Indexed OCR Text
Pages 401-420
- ٤٠١ - الخطأ، فان الطالبين يتفاوتون فى الاتقان، والغالب عدم الأتقان ، فاذا كثرت الوسائط ووقع من كل واسطة تساهل كثر الخطأ والزلل ، وإذا قلت الوسائط قل انتهى (وهذا) أى تفضيل العالى ( كله مع الثقات أما إذا كان العالى ضعيفاً فالنازل خير منه بغير شك ) قال ابن دقيق العيد ، وحينئذ فمحل الخلاف عند التساوى فى جميع الأوصاف ما عدا العلو واعلم أنهم قسموا العلو إلى خمسة أقسام ذكرها الزين فى نظمه وشرحه (١) ٠٥٥ (٥٤ ) مسألة [فى بيان الغريب والعزيز والمشهور] (الغريب والعزيز والمشهور (٢)) قسم الحافظ ابن حجر فى النخبة الحديث (١) وقد ذكرناها مفصلة فى حواشينا على هذا الكتاب ( ص ٣٩٦) وفيما كتبناه شرحا على ألفية السيوطي فى علوم الحديث . والحمد لله والمنة، وبه الحول والقوة (٢) نذكر لك فى هذا الموضع خمسة أنواع من الحديث بين بعضها من الصلة مالا يصح معها إفراد واحد منها عن أخواته ، وباجتماع بعضها إلى بعض تتضح حقيقة كل واحد منها تمام الاتضاح ، ونبين لك ماعسى أن يكون للعلماء من الاختلاف فى بيان حقيقة بعض هذه الأنواع، ثم تبين لك انقسام كل منها إلى الصحيح والضعيف . أما هذه الأنواع الخمسة فهى : الغريب ، والعزيز ، والمشهور ، والمستفيض، والمتواتر ، وقد عنون المصنف لثلاثة منها، وتكلم على أربعة. وأما تعريفاتها فالغريب: لغة صفة مشبهة بمعنى المنفرد أو البعيدعن أقاربه (٢٦ - تنقيح ٢) - ٤٠٢ - ٠٠ ٠٠٠ ٠٠, ٠٠٠ ٠٠٠ ٠٠٠ وفى الاصطلاح عبارة عن ((الحديث الذى تفرد راويه بروايته عمن يجمع حديثه لضبطه وعدالته كالزهرى وقتادة وأشباههما)) وإنما سمي غريبا لأنه حينئذ كالغريب الوحيد الذى لا أهل عنده، أو لبعده عن مرتبة الشهرة فضلا عن التواتر ، وأنت ترى أنهم اشترطوا فيه أن يكون المروى عنه ممن تجمع رواياته ويقبل عليه المحدثون ، ومع هذا فقد تفرد عنه واحد، وبهذا الشرط يفارق الفرد الظاهر، وإن كانت الحقيقة أنه لا فرق بينهما . وأما العزيز فهو لغة صفة مشبهة مشتقة من العزة وهي القوة والشدة والغلبة تقول عز يعز - بكسر عين المضارع - إذا صار عزيزا، وتقول عز يعز - بالفتح - إذا اشتد ، وهو فى الاصطلاح عبارة عن (( الحديث الذى رواه اثنان عن اثنين)) وقال ابن حجر: ((هو الذى لا يرويه أقل من اثنين عن اثنين ، وسمي بذلك إما لقلة وجوده وإما لكونه عز - أى: قوى-بمجيئه من طريق أخرى، وليس شرطا للصحيح، خلافا لأبى على الجبائى من المعتزلة)) اهـ كلامه بحروفه ، وبين عبارته وعبارة السيوطي فى ألفيته فرق حيث يقول السيوطى فى الألفية : له. طريقان فقط له خذا والذى . ثلاثة مشهورا وسم العزيز ، والذی رواه فان عبارة ابن حجر تصدق على ما يرويه ثلاثة ، وهو صريح عبارة الأمام النووى رحمه الله حيث يقول ((فان انفرد منهم اثنان أو ثلاثة سمى عزيزا)) اهـ وأما المشهور فهولغة اسم مفعول من ((شهرت الأمر)) من باب قطع - إذا أعلنته وأوضحته. وقد اختلف العلماء فى حده اصطلاحا: فمنهم من ذهب إلى أنه ((الحديث الذى رواه ثلاثة)) ومنهم من ذهب إلى أنه ((الحديث الذى شاع عند أهل الحديث أو عندهم وعند غيرهم بأن نقله رواة كثيرون )» نحو حديث أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قنت شهرا يدعو على وعل وذكوان، وسيأتى إيضاح هذا التعريف، وهو يباين المستفيض على التعريف الأول الآتى، ومن الناس من عرف المشهور بأنه ((الحديث الذى يرويه ثلاثة أو - ٤٠٣ - ٠٠. ٠٠٠ ٠٠٠ أكتر)) ويخص المستفيض بالأكثر من الثلاثة، وعلى هذا يكون المشهور أعم من المستفيض، وقد ذكر السيوطى أن الأصح تخصيص المستفيض بالأكثر من الثلاثة ، وقد عرفت من هذا الكلام تعريف المستفيض وإذا عرفت ماقدمنافا علم أن كل واحدمن هذه الأنواع ينقسم إلى الصحيح والحسن والضعيف، إلا أن الغالب على الغريب أن يكون ضعيفا ويندر فيه الصحيح ، ومن ثمة قال مالك رضى الله عنه ((شر العلم الغريب وخيره الظاهر الذى قد رواه الناس)) وقال على بن الحسين ((إنما العلم ما عرف وتواطأت عليه الألسن)) وقال عبد الرزاق ((كنانرى أن غريب الحديث خير فإذا هو شر)) وقال أبو يوسف ((من طلب غريب الحديث كذب)) وقال أحمد بن حنبل ((لا تكتبوا هذه الأحاديث الغرائب فانها مناكير وعامتها عن الضعفاء)) اهـ وينقسم الغريب إلى غريب المتن والسند جميعا ، وغريب السنددون المتن كالحديث الذى متنه معروف مروى عن جماعة من الصحابة إذا تفرد بعضهم بروايته عن صحابى آخرفهو غريب من هذا الوجه ومتنه غير غريب ، وتجد الترمذى يقول فيما كان على هذا الحل ((غريب من هذا الوجه )) ولا يكون الحديث غريب المتن دون السند، لأن المتن إذا كان غريبا باسناد معين كان الاسناد إلى هذا المتن غريبا بلا شك فيكون من النوع الأول ومن العلماء من يطلق المشهور على الحديث الذى اشتهر بين الناس من المحدثين وغيرهم مواء فى