Indexed OCR Text
Pages 201-220
- ٢٠١ - فيكون فيه الصحيح بالمعنى الأخص والحسن، لكن كلام ابن الصلاح وابن رشيد مبنى على أنه يرى الأقسام ثلاثة . قال زين الدين (والاحتياط أن يقال صالح) لاصحيح ولا حسن (كما عبر. هو) أى أبو داود (عن نفسه) لكن لا يخفى أن قوله ((صالح)) يحتمل أنه للاحتجاج به كما قال الزين، ويحتمل أنه صالح لأعم من ذلك من الاحتجاج والمتابعة والاستشراء كما قاله الحافظ ابن حجر ، وقد قدمنا كلامه ، فان أريد الأول فالصلاحية للاحتجاج لازمة الصحيح والحسن، وإن أريد الثانى فالصلاحية للمتابعة ليست لازمة للاحتجاج فترددت عبارته بين كون ما سكت عنه صحيحاً أو حسناً أو ضعيفاً فالتعبير بصاح لم يفد تعين الاحتجاج ، حتى يكون صحيحا على رأى القدماء أو حسنًا على رأى المتأخرين ، نعم كلامه قد أفاد أن ما سكت عنه فليس فيه وهن شديد، فخرج به قسم من الضعيف لا يشمله صالح، وتحقيق عبارته أن الذى سكت عنه ليس فيه وهنٌ شديد، وهو يحتمل أن لا وهن فيه أصلا فيكون صحيحاً أو حسناً ، ويحتمل أن فيه وهناً لكنه غير شديد ، وحينئذ فالصواب أنه يحتمل الثلاثة: الحسن ، والصحة، والوهن غير الشديد ، لا كما قاله ابن الصلاح ولاً کما قاله ابن رشيد . (وجوّة الذهبى الكلام فى شرط أبى داود فى ترجمته من النبلاء) ويأتى كلامه فى آخر هذا البحث (وقال الامام أبو الفتح محمد بن محمدبن محمد بن سيد الناس اليعمرى فى شرح الترمذى: لم يرسم أبو داود شيئاً بالحسن، وعمله فى ذلك شبه عمل مسا) زاد الزين الذى لا ينبغى أن يحمل كلامه على غيره (فانه اجتذب الضعيف الواهى) كما قال أبو داود إنه يدينه، وأما مسلم فلم يأت به (وأتى) أى مسلم (بالقسمين الأول) وهو الصحيح (والثانى) وهو الحسن (وحديث من مثل) أى مسلم (به) سيأتى من مثل .. م قريباً (من القسمين الأول والثانى موجود فى كتابه) كتاب مسلم ( دون القسم الثالث ) وهو الواهى ، بخلاف أبى داود ، فالثالث - ٢٠٢ - موجود فى كتابه لكنه بينه ( قال) أبو الفتح ( فهلا ألزم الشيخ أبو عمروبن الصلاح مسلماً من ذلك ما ألزم أبا داود ، فمعنى كلامهما واحد) وبين معنى كون كلامهما واحداً بقوله ( وقول أبى داود إنه يخرج فى كتابه الصحيح وما يشبهه وما يقاربه يعنى يشبهه فى الصحة أو يقار به فيها قال) أبو الفتح ( وهو نحو قول مسلم ليس كل الصحيح تجده عند مالك وشعبة وسفيان فاحتاج إلى أن ينزل إلى مثل حديث ليث بن أبى سليم وعطاء بن السائب وزياد بهن أبى زياد لما شمل الكل من اسم العدالة والصدق) ولفظ مسلمرد فان اسم الستر والصدق وتعاطى العلم يشملهم؟ (وإن تفاوتوا فى الحفظ والاتقان ) أى وإن تفاوت مالك وصاحباه وليث وصاحباه، فان الثلاثة الأولين أكمل فى الحال والمرتبة من الثلاثة الآخرين (ولا فرق بين الطريقين) طريق مسا وأبى داود ( غير أن مسلما شرطه الصحيح فتحرج من حديث الطبقة الثالثة) وهو من اشتد وهنه فانهم خرجوا من كتابه، ومراده أنه بقى فى مسلم طبقتان، والرواة أهل الصحاح وأهل الحسان ( وأن أبا داود لم يشترطه) أى شرط الصحيح ( فذكر ما يشتد وهنه عنده والتزم البيان. عنه، قال) أبو الفتح ( وفى قول أبى داود إن بعضها أصح من بعض ما يشير إلى القدر المشترك بينهما فى الصحة لما تقتضيه صيغة أفعل فى الأكثر) إذ قد يخرج عن ذلك نادراً كما عرف فى النحو ، وحينئذ فقد شرط أبو داود الصحة فى كتابه لأن قوله ((صالح)) بمعنى صحيح كما أرشد إليه ، وقوله وبعضها أى بعض الأحاديث التى سكت عنها وسماها صالحة أصح من بعض ، فدل أنه أراد بصالح صحيح، وأراد بالصحة المعنى الأعم الشامل للحسن، كما أن مسلماً أراده فى تسمية كتابه بالصحيح، هذا تقرير مراد أبى الفتح ، والتحقيق فى البحث قدمناه قريباً، وأبو الفتح سوى فى هذا الكلام بين مسلم وستن أبى داود (قال زين الدين) فى شرح ألفيته بعد نقله لكلام أبى الفتح (والجواب ) أى عن أبى الفتح في إلزامه لابن الصلاح ( أن مسلماً التزم الصحة فى كتابه ، فليس لنا أن - ٢٠٣ - تحكم على حديث خرجه أنه حسنٌ عنده) أى عند مسا، قلت: لا يخفى أنه إنما ألزم ابن الصلاح أن يسمى ماسكت عنه أبو داود صحيحاً، لا أن يسمى ما أخرجه مسلم صحيحاً فتأمل (لما تقدم من قصور الحسن عن الصحيح) فكيف يحكم على حديث فى كتابه بالحسن بعد تصريحه باشتراطه صحة ما يخرجه، نعم قول مساء ليس كل الصحيح نجده عند مالك ، وقوله فاحتاج إلى أن ينزل إلى مثل حديث ليثبن أبى سليم بعد التزامه الصحة يدل على أن فى كتابه الصحيح والأصح وإن كان قوله كل الصحيح يفهم أن بعض الصحيح عند ليث مثلا وأن كلا من الفريقين من مالك ومن ذكر معه وليث ومن ذكر معه أحاديثهم مستوية فى الصحة، لكن سياق كلامه يأبى هذا المفهوم ( وأبو داود قال إن ماسكت عنه فهو صالح، والصالح قد يكون صحيحاً وقد يكون حسناً ) قلت : يعنى إذا حمل كلامه على أن مراده صالح للاحتجاج كما هو حمل زين الدين، لا إذا حمل على الأعم من ذلك كما عرفت (عند من يرى الحسن رتبة دون الصحيح) قيد لقوله وقد يكون حسناً ( ولم ينقل لنا عن أبى داود هل يقول بذلك أو يرى ماليس بضعيف صحيحاً) ولا يثبت الحسن ( فكان الاحتياط أن لايرتفع ماسكت عنه إلى الصحة حتى يعلم أن رأيه هو الثانى ويحتاج إلى نقل) وهو أنه يرى ماليس بضعيف صحيحاً. قالهالحافظ ابن حجر - بعد نقل جواب شيخه على أبى الفتح - وقد أجاب الحافظ صلاح الدين العلائى عن كلام أبى الفتح بجواب أمتن من هذا فقال مانصه : هذا الذى قال ضعيف ، وقول ابن الصلاح أقوى ، لأن درجات الصحيح إذا تفاوتت فلا نعنى بالحسن إلا الدرجة الدنيا منها ، والدرجة الدنيا لم يخرج مسلم منها شيئاً فى الأصول، إنما يخرجها فى المتابعات والشواهد، انتهى. قلت: ابن الصلاح لم يقل فى مسلم شيئاً ، إنما ألزمه أبو الفتح أن يجمل مسلماً كأبى داود، ولاوجه عندى لالزام أبى الفتح له أصلا، وذلك أن مسلما شرط أن لا يخرج إلا الصحيح وسمى كتابه به، وقال: ما أدخلت فيه إلا ماصح، وأبو داود ! - ٢٠٤ - يقول : ماسكت عنه فهو صالح ، وهى عبارة ليست نصاً فى شرطيه الصحة فى المسكوت عنه ، بخلاف مسلم فعبارته صريحة غير محتملة ، فلأى شىء يقول : إن فى حديثه ما يحتمل الحسن كما فى حديث أبى داود( وأما قول العلائى إن درجات الصحيح متفاوتة، وإنه لا يعنى بالحن إلا الدرجة الدنيا منها، وليس فى مسلم منها شىء، فهو مؤذن بأنه إذا أطلق الصحيح فلا يشمل الإخرجاته التى ليس فيها درجة دنيا ، ومسلم قد شرط الصحة فى كتابه وسماه صريحاً م حينئذ فلا يدخل الحسن فى كتابه أصلا . قال الحافظ ابن حجر ما معناه: كلام العلائى صحيح ، وهو مبنى على أمر اختلف نظر الأمه فيه، وهو قول ما مامعناه إن الرواة ثلاثة أقسام، فالأول كما لك وشعبة ونظراً ما، والثانى مثل عطاء بن السائب ويزيد بن أبى يزيد وأمثالهما، وكل من القسمين مقبول لما يشمل الكل من أسم الصدق ، والطبقة الثالثة أحاديث المتروكين، فقال القاضى عياض وتبعه النووى وغيره: إن مسلماً أخرج أحاديث القسمين الأولين ولم يخرج شيئاً من أحاديث القسم الثالث، وقال الحاكم والبيهقى وغيرهما: لم يخرج مسلم إلا أحاديث القسم الأول فقط، فلما. حدث، اخترمته المنية قبل إخراج القسمين الآخرين ، ويؤيد هذا مارواه البيهقى بسند صحيح عن محمد بن إبراهيم بن محمد بن سفيان صاحب مسلم قال: صنف ها ثلاثة كتب أحدها هذا الذى قرأه على الناس يعنى الصحيح، والثانى يدخل فيه عكرمة وابن إسحاق وأمثالهما ، والثالث يدخل فيه الضعفاء . قلت: وإنما اشتبه الأمر على القاضى عياض ومن تبعه بأن الرواية عن أهل القسم الثانى مروية فى صحيحه، لكن حرف المسألة: هل احتج بهكما احتج بأهل القسم الأول أم لاهموالحق أنه لم يخرج شيئاً ما تفرد به الواحد منهم وإنما يحتج بأهل القسم الأول سواء انفردوا أم لا ، ويخرج من أحاديث أهل القسم الثانى مايرفع به التفرد عن أحاديث أهل القسم الأول، وكذلك إذا كان لحديث ٠ ٠- ٢٠٥ - أهل القسم الثانى طرق كثيرة يعضد بعضها بعضاً فانه قد يخرج ذلك، وهذا ظاهر بين فى كتابه، ولو كان يخرج جميع أحاديث أهل القسم الثانى فى الأصول، بل وفى المتابعات ، لكان كتابه أضعاف ماهو عليه، ألا تراه يخرج لعطاء بن السائب فى المتابعات ، وهو من المكثرين ، ومع ذلك فما له عنده سوى مواضع يسيرة، وكذا محمد بن إسحاق وهو من بحور الحديث، وليس له عنده فى المتابعات إلا ستة أو سبعة هرولم يخرج لليث بن أبى سليم ولا ليزيد بن أبى زباد ولا المجالد بن سعيد إلا مقرونا ، وهذا بخلاف أبى داود ، فإنه يخرج أحاديث هؤلاء فى الأصول محتجاً بها، ولأجل ذا تخلف كتابه عن شرط الصحة، وفى قول أبى داود (( ما كان فيه وهن شديد بينته)) فأفهم أن الذى يكون فيه وهن غير شديد أنه لا يبينه ، ومن هنا تبين أن ماسكت عليه أبو داود لا يكون من قبيل الحسن. الاصطلاحى ، بل هو على أقسام منه ماهو فى الصحيحين أو على شرط الصحة إلى آخر ماقدمناه فى هذا البحث عن الحافظ ابن حجر . وبهذا التحقيق يتضح لك مافى قول المصنف ( قلت: الذى تلخص من عبارة أبى القنح اليعمرى وزين الدين بن العراقى أن ماسكت عنه أبو داود فهو فى المعنى والصحة مثل حديث مسلم) لا أدرى لم زاد لفظ المعنى فان المعانى فى .. الحديثين قد تختلف وإن جمعهما وصف الصحة (ولكن مسلم يسمى الحسن صحيحاً كالحاكم والمتقدمين) هذا مبنى على وجود القسم الثالث فى كتابه وقد عرفت مافيه ( فيحكم ) أى مسلم ( بأن كل مافى كتابه صحيح عنده على معنى أنه يجب العمل به، وعلى معنى أنه ليس فيه ضعيف وإن كان فيه ماهو حسن عند من يجعل الحسن رتبة بين الصحيح والضعيف) لا يخفى أن هذا لايتم على تحقيق الحافظ الذى قدمناه وجزمه بأن مسلماً لم يخرج إلا لأهل القسم الأول وهم أعلى مراتب الصحيح، وأخرج لأهل القسم الثانى ما يكون صحيحاً لغيره ؛ فليس فى كتابه إلا الصحيح لذاته، وهم أهل القسم الأول، والصحيح لغيره، وهم أهل - ٢٠٦ - القسم الثانى المتعاضدة أحاديثهم، فليس فى كتابه ما هو من قسم الحسن، ولما كان متقتضى كلام المصنف أن يوصف أحاديث سنن أبي داود بالصحة كما وصفت أحاديث مسلم :يا مع قوله بأنبها مستويان أجاب عن هذا بقوله (وإنما لم يجعل) أحاديث ( سنن أبى داود صحاحا عنده) كما جعلنا أحاديث مسلم صحاحاً عنده (لأنه) أى الشأن (لم يعرف ها ذهب) أبو داود (مذهب الحاكم والمتقدمين فى تسمية الحسان صحاحاً أم لا) أى بخلافما فقد عرفنا ما عنده من تسمية الحسان صحاحاً (هذا) تقرير الكلام (عند زين الدين، أما أبو الفتح) اليعمرى (فجعل ما سكت عنه) أبو داود (صحيحاً كمسلم) لا يعزب عنك أن أصل كلام أبى الفتح إلزام لابن الصلاح بأنه يلزمه أن أحاديث أبى داود التى سكت عنها صحيحة كالقسم الثانى من أحاديث مساء، لكنه ساق من عبارته مادل على أن ما ألزم به ابن الصلاح يراه قويا، فإذا قال المصنف إنه يسمى منسكت عنه أبو داود صحيحاً (وساعده) أى أبا الفتح (الزين) فى مساواة أحاديث أبى داود لأحاديث مسلم (وإنما اعتذر) الزين (من إطلاق التسمية) على ما سكت عنه أبو داود بأنه صحيح (مضافة) التسمية ( إلى اعتقاد أبى داود، وهذا الاختلاف الذى وقع بينهما) أى بين الزين وأبى الفتح ( قليل الجدوى لم يقع إلا فى تسمية ماسكت عنه عنده) عند أبى داود (هل كان عنده يسمى صحيحاً كاصطلاح مسلم فى تسمية مافى كتابه من الحسن صحيحاً أم كان عنده) أى أبى داود (منقسما فى التسمية إلى حسن وصحيح كاصطلاح المتأخرين والأكثرين فأنهم قصروا اسم الصحيح على أحد قسمى المقبول، وخصوا مادونه باسم الحسن وهذا يقتضى المساواة بين حديث مسلم وبين ماسكت عنه أبو داود من حديث السنن) كل هذا مبنى على أن مسلماً قد سمى الحسن صحيحاً وأنه لم يرد بتسمية كتابه الصحيح إلا بمعنى المقبول، وأنه لم يرد الصحة الاصطلاحية الخاصة أو أرادها وغلب الحسن فى التسمية، ومبنى على أن إطلاق صحيح على ما سكت - ٢٠٧ - عليه أبو داود كاطلاق حسن عليه، لافرق بينهما فى المعنى، وإنما الخلاف لفظى بين الشيخين أبى الفتح والزين ، ونعم يتم أنه لا فرق بينهما حيث يراد بالصحيح فى هذا الاطلاق معنى الحسن . قلت : إلا أنه لإخفاء فى أن ظاهر قول الزين فى العذر عن عدم إطلاق الصحيح على ما سكت عليه أبو داود لتحقق الحسن دون الصحة ، وقوله فكان الاحتياط أن لا يرتفع مأسكت عنه أبو داود إلى الصحيح - أن المراد بالصحيح هو الأخص ، وأن إطلاقه على ما سكت عليه رفع له إلى رتبة هو منحط عنها وغير متحققة له ، وأبو الفتح قال : يطلق الصحيح على ما سكت عليه أبو داود بالمعنى الأعم ، فيشمل الصحيح الأخص والحسن لأن قول أبى داود (( إن ماسكت عنه صالح)» يحتمل الأمرين كما أن مسلماً أطلق الصحيح على الأمرين معاً وشملهما كتابه ، فابن رشيد لا يريد بالصحيح فى إلزامه ابن الصلاح إلا معناه الأخص، إذ معناه المرادف للحسن قد صرح ابن الصلاح بأنه الذى يحتماه ما سكت عنه أبوداود، والتحقيق أن إلزام ابن رشيد لابن الصلاح مبنى. على أن قول أبى داود إن ما سكت عليه صالح يحتمل صلاحيته للصحة بالمعنى الأخص وبالمعنى الأعم الشامل للحسن ، فلما قال ابن الصلاح إنه يحمل ماسكت عليّة على الحسن قال أبو الفتح ابن رشيد : بل ويحتمل الصحة بالمعنى الأخص ، فحمله على أحد محتمليه تحكم، ثم قال بعد ذلك: إنه يلزم ابن الصلاح حيث جعل الصالح بمعنى الحسن وحمل عليه أن يلزم مسلماً بأن فى حديثه الحسن لأنه أتى بعبارة كعبارة أبى داود ، فان لفظ صحيح الذى سمىبه كتابه يحتمل على أنه أراد به الصحيح بمعناه الأخص ، ويحتمل أنه أراد الأعم، كاحتمال لفظ ((صالح)» عند أبي داود، ثم إنه لما صرح فى كتابه أنه ينقسم بانقسام الرواة إلى صحيح وأنزل منه، وأنه أتى بهما فيه، دل على أنه أراد به المعنى الأعم، كما أن أبا داود قال: إن الصالح المسكوت عنه بعضہ أصح من بعض، دل كلام كل ء - ٢٠٨ -- واحد منهما على أنهما أتيافى كتابيهما بأحاديث تفاوت رتبها إلى صحيح وأصح ، والأصح هو الصحيح بالمعنى الأخص ، والصحيح هوالحسن ، فقد أراد مسلم بصحيح وصالة الصحية بالمعنى الأعم الشامل للتسمين، كما أراد أبو داود بصالح. وبعد هذا تعرف أن قول الزين ((إن صالح يحتمل الصحيح والحسن» مراده الصحيح بالمعنى الأخص ، ومراد اليعمرى أنه لا الخال فيه بل هو ظاهر فى المعنى الأعم كما دل له قول أبى داود إنه أتى فى كتابه بالصحيح وما يشابه وما يقار به أى يشابه و يقار به فى الصحة ، وقوله بعضها أصح من ض، وقدوجد فى كتابه الحسن قطعا فمراده بصالح صحيح بالمعنى الأعم كما أراده ما، وأن قوله إن ملمًّا التزم الصحة فى كتابه، يقول اليعمرى: نعم، لكنه القزمها بمعناها الأعم لما قرره من كلام مسلم، واشترطها أبو داود بذلك المعنى لقوله صالحٍ، وبعضها أصح من بعض. إذا عرفت هذا عرفت أن جواب الزين عن اليعمرى لم يوافق بحثه ومراده أن اليعمرى يقول: إن الصالح بمعنى الصحيح بالمعنى الأعم، وإنأبا داود كغيره يقول بانقسام الحديث إلى الثلاثة الأقسام لكنه عبر بلفظة صائل عن قسمين ، وبين الثالث بقوله ((وما كان فيه وهنٌ شديد)) وقوله ((فكان الاحتياط أن لا يرتفع ماسكت عنه إلى الصحيح)» يقال عليه: قد عرفت أن يعاد أبى داود بما سكت عنه أى عن بيان وهنه الشديد لأنه لم يسكت على غيره إذ قدحكم بأن الذى لم يبين وهنه صالح، فالذى سكت عنه قد جعله صالحاً وليس بمسكوت عنه بل موصوف بالصالح ،وهو محتمل للأمرين كما عرفت، ومنه تعرف أن أبا داود قائل برأى المتأخرين والا كثرينَ، ويحتمل أن يريد زين الدين إن حَمْلنا صاقاً فى عبارة أبى داود على الصحيح بالمعنى الأعم رفعٌ له إلى فوق رتبة الحسن لأنه يشمل الصحيح بالمعنى الأخص، فالأحوط وصفه بالمتحقق وهو الحسن لكنه قال أبو الفتح: إن أبا داود لم يرسم شيئا بالحسن فكيف يثبت له شيئاً ! ٠ -- ٢٠٩ - يقله، سيما وقد قال إنه صالح وبعضه أصح من بعض، وبهذا علم أن رأى أبى داود هو الثانى، أعنى إدراج الحسن فى الصحيح. هذا، وقول المصنف إن الشيخين جعلا أحاديث مسلم وأبى داود مستوية لا يخلو عن تأمل، لأن الزين قال : إن مسلماً شرط الصحة ، فليس لنا أن نحكم على حديث خرجه أنه حَسَنٌ لما تقدم من قصور رتبة الحسن ، ووصف أحاديث أبى داود المسكوت عنها بالحسن الذى رتبته أنقص من رتبة الصحيح، فهذا يشعر بأنه لم يسوّ بينهما ، وأما أبو الفتح فظاهر عبارته التسوية ( فاما أن يريدوا) أى أبو الفتح والزين ومن تبعهما (المساواة بينهما) أى بين أحاديثهما ( فى أن كل واحد منهما واجب القبول عند مخرجه فذلك قريب ولا يقتضى المساواة المطلقة ، أو يريدوا أنهما سواء على الاطلاق فذلك غير صحيح) لما ذكره من قوله ( فان من أنس بعلم الأثر وطالع كتب الرجال) أى تراجم العلماء فى كتب الرجال التى وضعت لبيان أحوال الرواة وغيرهم ( لم يشك أن مسلماً كان أكثر احتياطاً من أبى داود) فى الرواة (كما لا يشك أن البخارى كان أكثر احتياطاً من مسلم، وإن كان مقصد الكل) من الثلاثة ( حسنا، فان من تساهل منهم لم يحمله على التساهل هوى ، وإنما حمله أنه رأى أن قبول مارواه واجب ورده حرام ، فاحتاط كل منهم للمسلمين، فجزاه الله أفضل الجزاء) ومن الأدلة أن مسلماً وإن روى عن بعض الضعفاء فإنه يعتمده قوله ( وقد روى النووى فى شرح مسلم أن مسلماً ذكر أنه ربما أخرج الحديث فى الصحيح) أى فى كتابه المسمى بالصحيح ( الاسناد الضعيف لعلوه وله إسناد صحيح معروف عند أهل هذا الشأن، فقد تركه لنزولة استغناء بشهرته ، وهذا يدل بالنص على أن مسلماً وإن روى عن بعض الضعفاء لم يدل على أنه اعتمدهم، ولذا ضعف المحققون قول من يقول ((صحيح على شرط مسلم)) لمجرد إسناده إلى رواه مسلم) فانه ليس كل من فىصحيحه من . ( م ١٤ - تقيم ١) ١ - ١٠ ٢ - الرواة غير ضعيف ، إذ قد صرح بأن فيهم الضعيف ، لكن ليس فيه حديث ضعيف ( وهذا جواب واضح على اليعمرى وزين الدين ) عما زعماه من مساواة حديث مسلم لحديث أبى داود. ( واعلٍ أن المقصود بهذا الكلام هو التعريف بأن حديث مسلم عند التعارض أرجح من حديث أبى داود لمن لم يتمكن من البحث عن إسنادهما والكشف عما قيل فى رجالهما وجميع ما يتعلق بهما من علوم الحديث، وذلك) أى وجه ترجيح حديث مسلم عند التعارض ( لما تقدم من أن جماعة من الثقات قد ادعوا الاجماع على صحة كتاب مسلم) يقال: كيف تتم هذه الدعوى مع أنه قد صرح أنه قد ينزل عن الثقات وأهل الاتقان إلى من هو دونهم ? فلا بد من حمل الصحة المتفق عليها على ما يشمل مراتب الصحة التى يدخل فيها الحسن، لكن ظاهر ما سلف للمصنف أن الاتفاق على الصحة بالمعنى الأخص، وقد تقدم عن الحافظ ابن حجر ما نقلناه من تحقيق حال أحاديث مسلم بما يرفع درجته عن أحاديث أبى داود (ولم يختلف فى الترجيح لما تلقته الأمة بالقبول على غيره من الصحيح المقبول ) فان ما تلقته الأمة بالقبول أرجح من غيره من الصحيح الغير المتلقى، والتلقى من الأمة وقع الصحيحين كما سلف ، ولم يقع التلقى لسنن أبي داود، فأحاديث مسلم أرجح إذا عارضها صحيح غير البخارى، فكيف إذا عارضها ما فيه الحسن ونحوه ? وتقدم البحث عن دعوى التلقى ( وإنماوقع الخلاف) بين الأمة ( فى أن المتلقى بالقبول: هل يفيد العلم الاستدلالى أم لا ؟ وقد مر ذلك) ومر ما فيه ( فمن قال إنه يفيد العلم قدم مسلما على الاطلاق) سواء كان من أهل البحث أو من غيره (ومن قال إنه يفيد الظن فان لم يكن عن أهل الكشف) أى البحث عن الأسانيد ( قدمه أيضاً) لأنه يجب العمل بالظن عند عدم أقوى منه ( وإن كان من أهل الكشف بحث ) عن أسانيد ٠ - ٢١١ - المتعارضين من حديث مسلم وحديث أبى داود ( فان حصل له من البحث ظن ١ · أرجح) إما بترجيح حديث مسلم أو ترجيح حديث أبى داود (من الظن الحاصل من تلقى الأمة بالقبول صار إليه ) إلى ما رجح له ، لأنه لا يعمل بظن مرجوح عندوجود ظن راجح (وإن كان تلقى الأمة بالقبول أرجح فى ظنه عمل به ،وأهل الكشف هم المتمكنون من النظر فى الأسانيد والكشف عن أحوال الرواة) (فان قيل: قد نقل الحافظ ابن النحوى فى البدر المنير والحافظ زين الدين فى التبصرة عن الحافظ أبى عبد الله بن منده أنه قال عن أبى داود إنه يخرج الاسناد الضعيف إذا لم يجد فى الباب غيره لأنه عنده أقوى من رأى الرجال ) وقدمنا هذا قريباً ( وهذا يقتضى أن فى ما سكت عنه ضعيفاً عنده لا يجوز العمل به) لأنه لا يعمل إلا بصحيح أو حسن ، وهذا خارج عنهما لأنه ضعيف لم يعضده خبر آخر ، بل لم نجد غيره ( وذلك الضعيف ) الذى صرح أبو داود بإخراجه فى كتابه ( غير متميز عن غيره فوجب ترك الجميع ) أى جميع ما سكت عنه، لأنه وإن كان فيه ما يصح به العمل لكنه لم يتميز عما لا يصح ( ولم يحل الاحتجاج بشىء منها إلا بعد الكشف عن أحوال رجالها فى كتب الجرح والتعديل ، وهذا خلاف ما عليه العمل ) من العلماء فانهم يحتجون بما سكت عنه أبو داود كما تقدم (وخلاف ما نص عليه الحفاظ كابن الصلاح والنووى وزين الدين بن العراقى وسراج الدين بن النحوى وغيرهم) فانهم قالوا: تحتج بما سكت عنه أبو داود إلا أن يظهر فى بعضها أمر يقدح فى الصحة والحسن وجب ترك ذلك كما نقله المصنف عن النووى قريباً، وتقدم الكلام فى أن ماسكت عنه أنه يحتمل الصحة والحسن . ( قلت : الجواب أن ذلك لا يشكل إلا على من كان لا يعرف ما اصطلح عليه القوم فى باب مراتب الجرح والتعديل وغيره من أبواب علوم الحديث، وأنت ١ = - ٢١٢ - إذا بلغت هذا الباب ) من الجرح والتعديل ( عرفت أنهم يطلقون الضعيف على العدل فى دينه المتوسط فى مراتب الحفظ والاتقان) لا يخفى أنهم إن أرادوا هذه فهذه صفة رواة الحسن الذين خف ضبطهم ( وقد نص زين الدين فى مراتب التجريح الخمس على أن الضعيف ، وهو فى المرتبة الرابعة منها) أى من مراتب التجريح( یکتب حديثه وحديثمن فى مرتبته) لافائدة لزيادته ( ومن فى المرتبة الخامسة للاعتبار هم) وقد تقدم للمصنف هذا وتقدم ما عليه ( دون أهل المراتب المتقدمة من المجروحين ) فانه لا يكتب حديثهم لذلك (وروى عن أبى حاتم فى) أهل (مراتب التعديل الخمس أن أهل المرتبة الرابعة منهم يكتب حديثهم للاعتبار بهم ، وهم) أى أهل المرتبة الرابعة من مراتب التعديل (من قيل فيه إنه صالح الحديث ) قد عرفت أنه قال أبو داود إن ماسكت عنه من الحديث فانه صالح وجعلوا هذه العبارة تحتمل الصحة والحسن (أو محله الصدق ، أو شيخ، أو وسط، أو شيخ وسط أو مقارب الحديث، أو نحو ذلك) بفتح الراء وكسرها كما قال الزين ، واعلم أن ابن معين قال : من قيل فيه إنه ضعيف فليس بثقة ولا یکتب حديثه، نقله عنه زین الدین وذ کر فىذلك خلاط سیاتیبیانه ( کاسیاتی إن شاء اللهفى موضعه، فعرفت بهذا أن الضعيف فى رابعة مراتب الجرح هو صالح الحديث فى رابعة مراتب التعديل ، ولكنه يوصف بالضعف بالنظر إلى من فوقه من الثقاث الأثبات المتقنين، ويوصف بصلاح الحديث بالنظر إلى صدقه وترفعه عن مرتبة المغفلين المكثرين من الخطأ وترفعه عن مرتبة المجروحين والمتهمين ، ويدل على ما ذكرته ما ذكروه فى أقسام الضعيف كما يأتى من أن الحديث قد يسمى ضعيفاً عندهم إذا كان من طريق رجال الحسن المستورين غير أنه لم يردله شاهد ولا متابع، ويدل على ماذ کرته ماتقدم من قول أبى الفتح بن سید الناس إن شرط أبى داود كشرط مسلم) لكنه لا يخفى أنه لم يرتضه المصنف فما سلف ثم هذا كله يتم إن كان مراد أبى داود بقوله إنه يخرج الاسناد الضعيف إذا لم يجد /ے - ٢١٣ - فى الباب غيره الاسناد الذى ليس فيه وهن شديد الذى التزم أنه يبينه ، وهذا محل تتبع لما فى سنن أبى داود (و) يدل له (مارواه) أبو الفتح (عن مسلم من قوله ليس كل الصحيح تجده عند مثل مالك وشعبة وسفيان ، واحتاج أن ينزل إلى مثل ليث بن أبى سليم وعطاء بن السائب لما يشمل الكل من اسم العدالة والصدق ، وإن تفاوتوا فى الحفظ والاتقان ، فدل هذا على أن رواة أبى داود الذين سكت عنهم من أهل الصدق والعدالة عنده وأنَّ تفاوتهم إنما هو فى الحفظ والاتقان) هذا مبنى على أنه لافرق بين رجال مسلم وأبى داود، فان المصنف جعل عبارة مسلم فى رواته دليلا على أن رواة أبى داود يتصفون بصفة رواةمسلم، وهذا ينقض ماسلف له قريبا ، ولا بتم على كل تقدير لما علم بالخبرة أن فى رجال أبى داود ممن يعتمدهم فى الأصول رجالا لا يرتضيهم مسلم إلا فى التوابع والشواهد، كما قد سبقت أمثلة من ذلك فيما قدمناه ، ولا يتم قوله أيضا ( والضعيف منهم ) أى من رواة أبى داود ( إنما هو ضعيف الحفظ ضعفا متوسطا لايحطه إلى مرتبة من لا يكتب للاعتبار) لكنه لا يكون حجة يعمل بحديثه ( ولهذا جعلوا من قيل فيه إنه ضعيف بمرة فى ثالثة مراتب الجرح وجعلوه ممن لا يكتب حديثه للاعتبار ومعنى الاعتبار عندهم طلب التوابع والشواهد التى يعرف بها أن للحديث أصلا ويترقى حديث الضعفاء إلى مرتبة الحسن وسوف يأتى تعريف معنى الشواهد والتوابع والفرق بينهما فى بابه إن شاء الله) ويأتى تحقيق ذلك هنالك إن شاء الله تعالى ، إلا أنك قد عرفت أن أبا داود قال: إنه يذكر الحديث الضعيف إذا لم يجد فى الباب غيره، فيبنى عليه الحكم ، ولذا قال: إنه أولى من الرأى، والرأى إنما يحتاج إليه عند رادة الحكم ، فهو لايذكره للاعتبار ، بل ليبنى عليه أحكاماً ، ثم إنه مبنى على أنه لم يجد فى الباب غيره، وأى شىء يعتبر هو به ، وإن أريد أن غير أبى داودمن الأئمة يعتبر بهفلا يكون عفرا لأبى داود لأنهلم يأت به إلا للحكم به ( فالاسناد الضعيف - على هذا - واجب القبول عند كثير من : - ٢١٤ -- الأصوليين والفقهاء وإن لم يتابع راويه على روايته) ولا يكون حسناً لذاته ولا لغيره ( وأما المحدثون فيذهبون إلى قبوله متى جمع شرائط الحديث الحسن) لذاته أو لغيره ( إلا البخارى فلم يقبله كما تقدم، ويوضح ماذكرته من أن الاسناد الضعيف الذى ذكره ابن منده فى السنن مقبول عندهم هو ماقدمناه عن أبى داود من قوله إن مالم يذكر فيه شيئا فهو صالح وبعضها أصح من بعض) لا يعزب عنك أن نقل ابن منده عن أبى داود أنه قال: يخرج الحديث الضعيف إذا لم يجد فى الباب غيره، وهذا نص منه أنه يخرج الضعيف ، وقال فيما سكت عنه : إنه صالح ، ثم قال: وبعضها - أى بعض الأحاديث التى سكت عنها - أصح من بعض، فعبارته تشعر بأن الذى سكت عنه صحيح أو أصح ، والذى أخرجه عند عدم وجود غيره ورآه أولى من الرأى ضعيف ، فكيف يقول المصنف: إن الذى ذكره ابن منده هو الذى قدمه عن أبى داود فليتأمل ( ولهذا قال ابن منده ) الأولى قال أبو داود لأن ابن منده راو للفظه ومراده قال راويا ( إنه ) أى أبا داود ( يورد الاسناد الضعيف ولم يقل الحديث الضعيف، لأن الحديث فى نفسه قد يقوى متته لاجتماع الأسانيد الضعيفة إذا كان رواتها فى مرتبة رجال الحسن ولم يكونوا ضعفاء بمرة) لكنه غير خاف عليك أنه قال أبو داود: إنه يخرج الحديث الضعيف إذا لم يجد غيره، فأين اجتماع الأسانيد الضعيفة التى ترقيه إلى الحسن إذ لو كان شىء يرقيه إلى مرتبة الحسن لما قال إذا لم يجد غيره، وإن أراد أن غير أبى داود وجد له أسانيد عاضدة لحديثه الذى لم يجد غيره فلا ينفع ذلك بالنظر إلى أبى داود ، إذ قد أتى بضعيف لم يعضده شىء عند، ورتب عليه حكما ، ومنه تعرف مافى قوله . (ومن نفائس هذا الفصل أن لاتظن) أيها المخاطب كما يرشد إليه قوله واحمًاً (الانفراد فى أحاديث السنن إذا لم يورده) أى الحديث الدال عليه الأحاديث (أبو داود إلا بإسناد واحد من الأسانيد الضعيفة واهما) من ظن الانفراد فى ١ ٢ - ١٥ م - أحاديث السنن (أنه) أى أبا داود ( إنما ترك الشواهد والمتابعات لعدمها) عند أبى داود فيظن الانفراد (و) يظن الواهم ( أن شرط الحديث الحسن وجودها) أى الشواهد والمتابعات ( فليس كذلك) أى ليس كما ظنه من أن وجودها شرط (فنصه ) أى أبى داود ( على أن ماسكت عنه فهو صالح يقتضى معرفته لمتابعات ) وشواهد تقويه، فيه بحثان: الأول: أن هذا الذى سكت عنه هو الذى أخبر عنه بأنه صالح، والصالح صحيح أو أصح عنده كما عرفت والثانى: أنه لم يسكت عما لم يجد فى الباب غيره، بل قال: إنه ضعيف. نعم يشكل وجود حديث فى السنن مسكوت عنه، فانه يحتمل أن سكوته عنه لكونه صالحا أو أنه ضعيف، فلا يعرف الفرق بينهما إلا بأن نجد حديثاً ليس فى الباب غيره فيحكم بضعفه، ثم إنه مبنى على أنه لا يأتى فى باب من أبواب كتابه بما وهنه شديد وإن لم نجد إلا هو، وهذا كله يفتقر إلى تتبع كتاب أبى داود، لأن ماسكت عنه قد احتمل الضعف واحتمل أنه صالح ( من باب معرفة اصطلاحاتهم، ومن باب الحمل على السلامة ) هذا كلام حسن ، لكنه يقال عليه: إنه قد صرح أبو داود أنه يأتى بالضعيف إذا لم يجد فى الباب غيره من تابع أو شاهد، فحمله على السلامة إنما هو بقبول خبره عن نفسه ( فان مثل. أبى داود مع جلالته ومعرفته وأمانته ) يجب قبول خبره عن نفسه كما يجب قبول ما أخبر به عن غيره ، وقد أخبر عن نفسه بما عرفت ، وأما قوله (لا يطلق. ذلك) أى لفظ صالح فيما سكت عنه (على مالا يستحق اسم الصحيح أو الحسن فى عرفهم الشائع) فقدعرفت أنه لم يطلقه إلا على صحيح أو حسن (فكيف وقد روى الحافظ سراج الدين بن النحوى فى مقدمات كتابه البدر المنير عن أبى داود أنه يخرج فى الباب أصح الأسانيد ويترك بقيتها تخفيفا على طلبة هذا العلم الشريف) هذا محمول على ما يخرجه فى باب أحاديث الأحكام التى يذكر فيها أحاديث كثيرة ، وأما ما يخرجه فى باب أو فى حكم لا يجد فيه إلا حديثا واحدا - ٢١٦ - فانه قد صرح بأنه ضعيف ( وهذا يدل على أنه إنما نص على صلاحية ماسكت عنه مما إسناده ضعيف لما عرف من شواهده) قد عرفت أنه نص على صلاحية ماسكت عنه، ونص على أنه يخرج الضعيف الذى لا يجد غيره فى الباب ، ونص على أنه يخرج ما اشتدوهنه مع بيانه ، وإذا كان هذا نصه فليس لنا الحكم بأن ما سكت عنه فهو صحيح أو حسن حتى يعلم أن فى الباب غيره إذ هو الذى صرح بأنه يخرجه مع ضعفه، نعم الذى لا يجد فى الباب غيره قليل بالنسبة إلى مقابله، فقد يقال : الحكم للأعم الأغلب، وهو الصلاحية للمسكوت عنه، إلا أن هذا لا يكفى فى إثبات الأحكام . (وأما الذهبى) كأنه قسم أماما تقدم من الأقاويل: أى هذا ما قال أئمة هذا الشأن غير الحافظ الذهبى ( فقال فى ترجمة أبى داود من كتابه النبلاء ، قال أبو داود : ذكرت فى السنن الصحيح وما يقار به ، فان كان فيه وهن شديد بيّته ، قال الذهبي : وقد وفى بذلك رحمه الله بحسب اجتهاده، وبين ما ضعفه شديد غير محتمل وكاسر) بالسين المهملة فى القاموس كسر من طرفه غض: أى غض أبو داود (عما ضعفه خفيف محتمل) غير شديد ( فلا يلزم من سكوته والحال) عنده ( هذه عن الحديث أن يكون حسنا عنده) لأنه قد سكت عما فيه ضعف محتمل، وليس هذا بداخل فى باب الحسن (ولاسيما إذا حكمنا على حد الحسن باصطلاحنا المولد الذى هو فى عرف السلف يعود إلى قسم من أقسام الصحيح) وهو الحسن لذاته فانه إنما يعتبر فيه خفة الضبط كما عرفت فانه (الذى يجب العمل به عند جمهور العلماء أو الذى يرغب عنه البخارى) كان الأولى الاتيان بكلمة الواو عوضاً عن أو لأن الذى يرغب عنه البخارى هو الحسن لذاته ( ويمشيه مسلم وبالعكس) لا أدرى ما يراد به فينظر، إذ المعروف أن البخارى لايعمل بالحسن لذاته كما تقدم ، ومسلم يدخله فى قسم الصحيح، وعكس هذا ما أدرى ما أراد به الذهبى (فهو) أى المذكور بالحسن لذاته (داخل فى أدنى مراتب الصحيح) ١ - ٢١٧ - كماقد عرفته من كلام العلائى وغيره (فانه) أى الحسن لذاته ( لو انحط عن ذلك) أى عن شرائطه بالاصطلاح المولد (لخرج عن الاحتجاج، وكتاب أبى داود أعلى ما فيه من الثابت ما أخرجه الشيخان ، وذلك نحو من شطر الكتاب) وهذا كله تقرير لكون ما كاسر أبو داود عن ضعفه المحتمل وسكت عنه لا يدخل محت الحسن ولا يحتج به ، لأنه قد انحط عن رتبته ، وهذا خلاف ما قاله المصنف فى تقريره (ثم يليه ما أخرجه أحد الشيخين) كأن المراد به مسلم (ورغب عنه الآخر) البخارى ( ثم يليه مارغبا عنه وكان إسناده جيداً سالماً من علة وشذوذ ، ثم يليه ما كان إسناده صالحاً وقباه العلماء لمجيئه من وجهين لينين فصاعدا يعضد كل منهما الآخر، ثم يليه ماضعف إسناده لنقص فى حفظ راويه فمثل هذا يمشيه أبو داود ويسكت عنه غالباً، ثم يليه ما كان بين الضعف من جهة راويه ، فهذا لا يسكت عنه بل يوهنه غالبا ، وقد يسكت عنه بحسب شهرته ونكارته، والله أعلم، انتهى بلفظه) واعلم أنه قد تحصل من كلام الذهبى هذا أن أحاديث أبى داود على ستة أقسام: على شرط الشيخين، على شرط أحدهما، ما كان إسناده جيداً سالماً عن شذوذ وعلة، ما كان إسناده صالحاً وعضده غيره، ما كان إسناده ضعيفًاً لضعف حفظ راويه ، ما كان بين الضعف ، وأنت إذا قابلت بين هذا وبين كلام المصنف وجدت بين الكلامين اختلافا، وكذا إذا قابلت بينه وبين ما نقل عن أبى داود ، وإنما هذا إخبار من الذهبى عن حقيقة أحاديث السنن باعتبار ممارسته لها، لا باعتبار كلام مؤلفها، وكأنه لهذا قال المصنف ((وأما الذهبى)» (كما هو معروف من عوائد الحفاظ، ولقد قال بعض حفاظ الحديث: إن الحديث إذا لم يكن عندى من مائة طريق فأنا فيه يتيم) اليتيم الفرد كافى القاموس، وكأن هذا من قوله (( كما هو معروف)) إلى هنا معلق بقوله (« وأما الذهبى)» وفيه نوع خفاء، وتعلقه بقوله ((لما عرف من شواهده)» أظهر وإن كان قد بعد بتوسيطه بنقل كلام الذهبي ( فهذا الكلام الذى أوردته يعرف شرط أبى داود 1 ٠ - ٢١٨ - ومن أحب الكشف عما سكت عنه فهو أولى وأقرب إلى التحقيق التام ، وهو طريقة أهل الاتقان من طلبة هذا الشأن، وأعون كتاب على ذلك ) أى على الكشف عن أحاديث أبى داود التى سكت عليها (كتاب الأطراف للحافظ الكبير جمال الدين أبى الحجاج المزى) بضم المبر وكسرها كما فى القاموس وآخره زاى بلدة بدء شق (لمعرفة طرق الحديث، وكتاب الميزان للذهبى للكشف عن أحوال الرجال ، وأقرب منهما مختصر الحافظ عبد العظيم) أى المنذرى ( لسنن أبى داود، فانه تكلم على جميع مافيها مما يحتمل الكلام ، وبين مافيها مما فى الصحيحين وغيرهما وصححه أو حسنه أبو عيسى الترمذى ، وجود الكلام على حديثها غاية التجويد، وجاء كتابه مع كثرة فوائده صغير الحجم لم يزد على مجلد) ذكر الحافظ المذكور فى خطبة مختصره المذكور عن ابن داسة أنه قال: سمعت اباداود يقول: كتبت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خمسمائة ألف حديث انتخبت منها ماضمنته هذا الكتاب ، يعنى كتاب السنن، جمعت فيه أربعة آلاف وثمانمائة حديث، ذكرت الصحيح وما يشبهه وما يقار به ويكفى الانسان لدينه أربعة أحاديث: قوله صلى الله وعليه وآله وسلم(( الأعمال بالنيات )) والثانى قوله (( من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه)) والثالث قوله ((لا يكون المؤمن مؤمناً حتى يرضى لأخيه مايرضى لنفسه)» والرابع ((الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات - الحديث)) ثم ذكر فيها أيضاً أنه حكى أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده الحافظ أن شرط أبى داود والنسائى إخراج أحاديث أقوام لم يجمع على تركهم إذا صح الحديث باتصال السند من غير قطع ولا إرسال، وحكى عن أبى داود أنه قال : ماذكرت فى كتابى حديثا اجتمع الناس على تركه ، انتهى. وأعلم انه قد أطال المصنف رحمه الله الكلام على شرط أبى داود ولم يسفر وجه إطالته عن شىء يعتمد عليه . - ٢١٩ - ١٤ مسألة مے [ فى بيان شرط النسائى] (شرط النسائى) هو أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائى، فى القاموس أن نسا بلدة بفارس وبلدة بسرخس، ذكره فى المعتل ولم يذكره فى المهموز (واعلم أن من الناس من يفضل كتاب النسائى فى القوة والصحة على سنن أبي داود) وقد أطلق الصحة عليه أبو على النيسابورى وأبو أحمد بن عدى والدار قطنى وابن منده وعبد الغنى بن سعيد ، قال ابن الصلاح : وقد أطلق الخطيب السُّلَفى الصحة على كتاب النسائى، انتهى، قال الحافظ ابن حجر: أطلق الحاكم الصحة عليه وعلى كتاب أبى داود والترمذى، وقال أبو عبد الله بن مئده: الذين خرجوا الصحيح أربعة البخارى ومسلم وأبو داود والنسائى، وأشار إلى ذلك أبو على بن السكن (وقد روى أن له شرطا أعز من شرط البخارى) قال الحافظ الذهبى فى التذكرة: إنه قال ابن طاهر : سألت سعد بن على الزنجانى عن رجل فوثقه ، فقلت : قد ضعفه النسائى ، فقال : يابنی إن لآبی عبد الرحمن شرطا فى الرجال أشد من شرط البخارى ومسلم (ولكنه لم يصح عنه دعوى ذلك، ولا ذكر ذلك الحافظ ابن الصلاح فى علوم الحديث ولا الحافظ زين الدين بن العراقى فى التبصرة، بل نقل زين الدين فى التذكرة عن ابن منده أن شرط النسائى أن يخرج حديث من لم يجمع على تركه) قد قدمنا أن هذا قاله الحافظ المنذرى نقلا عن أبى داود فى خطبة مختصر السنن، ولكنه قال الحافظ ابن حجر: إنما أراد بذلك إجماعا خاصا ، وذلك أن كل طبقة من طبقات الرجال لاتخلو عن متشدد ومتوسط فمن الأولى شعبة وسفيان الثورى، وشعبة أشدمنه، - ٢٢٠ - ومن الثانیة حیی القطان وعبد الرحمن بن مهدی ، و یحیی أشد منعبدالرحمن ومن الثالثة (١) يحيى بن معين وأحمد بن حنبل ، ويحيى أشد من أحمد، ومن الرابعة أبو حاتم والبخارى، وأبو حاتم أشد من البخارى ، فقال النسائى: لا يترك الرجل عندى حتى يجمع الجميع على تركه، ثم قال ابن حجر: فاذا تقرر ذلك ظهر أنما يتبادر إلى الذهن من أن مذهب النسائى فى الرجال مذهب متسع ليس كذلك، فكم من رجل أخرج له أبو داود والترمذى يجتنب النسائى إخراج حديثه ، انبى . ( قال زين الدين هذا مذهب متسع) قد عرفت مما نقلناه عن ابن حجر مالا يتممعه هذا (ذكر ذلك الذهبى فى تذكرته) أى تذكرة الحفاظ (٢) ( فى ترجمة النسائى عن ابن طاهر عن سعد بن على الزنجانى قوله ، والله أعلم) قدعرفته مما نقلناه من التذكرة عن ابن طاهر عن الزنجانى، وأن دعواه أن شرط النسائى أشد من شرط البخاري ومسلم، وظاهر كلام المصنف أن الذى فى ترجمة النسائى من التذكرة هو هذا المنقول عن ابن منده ولم أجده فى التذكرة فى ترجمة النسائى (وقال) الذهبى ( فى النبلاء فى ترجمة النسائى: إن ذلك صحيح) أى ما قاله سعد الزنجانى (وقال فى النسائى: هو أحذق بالحديث وعلله ورجاله من مساٍ والترمذى وأبى داود، وهو جار فى مضمار البخارى وأبى زرعة) هذا كلام الذهبى، وهو ينافى 1 (١) يريد من الثالثة من طبقات النقاد، وإن كان لم يتقدم له إلا ذكر المتشدد والمتوسط . (٢) لفظ الذهبى فى تذكرة الحفاظ «قال ابن طاهر: سألت سعد بن الزمجانى عن وجل ، فو ثقه ،فقلت : قد ضعفه النسائى، فقال: یابی ، إن لأبى عبد الرحمن شرطاً فى الرجال أشد من شرط البخارى ومسلم ))اهـ. من هامش وقال بعد ذلك : فأظن فى كلام المصنف هنا سقطاً، وقد قابلتها على أصل صحيح ، فينظر .