الأصمعى فقال (( لو كان قلب غير النبى صلى الله عليه وسلم لتكلمت
عليه، ولكن العرب تزعم أن الغين الغيم الرقيق)) اهـ، وذهب بعض العلماء
ممن تعرض لشرح الحديث أن معناه إنه ليغطى على قلبى بأنوار ربانية، فاذا.
أفقت منها وحصل لى أنوار غيرها عددت ذلك ذنبا فأستغفر الله، وهذاشأن
المتطهرين؛ فانه ما من كمال لا وعند الله أكل منه ؛ فكلما ارتقى النبى إلى
. درجة من الكمال حسب لطهارته أن ما كان قبلها ذنوب. وقد مثل السيوطي
المتشابه فى الألفية بحديث آخر ، وهو من الأحاديث المتواترة، وهو حديث
(أنزل القرآن على سبعة أحرف فاقرأوا ماتيسر)) وقال السيوطى فى الاتقان:
سط

-٤٢٦ -
الجامعون بين الفقه والحديث ، وقواعده مقررة فى أصول الفقه) وأول من تكلم
فيه الشافعية ، وكان إمام الأئمة أبو بكر بن خزيمة من أحسن الناس كلاما فيه
( ومن أبوابه فى أصول الفقه باب الترجيح ، وكثير منه يدور على معرفة العموم
والخصوص، مثل قوله صلى الله عليه وسلم فى العموم ((فيما سقت السماء العشر)))
أخرجه أحمد والبخارى وأبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجه، وفيه زيادة ،
فهذا عام لكل كثير وقليل سقى بماء السماء ( مع قوله) صلى الله عليه وآله وسلم
( ((ليس فيما دون خمسة أو سق صدقة))) أخرجه أحمد والشيخان وأهل السنن
فالحديثان ظاهران فى الاختلاف ، والجمع بينهما تقديم الخاص فى العمل على العام
(ونحو ذلك ، وأمثلته مذكورة فى شروح الحديث ) وفى غيرها ، وقد ألف فيه
أبو جعفر الطحاوى ((مشكل الآثار)) وهو من أنفس كتبه، قلت: وألف معانى
الآثار، وفيها من هذا شىء كثير
٥٨
مسألة
[ فى معرفة الصحابة ]
من علوم الحديث (معرفة الصحابة(١) - ومن أنواع علوم الحديث معرفة
((اختلف فى معنى هذا الحديث على نحو أربعين قولا : أحدها : أنه من
المشكل الذى لايدرى معناه ؛ لأن الحرف يصدق فى اللغة على حرف الهجاء
وعلى الكلمة وعلى المعنى وعلى الجهة )) اهـ
(١) نتحدث لك فى هذا الموضع عن معرفة الصحابة، ونرى لزاما علينا
أن نقدم لك بين يدى هذا الحديث تعريف الصحابى واختلاف العلماء فيه ،

- ٤٢٧ -
٠
٦
ثم نذكر مسألة أخرى متعلقة بذلك، وهى: هل يدخل الجن والملائكة فى
الصحابة أولا ؟
أما عن تعريف الصحابى فقد قال العلماء «هو الذی لقی رسول الله صلى الله
عليه وسلم مسلما فى حال حياة الرسول)): فخرج بذلك من لاقاه كافرا
فليس بصاحب لأنه عدوه ، وخرج أيضا من أدرك عصره وآمن به ولكنه
لم يلقه كالنجاشى، وخرج أيضا من لقيه بعد الموت كأبى ذؤيب الذى خرج
من بيته مؤمنا لينقى النبى صلى الله عليه وسلم فدخل المدينة والنبى صلى الله
عليه وسلم ميت ، وشرط بقاء اسم الصحابى أن يستمر مؤمنا حتى يموت على
الايمان؛ فان ارتد بعد لحوق الاسم انقطع عنه حتى يرجع إلى الايمان ؛ فان
مات على الكفر كعبد الله بن جحش زال عنه الاسم ، وقال الحافظ ابن حجر
رحمه الله: ((أصح ماوقفت عليه من ذلك أن الصحابى من لقى النبى صلى الله
عليه وسلم مؤمنابه ومات على الاسلام : فيدخل فيمن لقيه من طالت
مجالسته أو قصرت، ومن روى عنه أو لم يرو ، ومن غزا معه أو لم يغز،
ومن رآه رؤية ولم يجالسه، ومن لم يره لعارض كالعمي)) اهـ . وذهب
الجاحظ إلى أن الصحابى هو ((من لقى الرسول صلى الله عليه وسلم وطالت
صحبته وروى عنه)) وذهب الأصوليون إلى أن الصحابى هو ((من أتى الرسول
وطالت صحبته)) ولم يجعلوا الرواية جزءا من مفهومه ، ونسبوا إلى سعيد
ابن المسيب أنه عرف الصحابى بـ (( من لقى الرسول صلى الله عليه وسلم
وغزا معه أو قضى فى صحبته عاما كاملا)) وقال يحي بن عثمان بن صالح : إن
الصحابى هو الذى أدرك عصر النبى ولو لم يره مادام قد أسلم فى حياته ...
وقد ذكر الحافظ جلال الدين السيوطى بعد تعريف الصحابى وبيان الاختلاف
فى مفهومه أن التابعي بالنسبة للصحابى مثل الصحابى بالنسبة إلى النبى ،
وذلك يتضمن تعريف التابعى بأنه (( الذى لقى الصحابى مؤمنا ومات على
الاسلام)) أى: سواء أطال لقاؤهما أم قصر، وهذا مختار الحاكم وابن الصلاح
والنووى والعراقى .
وأما عن اعتبار الجن والملائكة صحابة إذا رأوه ، فالمختار أن الجن

- ٤٢٨ -
يعتبرون بالايمان به ورؤيته صحابة، دون الملائكة ، قال الحافظ العراقى :
(( الظاهر اشتراط رؤيته فى عالم الشهادة ؛ فلا يطلق اسم الصحبة على من رآه
من الملائكة والنبيين)) وقد استشكل ابن الأثير ذلك بأن الملائكة الذين
لاقوه أولى بالعد فى جملة الصحابة من هؤلاء الجن، وقد أجيب عن هذا
الاشكال بأن الجر من جملة المكلفين الذين شملتهم الرسالة والبعثة بخلاف الملائكة
وتعرف الصحبة بواحد من خمسة أمور: الأول: تواتر ذلك كالخلفاء
لأربعة وبقية العشرة المبشرين بالجنة ونحوهم ، الثاني: الشهرة والاستفاضة
التى لم تبلغ حد التواتر كصحبة ضمام بن ثعلبة وعكاشة بن محصن ، الثالث :
قول صحابى آخر معروف الصحبة كصحبة حممة بن أبى حملة الدوسى الذى
شهد بصحبته أبو موسى الأشعرى، الرابع : قول أحد التابعين الثقات ،
وهذا مبنى على القول بقبول التركية من واحد ، الخامس: ادعاء من حكم له
بالعدالة ممن عاصر النبى صلى الله عليه وسلم لنفسه ذلك ، فان عدالته تمنعه
من الكذب ؛ لاشتمال العدالة على التقوى المنافية لمطلق المعصية، وهذاهو
الأصح عند علماء الحديث، وذهب قوم منهم الآمدى وأبو الحسن بن القطان
إلى أنه لا يقبل ذلك من مدعيه.
وقد اعتاد المصنفون أن يتحدثوا فى هذا الموضع عن مسائل منثورة تتعلق
بالصحابة ، كل واحدة منها تتعلق بهم من ناحية، وترى أن نلم بها بعض الالمام :
الصحابة رضى الله تعالى عنهم كلهم عدول ، سواء فى ذلك من لا بس
الفتن ومن لم يلابسها، وذلك مما لا يشتبه فيه أحد من علماء المسلمين
الذين انتهت إليهم زعامة العلم وعنهم تصدر الآراء والحجج ، وذهب قوم
ممن لا يعتد بخلافهم إلى أنه لافضل للصحابى على غيره ، وأن شأن الصحابة فى
عدالتهم كشأن غيرهم: يبحث عنهم، وقد يكون فيهم غير عدل ، وهو مما لم
يوافق عليه أحد من السادة الأعلام.
وأكثر الصحابة رواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبو هريرة
رضى عنه فقد روى ( ٥٣٧٤ ) أربعا وسبعين حديثا وثلثمائة حديث وخمسة
آلاف حديث ، ويلى أبا هريرة فى ذلك عبد الله بن عمر بن الخطاب رضى الله
عنهما فقد روى (٢٦٣٠) ثلاثين حديثا وستمائة حديث وألفى حديث ، ثم
١

- ٤٢٩ -
أنس بن مالك رضى الله عنه فقد روى (٢٢٨٦) سنا وثمانين حديثا ومائتى
حديث وألفى حديث ، ثم أم المؤمنين عائشة الصديقة زوج النبى صلى الله عليه
وسلم، فقد روت (٢٢١٠) عشرة أحاديث ومائتى حديث وألفى حديث،
ثم البحر عبد الله بن العباس رضى الله عنهما، فقدروى (١٦٦٠) ستين حديثا
وستمائة حديث وألف حديث، ثم جابر بن عبد الله رضى الله تعالى عنهما
فقد روى (١٥٤٠) أربعين حديثا وخمسمائة حديث وألف حديث، ثم
أبو سعيد الخدرى رضى الله عنه، فقد روى ( ١١٧) سبعين حديثا ومائة
حديث وألف حديث ، وليس فى الصحابة من يزيد حديثه على ألف سوى
هؤلاء، والسبب فى قلة ماروى عن الصديق أبى بكر رضى الله تعالى عنه مع
جلالته وتقدمه وملازمته للنبى صلى الله عليه وسلم أنه قد تقدمت به الوفاة
قبل عناية الناس بسماع الحديث وحفظه، وجملة ما روى عنه ( ١٤٢) اثنان
وأربعون حديثا ومائة حديث .
.ثم إن أكثر الصحابة فى الفتاوى البحرابن عباس وعمر بن الخطاب وعبدالله
ابن عمر وأم المؤمنين عائشة وعبد الله بن مسعود وزيد بن ثابتو على بنأبى
طالب رضى الله تعالى عنهم، وبعد هؤلاء السبعة عشرون صحابيا فتواهم أقل
من فتوى هؤلاء السبعة ، ويمكن أن تجمع فتاوى كل واحد منهم فى جزء
صغير، وهم أبو بكر وعثمان وأبوموسى ومعاذوسعد بن أبى وقاص وأبو هريرة
وأنس وعبد الله بن عمرو وسلمان وجابر وأبو سعيد وطلحة والزبيروعيد الرحمن
ابن عوف وعمران بن حصين وأبو بكرة وعبادة بن الصامت ومعاوية وابن
الزبير وأم سلمة، رضى الله عنهم أجمعين! وبعد هؤلاء جماعة من الصحابة لهم
فناوى قليلة جدا ، وقد عدهم قوم فبلغوا مائة وعشرين صحابيا .
وقد حفظ القرآن عن ظهر قلب جماعة من الصحابة فوق الثلاثين ، وقد
جمعهم بعض العلماء فذكر منهم الخلفاء الأربعة والعبادلة الأربعة وطلحة وسعدا
وابن مسعود وحذيفة وسالما وأبا هريرة وعبدالله بن السائب وعائشة ومحفصة
وأم سلمة وأبى بن كعب وزيد بن ثابت ومعاذ بن جبل وأبا الدرداء وسعيد

٠٠
- ٤٣٠ -
١
أبن عبيد وعبادة بن الصامت وتميما الدارى وعقبة بن عامر و أباموسى الأشعرى.
واشتهر بين العلماء إطلاق لفظ العبادلة على أربعة من الصحابة كل واحد
منهم اسمه عبد الله ، وهم: عبد الله بن العباس ، وعبد الله بنعمر بنالخطاب،
وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن الزبير ، وليس ممن يدخل فى العبادلة
عبد الله بن مسعود رضى الله عنه عند إطلاق اللفظ
وقد روى البخارى عن كعب بن مالك أنه قال : أصحاب رسول الله
صلى الله عليه وسلم كثير لا يجمعهم كتاب حافظ. وروى الخطيب أن رجلا
قال لأبى زرعة: أليس يقال حديثه صلى الله عليه وسلم أربعة آلاف حديث؟
فقال أبو زرعة له : من قال هذا؟ قلقل الله أنيا به ! هذا قول الزنادقة، ومن
بحصى حديثه صلى الله عليه وسلم وقد قبض عن مائة ألف وأربعة عشر ألفا من
الصحابة ممن روى عنه وسمع منه؟ فقيل له : هؤلاء أين كانوا وأين سمعوا؟
قال : أهل المدينة ومكة والأعراب ومن شهد معه حجة الوداع ، كل رآه
وسمع مِنه بعرفة .
واعلم أن أول من صنف كتابا فى الصحابة هو الامام أبو عبد الله البخارى
صاحب الصحيح ، ثم تلاه الذين بعده كابن حبان وابن منده وأبى موسى
المدينى وأبى نعيم العسكرى وابن عبد البر وابن الأثير الجزرى ، وكتاب ابن
الأثير من أشهر الكتب فى هذا الفن واسمه ((أسد الغابة)) فلما جاء الحافظ
ابن حجر مجمع غالب ما فى تلك الكتب فى كتابه الجامع الذى سماه ((الاصابة
فى تمييز الصحابة)» وأكثر من الجمع والتحرير، وقد لخصه السيوطى فى
كتاب سماه ((عين الاصابة))
وقد اصطلح العلماء على تقسيم الصحابة إلى طبقات ، والطبقة جماعة من
الناس تتفق فى شىء واحد ، وقد اختلف المحدثون فى تعداد طبقات الصحابة.
لجعلها ابن سعد فى كتابه ((الطبقات)) خمسا، وذهب قوم إلى جعلها اثنتى
عشرة طبقة، وزاد بعضهم على ذلك؛ فالطبقة الأولى الذين أسلموا بمكة
وسبقوا بالإسلام كالخلفاء الأربعة ، ويلى هؤلاء الذين أسلموا قبل تشاور قريش
فى دار الندوة على المكر بالنبى صلى الله عليه وسلم، ويديهم الذين هاجروا

- ٤٣١ -
،
٠٠.
٠٠٠
.
للحبشة ، ويليهم أهل العقبة الأولى ، ثم أهل العقبة الثانية، وأكثر هاتين
الطبقتين من أهل المدينة ، ثم أول المهاجرين الذين لقبوا بذلك قبل دخول
المدينة ، ثم أهل بدر ، وهم ثلثمائة وبضعة عشر ، ثم الذين هاجروا إلى المدينة
بعد غزوة بدر وقبل الحديبية، ثم أهل بيعه الرضوان فى الحديبية، ثم الذين
هاجروا بعد صلح الحديبية وقبل فتح مكة كخالد بن الوليد وعمر و بن العاص،
ثم الذين أسلموا فى فتح مكة، ثم الصبيان والأطفال الذين رأوا النبى صلى الله
عليه وسلم يوم الفتح وفى حجة الوداع ؛ فتلك اثنتا عشرة طبقة .
وقد أجمع من يعتد باجماعه من المسلمين على أن أفضل الصحابة على الاطلاق
أبو بكر : صديق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصاحبه فى الغار ، ولا
مبالاة بأهل الشيع والأهواء، وبعده فى الفضل أبو حفص عمر بن الخطاب
الفاروق، وعده ذو النورين شهيد الدار عثمان بن عفان ، وبعده الليث المغوار
أمير المؤمنين على بن أبى طالب، ومنهم من يقدمه على عثمان، ثم من بعد هؤلاء
الأربعة بقية العشرة المبشرين بالجنة ، وهم: سعد بن أبى وقاص ، وسعيد بن
زيد، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام ، وعبد الرحمن بن عوف ،
وأبو عبيدة بن الجراح ، ثم بعد هؤلاء من شهد بدرا من الصحابة، ثم من
بعدهم من شهد غزاة أحد ، ثم من حضر بيعة الرضوان فى الحديبية.
وأجمع المسلمون على أن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار أفضل
ممن جاء بعدهم: كل سابق من نوع أفضل من كل متأخر من نوعه ، واختلفوا
فى المراد بالسابقين: فقيل: أهل بيعة الرضوان، وقيل: من صلى إلى القبلتين
الكعبة وبيت المقدس ، وقيل : أهل بدر ، وقيل : من أسلم قبلا.
وقد اختلف المسلمون فى أول المسلمين إسلاما: فقيل : أبو بكر ، وقيل:
خديجة ، وقيل : زيد بن حارثة ، وقيل: على ، وقيل: خباب بن الأرت ،
والذى ذهب إليه المحققون ومنهم ابن الصلاح والنووى الجمع بين هذه الأقوال
بأن نقول: أول من أسلم من الرجال أبو بكر، ومن النساء خديجة، ومن
الصبيان على ، ومن الموالى زيد بن حارثة ، ومن الأرقاء بلال .
٠٠٠
٠٠
٠٠٠
٠

- ٤٢٢ -
٠٠
وأجمع المسلمون على أن أفضل أمهات المؤمنين خديجة بنت خويلد وعائشة
بنت أبى بكر الصديق ، ثم حفصة بنت عمر ، ثم من عداهن منهن ، واختلفوا
فى أية الأوليين أفضل من الأخرى : فذهب السبكى وقوم إلى تفضيل
خديجة ، وذهب قوم إلى تفضيل عائشة ، وذهب آخرون إلى التوقف فى
ذلك ، وحكي عن العلماء خلاف فى: هل عائشة أفضل أم فاطمة بنت رسول
الله صلى الله عليه وسلم ؟ ولهم فى ذلك ثلاثة أقوال: صحح الأسيوطى والتقى
السبكى أن فاطمة أفضل ، وقيل : عائشة أفضل ، وقيل بالتوقف .
واتفق العلماء على أن آخر الصحابة وفاة على الاطلاق أبو الطفيل عامربن
وائلة اليثى، جزم بذلك مسلم بن الحجاج والمزى وابن منده، وقد توفى
أبو الطفيل بمكة سنة مائة من الهجرة وقيل اثنتين ومائة، وقيل سبع ومائة ؛
وهو آخر من مات بمکة من الصحابة بلا تردد ، وقال ابن أبى داود : آخر
من توفى فى مكة من الصحابة جابر بن عبد الله الأنصارى، ولكن المشهور
وفاة جابر بالمدينة ، فالخلاف فى مكان الوفاة ، وآخر من توفى بالمدينة من
الصحابة السائب بن يزيد سنة ثمانين، وقيل: سنة ست وثمانين ، وقيل : سنة
إحدى وتسعين . وقال ابن المدنى : آخر من توفى بالمدينة من الصحابة سهل
بن سعد الأنصارى سنة ثمان وثمانين . وآخر من مات بالبصرة من الصحابة
أنس بن مالك سنة إحدى أو اثنتين أو ثلاث وتسعين . وآخر من توفى
بالكوفة منهم عبد الله بن أبى أوفى سنة ست أو سبع أو ثمان وثمانين من
الهجرة وهو آخر من مات من أهل بيعة الرضوان ، وقيل: آخر الصحابة وفاة
بالكوفة عمرو بن حريث ، بناء على أن وفاته سنة ثمان وتسعين ، والأشهر أنه
مات سنة خمس وثمانين ، وقال ابن المدينى : آخر من مات بالكوفة أبو
جحيفة، وهو خطأ، لأن وفاة أبى ججيفة سنة ثلاث وثمانين. وآخر من
مات بالشام من الصحابة أبو أمامة صدى بن عجلان الباهلى ، وقيل: عبد
الله بن بسر المازنى، وهو آخر من مات ممن صلى إلى القبلتين ، وقيل : واثلة
بن الأسقع . وآخر الصحابة موتا بمصر عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدى
سنة خمس أو ست أو سبع أو ثمان أو تسع وثمانين . وآخرهم موتا بالبادية

- ٣٣ :-
الصحابة - رضى الله عنهم ! - ) بأسمائهم وأحوالهم ، قال أبو عمر بن
عبد البر فى الاستيعاب : ولاخلاف علمته بين العلماء أن الوقوف على معرفة
أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من أو كد علم الخاصة وأرفع علم الخير، وبه
ساد أهل السير ، وما أظن أهل دين من الأديان إلا وعلماؤهم يعتنون بمعرفة أصحاب
أنبياتهم، لأنهم الواسطة بينهم وبين نبيهم، انتهى، مععرفة الصحابة فن جليل،
وفائدته التمييز للرسل، والحكم لهم بالعدالة، ونحو ذلك (و) معرفة (طبقاتهم) وهى
اثنتاعشرة طبقة: الأولى: من تقدم إسلامه بمكة، الثانية أصحاب دار الندوة ، الثالثة
المهاجرة إلى الحبشة، الرابعة : بيعة العقبة الأولى، الخامسة : بيعة العقبة الثانية،
السادسة المهاجرون الذين وصلوا إليه صلى الله عليه وآله وسلم بقباء قبل دخوله المدينة،
سلمة بن الأكوع. وآخرهم موتا بالطائف عبد الله بن العباس. وآخر همموتا
بأصبهان النابغة الجمدى . وآخرهم موت بالجزيرة محمال الموصل العرس بن عميرة
الكندى . وآخرهم موتاببرقة رويفع بن ثابت الأنصارى سنة ثلاث أو ست
وستين. وآخرهم موتا باليمامة الهرماس بن زياد الباهلى. وآخرهم موتابسمرقند
الفضل بن العباس . وآخرهم موتا بسجستان العداء بن خالد بن هوذة .
وقد ذكر النووى فى التدريب أن العلماء لا يعرفون صحابيا شهد بدرا
وشهدها أبوه معه إلا مرتدا ، فإنه شهدها وشهدها معه أبوه أبو مرتد بن
الحصين الغنوى رضى الله عنهما. وذكر البغوى فى الصحابة أن معن بن يزيد
ابن الأخنس السلمي شهد بدرا وشهدها معه أبوه يزيد وجده الأخنس ، قال
ابن الجوزى : ولا يعلم ذلك لغيرهم .
وليس فى الصحابة من هو وابنه وطبقتان من بعد ذلك من نسله كلهم
صحابة إلا حارثة وابنه زيد بن حارثة مولى رسول الله وابنه أسامة بن
زيد وابنه، وكذلك أبو قحافة وابنه أبو بكر الصديق وابنته أسماء بنت
أبى بكر وابنها عبد الله بن الزبير كلهم صحابة» وأيضاً أبو قحافة وابنه
أبو بكر وابنه عبد الرحمن وابنه محمد كنهم صحابه)، ومثلهم إياس بن سلمة
ابن عمرو بن الأكوع كلهم ذكروا فى الصحابة ، ومثلهم طلحة بن معاوية بن
خالد بن العباس بن مرداس ، وقد ذكر العلماء لهذا أمثلة أخرى .
(٢٨ - تنقيح ٢)

- ٤٣٤ -
السابعة أهل بدر ، الثامنة المهاجرون بين بدر والحديبية ، التاسعة أهل بيعة
الرضوان ، العاشرة المهاجرون بين الحديبية وفتح مكة، الحادية عشرة مسلمة
الفتح ، الثانية عشرة صبيان وأطفال رأوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم
الفتح وفى حجة الوداع وغيرهما
(وقد صنف فى ذلك ) أى معرفة الصحابة (غير واحد من الحفاظ) ثال
الحافظ ابن حجر: إن البخارى أول من صنف فى ذلك فيا علم، وصنف شيخه
على بن المدينى فى ذلك (كابن حبان وابن منده وابن عبدالبر) ألف الاستيعاب
قال النووى: إنه من أحسنها وأكثرها فوائد لولا ماشابه بما شجر بين الصحابة
وحكايته عن الاخباريين ، قال السخاوى: واختصر محمد بن يعقوب الخليلى
الاستيعاب وسماه ((إعلام الاصابة بأعلام الصحابة)) وألف أبوالحسن على بن محمد
الجزرى ابن الأثير، أخو أبى السعادات صاحب النهاية فى الغريب، كتاباً حلقلا
سماه ((أسد الغابة)) جمع فيه عدة من الكتب السابقة فى هذا الفن وعليه المعول لمن
جاء بعده، حتى اختصره كل من النووى والكاشغرى (و) جاء الحافظ (الذهبى)
فاقتصر على تجريده وزاد زين الدين عليه عدة أسماء (وغيرهم) وقد عد السخاوى
أنه ممن ألف فى الصحابة ، ثم قال : إنه يعسر حصرهم ، ثم قال: وقد انتهب
شيخنا يريد الحافظ ابن حجر لجمع ماتفرق من ذلك، وانتصب لفتح المغلقمنه
على السالك، مع تحقيق لغوامض، وتوفيق بين ما هو بحسب الظاهر كالمتناقض،
وزيادات جمة، وفوائد مهمة، فى كتاب سماه ((الاصابة)» جعل كل حرف منه غالباً
على أربعة أقسام ، ثم سرد بقية الأقسام، وقال: إنه مات ولم يأت بالمهمات
(ومن مهمات هذا الباب ) أى باب معرفة الصحابة (القول بعدالة الصحابة
كلهم فى الظاهر) واعلم أنه استدل الحافظ ابن حجر فى أول كتابه ((الإصابة»
على عدالة جملة الصحابة فقال : الفصل الثالث فى بيان مسرفة حال الصحابة من
العدالة ، اتفق أهل السنة على أن الجميع عدول، ولم يخالف فى ذلك إلا شقوذ

- ٤٣٥ -
من المبتدعة ، وقد ذكر الخطيب فى الكفاية فصلا نفيساً فى ذلك فقال : عدالة
الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم، وإخباره عن طهارتهم ، واختياره لهم، فمن
ذلك قوله (( كنتم خير أمة أخرجت للناس)) وقوله «وكذلك جعلنا كم أمة وسطاً»
وقوله ((لقد رضى الله عن المؤمنين إذيبايعونك تحته الشجرة، فعلم ما فى قلوبهم)
وقوله ((والسابقون الأولون - إلى آخر الآية)) وقوله ((يا أيها النبي حسبك الله ومن
اتبعك من المؤمنين)) وقوله ((للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم - إلى
قوله : إنك رؤف رحيم » إلى آيات كثيرة ، وأحاديث شهيرة، یکثر تعدادها ،
وجميع ذلك يقتضى القطع بتعديلهم، ولا يحتاج أحداً منهم مع تعديل الله له إلى تعديل
أحد من الخلق، على أنه لو لم يرد من الله ورسوله شىء مماة كرناه لأوجبت الحال التى
كانوا عليها -من الهجرة، والجهاد، ونصرة الأسلام، وبذل المهج والأموال، وقتل
الآباء والأولاد ، والمناصحة فى الدين ، وقوة الإيمان اليقين - القطع بتعديلهم
والاعتقاد لنزاهتهم، وأنهم أعدل من جميع المخالفين بعدهم الذين يجيئون من
بعدهم، هذا مذهب كافة العلماء ومن يعتمد قوله، والأحاديث الواردة فى تفضيل
الصحابة كثيرة، فمن ذلكمارواه الترمذى وابن حبان فىصحيحهمن حديث عبدالله
ابن المفضل قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الله الله فى أصحابى، ولا تتخذوهم
غرضاً ، فمن أحببم فبحبى أحبهم ، ومن أبغضهم غيفضى أبغضهم، ومن آداهم
فقد آذانى، ومن آذانى فقد آذى الله ، ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه))
وقال أبو محمد بن حزم : الصحابة كلهم من أهل الجنة قطعاً ، قال الله تعالى
((لا يستوى منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل ـ إلى قوله: وكلا وعد الله الحسنى)
وقال: (( إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون)) فثبت أن الجميع
من أهل الجنة، وأنه لا يدخل أحد منهم النار، لأنهم التخاطبون بالآية السابقة، اهـ
قال المازري متعقبا: فان قيل: التقييد بالانفاق والقتال يخرج من لم يتصف
بذلك، وكذلك التقييد بالاحسان فى الآية السابقة يخرج من لم ينصف بذلك،

- ٤٣٦ -
وهى أصرح آية فى المقصود، ولهذا قال المازري: لسنا نعنى بقولنا(( الصحابة عدول))"
كل من رأى النبي صلى الله عليه وسلم يوما أو رآه لأمر ما أو اجتمع به لغرض
وانصرف، وإنما نعنى بهم الذين لازموه وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذى أنزل
معه ، أولئك هم المفلحون، انتهى.
والجواب عن ذلك أن التقييدات المذكورة خرجت مخرج الغالب ، وإلا
فالمراد من الصف بالأنفاق والقتال بالفعل أو القوة، اه كلام الحافظ فى أوانى
كتابه الاصابة.
قلت: ولا يخفى ضعف الجواب على كلام المازرى، وأن كلامه هو الأوضع
الجارى على الحقيقة، وابن حجر حمل الآية على المجاز، وهو زحلقة لها عما سيقت
له من بيان التفرقة بين من أنفق وقاتل بالفعل وبين من لم ينفق ولم يقاتل، وأنيج
حجر جعل الأمرين على سواء، ثم حديث ((خلوا أصحابى)) ونحوه يرد هذا
التأويل ردا صريحاً ، ويأتى للمصنف الاستدلال على عدالة مجهول الصحابة
(إلا من قام الدليل على أنه فاسق تصريح) ولما كان هذا الاستثناء منكرا لأن
أهل الحديث يطلقون القول بعدالتهم من غير استثناء، قال المصنف (ولا بده)
هذا الاستثناء على جميع المذاهب ، وأهل الحديث وإن أطلقوا القول بسمائها
الصحابة كلهم) عند الاجمال (فانهم يستثنون مَنْ هذه صفته) عند تفاصيله
لأفراد الصحابة ( وإنمالم يذكروه) فى مقام الاجمال (لندوره) فنزلوا النادرة
العدم ( فانهم قد بينوا ذلك) الاستثناء ( فى كتب معرفة الصحابة) ولما كل
قد يستبعد أنهم فعلوا ذلك قال (وقد فعلوا مثل هذا) أى الاطلاق مع إرادة.
(فى قولهم إن المراسيل لا تقبل على الاطلاق من غير استثناء ، مع أنهم يقيلون
مراسيل الصحابة ، وبعضهم يقبل ما علقه البخارى بصيغة الجزم) وهو مرسل
(و) يقبل البعض منهم ( ما حكم بعض الحفاظ بصحة إسناده وإن لم يبين إستا
ونحو ذلك من المسائل) وقد زاد المصنف هذه الدعوى بيانا بقوله (وأنا أشوا).

-٠ ٤٣٧ -
أي من كتبهم ( نصوصهم على ذلك ، لتعرف صحة ما ذكرته من الاجماع على صحة
هذا الاستثناء ، فمن ذكروه بالفسق الصريح الوليد بن عقبة ) ابن أبى معيط
من بنى عبد شمس بن عبدمناف، كان الوليد أخاً لعثمان بن عفان من قبل أمه ،
أسلم عام الفتح ، قال ابن عبدالبر: وأظنه يومئذقد ناهز الاحتلام ، قال ابن عبدالبر:
وولاء عثمان بن عفان الكوفة، وعزل عنها سعد بن أبى وقاص ، فلما قدم الوليد
على سعد قال سعد: والله ما أدرى أ كِسْتَ بعدنا أم حمقْنًا بعدك ؟(١) ، قال:
لا تجزعن أبا إسحاق إنما هو الملك يتغداه قوم ويتمشاه آخرون ، قال سعد :
أراكم والله ستجعلونها ملكا، انتهى (فانه ثبت فى صحيح مسلم وغيره أنه شرب
الخمر، وقامت عليه البينة، وأمر عنان بحده، وحده على شربها) قال ابن عبدالبر
فى الاستيعاب: أخباره فى شربه الخمر كثيرة مشهورة، ونذكر منها طرفا، ذكر عمر
ابن شبة حدثنا هرون بن معروف حدثنا ضمرة بن ربيعة عن ابن شوذب قال :
صلى الوليد بأهل الكوفة صلاة الصبح أربع ركعات، ثم النفث فقال: أزيدكم؟
فقال عبد الله بن مسعود رضى الله عنه: مازلنا معك فى زيادة منذ اليوم ، ثم ساق
بسنده أنه قال الخطيئة فى القصة :
شهد الخطيئة يوم يلقى ربه
نادى وقد تمت صلاتهم
فأبوا أبا وهب ولو أذنوا
كفوا عنانك إذ جريت ولو تركوا عنانك لم تزل تجرى
وذكروا له شعراً غير هذا فى ذلك .
أن الوليد أحق بالعذر
أأزيدكم سكراً ولم يدر
لجمعت بين الشفع والوتر
قال ابن عبد البر: وقدله ((أزيدكم)) بعد أن صلى الصبح أربعا مشهور من.
رواية الثقات من نقلة الحديث والأخبار ، قال: وقدم على عثمان رجلان فشهدا عليه
أنه شرب الخمر وأنه صلى بهم الفجر أربعاً، فقال عثمان لعلى عليه السلام : أقم
(١) وقع فى الأصلين ((ما أدرى ألست بعد أيام جمعنا بعدك» وهو تحريف شنيع

- ٤٣٨ -
الحد عليه، فقال على عليه السلام لابن أخيه عبد الله بن جعفر: أقم عليه الحد،
فأخذ السوط فجلده، وعثمان يعد، حتى بلغ أربعين (وذكره بشرب الخمر الذهبى
وابن عبد البر وغيرهما، قال ابن عبد البر فى الاستيعاب: له أخبار فيها نكارة
وشناعة نقطع على سوء حاله وقبح فعاله ، وحكى) ابن عبد البر فى الاستيعاب
(عن أبى عبيدة والأصمعى وابن الكابى وغيرهم أنهم كانوا يقولون: إنه كان فاسقا
بشرب الخمر، قال أبو عمر: وأخباره فى شربه الخمر ومنادمته أهلها مشهورة
يسمج بنا ذكرها) كأنه يريد استيعابها وإلا فقد سمعت ماذكره منها (وقال أحمد
ابن حنبل فى الحديث الذى فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يمسه ولم يدع
له: إن الوليد منع بركة رسول الله صلى الله عليه وسلم لسابق علمه فيه ، هذا كلام
إمام أهل الحديث والسنة) قلت : يشير المصنف إلى ماقاله ابن عبدالبرفيما رواه
من طريق جعفر بن برقان عن ثابت عن أبى موسى الهمذانى ويقال الهمدانى
كذلك ذكره البخارى على الشك عن الوليد بن عقبة أنه لما افتتح رسول الله
صلى الله عليه وسلم مكة جعل أهل مكة يأتونه بصبياهم فيمسح على رؤسهم
ويدعو لهم بالبركة ، فأتى بى إليه وأنا متضمخ بالخلوق، فلم يمسح على رأسى من
أجل الخلوق، لكنه قال ابن عبد البر: قالوا وأبو موسى هذا مجهول ، والحديث
منكر مضطرب لا يصح، ولا يمكن أن يكون [ مَنْ ] يبعث مصدقاً فى زمن رسول
الله صلى الله عليه وسلم صبياً يوم الفتح، انتهى
قلت : يعنى أنه ثبت بلا تردد أنه صلى الله عليه وسلم بعث الوليد لأخذصدقات
بني المصطلق، وعاد يزعم أنهم ارتدوا وأنزل الله ((إن جاءكم فاسق بنبأ)) الآية،
فكيف يكون صبياً سنة ثمان وهو عام الفتح، وذكر ابن عبد البر غيرهذا ممايدل
على فساد الخبر، وما كان يحسن من المصنف عدم الاشارة إلى ذلك وإيهام صحته
(وذكر الذهبي فى النبلاء وابن عبد البر فى الاستيعاب وغيرهما أنه سكر
صلى بأصحابه الفجر أربعاً، ثم التفت إليهم وقال: أزيدكم) تقدمت

--- ٤٣٩ -
القصة قريباً (وذكر الذهبى أنه) أى الوليد (قال لعلى عليه السلام: أنا أحتُمنك
سنانا وأذرب) بالذال المعجمة فراء فموحدة- حدة اللسان ( لسانا، وأشجع جنانا،
فقال) على عليه السلام ( اسكت، فأنما أنت فاسق، فنزلت (( أفمن كان مؤمنا
كمن كان فاسقا لا يستوون» قال الذهبي : إسناده قوى ، وقال ابن عبد البرفى
كتابه الاستيعاب : لاخلاف بين أهل العلم بتأويل القرآن فيما علمت أن هذه
الآية نزلت فى الوليد) ظاهره أن المراد بالآية ((أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا
لايستوون)) ولكن لفظ ابن عبد البر فى الاستيعاب: لاخلاف بين أهل العلم
بتأويل القرآن فيما علمت أن قوله تعالى ((ياأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ
فتبينوا)) نزلت فى الوليد بن عقبة، انتهى. ثم ذكر من حديث الحكم عن سعيد
ابن جبير عن ابن عباس أنها نزلت فى على بن أبى طالب عليه السلام والوليد
ابن عقبة فى قصة ذكرها ((أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقا لا يستوون)» انتهى.
فقوله ((لاخلاف بين أهل العلم)) فى الآية الأولى، نعم ليس فى الدر المنثور فى
سبب نزول الآيتين رواية أنهما فى غير الوليد، فهما فيه اتفاقا، فانبالووردت
رواية أنهما أو إحداهما نزات فى غيره لرواها ، فانه متوسع فى النقل لاأظن أحدا
بلغ مبلغه فى ذلك ، وذكر المصنف فى العواصم كلام ابن عبد البر على
الصواب فأصاب
(قلت): (من ذكر ذلك الواحدى فى أسباب النزول والوسيط والقرطبي
وصاحب عين المعانى وعبد الصمد الحنفى والرازى فى تفاسيرهم لم يذكر أحد نهم
سواه مع توسعهم فى النقل، فهذا أوضح دليل على ظهور الأمر عند أهل السنة فى
جرح الوليد وفسقه، وقد اعترضهم بعض الشيعة) كأنه يريد شيخه السيد على بن محمد
ابن أبى القاسم (بتعديله) أى بتعديلهم إياه (وزعم أنهم رووا حديثه فى الصحاح
ووهم على انقوم فى ذلك) أى فى الأمرين ، وهو تعديلهم إياه ، فانه تقدم ذكرهم
له بالفسق، فأين التعديل ؟ وكونهم رووا حديثه فى الصحاح فانها إذا أطلقت

- ٤٤٠ _
أريد بها صحيح البخارى وصحيح مسلم، ولم يخرجاله، ولارويا عنه (وإنماروی
له أبو داود) وليس كتابه من الصحاح عندهم، بل من السنن الأربع (حديثا
واحداً فى كراهية الخلوق الرجال) تقدم الحديث، وماقيل فيه آنفاً ( ولم يروله
إلا متابعة) وقد عرفت أنهم يتساهلون فى المتابعات ( بعد أن روى هذا المعنى)
وهو كراهية الخلوق (من طرق كثيرة) وقد استوفاها المصنف فى العواصم وحققها
(قدر الست) بل هى ست كمافى العواصم ( فيها طريق صحيحة عن أنس ) فانه
أخرجها مسلم فى صحيحه والترمذى والنسائى كما قاله المصنف فى العواصم
(وبقيتها) أى الطرق، وهى خمس (شواهد) وقال ابن عبد البر فى ترجمة الوليد
فى الاستيعاب: إنه لم يرو الوليد بن عقبة سنة يحتاج إليه فيها
(وممن ذكروه) أئمة الحديث (بالفسق بسر) بضم الموحدة فسين مهملة
(ابن أبى أرطاة) بفتح الهمزة فراء، القرشى، قال ابن عبد البر: يقال: إنه لم
يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم قبض وهو صغير، هذا قول الواقدى وأحمد
وابن معين وغيرهم ، قال فى الاصابة عن الواقدى : إنه ولد قبل وفاة النبى صلى الله
عليه وسلم بسنتين (حكى ابن عبد البر عن الدارقطنى أنه قال: كان له صحبة، ولم
يكن له استقامة بعد النبى صلى الله عليه وآله وسلم) لم أجد هذا اللفظ عن
الدارقطنى فى الاستيعاب، إلا أن النسخة التى عندى منه لا تخلو عن الخطأ والغلط؛
نعم لم أجد هذا فى الاصابة للحافظ ابن حجر مع توسعه فى النقل ، وإنما نقل عن
الدارقطنى أن لبسر صحبة فقط، ولكنى أظن أنه حذف قوله ((ولم تكن
له استقامة)» لكونه يرى أنه لا يخاض فيما شجر بين الصحابة، فانه قال فى ترجمته:
والفتن لا ينبغى التشاغل بها ، وله غلو فى الصحبة حتى قال فى مروان : يقال له
رؤية، فان ثبتت فلايعرج على من تكلم فيه، هذا لفظه فى مقدمة فتح البارى،
وجزم فى التقريب بأنها لم تثبت له صحبة ، وفى كلام الحافظ ما يدل على أنه إذا
ثبت أن مر وان صحابى ولو بالرؤية فإنه لا يقدح فيه أى جرح ، وهو ينافى