Indexed OCR Text

Pages 301-320

- ٣٠١ -
بينهم من يحتر زعن هذا البتة، وهذا يدل على أن حديثهم أى الزيدية فى مرتبة
لا يقبلها إلا من يجمع بين قبول المراسيل بل المقاطيع وقبول المجاهيل وقبول
كفار التأويل والفساق من أهل التأويل ، انتهى بلفظه، فكيف يتم لهم هنا
هذا الجواب القاضى بأن مراسيلهم لا تكون إلا عمن يرسل عن الثقات ؟ وقال
أيضاً : قد بينا أن الزيدية أحوج الناس إلى قبول المبتدعة ، وأن مدار حديثهم
على من يخالفهم، وأن كثيراً من أئمتهم نصوا على قبول كفار التأويل، وادعوا
الاجماع على ذلك ، وأن أئمة الزيدية يقبلون مراسيل أولئك كالمنصور والمؤيد
والامام يحيى والقاضى زيد والقاضى عبد الله بن زيد وغيرهم ، انتهى بلفظه .
قلت: ومراده بالمؤيد أحمد بن الحسين الهارونى، ولكن الذى رأيته فى
خطبة التجريد له ما لفظه : وعندنا لا يحل لأحد أن يروى الحديث عن رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا إذا سمعه من فم المحدث العدل فحفظه ثم يحدث كما
سمعه، فان كان إماما تلقاه بالقبول، وإن كان غير إمام فكذلك ثم رواه غير مرسل
وصح عنده فان المراسيل عندنا وعند عامة الفقهاء لا تقبل ، ولقد أدركت
أقواما ممن لا يتهم يروون عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا يحفظون
السند ، فما قبلت أخبارهم، ولا نقبلها عنهم لعدم حفظهم للأسانيد، انتهى بلفظه
(وجواب المحدثين على هذا) النقض ( أنهم لا يسلمون إطلاق اسم القبيح
على مثل هذا) فلا يتم قولهم إن عدم القبول تهمة للمرسل بقبيح (لأن هذه المسألة)
أى الارسال عمن ليس بعدل (ظنية مختلف فيها فللمرسل أن يعتقد أن المرسل)
غير مقبول ) فيرسل عنه (و) يعتقد (أن على من سمعه البحث) لكن لا يخفى
أن هذا الصنيع توعير لمسلك الشريعة السمحة السهلة (فان جاء) المرسل (بلفظ
التمريض) كروى ونحوه ( والبلوغ) بلغنا كذا ( فظاهر) أنه لم يجزم وعدم
الجزم باعث على البحث عن الراوى ( فانه يصدق فيه) - أنه بلغه سواء كان
صحيحاً أو ضعيفاً ( وإن كان الراوى له مجروحا) بل لا ينبغى أن يأتى بتلك

- ٣٠٢ -
الألفاظ إلا مع القدح فى الراوى (والعنسنة ) يأتى تحقيقها اشتقاق وحكا قريباً
(قريب من ذلك فى الاحتمال) فان لها ثلاثة احتمالات ( على أنى لم أجد لأحد
من أهل المذهب نصاً أن هذا يسمى مرسلا) قال المصنف فى العواصم : لا أعلم
أحداً ذكر البلوغ أو الرواية بلفظ ما لم يُسّم فاعله فى المراسيل ، ولا فيما يجب
قبوله من أخبار الثقات ( وإن جاء بلفظ الجزم) عطف على قوله « فان جاء
بلفظ البلوغ)» إلى آخره ( فقال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا ) أى
الذى أتى فيه الراوى بصيغة الجزم (هو الذى نص الأصحاب على تسميته مرسلا،
فالمحدثون اعتذروا عنه بأمرين: أحدهما: ماذكره قاضى القضاة وهو أنا لا نسلم
أن هذه الصيغة الجازمة تدل على ثقة المرسل بصحة ما أرسله) وأنه لم يجزم
بارساله إلا لثقة من أرسل عنه ( فان يجوز لمن ظن صحة الحديث ) ولو كان عن
مجروح ( أن يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، انتهى، ذكره
عنه) أى عن قاضى القضاة والقياس عنهم لأنه للمحدثين (أبو الحسين فى المعتمد
عند الكلام على الترجيح ، وعلى هذا لوظن ذلك من خبر مجروح العدالة
جاز له أن يقول ذلك ، وإن لم يجزله العمل) لأنه لا يجوز العمل إلا بخبر العدل
لأنه الذى تُعبدنا بالعمل بخبره، وهذا مبنى على أن الرواية ليست بعمل، وإلا
فالأقوال داخلة تحت الأعمال كما قررناه فى حواشى شرح العمدة فى الكلام
على حديث إنما الأعمال بالنيات (كما قد يجوز العمل حيث لا تجوز الرواية
عند بعض العلماء كما يأتى فى باب الوجادة، وهى العمل بالخط ، وذلك أن العمل
شرطاً وللرواية شرطاً ، فشرط العمل الظن الصادر عن أمارة لم يرد الشرع
بالمنح من العمل بها ولا عارضها أرجح منها ولا مثلها على خلاف فى ) الأمارة
(المائلة لها) دليله أنه صلى الله عليه وسلم لما أمر الصحابة أن لا يصلوا العصر
إلا فى بنى قريظة وخشوا خروج الوقت قبل دخولها أى بنى قريظة صلى جماعة
عملا يظنهم أن الأمر مقيد بعدم خروج الوقت وعمل آخرون بخلافه ظناً أنه أمر

-- ٢٠٣ --
مطلق، فهذا عمل عن أمارة لم يرد المنع من الشرع بالعمل بها ، وقد تعارضت
الأمارتان الاطلاق والتقييد إذ الكل قد ورد فى الشرع، فعملت كل طائفة
بأمارة ، وأقرهم صلى الله عليه وسلم على ذلك، وإنما اختلف فى الأمارة الماثلة لما
عارضها لأنه يكون العمل باحداهما دون الأخرى تحكما ، ومن خالف قال هو مخير
بين الأمارتين لماثلهما (وشرط الرواية عدم تعمد الكذب) فهذا شرط فى الراوى
أن لا يتعمد كذبا (لا سوى) لا غير ذلك من الشروط، إلا أنه لا يخفى أن
شرط الراوى العدالة وهى أخص من هذا الذى ذكر، ولا يصح أن يريد تعمد
الكذب مع العدالة ، فان عدم تعمده داخل فى مفهومها (وإليه الاشارة بحديث
((من كذب على متعمداً))) أو إلى أن شرط الرواية عنه صلى الله عليه وسلم عدم
تعمد الكذب، وهذا مشكل، إذ يلزم منه قبول رواية من ليس بمسلم إلا أن
يريد مع كونه مسلماً، ثم رأيت المصنف قد أورد هذا السؤال على نفسه فى مسألة
قبول كفار التأويل ، وأجاب عنه بما يأتى .
واعلم أن بين الرواية والعمل عموماً وخصوصاً من وجه ، فقد يعمل بالقياس،
وقد يروى المنسوخ ، فما كل عمل برواية، ولا كل رواية يعمل بها، ويجتمعان
فى رواية يعمل بها ، وحينئذ يتحد شرط الرواية وشرط العمل، فالتفرقة بين شرط
الرواية وشرط العمل ليس له كثير فائدة على تقدير ثبوته ، وكأنه يريد أن هذا
شرط لرواية لا يعمل بها كالاسرائيلات ونحوها ، لكنه لا يساعد عليه قوله
(هل جاز العمل أو لم يجز) ويريد سواء عمل بها أو لم يعمل، واستعمال ((هل))
فى هذا المعنى لا أعرفه فى العربية، ويحتمل أن فى النسخة غلطاً إلا أنى قد
قابلتها على نسخ من التنقيح (فقد يروى الثقة) التعبير بالثقة عود إلى شرط رواية
العمل، وكان الأولى فقد يروى من لم يتعمد الكذب (المنسوخ والمرجوح،
وعن الثقة والضعيف والمجروح) مما لا يعمل به ( بل قد صح « حدثوا عن بنى
إسرائيل ولا حرج))) أخرجه أبو داود من حديث أبى هريرة : أى لا إنم عليكم

- ٣٠٤ --
ولا تضييق فى الحديث عنهم، والمراد التحديث عن أحوالهم وتصاريفها وتقلبهم
فى البلاد، لا عما يخبرون به عن الله وعن كتبه مما لا يصدقه كتابنا ولا كلام
رسولنا صلى الله عليه وسلم، وذلك لأنه تعالى قد حكى أنهم يحرفون الكلم عن
مواضعه، وأن منهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أمانى، ويحتمل أن المراد حدثوا
عن المؤمنين من بنى إسرائيل ما يحدثونكم به من أخبار كتبهم وأحكامها ، وذلك
كقوله تعالى (( فاسئل الذين يقرؤن الكتاب من قبلك)) إلا أنه تعبد، ولا يتم به
مراد المصنف وقد ورد فى حديث آخر (( إذا حدثكم بنو إسرائيل فلا تصدقوهم
ولا تكذبوهم )) ومراد المصنف الاستدلال بأنه يؤاذن الشارع بالتحدث عن قوم
ليسوا بمسلمين فضلا عن المجاريح (وقد يروى عن المجروح متقويا به وهو معتمد)
فى العمل (على عموم أو قياس أو ) معتمد ( على الأصل، وهو) أحد الأمرين
(الأباحة أو الحظر على حسب رأيه فى ذلك ) إذ العلماء مختلفون: هل الأصل فى
الأشياء هو الاباحة أو الحظر كما هو معروف فى الأصول (ولو لم يكن معه إلا الحديث
الذى رواه لم يستجز العمل) وإن جاز أن يرويه ، فعمل الراوى بالحديث
الضعيف لا يدل على أنه مستند إليه، إلا أنه يشكل على هذا قولهم « العمل على
وفق الحديث الضعيف يدل على قوته أو على أن له أصلا )» ( أقصى ما فى الباب أن
بجويز هذا ضعيف عند الناظر فيه ) إذ التجويزات تحمل جزم الثقات فى
الروايات ، على أنهم جزموا بالرواية عن الضعفاء والمجاريح تجويز مستبعد ضعيف
( لكنا قد رأينا العلماء والثقات يذهبون إلى مذاهب ضعيفة، ولأجل تجويز
ذلك عليهم) على العلماء والثقات (امتنع جواز تقليد المجتهد لهم بعد اجتهاده)
فيه أبحاث: الأول: أن امتناع تقليد المجتهد ليس لأجل أن المجتهد والرواة قد
يذهبون إلى مذاهب ضعيفة، بل علة امتناع تقليده لغيره هو الاجماع كما نقله ابن
الحاجب ، واستدل به وأقره العضد وغيره ، وتبعه الآخذون من كتابه كالفصول
ومؤلف الغاية وشرحها ، وإنما الخلاف : هل يجوز له أن يقلد قبل اجتهاده فى

- ٢٠٥ -
الحادثة ؟ فالجمهور على أنه أيضاً يحرم عليه التقليد لغيره لأنه مأمور باتباع ظن نفسه
الحاصل عن الأدلة ، لا باتباع ظنون المجتهدين ، واستدلوا أيضاً على تحريمه بأن
جواز تقليده لغيره حكم شرعى لا بد من الدليل عليه ، ولا دليل ، وبأن التقليد
بدل عن الاجتهاد جوزضرورة لمن لا يمكنه الاجتهاد ، ولا يجوز الآخذ بالبدل
مع التمكن من المبدل منه كالوضوء والتيمم ، ولأن عمله بخلاف ظنه جرأة منه
محرم ، الثانى: قوله « إنه جعل قبول خبر الثقات تقليد)» وقد تقدم له أن قبول
خبر الثقات ليس بتقليد ، واعترض بذلك عبارة الحافظ ابن حجرفى عدد أحاديث
البخارى ، الثالث: قوله ( وامتنع الاحتجاج بأقوالهم) إن أراد احتجاج المجتهد
فهو الأول، إذ الاحتجاج بها تقليد لهم، وإن أراد احتجاج المقلد لهم فمشكل،
لأن أقوال المجتهدين حجة فى حقه ، سواء كانت لهم مذاهب ضعيفة أولا ، فانهم
لم يشترطوا فى الأصول أنه لا يقلد إلا مجتهداً ليس له قول ضعيف، وإن أراد
الاحتجاج بروايات المرسلين ، فمع عدم وضوح عبارته فى هذا المراد فهو غير
صحيح، إذ هو محل النزاع (ولذلك) أى ولأجل أن التجويز والاحتمال يمنع من
الجزم بنسبة القول المحتمل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( كان المختار.
الذی صححه المنصور بالله وأبو طالب والجمهور أن الصحابی إذا قال قولا فی امر
الشريعة) من تلقاء نفسه ولم ينسبه إليه صلى الله عليه وآله وسلم ( لم يكن حكمه
حكم المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم متى كان يحتمل وجهاً فى الاجتهاد
صحيحاً أو فاسداً، فجعلوا احتمال الوجه الفاسد مانعاً من الجزم بنسبة القول إلى النبى
صلى الله عليه وآله وسلم) فكذلك إذا احتمل قول التابعى أو غيره قال رسول الله
صلى عليه وآله وسلم أنه عن ضعيف أو مجروح كان مانعاً عن كون الصيغة الجازمة
تدل على ثقة المرسل بصحة ما أرسله ( فمتى قدرنا أن قول الثقة قال رسول الله صلى
الله عليه وآ له وسلم يحتمل أنه مما يستجيزه الثقة إذا سمعه من مجروح يظن صدقه
فيمستحل بروايته) التى رواها عن المجروح (الرواية دون العمل امتنع الجزم
(٢ - ٢٠ - تنقيح ١)
٨

- ٣٠٦ -
بصحته ، سواء كان هذا الاحتمال صحيحاً فى نظرنا نحن أو ضعيفاً) كما أن قول.
الصحابى الذى احتمل وجهاً فى الاجتهاد فاسداً لا يحل معه نسبة ماقاله إلى النبى
صلى الله عليه وآلهوسلم، فمجرد الاحتمال مانع ، إلا أنه لا يخفى الفرق بين المسألتين،
فأن الصحابى لم ينسب قوله إليه صلى الله عليه وآله وسإيخلاف المرسل فانه نسبه
إليه صلى الله عليه وآله وسلم، ثم الاحتمال فى كلام الصحابى واضح ، بل الأصل
أنه حيث لم ينسبه ليس إلا قولا له ، بخلاف الثقة المرسل فقد نسب ما رواه إليه
صلى الله عليه وآ له وسلم، فالعلة هى ما يفيده مما يأتى قريباً ، ثم إن فى كلام
المصنف ما يشعر بأنه إذا لم يحتمل كلام الصحابى وجهاً فى الاجتهاد جاز نسبة
كلامه صلى الله عليه وآله وسلم إليه ، وفيه بحث ظاهر ، وكان يغنى عن قوله
(«ولذلك كان المختار - إلى آخره)) قوله (قالوا وكيف لا يجوز هذا) أى يجعله
جائزاً عن الثقات (وقد جربناه فى حق كثير من الثقات ) قد قدمنا شطرا من
أمثلة ذلك ( والتجويز بعد التجوبة ضرورى لا يمكن الانفكاك عنه ) وصف
كاشف الضرورى ، وهذا هو الدليل الناهض على رد المرسل ، ولما استشعر من
هذا أنه يقال: وكيف يجوز للثقة أن يروى عن المجروح ويجزم بنسبة ما يحدث به
إلى النبي صلى الله عليه وآ له وسلم ( أجاب عنه بقوله ( وإذا جاز هذا عليهم)
أى الثقات (على جهة التأويل) منهم للارسال عن المجاريح ( لم يكن جرحاً فيهم)
فى الثقات المرسلين، لأنه بالتأويل يفتفى الجرح، والتأويل هو ما تقدم، وبيان أنه
ليس بجرح بعد التأويل (لأن المسألة إن كانت ظنية فلا إثم عليه، وهى كذلك)
أى ظنية (ولو كان خطوه قطعياً) من باب الفرض (فلا دليل على أنه فق ، وذنب
المتأول إذا لم يبلغ الفسق لم يقدح به إجماعاً) فكذلك لم يكن إرسال الثقات عن
المجاري قادحاً فى الثقات ، فاذا بلغ ذنب المتأول الفسق كانت مسألة فساق
التاريل، وسنأنى (هكذا ذكره أصحابنا) كأنه يريدمن قوله ((وذنب المتأول)»
بدليل قوله (وذلك كخطأ المعتزلة عندنا فى الامامة) فانهم يقولون الامامة بعد

- ٣٠٧ -
رسول اللهصلى الله عليه وآله وسلم على الترتيب الواقع بعدوفاته، ويقولون بجوازها
فى غير أولاد على رضى الله عنهم وفاطمة عليهم السلام ، والزيدية يقولون إن مسألة
الامامة قطعية ، ومخالفة القطعى عندهم فسق ، فليس التمثيل به كالممثل له ( فثبت
أنه يجوز على الثقة أنه يستجيز إرسال الحديث عن المجروح، وإنا لو عرفنا أنه)
أى الارسال عن المجروح ( فعله مستحلا لم نقدح فى عدالته) الذى سلف قريباً
أنه لا يقدح فى عدالته بذلك إن فعله متأولا ، وهذا ينافى ماسلف ، والذى تقدمهو
الحق، إذ من يستحل الرواية عن المجاريح والوضاعين والكذابين فقد استحل
الكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واستحلاله كبيرة، وقيل: كفر.
( الأمر الثانى ) من اعتذار المحدثين عن قبول مرسل الثقة الذى جزم
بنسبته إليه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال المحدثون (سلمنا أن الثقة لايصح
على كل تقدير أن يستجيز الرواية) أى الكذب على رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم ( إلا حيث يجوز العمل، وأن ذلك) أى استحلال الرواية دون العمل
(لو فرض صدوره عنه كان قدحاً فى عدالته ) لاغرائه غيره على العمل بما لا يجل
عنده العمل به ( لكن ما المانع من أن يثق بمن لانستجيز ) معشر المحدثين
(الرواية عنه لو صرح) المرسل (به) بمن روى عنه ( مثل تجويز أن يروى عن
مجهول وحديثه عنده مقبول، أو عن سوء الحفظ مختلف فيه ، أو عن مجروح
جهل هو جرحه ، وقد عرفنا نحن جرحه ، أو عن مغفل قد استوى حفظه وسهوه ،
ومذهبه قبوله مطلقاً أو قبوله مع الترجيح أو نحو ذلك مما اختلف فيه) أماجهل
المرسل لجرح من أرسل عنه فليس من مسائل الخلاف ، فان إرساله عنه جاهلاً لجره
غير قادح فى إرساله، وإن كان قتحاً فى المرسل ، فما كان يحسن عده مما اختلف
فيه كمالا يخفى (فيؤدى) أى قبول مرسل الثقة المجزوم به( إلى تقليد المجتهد)
القابل للمرسل (لغيره) وهو المرسل (فى مسائل الاجتهاد) كقبول المغفل ونحوه
(وبنائه) أى المجتهد (لاجتهاده على تقليد) المرسل، والمجتهد لا يجوز له التقليد.

- ٣٠٨ -
فان قلت : قد تقدم للمصنف غير مرة أن قبول خبر العدل ليس تقليداً له
قلت: ذلك فيما إذا أخبر العدل عن غير إرسال، إذ هو الذى قام الدليل
على قبول خبره كما عرفته.
إن قلت : هذا بعينه يجرى فى القدح المطلق والتعديل المطلق لاختلاف
العلماء فيما يقدح به وفيما يشترط فى العدالة ، فقابل القدح المطلق والتعديل المطلق
ينبغى أن يكون مقلداً لامجتهداً ، لأنه يبنى اجتهاده على رأى غيره تجريحاً وتعديلا
قلت : لا محیص عن هذا ، و یآتى بسطه فى محله .
(وهذا العذر الثانى) الذى ذكره المحدثون ( أقرب من الأول ، والجواب
عليه) من طرف قابل المرسل (أصعب ، وتلخيصه ) أى هذا الجواب ( أن
تصحيح ) العالم ( الحديث أمر ظنى نظرى اجتهادى) زيادة فى البيان، وإلافقد
أغنى عنه نظرى (ولا يجوز للمجتهد أن يقلد غيره فى نحو ذلك ) لا يخفى أن
التقليد لا يجوز للمجتهد فى شىءٍ ، فليس للظرف مفهوم ، ويأتى توفية الكلام
فيما ذكره قريباً (ويرد على المحدثين هنا سؤالان: أحدهما أن يقول من عرف
بالإرسال عن المجاريح) أى متأولا (كانت هذه علة مانعة من قبول حديثه) إن
أريد حديثه الذى أرسله فهم قائلون بذلك، فإذا لا يقبلون مرسله ولا مرسل غيره،
وإن أريبحديثه الذى أسنده فلامانع عن جعله علة فيه أيضاً ( وإن لم يكن) إرساله
عن المجاريح (قدحا مؤثرا فى دينه) لما سلف من تأوله وأن ذنب المتأول لا يقدح
به إجماعاً مالم يبلغ الفسق ، وذلك أنه يكون بارساله عن المجاريح (كالصدوق
المغفل بمرة) فانه غير مقبول ( لكن الظاهر من الثقات أنهم لا يقولون قال رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم من غير طريق صحيح) لا يخفى أن هذا الاستدراك
هو محل السؤال، ولكنه قد تقدم مایغنی عنه مراراً أقربها قوله « إنهم جر بوا
فوجدها الثقات أرسلوا عن غير العدول)) وهو معنى (( أرسلوا عن غير طريق
صحيح)) فهذه التجربة عارضت الظاهر (ولهم ) أى للمحدثين ( أن يقولوا هنا

- ٣٠٩ -
ماتريدون بأن الظاهر أنهم لا يقولون ذلك من غير طريق صحيح: هل صحيحة
عندهم: فمسلم) على أحد التقادير، وإلا فمن التقادير أنه قد يروى الثقة عن المجاريح
اتكالا على بحث السامع عن سند الحديث كما تقدم فى قوله ((فللمرسل أن يعتقد
أن المرسل غير مقبول، وأن على من سمعه البحث» إلى آخره ( ولا يضر تسليمه)
على غير ذلك التقدير ( أو) يريدون (صحيحة مجمع على صحتها) إحتى يلزم قبول
المرسل (إفغير مسلم) لما عرف من إرسالهم عمن لايرتضيه الأكثر ( وهو جواب
متجه) وقد عرفت من سياق السؤال والجواب أن المراد إذا كانت هذه علة
مانعة من قبول حديثه - أى المرسل - وهو أحد شقي الترديد الذى قدمناه،
وعلمت أنه مراد المحدثين فليس محلا للسؤال ولا الجواب.
( السؤال الثانى) مما يرد على المحدثين على تقريرهم رد المرسل (أن يقال)
لأهل الحديث (أنتم قد أجزتم العمل بالحديث متى قال الحافظ الثقة إنه حديث
صحيح، وعلى هذا عمل المتأخرين ، وقد تقدم قصهم على جوازه ) حيث قسموا
الصحيح إلى سبعة أقسام : منها ما حكم إمام بصحة الحديث ، بل تقدم عنابن
الصلاح أنه ليس لأحد أن يصحح فى هذه الأزمنة، بل عليه أن يرجع إلى
ما صححه القدماء ( مع أن يحتمل أن يصحح الثقة الحافظ حديث الجهول
والصدوق المغفل إذا لم يتحقق أن خطأه أكثر من صوابه أونحو ذلك مما اختلف
فيه أهل العلم، وجاز على الثقة الحافظ أن يذهب إليه، فإذا جاز العمل به مع هذه
الاحتمالات جاز العمل بحديث المرسل مع تلك الاحتمالات) من غير فرق (ولهم)
أى المحدثين ( أن يجيبوا) عن هذا السؤال ( فيقولوا: أما قدماء الحفاظ فلم يعرف
عنهم بالنص أنهم كانوا يجيزون ذلك) أى تصحيح أحلايث من ذكره (والصحيح
أنه لا يكون العالم مجتهداً مع تقليده فى تصحيح الحديث) لجواز أن من قلده فى
تصحيح الحديث بنى ذلك التصحيح على قواعد مخالفه فيها) فيكون قد بنى
اجتهاده على تقليد غيره (وإنما يكون) من قاد غيره فى تصحيح الحديث (مرّجحاً

- ٣١٠ -
لاسوى) اعلم أنه تقدم للمصنف كلامان متناقضان فى هذه المسألة، ولنوف البحث
حقه فيها ، فانه لا غناء للناظر من تحقيقها ، وقد كنت كتبت فيها رسالة جواب
سؤال سميتها ( إرشاد النقاد، إلى تيسير الاجتهاد)اشتملت على فصول تتعلق
بأطراف سؤال ورد فى غير ذلك ، فنذكرهنا ما يتعلق بالبحث هذا كما وعدنا به
فيما سلف ، فنقول :
قد عرفنا أنهم رسموا الصحيح بأنه الذى اتصل إسناده بنقل العدل التام
الضبط عن مثله مع السلامة من الشذوذ والعلة ، فاذا قال العالم الحافظ كالبخارى
مثلا (هذا حديث صحيح)) فمعناه أنه متصل الاسناد ، وأن رواته كلهم عدول،
تام ضبطهم ، لم يخالف فيه الثقة ما رواه الناس ، وليس فيه أسباب خفية طرأت
عليه تقدح فى صحته، فقوله ((صحيح)) يتضمن الاخبار بالجمل الخمس، وقد
تقرر بالبرهان الصحيح قبول خبر العدل ، وتقرر به أيضاً أن قبوله ليس من باب
التقليد، كما عرف ذلك فى أصول الفقه، وقدم المؤلف ذلك ، فاخبار العدل بأنه
حديث صحيح إخبار بعدالة رواته وتمام حفظهم وعدم شذوذ ما رووه وعدم
إعلاله ، ولا يخفى أن قبول خبره قد يفيد بأنه سواء دل على تعديله بالتضمن أو
الالتزام أو المطابقة ، وقد جعل أئمة الأصول والحديث من طرق التعديل حكم
مشترط العدالة بالشهادة وعمل العالم بروايته ورواية من لا يروى إلا عن عدل ،
ومعلوم أن دلالة هذه الطرق على عدالة الشاهد والراوى التزامية ، فقول الثقة
(( حديث صحيح )) يتضمن إخباره بالأمور الخمسة التى ذكرناها بالتضمن ، بل
قول المعدل ((فلال عدل)) عبارة عن أنه آت بالواجبات مجتنب للمقبحات ،
فلفظ عدل دل بالتضمن على الأخبار بالعدالة ، فكما أنا حكمنا بأن قوله عدل أو
ثقة خبر مجب قبوله ، وليس قبوله تقليدا ، كذلك قوله صحيح .
فان قلت : إخباره بأن الحديث صحيح إخبار بما ظهر له، ويحتمل أنه
فى نفس الأمر باطل .
٠
مے

١
- ٣١١ -
قلت: وكذك إخباره بأن زيداً عدل إخبار عن ظنه بأنه آت بالواجبات مجتنب
المقبحات بحسب مارآه أو أخبر به ،مع جواز أنه فى نفس الأمر غيرمسلم ، وقد أمرنا
بقبول خبر المعدل بأن فلاناً عدل مثلا، فهذه التجويزات لانكاف بها، على أن
البخارى مثلا ليس معه فى كون الرواة الذين لم يلقهم وهم شيوخ شيوخه عدولا
إلا إخبار العدول بأنهم ثقات حفاظ ، فقبولنا لخبره بأن الحديث قد عدِّلت
نقلته كقبوله لأخبار الثقات بأن الرواة الذين رَوَوا عنهم حفاظ ثقات ، فكما
أنهم لا يجعلون البخارى مقلداً فى التصحيح مع أن عدالة من صحيح أحاديثهم متلقاة
عن إخبار مَنْ قبله، فكذلك نحن فى قبولنا لأخباره بعدالة رواة الحديث الذى
صححه ، وأنت إذا نظرت إلى أئمة النقاد كالحاكم أبى عبد الله وأبى الحسن
الدار قطنى وابن خزيمة ونحوهم كالحافظ المنذري وجهت تصحيحهم لأحاديث قوم
وتضعيفهم الأحاديث آخرين دائرا على الاستناد إلى كلام الحفاظ قبلهم
كيحيى بن معين وأحمد بن حنبل والبخارى وغيرهم من أئمة هذا الشأن ، وأنه
ثبت لهم عنبم أوعن أحدهم الاخبار بأن فلاناً حجة أو عدل أو ثبت أو نحوها
من عبارات التعديل ، وكذلك التضعيف يدور على إخبار أولئك وأمثالهم
بأن فلاناً كذاب أو نحوه ، ثم حكموا بصحة الحديث أو ضعفه مستندين فى
الأمرين على إخبار من قبلهم ، ألا ترى أنه تجنب الرواية عن ابن إسحاق
جماعة من أئمة الصحيح لكلام مالك وقدحه فيه ، وتجنب الرواية عن الحارث
الأعور مَنْ تجنبها لقدح الشعبى فيه مع أنهم لم يلاقوا الحارث ولا ابن إسحاق ،
وإنما قبلوا أخبار من لاقاه، فعرفت أن البخارى ومساءاً مثلا لميلقيا إلا شيوخهما،
وبين شيوخهما إلى الصحابة وسائط كثيرون اعتمدوا فى توثيقهم وعدمه على
الرواية عن الأئمة من قبلهم ، هذا كان الواقع من مثل البخارى من تصحيحه
الأحاديث تقليداً لأنه بناء على إخبار غيره عن أحوال الرواة الذين ضحح حديثهم
كان كل قابل لخير من أخبار الثقات مقلداً، وإن كان الواقعمن التصحيح من البخارى

- ٣١٢ ---
مثلا اجتهاداً مع بنائه على قبوله لأخبار من قبله عن صفات الرواة.، فيكون
أيضاً قبولنا لخبر البخارى عن صحة الحديث المتفرع عن إخبار الثقات اجتهاداً
فانه لافرق بين الأخبار بأن هؤلاء الرواة ثقات حفاظ وبين الأخبار بأن الحديث
صحيح، إلا بالاجمال والتفصيل، وكأنهم عدلوا عن التفصيل إلى الاجمال اختصاراً
أو تقريباً، لأنهم لوعقبوا كل حديث بقولهم («رواته عدول تامو الضبط وَرَووْهُ
متصلا ولا شذوذ فيه ولا علة )» لطالت مسافة الكلام ، وضاق نطاق الكتاب
الذى يؤلفونه من الاستيفاء لأحاديث الأحكام فضلا عما سواها من الأحاديث،
على أن هذا التفصيل لو جاءوا به لا يخلو عن الاجمال إذ لم يذكر فيه كل راءٍ على
انفراده بصفاته ، بل التحقيق أن قولهم عدل مراد به آت بالواجبات مجتنب
المقبحات محافظ على المروءات، فهو أيضاً غير مفصل للمراد كما ذكرناه.
فان قلت : من شرائط الصحة السلامة عن الشذوذ والعلة ، وليس مدار
هذين الأمرين الأخبار، بل التقبع لطرق الأسانيد والمتون .
قلت : أما أولا فالشذوذ والاعلال نادران ، والحكم للغالب لا النادر،
ألا ترى أن الراجح العمل بالنص وإن جوز أنه منسوخ عملا بالأغلب ، وهو
عدم النسخ ، وقد تقدم للمصنف أن ظاهر الحديث المعل السلامة عن العلة حتى
تثبت العلة بطريق مقبولة ، وأما ثانيا فان قول الثقة (( هذا حديث صحيح))
أى غير شاذ ولا ممل إخبار منه أيضاً بأنه لم يقع فى رواته راو ثقة خالف الناس
فيه ولا وجدت فيه علة قادحة ، وهذا فى الحقيقة خبر عن الراوى بصفة زائدة
على مجرد عدالته وضبطه، أو إخبار عن حال المتن بأن ألفاظه مصونة عن ذلك،
وليس هذا خبرا عن اجتهاد ، بل عن صفات الرواة والمتون ، وفى التحقيق
هى أخبار عائدة إلى تمام ضبط الرواة وتتبع مروياتهم حتى أحاط بألفاظها، فالكل
عائد إلى الأخبار عن الغير، لا عن الاجتهاد الحاصل من ليل ينقدح للمجتهد
» رأى ، وإذا كان خبراً فوجوب قبوله اجتهاد لا تقليد .

-- ٣١٣ =
. فإن قلت: قد أشار المصنف إلى وجه كون قبول تصحيح الغير تقليداً له
فى التصحيح بأنه قد اختلف العلماء فى شرائط القبول التصحيح ، وقد يبنى
تصحيحه على شرط يراه مَنْ تابعه على تصحيحه ليس شرطا أو العكس .
قلت: التحقيق أنه قد وقع الاجماع على أنه يشترط فى الرواة الصدق والضبط
لروايته ، وفى ديانته يشترط أن يغلب خيره على شره ، هذا أمر مجمع عليه، ومنهم
من زاد شروطاً ، وهى السلامة من البدعة ، والمحافظة على المروءة، وجعل العدالة
اسماً لما لا يكاد يتحقق إلا فى معصوم، وقد بينا فى رسالة («تمرات النظر فى علم
الأثر)» الأدلة على ما قررناه هنا من أن الشرط هو الأمران، وأنه محل وفاق،
وأنه من شرط تلك الشروط لم يتم له الوفاء بها، بل قبل خبر المبتدع بقدرو إرجاء
ونصب ورفض إذا كان صدوقا ، وقد بسطنا هنالك ما يجزم الناظر فيه بأنه الحق ،
فمن قال إن فلانا عدل أفادنا خبره أنه صدوق وأن خيره غالب على شره ، وهو
الذی یقبل عندنا ، والذى قام علیه الاتفاق ، وإن رمی ببدعة قدر ونحوها فانها
لا تقدح فى رواية الصدوق .
وإذا عرفت هذا تحصل لك أن مَنْ قبل خبر الثقة فى التصحيح فهو مجتهد
فى قبول خبره ، كما يقبل سائر الأخبار عن الثقات، ولا يكون بقبولها مقلداً ،
والحمد لله، ولم نعلم أنا سبقنا إلى هذا التقرير.
( وأما المتأخرون) عطف على قوله (( أما قدماء الحفاظ)) وهم الذين تقدم
نصهم على جواز العمل بتصحيح الثقة (فلهم) فى الاعتذار عن العمل بتصحيح
الغير ( أن يقولوا: إنا لا نجوز العمل بتصحيح الثقة الحافظ إلا حيث قد عرفنا
مذهبه فى شرائط قبول الأخبار، فعرفنا أنه لا يقبل المجهول ولا الصدوق السىء
الحفظ ولا غير ذلك من المواضع المختلف فى قبولها) الظاهر أن هذا لا بد منه،
كما أنا لا بد أن نعرف مذهب من يخبر بعدالة المجهول (ولهذا) أى لأجل شرط
معرفة مذهب الثقة الحافظ (فانهم لا يكتفون بتصحيح الحاكم أبى عبد الله فى

- ٢١٤ -
المستدرك ) لما عرف من تساهله ورأيه في جعل الحسن صحيحاً (إلا من يذهب
مذهبه فى تصحيح الحسان ، بل فى تصحيح بعض الأحاديث الضعيفة التى يجوز
بل يجب قبولها على قواعد كثير من الفقهاء والأصوليين ، وهذا جواب صحيح
لكنه يتضمن الاقرار بقبول بعض المراسيل ، فان الثقة الحافظ على كلامهم متى
قال هذا إسناد صحيح ولا علة له وجب قبوله وإن لم يرولنا ذلك الأسناد الذى
حكم بصحته، وأى فائدة لنا فى مجرد سماع أسماء الرواة) التى سردها الثقة
( إذا كان يجوز لنا العمل بالحديث والرواية له من غير بحث عن رجاله ) لعدم
الفائدة ، إذ البحث عنهم ليس إلا لنعرف صحة الحديث أو عدمها، وإِذ قد
أخبر الثقة أنه صحيح فقد تضمن خبره أنهم ثقات ، فهو كمالو أخبرنا عن كل
واحد أنه ثقة لم يبق لنا حاجة إلى البحث عنهم ( فثبت بهذا أن المتأخرين من
المحدثين قد وافقوا على قبول بعض المراسيل) قلت : بل المتقدمون قد قبلوا
تزكية من تتنسهم من الرواة ، وبنوا على ذلك تصحيح الحديث وتضعيفه ،
فقبول المتأخرين للثقة فى قوله إن المرسل صحيح كقبول المتقدمين للثقة فى تزكية
الرواة ، وغاية الفرق أنه فى المرسل تزكية ضمنية وفى المسند تزكية مطابقية كماقررناه
فلا عذر عن قبول المرسل الذى صحخه ( وهو مانص على صحته ثقة عارف بهذا
الشأن) يعلم أنه لا يرسل إلا عن ثقة، إلا أن هذا شرط عزيز، وإنما قال قد
وافقوا على قبوله ( لارتفاع العلل الموهنة للمراسيل عن هذا النوع منها، كما وافقوا
على قبول مراسيل الصحابة لمثل ذلك) ومراده بمراسيل الصحابة هو ما إذا
صرح الصحابى بأنه لم يسمع الحديث منه صلى الله عليه وآله وسلم ، وإلا فقد
عرفت من تعريف المرسل أنه لا يدخل تحته رواية الصحابة إلا عن رأى غير
المحدثين (وبهذا تعرف أن القصد حصول الثقة بصحة الحديث، لامجرد الاسناد)
فان الاسناد إنما يحتاج إليه لينظر فى رجاله فيصحح الحديث أو يضعف (و) يعرف
(أن المرسل حيث يكون كذلك) أى مصحً (مقبول،كل ماذهب إليه الشافعى)

- ٣١٥ --
فى المراسيل كما تقدم، أو مثل ما اتفق عليه جماهير العلماء والمحدثين فيما علقه
البخارى تعليقاً مجزوماً به) فانهم إنما قبلوه لاشتراطه الصحة كما سلف وقدحصل
الشرط فى المرسل الموصوف وفى المعلق ، بل المعلق مرسل على رأى بعض أئمة
الأصول وتقدم تحقيق الكلام فى تعاليق البخارى فتذكر ( ومثل ما ذكرنا من
الاكتفاء بتصحيح أئمة الحديث ، فهذا) أى قبول مراسيل من صحح المرسل
(إذن محل اجتهاد ، وكل واحد يعمل بظنه ولا حرج) هذا عود إلى أن العامل
بتصحيح الأئمة للحديث مجتهد كما قررناه (ولله الحمد والمنة).
(وقد استحب المحدثون المحافظة على الاسناد فى هذه الأعصار وإن أمكن.
الاستغناء عنه) بما صححه الأئمة، وإنما استحبوه (لوجوه) ثلاثة (أحدها:
تمكين من لم يستجز الاكتفاء بتصحيح الثقة من النظر فى الاسناد ) بذكر
رجاله ( على رأى من ذهب إلى أن هذا ممكن) وهو غير ابن الصلاح ومن تبعه
(كما تقدم ) وتقدم مافيه ، الوجه (الثانى: تمكين من استجاز ذلك ) أى
الاكتفاء بتصحيح الثقة ( من مرتبة النظر فى الأسانيد المقوية للظن، وإن لم
تكن واجبة) لأنه مع الاكتفاء بما ذكر حصل له ما يجب عليه العمل به (فهى
مرتبة شريفة مستحبة بغير شك ) إذ العلم التفصيلى وإن أغنى عنه العام الجملى
فانه مستحب قطعاً، الوجه ( الثالث : بقاء سلسلة الاسناد المخصوص بهذه الأمة
المكرمة) فانها قد رويت آثار باختصاصها به .
( ويلحق بها ) أى بمسألة المراسيل (فائدتان: إحداهما أن الاسناد إذا
كان فيه عن رجل أو شيخ فهو منقطع لا مرسل فى عرف المحدثين) هكذا ذكره
ابن الصلاح (قاله الحاكم) ونقله زين الدين ، وزاد قوله ( وابن القطان فى بيان الوهم
والايهام) وقال الحافظ ابن حجر: فيه أمران: أحدهما: أنه لم ينقل كلام الحاكم
على وجهه ، وذلك أن كلام الحاكم يشير إلى تفصيل فيه ، وهو أنه إن كان
لا يروى إلا من طريق واحدة مبهمة فهو يسمى منقطعاً ، وإن روی من طريق
:

- ٣١٦ - .
مبهمة وطريق مفسرة فلا يسمى منقطعاً لمكان الطريق المفسرة ، وذلك أنه قال
فى نوع المنقطع « وقد یروی الحدیث وفى إسناده رجل ليس يسمى ولا يدخل
فى المنقطع)» مثاله : رواية سفيان الثورى عن داود بن أبى هند، قال : حدثنا
شيخ عن أبى هريرة رضى الله عنه ، قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
«يأتى على الناس زمان يخير الرجل فيه بين الفجور والعجز، فمن أدرك ذلك الزمان
فلیختر العجز » قال : ورواه وهب بن خالد وعلى بن عاصمعن داود بن أبىهند
قال : حدثنى رجل من جدیلة يقال له أبو عمر عن أبى هريرة رضى الله عنه به،
قال الحاكم : فهذا النوع الوقوف عليه متعذر إلا على الحفاظ المتبحرين .
قلت : فتبين بهذه الرواية المفسرة أنه لاانقطاع فى رواية سفيان، وأما إذا
جاءت رواية واحدة مبهمة فلم يتردد الحاكم فى تسميته منقطعاً ، وهى قضية
صنيع أبى داود فى المرسل وغيره .
الثانى: أنه لا يخفى أن صورة المسألة أن يقع ذلك من غير التابعى، أما لوقال
التابعى ((عن رجل)) فلا يخلو: إما أن يصفه بالصحبة أولا: إن لم يصفه بها ، فلا
يكون ذلك متصلا لاحتمال أن يكون تابعياً آخر ، بل هو مرسل على بابه، وإن
وصفه بها فان كان التابعى سالماً عن التدليس حملت عنعنته على السماع ، أنهى
٠
(وأما الجوينى فقال : وقول الراوى أخبرنى رجل أو عدل موثوق من
المرسل أيضاً قال) الجوينى (وكذلك كتب النبى صلى الله عليه وآله وسلم، التى
لم يسم حاملها ، ذكره فى البرهان ) قال فيه: وإنما ألحق هذا القسم بالمرسلات
من جهة الجهل بناقل الكتب، ولوذكر من يعزو الخبر إلى الكتاب ناقلَ
الكتاب وحامله التحق الحديث بالمسندات ، انتهى.
(قال زين الدين: وفى كلام غير واحد من أهل الحديث أنه متصل) إلا أنه
يقال ( فى إسناده مجهول وحكاه الرشيد العطار فى الغرر المجموعة عن الأكثر

- ٣١٧ -
واختاره شيخنا الحافظأبو سعيد)یرید العلائی(فی کتاب جامع التحصيل، انتهى)
کلام زین الدین .
( قلت: وهو الصحيح، لأن من قال عن شيخ أو رجل فقد أحال السامع
إلى رواية مجهول فلا يحل له العمل بالحديث ، بخلاف المرسل ) اسم فاعل
(الذى جزم برفع الحديث ) وكان لايرسل إلا عن عدل .
( الفائدة الثانية : مراسيل الصحابة مقبولة عندنا وعند المحدثين وعند
الأكثرين من طوائف العلماء) وهذا كما عرفت على اصطلاح غير المحدثين أوالأكثر
منهم فانه ليس المرسل عندهم إلا ما سلف رسمه أنه قول التابعى قال رسول الله
صلى الله عليه وآ له وسلم (وقد تقدم دعوى ابن عبد البر الاجماع على ذلك) تقدم
للمصنف الاستدلال باجماع الصحابة على قبول مرسل الصحابى ، وعن ابن جرير
الطبرى نقل إجماع التابعين ( قال زين الدين : وقد ادعى بعض الحنفية الاجماع
عليه، وهو غير جيد) قال ( فقد خالف فيه الأستاذ أبو إسحاق الاسفرايينى)
قلت : لم ينفرد به الاستاذ، بل قال القاضى أبو بكر الباقلانى وصرح فى التقريب
بعدم قبول المرسل مطلقاً ، وتقدم التعليل بأنه ليس لأجل الشك فى عدالة
الصحابة، بل لأنهم قد يروون عن التابعى مغلوبة كما يأتى ( قال : وتعليلُ ابن
الصلاح لذلك بأن روايتهم عن الصحابة) مقبولة لأن الصحابة لا يرسلون إلا عن
صحابة مثلهم وقد تقرر عدالة الصحابة فنقبل مراسيلهم تعليلٌ (غير جيد) لما يفيده
قوله (والصواب أن يقال: إن غالب روايتهم عن الصحابة) لا كلها ( إذقد سمع
جماعة من الصحابة عن بعض التابعين ، وسيأتى فى كلام ابن الصلاح. فى رواية
الأكابر عن الأصاغر أن ابن عباس وبقية العبادلة ) وهم ابن عمر، وابن عمروبن
العاص ، وابن الزبير ، وليس منهم ابن مسعود ، وغلط الجوهرى ، قاله فى
القاموس (رووا عن كعب الأحبار، وهو من التابعين ) بالحاء المهملة والموحدة
فى القاموس كعب الحبر ويكسر، ولا يقال («الأحبار)) وفى نسيم الرياض:

- ٣١٨ -
يقال كعب الأحبار، وكعب حبر - بكسر الحاء وفتحها - وقوله فى القاموس
((ولا يقال كعب الأحبار)) غير صحيح، انتهى (وروى أيضاً كعب عن
التابعين) فقد تأخذ عنه العبادلة مارواه عن التابعين (وقد ذكر ابن حجر أن
بعض الصحابة روى حديثاً بينه وبين النبى صلى الله عليه وآله وسلم ستة رواة،
وأن ذلك أكثر ما وجد من هذا القبيل) قد قدمنا لك أن هذا وإن وقع فانه
نادر مغلوب ، والحكم الغالب ، على أنه لا يتم إلا فى روايات صغار الصحابة ،
أما كبارهم فأخذهم عن التابعين مستبعد جداً .
٢٨
مسألة
فى فوائد تتعلق بالمرسل رص
٠
(ويلحق بهذا فوائد) ثلاث (الأولى: أن هذا الكلام كله فى ما لم تتعارض)
أى المراسيل (وعند التعارض يجب البحث عن الأسانيد لوجوب الترجيح
حينئذ بالاجماع ، وتوقف الترجيح حينئذ على النظر فى الأسانيد) يقال: قد
تقدم أن ما صححه الشيخان أرجح مما صححه غيرهما، فقد يكون المرسل حكم
بصحته الشيخان فيرجح على ما عارضه من مرسل حكم بصحته أحد الأئمة غيرهما
وكذا تقدم ما حكم البخارى بصحته كتعاليقه المجزومة على ما قالوه على مرسل
صححه مسلم ونحوه ذلك ، فهذا ترجيح من غير احتياج إلى النظر فى الأسانيد،
وكأنه يريد المصنف ذكر الأغلب
(و) الفائدة ( الثانية: من اختصر بعض المستدات فحذف أسانيدها لم يكن
له حكم المراسيل) وذلك كما صنعه ابن الأثير فى الجامع الكبير، ثم من تبعه فى

- ٣١٩ -.
حذف أسانيد الأمهات ، وكذلك صنيع الحافظ السيوطى فى جامعه الكبير
والصغير ومن تبعه ( لأن العهدة عند المختصر على الراوى الأول، والراوى الأول
قد أسند، ومن أسند ولم يصحح لم يتحمل عهدة) لأنه قد أحال الناظر على النظر
فى رجال كتابه، وأمامن صحح من الشيخين فالعهدة عليهما ،
والفائدة ( الثالثة: من اعتقد أن العلماء لا يروون إلا عن عدول كان مرساه
أضعف المراسيل، أو كان غير مقبول، وأمثلهم) أى المرسلين ( من يشترط
تصريح العالم بأنه لا يروى إلا عن ثقة من غير أن يعرف مذهبه) أى مذهب
المشترط فى إرساله عن الثقة ( فى التوثيق ) أما إذا عرف مذهبه فيه فانه قد أبان
عمن يرسل (ثم) أمثلهم بعد ذلك ( من يشترط أن تكون عادته الرواية عن العدل
من غير تصريح) كأنه يريد من غير أن يصرح فى روايته بتعديله بأن يقول
أخبرفى العدل (ثم) أمثلهم ( من لا يشترط العادة) وهو آخر رتب الأمثلية فى
الارسال (ومن طالع تراجم العلماء على ما فى هذا المذهب) وهو اعتقاد أنه لا يروى
العلماء إلا عن عدل ( من المفسدة) وهى وجود روايات عن العلماء من غير طريق
العدول ( فقدروى مالك ) فى الموطأ (عن) عبد الملك بن (أبى الخارق) بالخاء
المعجمة آخره قاف (وهو متكام عليه) قال المصنف فى العواصم: قال ابن عبدالبره.
المالكى المجتهد فى تمهيده: كان مجمعاً على تجريحه، ولم يرو عنه مالك إلا حديثاً واحداً
فى وضع الأكف على الأكف ، وقد رواه من طريق صحيحة فرواه فى الموطأ
عن أبى حازم التابعى الجليل عن سهل بن سعد الصحابى، انتهى ولم أجده فى الميزان
(و) روى (الشافعى عن ابن أبى يحيى) هو إبراهيم بن أبى يحيى الأسلمى ، قال ابن
عبد البر فى التمهيد: أجمعوا على حجر يح ابن أبى يحيى ، قال المصنف فى العواصم:
قلت: أما الاجماع على تجريحه فلا، فقد وافق الشافعى على توثيقه أربعة من الحفاظ،
وهم ابن جريج، وحمدان بن محمد الأصبهانى ، وابن عدى ، وابن عقدة الحافظ
الكبير، لكن تضعيفه قول الجمهور بلا مرية، انتهى (والزنجى) بالزاى والجيم

- ٣٢٠ -
وهو مسلم بن خالد المخزومى المعروف بالزنجى ، وقال ابن حجر فى تقريب التهذيب :
صدوق کثیر الأوهام( وقد تكلمعلیہما) وقد سمعته (و) روی ( أحمد بن حنبل
عن عامر بن صالح) ابن عبد الله بن عروة بن الزبير بن العوام ، وانفرد بتوثيقه ،
حتى قال أبو داود: سمعت يحيى بن معين يقول : جن أحمد ، يحدث عن عامر بن
صالح، قال الذهبي : لعل أحمد ماروى عن أو هى منه، وإنما روى عنه أحمدلأنه لم
يكن عنده يكذب وكان عالما بالفقه والعلم والحديث والنسب وأيام العرب ، وقال .
أبو حاتم: ما أرى بحديثه بأساً (وغيره) ممن ضعف ، وهؤلاء الثلاثة الأمةهم الذين
يعرفون باشتراط العدالة، وقدرووا عن المجار يح ، فلا يوثق بارسال من يشترط العدالة .
واعلى أنه قد عيب على الشافعى ذلك، وأجيب عنه بأنه قد يعترى الحافظ
الشك فى التعيين، أى تعيين اسم مَنْ روى عنه، مع عدم شكه فى عدالته ،فيتورع
عن التعيين احتياطا ، وقال ابن الصباع فى العدة: إن الشافعى إنما يطلق ذلك فى
ذكره لأصحابه أن الحجة عنده فى هذا الحكم لا فى مقام الاحتجاج به على غيره،
وكذا قال القاضى أبو الطيب ، قال: وقدقيل : إنه كان قد أعلم أصحابه بذلك ،
قال ابن حبان إنه إذا قال الشافعى أخبرنى الثقة عن ابن أبى ذئب فهو ابن أبى
فديك ، أو عن الليث فهو يحيى بن حسان ، أو عن الوليد بن كثير فهو عمرو بن
أبى سلمة ، أو عن ابن جريج فهو مسلم بن خالد الزنجى، أوعن صالح مولى التوأمة
فهو إبراهيم بن أبى يحيى، ذكر هذا البرماوى فى شرح ألفيته فى أصول الفقه، ثم
نقل أقوالا غير هذه فيما يريده الشافعى بالثقة ، قلت : وكلها تخمين وتظنن
(و)روى ( أبو حنيفة عن غير واحد من الضعفاء والمجاهيل) أى عن جماعة
كثيرة (و) روى ( الامامان الهادى) يحيى بن الحسين بن القاسم (والقاسم) بن
إبراهيم المعروف بالرسى ( عن حسين بن عبد الله) أى (ابن ضميره) عن أبيه
عن جده، كذا فى نسخ التنقيح ، وفى الميزان: الحسين بن عبد الله بن أبى ضميره
سعيد الخميرى المدنى، روى عن أبيه ، وعنه يزيد بن الخيار وغيره، كذبه مالك ،
وقال أبو حاتم : متروك الحديث كذاب ، وقال أحمد : لا يساوى شيئا، وقال
: