Indexed OCR Text

Pages 121-140

- ١٢١ -
ولو امرأة على الصحيح) واستدل ابن الصلاح لما جزم به بقوله ((لأن العدد لم
يشترط فى قبول الخبر ، فلم يشترط فى جرح راويه ولا تعديله ، بخلاف
الشهادات)» انتهى
قلت : وفى المسألة ثلاثة أقوال
الأول : أنه لا يقبل فى التزكية إلا رجلان فى رواية وشهادة، حكاه القاضى
أبو بكر الباقلانى عن أكثر الفقهاء من أهل المدينة وغيرهم
الثانى: أنه يكفى واحد فيهما، وهو اختيار القاضى أبى بكر ، فانه قال:
والذى يوجب القياس وجوب قبول تزكية كل عدل مرضى ، ذكراً أو أنثى، حراً
أو عبدا، لشاهد ومخبر
الثالث : التفصيل ، فيكفى فى الرواية تزكية العدل ، ولا بد من اثنين فى
الشهادة ، ورجحه الأمام فخر الدين والسيف الآمدى
وأقربها أوسطها، لأن التزكية من باب الأخبار ، ولا يشترط العدد فى قبول
رواية العدل
وقوله ((على الصحيح)» يتعلق بقوله (( ولو امرأة)) لأنه قد اختلف فى
تعديل المرأة، فحكى القاضى أبو بكر عن أكثر الفقهاء من أهل المدينة وغيرهم
أنها لا تقبل النساء فى التزكية لا فى رواية ولا فى شهادة ، وقيل : تقبل مطلقا
فى مسائل زادها المصنف على ابن الصلاح: يقبل تعديل العبد والمرة العارفين،
لقبول خبرهما، وبذلك جزم الخطيب فى الكفاية والرازى والقاضى أبو بكر
بعد أن حكى عن أكثر الفقها، من أهل المدينة وغيرهم أنه لا يقبل فى التعديل
النساء، لافى الراوية ولا فى الشهادة ، واستدل الخطيب على القبول بسؤال
النبى صلى الله عليه وسلم بريرة عن عائشة فى قصة الأفك، بخلاف الصبى المراهق
فلا يقبل تعديله إجماعا))اه كلامه، وستعرف للمصنف وللشارح كلاما فى هلها
الاستدلال الذى أشار إليه السيوطي

- ١٢٢ -
فيهما ، قاله صاحب المحصول ، واختار القاضى ذلك ، إلا أنه قال : لا تقبل تزكيتها
فى الحكم الذى لا تقبل شهادتها فيه .
(قال الخطيبٍ: والأصل فى ذلك ) أى فى التزكية وقبول الواحد ، أو الاشارة
إلى قبول الواحد فقط ( سؤال النبى صلى الله عليه وسلم لبريرة عن حال عائشة فى
حديث الأفكِ وجوابها عليه ) إشارة إلى ماوقع فى حديث الافك ، وهو : أن
عليا رضى الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلملما استشاره: سل الجارية تصدقك)،
فسألها فقالت: ما علمت عليها إلا ما يعلم الصائغ على التبر، أو كما قالت .
إلا أن فى هذا إشكالان (١)
الأول: فى قول الخطيب سؤال النبى صلى الله عليه بريرة (٢) وبريرة إنما كانت
(١) هكذا فى الأصلين ((إشكالان)) بالألف، ويخرج على أنه اعتبره اسم
إن وجاء به على لغة من يلزم المثنى الألف فى أحواله كلها ، أو على أن اسم إن
ضمير شأن محذوف، وقوله ((فى هذا إشكالان)) جملة من مبتدأ وخبر فى
محل رفع خبر إن ، هذا إذا لم نعتبره من السهو أو خطأ الناسخ .
(٢) هاك عبارة الخطيب فى الكفاية لتحكم فيما ذكره الشارح، قال ((باب
ماجاء فى كون المعدل امرأة أو عبداً أو صبياً)) الأصل فى هذا الباب سؤال
النبى صلى الله عليه وسلم بريرة فى قصة الأفك عن عائشة أم المؤمنين، وجوابها له،
وساق سنداً إلى الزهرى أنه قال : حدثنى أربعة : عروة بن الزبير وسعيد بن
المسيب وعبيدالله بن عبد الله بن عقبة وعلقمة بن وقاص الليثى عن حديث عائشة
وساق قصة الأفكِ بطولها، وقال فيها : فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم
بريرة فقال : هل علمت على عائشة شيئاً يريبك ؟ أو رأيت شيئاً تكرهينه؟
قالت: أحمى سمعي وبصرى ، عائشة أطيب من طيب الذهب . ثم قال : حدثنى
محمد بن عبيد الله المالكي أنه قرأ على القاضى أبى بكر محمد بن الطيب قال: إن
قال قائل: أخترون وجوب قبول تعديل المرأة العدل العارفة بما يجب أن يكون
عليه العدلى ومابه يحصل الجرح ؟ قيل : اجل، ولا شىء يمنع من ذلك من
إجماع أو غيره ، فلو حصل على منعه توقيف أو إجماع لمنعناه وتركنا له القياس

- ١٢٣ -
عند عائشة رضى الله عنها بعد المكاتبة ، ولم تكاتب إلا بعد قصة الافك بمدة
طويلة ، وكان العباس حين كاتبها بالمدينة ، ولم يقدم العباس إلا بعد فتح مكة ،
وأين قصة الافك من ذلك ؟
وأجيب عنه أن علياً رضى الله عنه إنما قال («سل الجارية)» فوهم الراوى،
وسماها بريرة ، نبه على هذا ابن القيم
والثانى : أن عائشة رضى الله عنها كانت عدالتها معلومة عنده صلى الله عليه
وسل، فلا تحتاج إلى تعديل وتزكية ، وإنما سؤاله صلى الله عليه وسلم الجارية من
باب الاستئبات فى باب الأخبار وقرائن الأحوال ، لا ليستفيد تزكية مجهول
الحال التى هى مسألة الباب ، ولكنه أخذ منه الخطيب أنه يلزم من هذا شرعية
السؤال عن تز كية من جهل حاله
(قال) مقتضى السباق أن القائل (١) الخطيب، ولم أره عنه، بل فى شرح
وإن كان أكثر الفقهاء من أهل المدينة وغيرهم لا يقبل فى التعديل النساء
ولا يقبل أقل من رجلين )) اهـ كلامه ، وسنذ كرلك فيما بعدوجوه الاستدلال
التى استدلوا بها على قبول تعديل المرأة المتصفة بما ذكر.
(١) لقد تعرض الحافظ أبو بكر الخطيب لتزكية الصبى، ولكن رأيه الذى
قرره يخالف ماذكره المصنف ههنا، لاجرم كان قول الشارح ((ولم أره عنه)
صحيحاً، وهاك عبارة الخطيب، قال: ((فان قيل : ما تقولون فى تزكية الصى
المراهق والغلام لما يسمعه؟ أتقبل أم لا؟ قيل: لا، لمنع الاجماع من ذلك،
ولأجل أن الغلام وإن كانت حاله ضبط ماسمع والتعبير عنه على وجهه ؛ فانه
غير عارف بأحكام أفعال المكلفين ، ومابه منها يكون العدل عدلا والفاسق
فاسقا، وإنما يكمل لذلك المكلف، فلم يجز لذلك قبول تزكيته، ولأنه لا تعبد
عليه فى تزكية الفاسق وتفسيق العدل ، فان لم يكن لذلك خائفامن مائم وعقاب
لم يؤمن منه تفسيق العدل وتعديل الفاسق ، وليس هذه حال المرأة والعمد»

- ١٢٤ -
الألفية لم ينسبه إلى قائل (وفى) رواية (الصغير المميز الموثوق به ) الذى لم يجرب
عليه كذب ( وجها ) أحدهما قبوله ، ومن يقبله لا يشترط فى قبول الرواية
بلوغ الراوى ( حكاهما البغوى) نسبة إلى بغشور بلدة بين هراة وسرخس،
والنسبة بغوى على غير قياس معرب كوشر، أى الحفرة المالحة ، قاله فى القاموس
وفى طبقات الأسنوى أن محيى السنة - وهو الحسين بن مسعود - منسوب إلى
بغى- بفتح الباء، وهى قرية بخراسان بين هراة ومرو (والجوينى) منسوب إلى
جوين كزبير كورة بخراسان وبلدة بسرخس كما فيه أيضاً (والرافى والنووى)
نسبة إلى نَوِى ، وتخفض، بلدة بالشام وقرية بسمرقند ، والنووى من الأولى كما قاله
فيه أيضاً (بقيد الرافعى النووى الخلاف بالمراهق ، وصححا عدم القبول)
هذا النقل من شرح منظومة الزين، ولفظه بعد ذكر البغوى والجوينى
((وتابعهما الرافعى، إلا أنه قيد الوجهين فى التيمم بالمراهق، وصحح فى شرح
المهذب عن الجمهور عدم القبول، وتبعه عليه النووى ، وقيده فى استقبال القبلة
بالمميز، وحكى عن الأكثرين عدم القبول، وحكى النووى فى شرح المهذب عن
الجمهور قبول أخبار الصبي المميز فيما طريقه المشاهدة ، بخلاف ما طريقه النقل
كلافتاء ورواية الأخبار)) انتهى
(قال) أى ابن الصلاح ، ومقتضى ماسبق أن القائل الخطيب، وليس كذلك
كما ستعرفه ( ومما تثبت به العدالة الاستناضة والشهرة، فلا يحتاج) من اشتهر بها
فافترق الأمر فيهما)) اه، فهو يرى أن العبى غير البالغ لاتقبل تزكيته مطلقاً،
لأنه إذا لم يقبل تزكية المراهق فمن دونه أولى ، ومجمل دليله على عدم قبول
تزكينه أنه غير مكلف فلا يخاف عقابا ولايرجو ثوابا لأنهما يكونان لمن يوجه
إليه الخطاب. وإذاكن كذلك لم يؤمن على التركية.
1

- ١٢٥ -
( إلى توثيق، وهو الصحيح من مذهب الشافعى) قال ابن الصلاح(١): وعليه الاعتماد
(١) ها هى ذى عبارة ابن الصلاح مرتبطا بعضها ببعض، قال: ((عدالة
الراوى تارة تثبت بتخصيص المعدلين على عدالته ، وتارة تثبث بالاستفاضة ،
فمن اشتهرت عدالته بين أهل النقل أو نحوهم من أهل العلم وشاع الثناء عليه
بالثقة والأمانة - استغنى فيه بذلك عن بينة شاهدة بعدالته تنصيصاً، وهذا
هو الصحيح فى مذهب الشافعي، وعليه الاعتماد فى فن أصول الفقه.
وممن ذكر ذلك من أهل الحديث أبو بكر الخطيب الحافظ، ومثل ذلك بمالك
وشعبة والسفيانين والأوزاعى والليث وابن المبارك ووكيع وأحمدبن حنبل
ويحيى بن معين وعلى بن المديني ومن جرى مجراهم فى نباهة الذكر واستقامة
الأمر ، فلا يسأل عن عدالة هؤلاء وأمثالهم ، وإنما يسأل عن عدالة من خفى
أمره على الطالبين ، وتوسع ابن عبد البر الحافظ فى هذا فقال: كل حامل علم
معروف العناية به فهو عدل محمول فى أمره أبدا على العدالة حتى يتبين جرحه ،
لقوله صلى الله عليه وسلم : يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ، وفيما قاله
اتساع غير مرضى، والله أعلم)) اهـ كلامه. وقد أشار فى كلامه إلى أن الخطيب
أبا بكر الحافظ ذكر أن العدالة تثبت بالشهرة والاستفاضة وأنه مثل لذلك
يجماعة من أعلام المحدثين، وإليك عبارة الخطيب أبى بكر. قال: ((باب فى
المحدث المشهور بالعدالة والثقة والأمانة لايحتاج إلى تزكية المعدل، مثال ذلك
أن مالك بن أنس وسفيان الثورى وسفيان بن عيينة وشعبة بن الحجاج
وبا عمرو الأوزاعي والليث بن سعد وحماد بن زيد وعبد الله بن المبارك ويحيى
ابن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدى ووكيع بن الجراح ويزيدبن هارون
وحقان بن مسلم وأحمد بن حنبل وعلى بن المدينى ويحيى بن معين ومن جرى
مجراهم فى نباهة الذكر واستقامة الأمر والاشتهار بالصدق والبصيرة والفهم
لإيسأل عن عدالتهم، وإنما يسأل عن عدالة من كان فى عداد المجهولين أو أشكل
أمره على الطالبين، ثم ساق سندا إلى أحمد بن حنبل أنه سئل عن إسحاق
ابن راهويه فقال: مثل إسحاق يسأل عنه؟ إسحاق عندنا إمام من أئمة المسلمين
ثم ساق سندا إلى محمد بن عقيل أنه قال : سمعت حمدان بن سهل يقول :
سألت يحيى بن معين عن الكتابة عن أبى عبيد والسماع منه ، فقال: مثلى

- ١٢٦ -
فى أصول الفقه، ثم قال: (وممن ذكره من أهل الحديث الخطيب) ومثل لذلك
بمالك وشعبة والسفيانين والأوزاعى والليث وابن المبارك ووكيع وأحمد بن حنبل
ويحيى بن معين وعلى بن المدينى ومن جرى مجراهم فى نباهة الذكر واستقامة الأمر
فلا يسأل عن عدالة هؤلاء وأمثالهم ، وإنما يسأل عن عدالة من خفى أمره عن
الطالبين ، ولم يذكر المصنف دليل هذه الدعوى وهكذا يصنع كثيراً ، ولا يليق
به ، وقد استدل القاضى أبو بكر على ذلك أن العلم بظهور سيرتهما وظهور عدالتهما
- يزيد الراوى والشاهد - أقوى فى النفوس من تعديل واحدواثنين يجوز عليهما
الكذب والمحاباة فى تعديله وأغراض داعية إلى وصفه بغير صفته اهـ. وقد سئل
أحمد عن إسحاق بن راهويه فقال: مثل إسحاق يسأل عنه، وسئل ابن معين
عن أبى عبيد فقال : مثلى يسأل عن أبى عبيد? أبو عبيد يسأل عن الناس.
(وذكر الخطيب (١) قول ابن عبد البر إن كل حامل علم معروف بالعناية فيه
يسأل عن أبى عبيد؟ أبو عبيد يسأل عن الناس. وروى عن أبى بكر محمدبن
الطيب أنه قال: الشاهد والمخبر إنما يحتاجان إلى التزكية متى لم يكونامشهورى
العدالة والرضا ، وكان أمرهما مشكلا ملتبنا ومجوزا فيه العدالة وغيرها. ثم
قال: والدليل على ذلك أن العلم بظهور سترهما واشتهار عدالتهما أقوى فى
النفوس من تعديل واحد واثنين يجوز عليهما الكذب والمحاباة فى تعديله
وأغراض داعية لهما إلى وصفه بغير صفته ، وبالرجوع إلى النفوس يعلم أن
ظهور ذلك من حاله أقوى فى النفس من تزكية المعدل لها مصح بذلك ماقلناه.
ويدل على ذلك أيضا أن نهاية حال تزكية العدل أن يبلغ ظهور ،بتره، وهى
لا تبلغ ذلك أبدا ، وإذا ظهر ذلك فما الحاجة إلى التعديل،»
(١) مما أثرناه لك فى كلامنا السابق عن ابن الصلاح وعن الخطيب أبى بكر
تعلم أن الذى نقل عن ابن عبد البر وذكر استدلاله بهذا الحديث هو ابن الصلاح
لا الخطيب، فتنبه لهذا. ومهما يكن من شىء فان هذه المسألة هى المعروفة
عند الأصوليين بمسألة مستور الحال ، هل هو مقبول الرواية أولا؟ وخلاصة
:

- ١٢٧ -
فهو عدل محمول فى أمره أبدا على العدالة حتى يتبين جرحه ، لقوله صلى الله عليه
وسلم (( يحمل هذا العلم من كل خَلَفَ عُدوله ينفون عنه تحريف الغالين) التحريف
التغيير، والغالى من غلافى الأمر غلوا: جاوز حده ( وانتحال المبطلين ) من قولهم
ماذكره الأصوليون أن مذهب الشافعى وأحمد بن حنبل وأكثر أهل العلم
أن مجهول الحال غير مقبول الرواية ، بل لابد من خبرة ومعرفة بحاله وسيرته
وكشف سريرته أو تزكية من عرفت عدالته وتعديله له ، ومذهب أبى حنيفة
وأتباعه أنه يكتفى فى قبول الرواية بظهور الاسلام والسلامة عن الفسق ظاهرا
وقد احتج من لا يقبل روايته - سوى النصوص الواردة فى النهى عن قبول
الظن - بأن قالوا: أجمعنا على أن العدالة شرط فى قبول الرواية عن النبى
صلى الله عليه وسلم، وعلى أن بلوغ رتبة الاجتهاد فى الفقه شرط فى قبول
الفتوى، فاذا لم يظهر حال الراوى بالاختبار فلا نقبل أخباره دفعا للمفسدة .
اللازمة من فوات الشرط، كما إذا لم يظهر بالاختبار بلوغ المفتى رتبة الاجتهاد
فانه لا يجب على المقلد اتباعه إجماعا. واحتج من يقبل روايته بأن قالوا: إن
الراوى المستور مسلم لم يظهر منه فسق فكان خبره مقبولا كما لو أخبر بأن هذا
اللحم مذكى وبأن هذا الماء طاهر أو نجس وبأن هذه الجارية رقيقة وبأنه
هو نفسه متطهر عن الحدثين ليصح الاقتداء به ، ونحن نقبل خبره فى هذه
المسائل فيلزم قبول خبره فيما يرويه، وأيضا فانه لو أسلم كافر ثم روى خبرا
عقيب إسلامه من غير مهلة قبلناه، فقبول خبره بعدظهور إسلامه بمدة لم
يظهر منه فيها ما يوجب فسقه أولى، وأجيب عن الأول بأن الرواية عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلى رتبة وأشرف منزلة من الأخبار فيماذكروه
من الأمور فلا يلزم من قبول إخباره مع الجهل بحاله فيما هو أدنى الرتبتين قبول
إخباره فيما هو أعلاهما . وعن الثانى بمنع قبول روايته دون اختبار حاله ، على
أنا لو قبلنا خبره فى حال إسلامه لم يلزم قبوله بعده بمدة من غير اختبار حاله لأنه
فى إقدامه على الاسلام دليل على أنه فى هذا الوقت رقيق القلب شديد الأخذ
بموجبات الدين حريص على امتثال مأموراته ، واجتناب منهياته، ولا نضمن بقاء
ذلك فيه فكان الاحتياط لازما .

- ١٢٨ -
(انتحله)) أى ادعاه لنفسه وهو لغيره، والمبطل: من أبطل، إذا أتى بغير الحق
ومعنى الحديث: يبعدون عنه تغيير من يفسره بما يتجاوز فيه الحد فيخرج به عن
قوانين الشرع، وادعاء من يدعى فيه شيئا يكون باطلا لا يوافقه الواقع، وكأنه يشير
بالجملة الأولى إلى من يغير تفسير الأحاديث النبوية تعمداً أو تلبيساً، وبالثانية إلى
من يكذب على النبى صلى الله عليه وسلم، فانه بادعائه لحديث لم يحدث به ولا
سمعه ينتحل باطلا، وهذا الحديث الذى ذكره المصنف ( هو حديث مختلف
فيه، فقيل: إنه مرسل أرسله إبراهيم بن عبد الرحمن العذرى، روى عنه معانٍ)
بضم أوله وتخفيف المهملة (ابن رفاعة) السلامى بتخفيف اللام ، قال فى التقريب:
لين الحديث كثير الارسال ، ويأتى كلام اللماء فيه (ورواه عن معان غير واحد
ذكره الذهبي فى الميزان، وقد توبع معان، فذكر الجلال فى علاء أن أحمد) يريدابن
حنبل ( سئل عنه وقيل له: كأنه كلام موضوع، قال: لا، هو صحيح، فقيل له : من
سمعنه ؟ قال: من غير واحد) فقيل له: مَنْ هم (ثم رواه عن مسكين) فقال: حدثنى
مسكين (قال: لكنه قال عن القاسم بن عبد الرحمن ) لفظ الزين إلا أنه يقول
عن معان عن القاسم بن عبدالرحمن (قال: يعنى نغلط فى اسم إبراهيم) فقال
القاسم مكان إبراهيم (بن عبدالرحمن) ولعله ابن عوف الزهرى ( قال أحمد :
ومعان لا بأس به ، ووثقه ابن المدينى) قلت : قال ابن القطان: خفى على أحمد
من أمره ماعلمه غيره ، ثم ذكر تضعيفه عن ابن معين وأبى حاتم وابن عدى وابن
حبان ، اهـ (قلت: وأما إبراهيم فقال الذهبى تابعى مقل) أى قليل الرواية ( ما علمته
واهيا، قلت: وذكر فى مختصر أسد الغابة أنه كان صحابيا، والله أعلم) قلت :
إن كان هو ابن عبدالرحمن بن عوف فقد قال الحافظ بن حجر فى التقريب : قد
قيل إن له رؤية .
٠
هے
(قال زين الدين: وقد روى هذا الحديث مرفوعامسنداً من حديث على بن
أبى طالب )،وابن عمر بن الخطاب، وابن عمرو، وأبى هريرة، وأبى أمامة ، وجابر

- ١٢٩ -
ابن سمرة ، رضى الله عنهم! وكلها ضعيفة) تتمة كلامه ((لا يثبت منها شىء يقوى
المرسل المذكور)) قال البقاعى: وقد بقى عليه أسامة بن زيد، فقد قرأت بخط
بعض الفضلاء من أصحابنا أنه أورد الحفظ صلاح الدين العلائى هذا الحديث
عن أسامة بن زيد مرفوعاً، وقال فيه: حديث صحيح غريب، وصححه ابن حبان
قال: (قال ابن عدى: ورواه الثقات عن الوليدبن مسلم عن إبراهيم بن عبد الرحمن،
قال : حدثنا الثقة من أصحابنا أن رسول الله قال: وساق الحديث، قلت: فهذه)
يعنى ما روى مرفوعا مسنداً عن الصحابة رضى الله عنهم ( شواهد تقُوِّيه، وقد
اختلف الحفاظ : هل الصحيح وقفه أو وصله) على ثلاثة أقوال ( فقال العقيلى:
الاسناد) أى الوصل (أولى) من الارسال (ونازعه ابن القطان) قائلا: إن الارسال
أولى من الوصل، وه ثانى الأقوال، وثالثها قوله ( وتوقف فى ذلك ابن النحوى)
المعروف بابن الملقن.
( قال الزين: ومن وافق ابن عبد البر على هذا من المتأخرين الحافظ ابن
المواق ) فانه قال فى كتابه بغية النقاد : أهل العلم محمولون على العدالة حتى يظهر
منهم خلاف ذلك (وضعفه) أى استدلال ابن عبد البر بالحديث (زين الدين
بوجهين) قد أبدى البقاعى ثالنا، وهو ((أنه لو كان خبرا لم يسمع جرح أصلا فيبقى
قوله حتى يتبين جرحه مناقضاً لاستدلاله)) .( هـ (أحدهما) من حيث الرواية، وهو
(إرساله وضعفه) كما عرفت (ونانهما) من حيث الدراية، وهو ( أنه لو كان بمعنى
الخبر) عن الشارع بأن كل حامل علم عدل تخبره واجب الصدق، فلو كان كذلك
(لم يوجد حامل على غير عدل) والواقع خلافه (فثبت أنه بمعنى الأمر) ولفظ الزين
((فلم يبقله ممل إلا على الأمر ، ومعناه أنه أمر الثقات بحمل العلم لأن العلم إنمايقبل
عن الثقات)) انتهى. فالمراد ليحمل هذا العلم من كل خلف عدوله (ويقوى ذلك) أى
أنه أريد به الأمر (أنه قد ورد فى بعض طرق أبى حاتم ((ليحمل هذا العلم)» بلام الأمر)
تحمل عليها رواية الخبر، ولا يقال: هلا عكسم، لأنا نقول: هنا مرجح لحمل
(٩- تنقبح ٢)

- ١٣٠ -
الخبر على الأمر، هو مخالفته الواقع لوحمل على الأخبار.
(قلت : ويمكن الجواب على الزين) فى هذا التضعيف الذى أبداه الاستدلال
ابن عبد البر عن الوجهين معا .
( أما الأول ) وهو الاعتراض من حيث الرواية ( فلا معنى للرد بالارسال
والضعف المحتمل المختلف فيه، لأنها مسائل اجتهاد، إلا أن يريد) أى زين الدين
( أن هذا) أى إرسال الحديث وضعفه (هو المانع له إذا كان مذهبه يقتضى ذلك
فصحيح ، وأما إن أراد منع غيره من الذهاب إلى ذلك فلا يصح له ) إلا أن يثبت
أن ابن عبد البر لا يعمل بالمراسيل ولا بالضعيف المحتمل.
( وأما الثانى) وهو اعتراضه الاستدلال من حيث الدراية ، وهو حمل الخير
١
على الأمر (فنقول) فى جوابه ( الأصل فى الخبر والأكثر أن يقر على ظاهره)
من غير صَرْف له عنه إلى غيره ( والتأويل من غير ضرورة لا يجوز) والقول
بأن الضرورة الموجبة للتأويل عدم صدق الحديث إن حمل على الأخبار مدفوع
بقوله ( ووجود التخصيص فى مدلولات الأخبار لا يوجب صرفها من باب الأخيار
إلى باب الأوامر ) فيحمل الخبر على التخصيص بوجود من ليس بعدل فى حَمَةَ
العلم (و) لا يقال: فقد تأولى اخبر أيضا كما تأوله زين الدين، واتفقم الجميع
على إخراج الخبر عن ظاهره، لأنا نقول (ورود التخصيص) فى الأخبار العامة
(أكثر من ورود الأخبار بمعنى الأمر) والتأويل بالحمل على الأكثر أولى من
التأويل بالحمل على الأقل كما ذهب إليه الزين ..
فان قلت : فعلى كلام المصنف قد آل معنى الحديث إلى الأخبار بأن بعض
حملة العلم عدول، ولزم من مفهومه أن بعضهم غير عدول ، وبهذا لا يتم دليلا
لابن عبد البر على مدعاه بأن كل حامل علم معروف بالعناية فيه فهو عدل .
قلت : بل يتم به استدلاله، وذلك لأن العام يعمل به على عمومه حتى يقوم

- ١٣١ -
دليل على تخصيصه، فمن كان حامل على معروفا بالعناية به فهو عدل حتى يظهر
تادح فى عدالته.
إن قلت : الزين لم يحمله على الأمر بمجرد ما ذكر، لأنه ورد بصيغة الأمر
فی رواية .
قلت : أجاب عنه بقوله ( وأما رواية أبى حاتم فقد قدمْتَ ) خطاب للزين
(أنها عندك ضعيفة) وذلك لأنه قال الزين: ورواه أى حديث ((يحمل هذا العلم
من كل خلف عدوله)» ابن أبى حاتم فى مقدمة كتاب الجرح والتعديل وابن عدى
فى مقدمة الكامل ، وهو مرسل أو معضل ضعيف، انتهى، ولم يتقدم للمصنف
نقل الزين تضعيفه عن أبى حاتم ( ونزيدك على ذلك أنها معلولة بمخالفة جميع
الرواة، إذ كلهم رواه بلفظ الخبر، فالوهم أبعد عن الجماعة، والله أعلم) فيكون
الواهم مَنْ رواه بلفظ الأمر، وحينئذ فيتم الاستدلال بالحديث لابن عبد البر
( ثم إن ما ذهب إليه ابن عبد البر وابن المواق هو الذى عليه عمل الموافق
والمخالف فى أخذ اللغة عن اللاويين وأخذ الفتيا عن المفتين وأخذ الفقه ومذاهب
العلماء عن شيوخ العلم، وقد بينت ذلك فى العواصم بيانا شافياً، فليطالع فيه)
فى الجزء الأول من العواصم ، فانه قال بعد إيراده للحديث الأول واستيفاء الكلام
عليه بما ذكره هنا ما افظه: الأثر الثانى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ((من
يرد الله به خيراً يفقهه فى الدين)) رواه ابن عباس وأبو هريرة ومعاوية كلهم عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديث ابن عباس أخرجه الترمذى ، وقال:
حديث صحيح، وحديث أبى هريرة ذكره التر مذى تعليقاً، وحديث معاوية
أخرجه البخارى، وإنما ذكرته هنا لئلا يظن مَنْ وقف عليه فى صحيح البخارى
أنه لميرو الحديثَ أحد سواه، وزاد الخطيب فى كتاب الفقيه والمتفقه أنه رواه
عمر وابنه عبد الله ، وابن مسعود، وأنس ، فهذا الحديث دل على أن الله أراد
بالفقهاء فى الدين الخير، والظاهر فيمن أراد الله به الخير أنه من أهله، وهو مقو
1

-- ١٣٢ -
للدليل لا معتمد عليه على انفراده، وفيه بحث يتشعب تركناه اختصاراً .
الأثر الثالث : قصة الرجل الذى قتل تسعة وتسعين نفساً ، وسأل عن أعبد
أهل الأرض، فدل عليه ، فسأله، فأفناه أنه لاتوبة له ، فقتله، ثم سأل عن أعلم
أهل الأرض ، فدل عليه، فسأله، فأفتاه بأن توبتهمقبولة، إلى آخر الحديث ، وفيه
أنه من أهل الخير، وفى قصته بعد المعرفة بالعلم أنه لم يسأل عن العدالة، والحديث
متفق عليه .
الأتر الرابع: أنه لما قال الله لموسى عليه السلام ((إن لنا عبداً هو أعلم منك
- يعنى الخضر عليه السلام- فسأل موسى من الله لقاءه ليتعلم منه، وسافر للقائه،
ولم يرو أنه سأل عن عدالته بعد أن أعلمه الله بعلمه مع أن من الجائز أن يكون
العالم غير عامل كبلعم بن باعوراء وغيره، ولكنه تجويز بعيد قليل الاتفاق نادر
الوقوع ، فلم يجب الاحتراز منه .
وفى بعض هذه الآثار أثرضعف ، ولكنه ينجبر باجتماعها وشهادة القرآن
لها ، وهى الحجة الثانية وهى قوله تعالى «فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون»
فأمر الله سبحانه وتعالى بسؤالهم ، وهو لا يأمر بقبيح ، فدل إطلاقه على جواز سؤال
العلماء على العموم، إلا من عرف بقلة الدين، ثم ذكر أدلة من جهة النظر، وسرد
خمسة أنظار دالة على ما ذكره، وأتى فيها بنفائس، وأطال فيها المقال والجواب
والسؤال بما يقوى ما جنح إليه ابن عبد البر .
واعلم أن هذا البحث جميعه مبنى على المشهور فى رواية ((يحمل)) إلخ أنها
بفتح حرف المضارعة ونصب العلم ورفع عدوله، لاعلى ماقاله الشيخ فى النكت
أن ابن الصلاح حكى فى قواعد الرحلة أنه وجد حكاية مسندة إلى أبى عمرو مدبن
أحمد التميمى أنه يروى هذا الحديث بضم الياء من يحمل على أنه لما لم يسمَّ فاعله
ورفع الميم من العلم، وفتح العين واللام من عَدُولة، ومعناها أن الخلف هو العدول

- ١٣٣ -
!
بمعنى عادل، كما يقال شكور بمعنى شاكر، والتاء للمبالغة كما يقال: رجل صرورة (١)
انتهى ، ومعناه على هذا: يحمل عن الناس العلم من كل خلف عادلٌ، فلا يفيد
ما استدل به ابن عبد البر، بل هو إخبار بأنه لا يؤخذ العلم إلا ممن اتصف
بالعدالة وتحقق قيامها به .
(قال): أى الزين (والصحيح عندهم أن الجرح لا يقبل إلا مبين السبب)
أى الصحيح من الأقوال الأربعة المعروفة (٢): الأول هذا، الثانى: أنه يجب بيان
(١) يقال ((رجل صرورة، ورجل صارورة ، ورجل صرورى)) والمراد
أنه لم يحج . ووقع فى شعر النابغة الذبيانى قوله :
لو أنها عرضت لأشمط راهب عبد الاله صرورة متعبد
لرنا لبهجتها وحسن حديثها ولحاله رشدا وإن لم يرشد
قال يعقوب : والصرورة فى شعر النابغة الذى لم يأت النساء كمأنه أصر
على تركهن ، وفى الحديث ((لا صرورة فى الاسلام))
(١) اعلم أولا أن المزكى والجارح إما أن يذكر كل واحد منهما مع حكمه
الذى حكم به السبب الذى استند إليه، وإما ألا يذكر السبب الذى استند إليه،
فان ذكر المزكى سبب التزكية وكان هذا السبب موجبا للعدالة ، وذكر الجارح
سبب الجرح وكان هذا السبب موجبا للفسق أو عدم العدالة - فلا خلاف
بين أحد من العلماء فى قبول هذه التزكية المستندة إلى سببها الموجب لها وفى
قبول هذا الجرح المستند إلى سببه الموجب له، متى صدر كل واحد منهما عمن
هو أهل لصدوره عنه، فأما إذا ذكر المزكى حكمه من غير أن يبين السبب
أو ذكر الجارح حكمه من غير أن يبين السبب فهذه التزكية تسمي التزكية
المبهمة أو التزكية المجملة، وهذا الجرح يسمى الجرح المبهم أو الجرح المجمل ،
وقد اشتهر أن للعلماء فى قبول التزكية المجملة والجرح المجمل أربعة مذاهب
المذهب الأول: لا تقبل التزكية المجملة ولا يقبل الجرح المجمل ، والمذهب
الثانى : تقبل التزكية المجملة ويقبل الجرح المجمل، والمذهب الثالث: تقبل
التركية المجملة، ولا يقبل الجرح المجمل، والمذهب الرابع: يقبل الجرح المجمل
١

- ١٣٤ -
٠٠٠
٠٠٠
٠٠٠
٠٠٠
١١
ولا تقبل التركية المجملة ، عكس الثالث ، وقد حكى الجلال السيوطى مذهبا
خامسا عن شيخ الاسلام - وهو الحافظ ابن حجر - وسماه تفصيلا حسناً،
وستعرفه قريبا .
ثم اعلم ثانيا أنه يفهم من كلام المصنف ههنا أن الخطيب الحافظ ذهب
إلى أن الجرح لا يقبل إلامبين السبب، وأن العدالة تقبل من غير بيان السبب
وهذا هو ظاهر وضع الأمر بادىء الزأى عند الخطيب، لكنك إذا رجعت إلى
كلامه كله عرفت أنه يقبل التزكية المجملة والجرح المجمل من العالم ذى البصيرة
بمايكون به العدل عدلا وما يكون به المجروح مجروحا، فأما من غير العالم
البصير بذلك - وسماه فى عبارته (( العامى)) - فانه لا يقبل الجرح إلا مبين
السبب ، وقدنص على فهم هذا من كلام الخطيب الحافظ جلال الدين السيوطي
فى التدريب حيث قال - بعد قول الامام النووى ((يقبل التعديل من
غير بيان سببه، على الصحيح المشهور ، ولا يقبل الجرح إلا مبين السبب))
- ما نصه (( ومقابل الصحيح أقوال : أحدها: قبول الجرح غير مفسر،
ولا يقبل التعديل إلا بذكر سببه لأن أسباب العدالة يكثر التصنع فيها،
فيبنى المعدل على الظاهر ، نقله إمام الحرمين والغزالى والرازى فى المحصول .
الثانى : لا يقبلان إلا مفسرين، حكاه الخطيب والأصوليون ، لأنه كما قد
يجرح الجارح بما لا يقدح، كذلك يوثق المعدل بما لا يقتضى العدالة ،
كماروى يعقوب الفسوى فى تاريخه قال: سمعت إنسانا يقول لأحمد بن
يونس: عبد الله العمرى ضعيف؟ فقال: إنما يضعفه رافضى مبغض
لآبائه، لو رأيت لحيته وهيأته لعرفت أنه ثقة، فاسندل على ثقته بما ليس
بحجة، لأن حسن الهيأة يشترك فيه العدل وغيره ، الثالث : لا يجب ذكر
السبب فى واحد منهما، إذا كان الجارح والمعدل عالمين بأسباب الجرح
والتعديل والخلاف فى ذلك ، بصيرا .رضيا فى اعتقاده وأفعاله، وهذا
اختيار القاضى أبى بكر ونقله عن الجمهور، واختاره إمام الحرمين والغزالى
والرازى والخطيب، وصححه الحافظ أبو الفضل العراقي والبلقينى فى محاسن

- ١٣٥ -
الاصطلاح. واختار شيخ الاسلام تفصيلاحسنا، فان كان من جرح مجملا قد
وثقه أحد من أئمة هذا الشأن لم يقبل الجرح فيه من أحد كائنا من كان إلا
مفسرا، لأنه قد ثبتت له رتبة الثقة فلا يزحزح عنها إلا بأمر جلى، فان أئمة
هذا الشأن لا يوثقون إلا من اعتبروا حاله فى دينه ثم فى حديثه ونقدوه كما
ينبغي ، وهم أيقظ الناس ، فلا ينقض حكم أحدهم إلا بأمر صريح ، وإن خلا
عن التعديل قبل الجرح فيه غير مفسر إذا صدر من عارف ، لأنه إذا لم يعدل
فهو فى حيز المجهول، وإعمال قول المجرح فيه أولى من إهماله)) اه كلامه.
وسنتحدث إليك عن قبول التزكية حديثا خاصا، ثم نتحدث عن قبول
الجرح حديثا آخر، ونبين لك أقوال أئمة هذا الشأن ، وأقوال علماء الأصول
لتكون على بصيرة من أمرك فى هذه المسألة، ولتعرف حجج من يقبل
التزكية المجملة والجرح المجمل من العدل البصير بأسباب التزكية والجرح
كالخطيب وبعض علماء الأصول، وتعرف حجج من يقبل التزكية المجملة
ولا يقبل الجرح المجمل كابن الصلاح
أما الكلام فى قبول تزكية المزكى وهل يشترط ذكر السبب أولا ، فقد قال
الحافظ الخطيب ((اختلف الناس فى تزكية المزكي لمن زكاه، فقال قوم: لا تقبل
حتى يذكر المزكى السبب الذى لأجله ثبتت عدالة المزكى عنده. ومن الحجة
لهم فى ذلك ما أخبرنا محمد بن الحسين بن الفضل القطان، قال : أنا عبد الله
ابن جعفر بن درستويه، قال: ثنا يعقوب بن سفيان، قال: سمعت إنسانا يقول
لأحمد بن يونس: عبد الله العمرى ضعيف؟ قال: إنما يضعفه رافضى مغض
لآبائه، ولو رأيت لحيته وخضابه وهيأته لعرفت أنه ثقة. فاحتج أحمد بن يونس
على أن عبد الله العمرى ثقة بما ليس بحجة ، لأن حسن الهيأة مما يشترك فيه
العدل والمجروح .
وقال قوم : لا يجب ذكر سبب العدالة، بل يقبل على الجملة تعديل المخبر
والشاهد، وهذا القول أولى بالصواب عندنا ، والدليل عليه إجماع الأمة على
أنه لا يرجع فى التعديل إلا إلى قول عدل رضا عارف بما يصير به العدل عدلا

- ١٣٦ -
٠٠٠
٠٠٠
٠٠
٠٠٠
٠٠٠
والمجروح مجروحا، وإذا كان كذلك وجب حمل أمره فى التزكية على السلامة
وما تقتضيه حاله التى أوجبت الرجوع إلى تزكيته من اعتقاد الرضا به وأدائه
الأمانة فيما يرجع إليه فيه والعمل بخبر من زكاه، ومتى أو جبنا مطالبته بكشف
السبب الذى به صار عدلا عنده كان ذلك شكامنا فى علمه بأفعال المزكى
وطرائقه وسوء ظن بالمزكى ولتهاما له بأنه يجهل المعنى الذى به يصير العدل
عدلا، ومتى كانت هذه حاله عندنا لم يجب أن نرجع إلى تزكيته ، ولا أن
" نعمل على تعديله، فوجب حمل الأمر على الجملة .
فان قيل : ما أنكرتم من وجوب استخبار المزكى عن سبب تعديله،
لا لاتهامنا له بالجهل بطرائق المزكى وأفعاله، لكن لاختلاف العلماء فى ذلك
فيما به يصير العدل به عدلا ، فيجوز أن يعدله بما ليس بتعديل عند غيره ؟
يقال: هذا باطل ، وحمل أمره على السلامة واجب وأنه ما عدله إلا بما
يصير به عدلا عند بعض الأمة، ومثل ذلك؛ إذا وقع لا يتعقب ولا يرد ، ولو
كان ما قلتموه من هذا واجبا لوجب إذا شهد شاهدان بأن زيدا باع عمرا
سلعة بيعا صحيحا واجبا نافذا يقع به التملك ، أو أنه قد زوجه وليته تزويجا
صحيحا، أن يسألا عن حال البيع والنكاح وعن كل عقد يشهدان به لما بين
الفقهاءمن الخلاف فى كثير من هذه العقود وصحتها وتمامها. ولما اتفق أهل
العلم على أن ذلك لا يجب كشفه للحكام وجب مثله فى مسألتنا هذه أيضا ،
فان أسباب العدالة كثيرة يشق جمعها ، ولو وجب على المزكى الاخبار بها
لكان يحتاج إلى أن يقول المزكى: هو عدل، ليس يفعل كذا ولا كذا -
ويعد ما يجب عليه تركه - ثم يقول: ويفعل كذا وكذا - ويعد ما يجب
عليه فعله - ولما كان ذلك يطول ويشق تفصيله وجب أن يقبل التعديل مجملا
من غير ذكر سيبه .
فان قيل : فيجب عليكم ترك الكشف عما به يصير المجروح مجروحا ،
وأن تقبلوا الجرح فى الجملة .
يقال : لا يجب ذلك ، لأن الجرح يحصل بأمر واحد ، فلا يشق ذكره ،
والعدالة لا تحصل إلا بأمور كثيرة حسب ما بيناه، والاخبار بها يحرج،

- ١٣٧ -
٠٠
٠٠٠
فلذلك كان الاجمال فيها كافيا . على أنا نقول أيضا : إن كان الذى يرجع إليه
فى الجرح عدلا مرضيا فى اعتقاده وأفعاله عارفا بصفة العدالة والجرح
وأسبابهما عالما باختلاف الفقهاء فى أحكام ذلك قبل قوله فيمن جرحه مجملا
ولم يسأل عن سببه)» اه كلام، بحروفه.
قال العبد الضعيف غفر الله تعالى له: وتلخيص هذا الكلام أن العلماء فى قبول
تزكية المزكى على فريقين: ففريق منهما ذهب إلى أنه يجب لقبول تزكية المزكى
أن يذكر السبب الذى استند إليه فى تزكية من زكاه ، أى يذكر الصفات التى
اتصف بها فسببت عنده الحكم بعدالته، وهذا الفريق يستند إلى أن الناس
كثيرا مايظهرون بمظاهر الصلاح والورع وليسوا كذلك، ثم إن الناس يختلفون
فى تقدير الأمور ، فربما اعتبر بعض الناس فلانا عدلا بناء منه على اعتبار
صفات ليست بالحقيقة من صفات العدالة فى شىء ، واستند هذا الفريق
إلى أنه قد ثبت أن أحمد بن يونس حكم بعدالة عبد الله العمرى بناء على حسن
هيأته وسمته مع أن ذلك لا يدخل فى صفات العدالة ، فوجب أن يذكر
المزكي الصفات التى بنى عليها تزكيته لنقدر عند البحث إن كانت هذه الصفات
محققة للعدالة المطلوبة فى الراوى أو غير محققة. وفريق آخر ذهب إلى أن
التزكية تقبل مجملة من غير تفصيل الأسباب التى استند إليها المزكى، وتلخيص
استدلاله على ذلك أنه إنما يرجع فى التزكية إلى العلماء العدول العارفين بالصفات
التى يكون بها العدل عدلا فيجب أن نثق بهم و أعتقد أنهم ٠ ثى قالوا (فلان
عدل)) فقد قدر وامعنى العدالة وأنها تتحقق بتحقق شروط معينة، وأن هذه
الشروط ثابتة فى هذا الذى حكموا له بالعدالة.
فمدار الأمر عند الخطيب على الثقة بالمزكى والجارح من حيث دينه
ومعرفته بالصفات الموجبة للعدالة أو عدمها وتصونه عن أن يطلق الحكم
إلا فى موضع مجمع عليه.
ونحن نوافقه على الحكم بقبول التزكية من غير تفصيل لذكر أسبابها، ولانوافقه
على الاستدلال بماذكر؛ لأنا لو قبلنا التزكية المجملة اعتمادا على علم المزكى وعدالته
لوجب أن نقبل الجرح مجملا اعتمادا على علم الجارح وعدالته ، إذ لا فرق بين
-

- ١٣٨ -
٠
٠.٠
الحالين، ولهذا تراه فى آخر البحث يلجأ إلى التسوية بين الجرح والتعديل
فى قبولهما مجملين من العالم الثقة العدل ، وذلك مما أدى إليه اعتماده فى التزكية
على علم المزكي وعدالته. ونقول فى الاستدلال بما قاله العلامة ابن الصلاح
مقتصرا عليه - وهو وإن كان قد جرى فى كلام الخطيب لم يكن محور
الاستدلال عنده - قال ابن الصلاح: ((التعديل مقبول من غير ذكر سببه،
على المذهب الصحيح المشهور ، لأن أسبابها كثيرة يصعب ذكرها، فان ذلك
يحوج المعدل إلى أن يقول: لم يفعل كذا، لم يرتكب كذا، وكذا، فيعدد
جميع ما يفسق بفعله أو بتركه، وذلك شاق جدا)) اه كلامه بحروفه .
والخلاصة أنا لا نعتمد فى الجرح على ذكر الجرح مجملا أو نفى العدالة،
ونعتمد فى التزكية على ذكر العداله مجملة ، لكن ذلك لا يرجع إلى الثقة بالمزكى
وعدم الثقة بالجارح، ولا إلى الشك فى معرفة كل من الجارح والمزكى
ما يكون به العدل عدلا وما يكون به المجروح مجروحا، بل نحن نثق برجال
الجرح والتعديل الذين اعتمدهم علماء هذه الأمة بعد تتبع أحكامهم ومعرفة
أنهم ما صدروا فيها إلا والاخلاص ملءقلوبهم، ولكنا نرى أنه مهما يذكر
المزكى من الصفات ومهما أطال فى تعدادها فانه سيبقى عليه بعض الأشياء التى
ينبغى أن يذكر أن المزكى فعلها وبعض أشياء أخرى ينبغى أن يذكر أن
المزكى تركها ، فلهذا الحرج اكتفينا فى التزكية بالاجمال ، بخلاف الجرح
فان ذكر وصف واحد يكفى فى تبين حقيقة المجروح، كما أن ذكر هـذا
الوصف من الجارح يبين لنا أن الجارح يعتمد فى الجرح على وصف يراه غيره
جارحا فنوافقه على جرح هذا المجروح، أو براه غيره غير جارح فلا نوافقه،
وقد بين الشارح هذا الوجه بيانا شافيا ، ونقل عن المصنف فى كنبه الأخرى
توضيح هذا الاستدلال بما لا يحوج إلى مزيد عليه، هذا هو ما ينبغى أن
يعتمد عليه فى التفرقة بين الحالتين ، والله أعلم.
ثم نقول: وأما فيما يتعلق بالجرح فقد قال الحافظ الخطيب (( لما كان كل
مكلف من البشر لا يكاد يسلم من أن يشوب طاعته بمعصية لم يكن سبيل إلى
٠

- ١٣٩ -
٠٠٠
ألا يقبل إلا طائع محض الطاعة ، لأن ذلك يوجب ألا يقبل أحد ، وهكذا
لا سبيل إلى قبول كل عاص لأنه يوجب ألا يرد أحد، وقد أمر الله عز وجل
بقبول العدل ورد الفاسق فاحتيج إلى التفصيل لوصفهما، وكل من ثبت كذبه
رد خبره وشهادته ، لأن الحاجة فى الخبر داعية إلى صدق المخبر ، فمن ظهر
كذبه فهو أولى بالرد من جعلت المعاصى أمارة على فسقه حتى يرد لذلك
خبره . والكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم من الكذب على
غيره، والفسق به أظهر، والوزر به أكبر، - ثم ساق إسنادا إلى على بن أبى
طالب رضى الله عنه أنه قال : إذا حدثتكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
فوالله لأن أخر من السماء أحب إلى من أن أكذب على رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم، وإذا حدثتكم فيما بيننا فان الحرب خدعة . ثم قال بعد كلام طويل:
قال الجمهور من أهل العلم: إذا جرح من لا يعرف الجرح يجب الكشف عن
ذلك ، ولم يوجبوا ذلك على أهل العلم بهذا الشأن . والذي يقوي عندنا ترك
الكشف عن ذلك إذا كان الجارح عالماً، والدليل عليه نفس ما دلانا به على أنه
لايجب استفسار العدل عما به صار المزكى عنده عدلا ، لأننا متى استفسرنا
الجارح لغيره فانما يجب علينا بسوء الغان والاتهام له بالجهل بما يصير به المجروح
مجر وحا، وذلك ينقض جملة ما بنينا عليه أمره من الرضابه والرجوع إليه، ولا يجب
كشف ما صار به مجروحا وإن اختلفت آراء الناس فيما به يصير المجروح
مجروحا، كما لا يجب كشف ذلك فى العقود والحقوق وإن اختلف فى كثير
منها، فالطريق فى ذلك واحد، فأما إذا كان الجارح عاميا وجب لا محالة
استفساره، وقد ذكر أن الشافعى إنما أوجب الكشف عن ذلك لأنه بلغه
أن إنسانا جرح رجلا فسئل هما جرحه به فقال : رأيته يبول قائما ، فقيل له :
وما فى ذلك مما يوجب جرحه؟ فقال: لأنه يقع الرشاش عليه وعلى ثوبه ثم
يعلى، فقيل له : رأيته يصلى كذلك؟ فقال: لا، فهذا ونحوه جرح
بالتأويل والجهل، والعالم لا يجرح بهذا وأمثاله، فوجب بذلك ما قلناه .
سمعت القاضى أبا الطيب طاهر بن عبد الله بن طاهر الطبرى يقول : لا يقبل

-
١٤٠ -
٠٠٠
..
٠٠.
٠٠٠
الجرح إلا مفسرا ، وليس قول أصحاب الحديث فلان ضعيف وفلان ليس
إشىء مما يوجب جرحه ورد خبره، وإنما كان كذلك لأن الناس اختلفوا
فيما يفسق به، فلا بد من ذكر سببه لينظر: هل هو فسق أم لا ، وكذلك
قال أصحابنا إذا شهد رجلان بأن هذا الماء نجس لم تقبل شهادتهما حتى يبينا
سبب النجاسة ، فان الناس اختلفوا فيما ينجس به الماء، وفى نجاسة الواقع
فيه. قلت : وهذا القول هو الصواب عندنا، وإليه ذهب الأئمة من حفاظ
الحديث وتقاده، مثل عد بن سماعيل البخارى ومسلم بن الحجاج النيسابورى
وغيرهما، فاز البخارى قد احتج بجماعة سبق من غيره الطعن فيهم والجرح
لهم، كعكرمة مولى ابن عباس فى التابعين ، وكاسماعيل بن أبى أويس وعاصم بن
على وعمرو بن مرزوق فى المتأخرين، وهكذا فعل مسلم بن الحجاج فانه احتج
بسويد بن سعيد وجماعة غيره اشتهر عمن ينظر فى حال الرواة الطعن عليهم،
وسلك أبو داود السجستانى هذه الطريق ، وغير واحد ممن بعده ، فدل
ذلك على أنهم ذهبوا إلى أن الجرح لا يثبت إلا إذا فر سببه وذكر موجبه)»
انتهى المقصود من كلامه بحروفه.
وقال ابن الصلاح ((وأما الجرح فانه لا يقبل إلا مفسرا مبين السبب،
لأن الناس يختلفون فيما يجرح ومالا يجرح فيطلق أحدهم الجرح بناء على أمر
اعتقده جرحا، وليس بجرح فى نفس الأمر ، فلا بد من بيان سببه لينظر فيما
هو جرح أم لا، وهذا ظاهر متقرر فى الفقه وأصوله، وذكر الخطيب الحافظ
أنه مذهب الأئمة من حفاظ الحديث ونقاده مثل البخارى ومسلم وغيرهما .
ثم ساق ما ورد فى أخريات كلام الخطيب الذى أُثرناه لك)»! هـ .
وقال فخر الاسلام البزدوى: ((وأما الطعن من أئمة الحديث فلا
يقبل مجملا: أى مبهما، بأن يقول: هذا الحديث غير ثابت، أو مفكر، أو
فلان متروك الحديث، أو ذاهب الحديث أو مجروح، أو ليس بعدل ، من غير
أن يذكر سبب الطعن ، وهو مذهب عامة الفقهاء والمحدثين، وذهب القاضى
أبو بكر الباقلانى وجماعة إلى أن الجرح المطلق مقبول ، لأن الجارح إن لم