ذلك العلماء والخاصة من غير شروط تعتبر، وهو حينئذ يعم ماله إسناد وماله أكثر من إسناد، وقد صنف فيه قوم منهم الزركشي والسيوطى وابن الدييع والعجلونى وتكفل كل واحد منهم ببيان صحيح هذا النوع وضعيفه فأما المتواتر فهو لغة اسم فاعل من ((تواتر)) إذا توالى وتعاقب ، وفى الاصطلاح عبارة عن (( الحديث الذى بلغت رواته فى الكثرة مبلغا يجزم معه العقل باستحالة تواطئهم على الكذب، من أوله إلى منتهاه، بحيث يكون فى كل طبقة عدد له هذه الصفة ، والضابط مبلغ يقع معه اليقين ، فاذا حصل اليقين مع عدد مافقد تم العدد . هذا قول جمهرة العلماء، ومنهممن حددعددا معينا جعله سببا فى جزم العقل بما ذكرنا ، وهؤلاء اختلفوا: فمنهم من عينه بالأربعة : - ٤٠٤ - .. ٠٠٠ ٠٠٠ ٠٠٠ ٠٠٠ ومنهم من عينه بالخمسة ، ومنهم من عينه بالسبعة ، ومنهم من عينه بالعشرة - وهذا مخر السيوطى - ومنهم من عينه بالاثنى عشر، ومنهم من عينه بالأربعين، ومنهم من عينه بالسبعين، ومنهم من عينه بثلثمائة وبضع عشرة. وقد تمسك كل واحد من هؤلاء بدليل جاء فيه ذكر ذلك العدد وأفاد العلم » وهو مردود بأنه ليس بلازم أن يطرد فى غير مورده لاحتمال التخصيص ثم إن المتواتر على نوعين : متواتر لفظى، ومتواتر معنوى: فأما الأول فهوالذى يظهر فيه تعريف المتواتر السابق ، وأما الثانى فانه عبارة عن اشتراك الرواة الذين يؤمن تواطؤهم على الكذب على رواية معنى واحد فى قوالي. متعددة من الألفاظ، وهذا النوع كثير جدا، وقد ضرب له السيوطى مثالا أحاديث ، فع اليدين فى الدعاء ، قال فى التدریب ( ص ١٩١) «فقد روى. عنه صلى الله عليه وسلم نحو مائة حديث ((رفع يديه فى الدعاء)» وقد جمعتها. فى جزء، لكنها قضايا مختلفة، فكل قضية منها لم تتواتر ، والقدر المشترك فيها - وهو الرفع عند الدعاء - تواتر باعتبار المجموع)) اهـ وقد ذهب ابن حبان والحازمي إلى أن الحديث المتواتر غير موجود أصلاً وذهب ابن الصلاح - وتبعه النووى فى التقريب - إلى أنه قليل الوجود نادر المثال، قال ابن الصلاح ((ولا يكاد يوجد فى رواياتهم، ومن سئل عن إبراز مثال. لذلك أعياه تطلبه)) وقال ابن حجر («ما ادعاه ابن الصلاح من عزة المتواتر وكذا ما ادعاه غيره من العدم ممنوع، لأن ذلك نشأ عن قلة الاطلاع على كثرة الطرق وأحوال الرجال وصفاتهم المقتضية لا بعاد العادة أن يتواطئوا: على الكذب أو يحصل منهم اتفاقا)) اهـ، وقال السيوطى فى التدريب (ص ١٩١) ((وقد ألفت فى هذا كتابالم أسبق إلى مثله سميته الأزهار المتناثرة فى الأخبار المتواترة مرتبا على الأبواب : أوردت فيه كل حديث بأسانيد من خرجا وطرقه ، ثم لخصته فى جزء لطيف سميته: قطف الأزهار، اقتصرت على عزوكل لمن أخرجها من الأئمة، وأوردت فيه أحاديث كثيرة: منها حديث الحوضى من رواية نيف وخمسين صحابيا، وحديث المسح على الخفين من رواية سبعين - ٤٠٥ - ٠٠٠ ... ٠٠٠ ٠٬٠ ٠٠٠ ٠٠٠ صحابيا ، وحديث رفع اليدين فى الصلاة من رواية نحو خمسين ، وحديث ((نضر الله امرأ سمع مقالتى)) من نحو ثلاثين صحابيا، وحديث ((نزل القرآن على سبعة أحرف )) من رواية سبع وعشرين، وحديث (( من بنى لله مسجدا بنى الله له بيتافى الجنة)) من رواية عشرين، وكذا حديث ((كل مسكر حرام)) وحديث (بدأ الاسلام غریبا )) وحديث سؤال منكر ونكیر ، وحديث« كل ميسر لما خلق له)) وحديث ((المرء مع من أحب)) وحديث ((إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة)) وحديث ((بشر المشائين فى الظلم إلى المساجد بالنور. التام يوم القيامة)) كلها متواترة، فى أحاديث جمة أودعناها كتا بنا المذكور ، ولله الحمد)) اهـ كلامه بحروفه . وإذ قد تحدثنا عن أقوال العلماء فى وجود الحديث المتواتر أو ندوته أو فقدانه فانا نرى لزاما علينا أن نعود إلى ذكر شىء من ذلك يتعلق بالحديث العزيز والمشهور، ومحصله أن ابن حبان البستى زعم أن العزيز من الأحاديث بجده السابق لا وجود له أصلا وقد ذكر السيوطى أن هذا كلام لم يصب فيه ابن حبان، وهو تابع فى تخطئته للحافظ ابن حجر حيث قال فى نزهة النظر (ص ٨): ((وادعى ابن حبان أن رواية اثنين عن اثنين إلى أن ينتهى لا توجد أصلا، قلت : إن أراد أن رواية اثنين فقط عن اثنين إلى أن ينتهي لا توجد أصلا فيمكن أن يسلم ، وأما صورة العزيز التى حررناها فموجودة : بأن لا يرويه أقل من اثنين عن أقل من اثنين ، مثاله ما رواه الشيخان من حديث أنس والبخارى من حديث أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده - الحديث)) ورواه عن أنس قتادة وعبد العزيز بن صهيب . ورواه عن قتادة شعبة وسعيد، ورواه عن عبد العزيز إسماعيل بن علية وعبد الوارث ، ورواه عن كل جماعة)) أهـ، قال أبو رجاء غفر الله له: والخلاف بينهم على ما يظهر بأدنى تأمل فى بيان حد العزيزما هو، فابن حبان يرى أنه «ما يرويه اثنان عن اثنين إلى أن ينتهى إسناده، وقد صرح ابن حجر أن هذا المعنى يمكن أن يسلم فيه امتناع وجوده، والسيوطى وغيره يرون ان العزيز («ما وقع فى إسناده اثنان فى طبقة أى طبقة من الاسناد)) وهذا كثير الوجود، ولو اعترف ابن حبان مـ - ٤٠٦ - أربعة أقسام: الأول المتواتر، فقال: الأول: أن يكون للخبر طرق بلا عدد معين ، أو مع حصر: بمافوق الاثنين(١)، أو بهما، أو بواحد، فالأول المتواتر المفيد للعلم اليقينى بشروطه، وهو المستفيض على رأى، والثانى المشهور، والثالث العزيز، والرابع الغريب، وكلها آحاد ما عدا الأول (قال ابن الصلاح : الغريب هو الذى ينفرد به بعض الرواة، وسواء انفرد بالحديث كله أو بشىء منه أو فى سنده ، وقال ابن منده مامعناه: الغريب من الحديث انفراد الراوى بالحديث عن إمام قدجمع حديثه وحفظ) وذلك الامام (مثل قتادة) ابن دعامة (و) محمد بن شهاب (الزهرى) من حفظت أحاديثهم وجمعت (فاذا انفرد الراوى عن أحدهم ) من بين من أخذعنهم (بحديث سمى غريباً، فاذا روى عنهم رجلان أو ثلاثة واشتركوا سمى عزيزاً ) واعلى أن العزيز على تفسير ابن منده يكون بينه وبين المشهور عموم وخصوص ١ من وجه ، وخص بعضهم المشهور بالثلاثة ، والعزيز بالاثنين ، واختاره الحافظ ابن حجر كما عرفت من كلامه السابق، وسمى عزيزاً إما لعزة وجوده من قولهم ((عز الشىء يعز عزاً وعزازة)» إذا قل بحيث لايكاد يوجد، وإما من قولهم: (عزيعز)) بفتح المهملة فيه (( عزا وعزازة)) إذا اشتد وقوى، ومنه قوله تعالى ((فعززنا بثالث)) لمجيئه من طريق أخرى كما أفاده فى النخبة شرحها (فاذا بهذا المعنى لسلم وروده وكثرته، وقدنقل عن الحافط أبى سعيد خليل صلاح الدين العلائى أنه قال: قد يوصف الحديث بأنه ((عزيز مشهور)) فيجمع بين الوصفين على معنى أنه فى بعض طبقاته عزيز برواية اثنين ، وفى التى بعدها أو قبلها مشهور بروايته عن الأكثر، ومثله بحديث ((نحن الآخرون السابقون يوم القيامة)) وقال: هو عزيز عن النبى صلى الله عليه وسلم رواه عنه حذيفة ابن اليمان وأبو هريرة . ورواه عن أبى هريرة سبعة : أبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو حازم، وطاوس، والأعرج، وهمام، وأبو صالح، وعبد الرحمن مولى أم برئن ، وما قاله الحافظ العلائى خطأ مبنى على مخالفته فى معنى العزيز (١) فى نسخة ((بما دون الاثنين)) وهو فاسد، لتكرره مع قوله ((أو بواحد)) ولأنه لا يكون مادون الاثنين هو المتواتر - ٤٠٧ - روى الجماعة) ثلاثة أو أكثر (عنهم سمى مشهوراً عند المحدثين) احترازا عن المشهور على ألسنة العامة ، سمى بذلك لوضوحه : أى شهرته ، لكونه رواية أكثر من اثنين ، قال الحافظ ابن حجر: وهو المستفيض على رأى جماعة من أئمة الفقهاء سمى بذلك لانتشاره، من (( فاض الماء يفيض)) فيضا: أى زاد حتى خرج من جوانب الأناء، كما فى شمس العلوم، وقد ذكر الحافظ ابن حجر فى النخبة وشرحها الخلاف فى هذا ، وبيان إطلاقه على غيره . ( قال الزين : وهكذا ذكر محمد بن طاهر المقدسى، وكأنه أخذه من كلام ابن منده، قال زين الدين : وليست الغرابة والعزة والشهرة تنافى صحة الحديث ولا تنافى ضعفه) إذ قد علم من رسمها أنه لا منافاة بينها وبينهما (قال) زين الدين ( ومَثَّل ابن الصلاح المشهور الذى ليس بصحيح بحديث (طلب العلم فريضة على كل مسلم)) وتبع) ابن الصلاح (الحاكم فى ذلك ) فانه مثل به له ، قال زين الدين ( وقد صحح بعض الأئمة طرق الحديث هذا كما بينه فى كتاب تخريج أحاديث الأحياء) يعنى فلم يتم التمثيل به لما ذكر، قلت : بحثت فى تخريج أحاديث الأحياء للحافظ الزين رحمه الله من نسخة فيها بخطه الكثير وقد ذكر الحديث الغزالى فى الجزء الأول من باب العلم فلم أجد فيه له عليه كلاماً أصلا، فراجعت الجامع الكبير للسيوطى فرأيته نسب تخريجه إلى ابن عدى والحاكم فى الكنى وابن عبد البر فى العلم والطبرانى فى الكبير، والخطيب وابن عساكر وابن النجار من طرق متعددة عن أنس ، والبيهقى وتمام عن ابن مسعود، والطبرانى فى الأوسط وتمام عن ابن عباس، وتمام وابن عساكر والخليلى والرافعى عن ابن عمر قال ابن عساكر: غريب جدا ، والخطيب وابن عساكر عن على، والطبرانى فى الأوسط والبيهقى فى شعب الايمان وتمام والخطيب وابن عساكر عن أبى سعيد، والخطيب وابن السمان عن الحسن بن على، انتهى كلامه ( قال: وذكر ابن الصلاح فى أمثلته ما بلغه عن أحمد بن حنبل) ما أخرحه م - ٤٠٨ - عنه ابن الجوزى فى آخر بهب الجهاد من موضوعاته أنه ( قال : أربعة أحاديث تدور عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فى الأسواق لا أصل لها) الأول (من بشرنى بخروج أذار بشرته بالجنة) وأدار بفتح الهمزة فذال معجمة فألف فراء ، قال فى القاموس: هو السادس من الشهور الرومية ( و) الثانى (من آذى ذمياً فأنا خصمه يوم القيامة، و) الثالث (بحركم يوم صومك، و) الرابع (للسائل حق ولو) أى جاء ( على فرس، قال زين الدين) فى شرح الألفية ( لا يصح هذا عن أحمد بن حنبل ، فقد أخرج هذا الحديث الرابع فى مسنده باسناد جيد من حديث الحسين بن على، وأخرجه أبو داود) أى من حديث الحسين بن على عليهما السلام ( وسكت عنه، وأخرجه أبو داود أيضاً من حديث على عليه السلام، وفى إسناده من لم يسم ، ورويناه من حديث ابن عباس والهرماس بن زياد ، وأما حديث من آذى ذمياً) وهو الثانى (فقد رواه بنحوه أبو داود وسكت عنه، وإسناده جيد) ولفظه (( ألامن ظلم معاهداً أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة )) ( وإن كان فيه من لم يسم فأنهم عنده من أبناء الصحابة يبلغون حد التواتر الذى لا يشترط فيه العدالة ، فقد روينا عن البيهقى) لفظ الزين: فقد رويناه فى سنن البيهقى ( وفيه عن ثلاثين من أبناء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما الحديثان الآخران ) وهما الثالث والرابع ( فلا أصل لهما كما ذكر) أى عن أحمد، فالمراد من قوله (( ولا يصح هذا عن أحمد)» أى لا يصح كله، لا بعضه، ويحتمل أن يقرأ كما ذكر مغير الصيغة أى ذكره من نقله عن أحمد ، وأما مثال المشهور الصحيح فلم يذكره لكثرته (وأما مثال الغريب الصحيح ) وهو القسم الأول ( فأفراد الصحيح كثيرة منها حديث مالك عن يحيى بن أبى صالح عن أبى هريرة مرفوعا ((السفر قطعة من العذاب))) تمامه «يدع أحدكم طعامه وشرابه ونومه فاذا قضى أحدكم نهمته ٠ - ٤٠٩ - من وجه فليعجل الرجوع إلى أهله)) أخرجه مالك وأحمد والبخارى وابن ماجه عن أبى هريرة عن عائشة .. (وأما) مثال (الغريب الذى ليس بصحيح) وهو القسم الثانى (فهو الغالب على الغرائب ، قال أحمد : لا تكتبوا هذه الغرائب فانها مناكير وعامتها عن الضعفاء وقال مالك: شر العلم الغريب وخير العلم الظاهر الذى قد رواه الناس، ورويناعن عبدالرزاق أنه قال: كنا نرى غريب الحديث خيراً فاذا هو شر) قال زين الدين: وقسم الحاكم الغريب إلى ثلاثة أنواع: غرائب الصحيح، وغرائب الشيوخ، وغرائب المتون ، وقسمه ابن طاهر إلى خمسة أنواع، ونقل عن ابن الصلاح تقسيما للغريب باعتبار سنده ومتنه وأطال فى ذلك (قلت : روى الذهبى فى النبلاء فى ترجمة الزهرى عن الزهرى أنه قال: حدثت على بن الحسين ) أى ابن على ( حديثاً فلما فرغت قال : أحسنت بارك الله فيك، هكذا حدثناه) بالبناء للمجهول، ويصح للمعلوم ( قال الزهرى: أرانى حدثتك بحديث أنت أعلم به منى، قال: لا تقل ذلك فليس من العلم ما لا يعرف، إنما العلم ما عرف وتواطأت عليه الألسن) فأفاد ما أفاده كلام من تقدم قبله (فهذا) التقسيم (فى الغريب، والمشهور يقابله، وهو) أى المشهور (ينقسم) أيضاً كما انقسم إلى صحيح وضعيف ، فهو ينقسم (إلى) مشهور (متواتر، و) مشهور (غير متواتر، فالمتواتر: ما تعلم صحته بالضرورة لكثرة رواته فى الطرفين والوسط ، ذكره الأصوليون) ولهم فيما يفيده خلاف: هل هو ضرورى أم لا (و) ذكره (من المحدثين جماعة منهم الحاكم وابن حزم وابن عبد البر، ومن أمثلته) ما يأبى، قال ابن الصلاح: ومن سئل عن إبراز مثال لذلك أعياه تطلبه، ثم قال: نعم (حديث (من كذب على متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)) فانه رواه بعض المحدثين) وهو أبو بكر البزار فى مسنده كما قاله زين الدين (عن نيف ) فى القاموس : النيف الفضل والاحسان ومن واحد إلى ثلاثة ( وأربعين من الصحابة فيهم العشرة رضى الله عنهم) المبشرة - ٤١٠ ســ بالجنة الذين يجمعهم قول المصنف : فى جنة الخلد نصاً زادهم شرفا للمصطفی خیر صحب نص آهمو هم طلحة وابن عوف والزبير مع أبى عبيدة والعدان والخلفا ثم قال ، وليس فى الدنيا حديث اجتمعت على روايته العشرة غير هذا، ذكره زين الدين، قلت : بل حديث رفع اليدين عند تكبيرة الأحرام رواه خمسون صحابياً منهم العشرة ( ورواه بعضهم عن نيف وستين ) المراد به ابن الجوزى فانه أخرجه كذلك ، ثم قال : لا يعرف حديث فى الدنيا عن ستين من الصحابة غير هذا الحديث الواحد، ذكره زين الدين (وصنف) الحافظ أبو الحجاج يوسف ابن خلیل ( المزی) تقدم ضبطه ( فى طرقه جزءين فرواه عن مائة صحابى واثنين وروى عن بعض الحفاظ ) هو كما قاله الزين ابن الجوزى ( أنه رواه مائتان من الصحابة ، واستبعده زين الدين) هكذا ذكره فى شرح ألفيته وَذكر هذه الرواية الحافظ ابن حجر فى شرح النخبة واعلى أن النزاع فى عزة المتواتر كما قاله ابن الصلاح، والمراد المتواتر لفظًلا التواتر المعنوى فهو كثير، وقد جمع الحافظ السيوطى كتابا فى ذلك، وفى الأبحاث المسددة للعلامة المقبلى شىء من ذلك كثير ، وقد تعقب الحافظ ابن حجر فى شرح النخبة كلام ابن الصلاح فى العزة وأتى فى تعقبه بغير المراد لابن الصلاح فراجعه ( ومن أمثلة ذلك حديث رفع اليدين عند تكبيرة الاحرام بالصلاة فانه روى من طرق كثيرة ، قال ابن عبد البر: رواه ثلاثة عشر من الصحابة ، وقال السلفى : أربعة عشر، وقال ابن كثير : عشرون ، أو نيف وعشرون ، وجمع زين الدين رواته فبلغوا خمسين ) عبارة زين الدين « قلت : وقد جمعت رواته فبلغوا نحو الخمسين ولله الحمد )) انتهى كلامه، وأما قوله ( فيهم العشرة) المبشرة ( رضى الله عنهم) فليس من كلام الزين ، بل قاله عن ابن منده وغيره .( وكذلك قال الحاكم ابن البيع إن العشرة) المبشرة (اجتمعوا على روايته، - ٤١١ - وجعل ذلك من خصائص هذه السنة الشريفة ) قال البيهقى : سمعته أى شيخه الحاكم يقول: لا نعلم سنة اتفق على روايتها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الخلفاء الأربعة ثم العشرة الذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة فمن بعدهم من أكابر الصحابة على تفرقهم فى البلاد الشاسعة غير هذه السنة ، قال البيهقى: هو كما قال أستاذنا أبو عبد الله رضى الله عنه ، فقد رويت هذه السنة عن العشرة وغيرهم ، انتهى . واعلى أنه لا يكفى كثرة رواية أول رتبة فى التواتر حتى يستمر ذلك فى الطرق كلها، فكان الأحسن أن يزيد المصنف فى هذه الأمثلة، ولم نزل طرقها متكاثرة الطرق تكاثراً تواتريا إلى الآن، وكأن تركه للعلم به . (ومن أمثلة ذلك حديث المسح على الخفين ، قال صاحب الامام عن ابن المنذر: روينا عن الحسن البصرى أنه قال : حدثنا سبعون من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أنه مسح على الخفين، وذكر ابن عبد البر أنها من السين المتواترة ، قال زين الدين: رواه أكثر من ستين من الصحابة منهم العشرة رضى الله عنهم ، ذكر ذلك أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن إسحاق بن مندهفی کتاب له سماه المستخرج من كتب الناس، ومنها) أى ومن أمثلة المتواتر لفظا (حديث ((تقتلك يا عمار الفئة الباغية)) قال الذهبى فى النبلاء: إِنه متواتر (وغير ذلك مما يكثر تعداده ) هذا لا يتم إلا فى المتواتر المعنوى كما عرفت (وتعرف صحته) صحة دعوى التواتر فيما ذكر ( من البحث عن طرق هذه الأحاديث، والله أعلم) وقد يحصل التواتر لباحث دون باحث، لأن المدار على كثرة الاطلاع، وليس الناس فيه سواء . -- ٤١٢ - ٥٥ مسألة : [ فى بيان غريب الحديث ] ( غريب ألفاظ الحديث (١)) هذا خلاف الغيريب الماضى ذكره قريباً، (١) المراد بغريب الحديث هنا ماوقع فى متون الأحاديث من الألفاظ الغريبة عن أذهان الذين بعدعهده بالعربية الخالصة، ومعرفة ذلك والتدقيق فى البحث عنه من أوائل ما ينبغى لطالب الحديث النبوى ، فان تفسير الكلمة من كلامه فيس كتفسير أى كلام صادر عن أى إنسان ، لما يتعلق بمعنى كلامه من الأحكام الدنيوية والدينية، ولهذا كان كثير من الأئمة الفحول يتحرجون من تفسير كلام الرسول صلى الله عليه وسلم: روى عن أحمد رضى الله عنه أنه سئل عن حرف من الغريب فقال ((سلوا أصحاب الغريب، فانى أكره أن أتكلم فى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بالظن)) وأفضل تفسير الغريب ما كان عن رواية أخرى من الحديث، أو ما كان منقولا عن أحد الصحابة رضى الله تعالى عنهم أجمعين ، هذا وقد صنف فى هذا النوع جماعة من أكابر العلماء منهم أبو عبيدة معمربن المثنى التيمى البصرى المتوفى سنة (٢١٠) من الهجرة ومنهم أبو الحسن النضر بن شميل المازنى النحوى المتوفى سنة (٢٠٤) من الهجرة، وقد اختلف العلماء فى أى هذين أسبق من الآخر تأليفا؛ وقدجزم الحاكم بأن أسبقهما النضر بن شميل ، وكأن الذى دعاه إلى هذا الجزم تأخر أبى عبيدة فى الوفاة عن النضر ، وهو لا يتم دليلا ولا شبهة دليل، وممن صنف فى هذا الفن أبو عبيدة القاسم بن سلام المتوفى سنة (٢٢٤) من الهجرة، وابن قتيبة الدينورى المتوفى سنة (٢٧٦) من الهجرة ، وأبو العباس المبرد المنوفى سنة (٢٨٥) من الهجرة، وجماعة آخرون، ثم جاء من بعد هؤلاء جار الله الزمخشرى فصنف كتابه ((الفائق)) والحافظ أبو السعادات مبارك بن محمد ابن الأثير الجزرى صاحب كتاب ((النهاية))، وجاء بعده الصفى الأرموى بس۔ - ٤١٣ - فذاك برجع إلى الانفراد من جهة الرواية ، وأما هنا فهو ما يخفى من ألفاظالنون ولو كانت متواترة ، ولذا أضافه المصنف إلى الألفاظ، ووجه غرابته قلة استعماله، بحيث يبعد فهمه ويحتاج إلى التفتيش عنه من كتب اللغة ، ولعله فى عصره صلى الله عليه وسلم وحين تكلمه به لم يكن غريباً، إنما لما تطاولت الأزمنة واختلطت الألسنة صار غريباً ( ومن علوم الحديث معرفة غريب ألفاظه) إذ لا يتم فهم معناه حتى يعرف ويبحث عنه ، وقد صنف فيه جماعة من الأئمة ذكرهم ابن الأثير فى خطبة النهاية (ومن أحسن ما صنف فيه كتاب النهايه لأبى السادات المبارك بن محمد بن الأثير الجزرى) واختلفوا فى أول من صنف فيه: فقال الحاكم فى علوم الحديث: أول من صنف الغريب فى الأسلام النضر بن شميل، ثمصنف فيه أبو عبيد القاسم بن سلام كتابه الكبير، وقيل : غير ذلك ، وعَدّزين الدين أئمة ألفوا فى ذلك ، ثم ( قال زين الدين : وبلغنى أن الامام صفى الدين محمد بن محمد الأرموى ذيل ذيلا لم أره، وبلغنى أنه كتبه حواشى على أصل النهاية فقط، وأن الناس أفردوه ، قال زين الدين : وكنت كتبت على نسخة كانت عقدی من النهايه حواشى كثيرة وأرجو أن أجمعها وأذيل عليها بذيل كبير إن شاء الله تعالى). ٠ ١٠ قلت: وقد اختصر السيوطى النهاية فى كتاب سماه ((الدر النثير مختصر نهاية ابن الأثير)) وقال : إنه زاد على ما فيها زيادات كثيرة ، وقد وصى زين الدين فى العناية بالغريب ومعرفته وذكر ما وقع من التصحيف بسبب عدم العناية به أو تقليد من لا يقلد فيه . فصنف للنهاية ذيلا استدرك عليه ما فاته، ثم جاء السيوطى فلخص نهاية ابن الأثير فى كتاب سماه ((الدر النثير)) وتكفى هذه اللمعة اليسيرة فى ههذا الموضوع ونحيلك على كشف الظنون ومقدمة كتاب ((النهاية)) والله سبحانه وتعالى المسئول أن يسدد خطاك . = ٠- ٤١٤ - ٥٦ مسألة [فى بيان المسلسل] ( المسلسل ) هو لغة إيصال الشىء بالشىء ، ومنه سلسلة الحديد، وهو من .. صفات (الاسناد - المسلسل (١) الذى توارد رجاله) أى الأسناد (على صفة (١) نتحدث إليك فى هذا الموضع عن الحديث المسلسل، والقول عنه فى مواضع: الموضع الأول : معناه، واعلم أن المسلسل فى اللغة اسم مفعول من قولهم (سلسلت الماء فتسلسل)): أى: صبيته فانصب، وتقول ((تسلسل الماء)» إذا جرى فى الحلق وانساغ وكان سهل الدخول عذبا صافيا، ومنه قيل السلسبيل ، ومنه قيل: رحيق سلسل ، وهو فى اصطلاح المحدثين عبارة عن (( الحديث الذى اتفق رجاله وتتابعوا على صفة واحدة أو حال واحدة سواء أكانت قولية أم كانت فعلية أم مركبة منهما جميعا)) فمثال الصفات القولية المسلسل بقراءة سورة الصف، وهو ماورد عن عبد الله برسلام قال : قعدنا نفراً من أصحاب رسول الله صلى عليه وسلم فتذاكرنا فقلنا: لو نعلم أى الأعمال أقرب إلى الله لعملناه، فأنزل الله عز وجل (سبح لله ما في السموات وما فى الأرض وهو العزيز الحكيم ، يا أيها الذين آمنوا لم تقولون مالا تفعلون) قال ابن سلام : فقرأها علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا ؛ فان الحديث مسلسل بقول كل راو ((فقرأها فلان هكذا)) ومثال الحال القولية حديث معاذ بن جبل أنه صلى الله عليه وسلم قال له: « يا معاذ، أُحبك ؛ فقل فى دبر كل صلاة اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)» فانه تسلسل بقول كل راو سن رواته ((وأنا أحبك - إلخ)) ومثال المركبة من القولية والفعلية حديث أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يجد العبدحلاوة الايمان حتى يؤمن بالقدر خيره وشره و حلوه ومره )) وقبضرسول الله صلى - ٤١٥ - واحدة) سواء كانت الصفة للرواة أو للاسناد (أو حال واحد، سواء كان ذلك يرجع إلى صفة الاسناد، مثل أن تكون صفة أدائه ) ومتعلقاته من الرواية أو من المكان، وسواء كانت أحوال الرواة أو صفاتهم أقوالا أو أفعالا (متسلسلة بحدثنا الله عليه وسلم على لحيته، وقال: آمنت بالقدر خيره وشره حلوه ومره)) فأنه تسلسل بقول كل راو من رواته (( آمنت بالقدر - إلخ)) وقبضه على لحيته ومنه المسلسل باتفاق الرواة فى صيغ الأداء كسمعت فلانا قال سمعت فلانا، أو حدثنا فلان قال حدثنا فلان ، وغير ذلك من الصيغ . ولربما وقع التسلسل فى معظم الأسناد وانقطع فى بعضه كالحديث المسلسل بقول كل من رواته ((وهو أول حديث سمعته منه)) وهو حديث عبد الله بن عمرو بن العاص (الراحمون يرحمهم الله)) قال الحافظ ابن حجر: ((فان السلسلة تنتهي فيه إلى سفيان بن عيينة فقط، ومن رواه مسلسلا إلى منتهاه فقد وهم )) أه الموضع الثانى : ما الذى يوصف بالتسلسل ? اعلم أن اللقب الحديثى قد يكون وصفا للمتن فقط وذلك كالمرفوع، وقد يكون وصفا للاسناد والمتن جميعا وذلك كالصحيح، والمسلسل وصف للاسناد وحده فان المتن لا يوصف به . الموضع الثالث: قد صنف جماعة فى هذا النوع من الأحاديث، ومن أهم هذه المصنفات ((جياد المسلسلات)) للسيوطى، و((الفوائد الجليلة)) للشيخ محمد بن عقيلة لكى، الموضع الرابع: أفضل أنواع الحديث المسلسل الدال على الوصف المنىء عن الاتصال فى السماع وعدم التدليس ، وذلك كما سمعت فى الحديث المسلسل بقراءة سورة الصف، ألا ترى أن فيه ((وقرأها علينا)) قال الحافظ ابن حجر: ((إنه من أصح مسلسل يروى فى الدنيا)) اهـ، وأفضل أنواعه أيضا الحديث المسلسل بالحفاظ مع الفقهاء ، فقد ذكر الحافظ ابنحجر رحمه الله أن هذا النوع مما يفيد العلم القطعى، الموضع الخامس: للحديث المسلسل فوائد منها الدلالة على زيادة ضبط الرواة ، ومنها الاقتداء بالنبى صلى الله عليه وسلم فى فعله وقوله كالقبض على اللحية والتشبيك باليد. الموضع السادس: فلما يسلم" الحديث المسلسل من ضعف فى وصف التسلسل لا فى متنه ، وذلك مثل مسلسل المشابكة؛ فإن متنه صحيح فى مسلم والطريق بالتسلسل فيها مقال . - ٤١٦ - أو أخبرنا أو سمعت) وقد كثرت الأمثال فى ذلك ، وعد زين الدين أمثلة كثيرة للأنواع المذكورة، وقد ألفت فيها كتب ، وهى شىء ليس له دخل فى صحة الحديث ولاضعفه(١) ولا حكم من أحكامه، فلا نطيل بذكرها (وعند الحاكم) أن المسلسل إنما هو ( بما يدل على اتصال السماع وإن اختلفت الصيغ، مثل سمعت وحدثنا ونحو ذلك) وتكون فائدته معرفة كون الحديث متصلا (وكذا إِذا تسلسل بصفة تعلق بالرواة ، مثل أن يكونوا مدنيين ) أى من المدينة النبوية ( كلهم ، أوفقهاء كلهم ، أو نحو ذلك) وأمثلته كثيرة . * * ٥٧ مسألة [ فى بيان الناسخ والمنسوخ ](٢) (الناسخ والمنسوخ) النسخ عبارة عن رفع الشارع حكما من أحكامه سابق بحكم من أحكامه لاحق (ومن أجل علوم الحديث معرفة الناسح والمنسوخ. وقدصنففيه غير (١) ما قدمناه فى الموضع الرابع وما بعده من مباحث المسلسل تعلم أن هذا الكلام على إطلاقه فاسد (٢) نتحدث إليك هنا عما يتعلق بالناسخ والمنسوخ، والقول على ذلك فى ثلاثة مواضع : الموضع الأول: معنى النسخ لغة واصطلاحا، ومنه يعلم معنى الناسخ ومعنى المنسوخ ، والموضع الثانى: الوصية بالعناية به، الموضع الثالث: بم يعرف النسخ( أما عن الموضع الأول فاعلم أن النسخ يطلق فى اللغة على معنيين: أو له) الأزالة، ومنه قولهم (( نسخت الشمس الظل)) أى أزالته، والثانى: النقل، ومنه قولهم ((نسخت الكتاب)) أى نقلته، وقولهم فى تقسيم المواريث ((المناسخات)) لأن المال ينتقل من وارث إلى وارث . وهل إطلاقه لغة على هذين المعنيين. من قبيل المشترك أومن قبيل الحقيقة والمجاز؟ وعلى الثانى هو فى أى المعنيين م - ٤١٧ - حقيقة ؟ ثلاثة أقوال للعلماء : قيل: مشترك بينهما، وقيل: حقيقة فى الأول مجاز فى الثانى، وقيل بالعكس، ولم يرجح ابن الحاجب واحدا من الثلاثة، ورجح الامام أنه حقيقة فى الازاله مجاز فى النقل. واختلفوا فى معناه اصطلاحا ففسره القاضى بأنه ((رفع الحكم)) واختاره الآمدى وابن الحاجب والسبكى، ومعناه أن خطاب الله تعالى قد تعلق بالفعل بحيث لو لم يطرأ الناسخ لكان باقيا، لكن الناسخ قدرفعه، وفسره الامام بأنه ((بيان انتهاء أمد الحكم)) ومعناه أن الخطاب الأول له غاية وأمد ينتهي إليه فى علم الله تعالى ، فانتهى عنده لذاته، ثم حصل بعده حكم آخر ، لكن الحصول والانتهاء فى الحقيقة راجعان إلى تعلق الحكم، وقد اختار تفسيره بذلك البيضاوى ، والصواب الأول، لأنه يشمل النسخ قبل التمكن من الفعل ، فإن ذلك جائز على الصحيح والتفسير الثانى لا يشمله، إذ بيان الأمد هو الأعلام بأن الخطاب لم يتعلق، والفعل قبل التمكن قد تعلق الخطاب به جزءا . والموضع الثانى : الوصية بالعناية بهذا الضن ؛ لأنه من المهمات التى لا يجوز للباحث فى الأحكام الشرعية أن يبحث قبل معرفتها. وقد رووا أن على بن أبى طالب رضى الله عنه مر على قاض فقال له : أتعرف الناسخ والمنسوخ ؟ فقال: لا، فقال: هلكت وأُهلكت !!! وقال الزهرى: أعيا الفقهاء وأعجزم أن يعرفوا ناسخ الحديث من منسوخه وأما عن الموضع الثالث: فان النسخ يعرف بأربعة أمور: الأمر الأول : أن ينص الشارع - وهو النبى صلى الله عليه وسلم- على النسخ، وذلك كقوله ((.كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ... كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحى فوق ثلاث فكلوا ما بدا لكم )) الأمر الثانى: أن يقع فى كلام الراوى الدلالة عليه، وذلك كقول أبى بن كعب (( كان الماء من الماء رخصة فى أول الاسلام، ثم أمر بالغسل)) أى بالوطء من غير إنزال ، رواه أبو داود والترمذى وصححه. وكقول جابر بن عبد الله ((كان آخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار)) رواه أبو داود وغيره، الأمر الثالث : أن يعرف الوقت الذى كان فيه الحديثان ، وذلك مثل حديث رواه ابن ( ٧ - تنقيح ٢). - ٤١٨ - واحد من الحفاظ من أحسن كتبه كتاب الاعتبار للحازمى) بالحاء المهملة فزاى بعد الألف- نسبة إلىجده حازم الهمذانى ، فانه محمد بنموسى بن عثمان بنحازم ، ولد سنة ثمان وأربعين وخمسمائة ، سمع من الأئمة الكبار، وكان حجة ثقة نبيلا زاهداً عابداً ورعا لازم الخلوة والتصنيف وبث العلم، وله كتاب ((الناسخ والمنسوخ)) وله ((عجالة المبتدى)) فى الأسباب و«المختلف والمؤتلف)» فى أسماء البلدان، ذكره الذهبى وأثنى عليه واعلم أنه يعرف التفسخ بأمور: الأول : نص الشارع عليه، كقوله صلى الله عليه وآله وسلم (( كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها » وقوله ( كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحی فوق ثلاث فكلوا ما بدالكم )) والثانى: أن ينص عليه صحابى، كقول جابر ((كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ترك الوضوء مما مست النار)) وهكذا قول الصحافى ((هذا متأخر)) لا إذا قال ((هذا ناسخ)) قالوا: الجواب أنه قاله اجتهادا، وكال أهل الحديث : يثبت به النسخ ، قال زين الدين: والذى قالوه أوضح وأشهر، والنسخ لا يصار إليه بالاجتهاد والرأى ، وإنما يصار إليه عند معرفة التاريخ، عباس (( أنه صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم صائم)) لأن ابن عباس إنما صجب النبى عليه الصلاة والسلام محرما فى حجة الوداع سنة عشر، وقد ورد فى بعض طرق الحديث أنه كان فى فتح مكة سنة ثمان ، الأمر الرابع : أن يجمع علماء هذه الأمة على ترك العل بالحديث المستكمل شرائط الصحة ، فان إجماعهم هذا يدلنا على أن هذا الحديث قد نسخ بحديث آخر وإن لم نعرفه وذلك مثل حديث رواه الترمذى عن جابر قال ((كنا إذا حججنا مع النبى صلى الله عليه وسلم فكنا نلبى عن النساء ويرمى عن الصبيان)» وقال الترمذى بعد روايته: أجمع أهل العلم أن المرأة لا يلبى عنها غيرها، وقد صنف أبو بكر ـ ابن موسى الحازمي كتابا فى الناسخ والمنسوخ، مماه الاعتبار)) وهو من الكتب النفيسة فى هذا الموضوع ، وقد طبع مرارا بمصر وحلب وحيدرأها - ٤١٩- والصحابة أورع من أن يحكم أحد منهم على حكم شرعى بنسخ من غير معرفة تاريخ تأخر الناسخ عنه الثالث: معرفة التاريخ الواقعتين، كحديث «أفطر الحاجم والمحجوم» له فى بعض طرقه أنه قال ذلك زمن الفتح، وذلك سنة ثمان والرابع: أن يجمع على العمل به، كحديث « من شرب خمراً فاجلدوه» ثم قال فى الرابعة ((فاقتلوه)) قال النووى: إنه حديث منسوخ دل الاجماع على نسخه ، قاله فى شرح مسلم، وتعقب بأنه لا إجماع، إذ قال ابن عمر بالعمل به ، وقال به ابنحزم # ٥٦ مسألة [فى بيان التصحيف ] التصحيف هو : تحويل الكلمة من الهيئة المتعارفة إلى غيرها ( معرفة التصحيف(١) أمر مهم ، وقد صنف فيه غير واحد من الحفاظ ، منهم أبو الحسن. (١) معرفة المصحف والمحرف مما تمس حاجة المحدثين بل سائر العلماء إليه؛ فانه من مزالق أقدام الفحول، وكم نقل العلماء عن السادة الأعلام من التصحيفات الغريبة، ولا سيما فى الأعلام التى ليس للذهن فيها مجال ، ولاهي أى، يقاس، أو يأخذه الإنسان بقواعد وضوابط ، وقد كان المتقدمون يطلقون المصحف والمحرف جميعاً على شىء واحد، وعلى إطلاقهم اعتبرهما ابن الصلاح ومن تابعه فنا واحداً ، ولكن الحافظ ابن حجر رحمه الله جعلهما شيئين، وخالف بينهما كما سنوضحه فيما عد، وتقد تبعه السيوطي رحمه الله على ذلك، ومنشأ التسمية بالمصحف أن قوما كانوا قد أخذوا العلم عن الصحف والكتب ، ولم يأخذوه من أفواه العلماء ، وأنت خبير بأن الكتابة العربية - ٤٢٠ - قد كانت تكتب عهداً طويلا من غير إعجام للحروف ولا عناية بالتفرقة بين المشتبه منها ، لهذا وقع هؤلاء فى الخطأ عند القراءة ، فكانوا يسمونهم ((الصحفيين)) أى: الذين يقرأون فى الصحف ، ثم شاع هذا الاستعمال حتى اشتقوا منه فعلا فقالوا ((صحف)) أى: قرأ الصحف، ثم كثر ذلك عقى ألسنتهم فقالوا لمن أخطأ ((قد صحف)) أى: فعل مثل ما يفعل قراء الصحف. وأول من صنف فى هذا الفن الامام أبو أحمد الحسن بن عبد الله بن سعيد العسكرى، المتوفى فى سنة (٢٨٣) من الهجرة، ثم صنف الحافظ أبو الحسن على بن عمر الدار قطنى المتوفى فى سنة (٣٨٥) من الهجرة كتابا مفيدا فى هذه الفن، قال السيوطى فى شأنه ((أورد فيه كل تصحيف وقع للعلماء حتى في القرآن)اهـ وقد نبهناك فى أول هذه الكلمة إلى أن المتقدمين - ومنهم ابن الصلاح ومتابعوه - قد جعلوا المصحف والمحرف جميعا نوعا واحداً، وأن الحافظ الين حجر هو الذى جعلهما نوعين وجرى على اصطلاحه السيوطى ، قال الحافظ رضى الله عنه فى ((نزهة النظر)) (ص ٣٥): ((ثم إن كانت المخالفة بتغيير حرف أو حروف مع بقاء صورة الخط فى السياق فان كان ذلك بالنسبة إلى النقط فالمصحف وإن كان بالنسبة إلى الشكل فالمحرف))اهـ، واعلم أن كلامن التصحيف والتحريف قد يكون فى السند، وقد يكون فى المتن ، وقد يكون فى السماع لاشتياف الكلمتين ، وقد يكون لفظا، وقد يكون معنى. فمثال التصحيف فى الاسناد ماوقع للامام المحدث يحيى بن معين فى حديث شعبة عن العوام بن مراجم - بالراء المهملة والجيم الموحدة - عن أبى عثمان النهدى عن عثمان بن عفان رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((لتؤدن الحقوق إلى أهلها - الحديث)) فان يحيى رحمه الله قد صحفه إن ((العوام بن مزاحم)» بالزاى موحدة والحاء مهملة . ومثال التصحيف فى المتن ما وقع للامام وكيع بن الجراح فى حديث معاوية ابن أبى سفيان رضى الله تعالى عنه قال (( لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين يشفقون الخطب تشقيق الشعر)» فقد صحفه وكيع فقال ((يشفقون الخطي) بالحاء المهملة مفتوحة بدل الخاء المعجمة مضمومة ، ذكر ذلك الدار قطنى: