Indexed OCR Text
Pages 121-140
- ١٢١ ست ١١ مسألة [ فى بيان حكم ما أسعده الشيخان أو علقاه ] ( حکم الصحیحین) أی : ذ کر حکم ما أسنده فى الصحیحین کما یرشد إلى تقدير ذلك قوله ( والتعاليق ) فانه من مسمى الصحيحين وإن لم تشمله الصحة ( اختلف الحفاظ من المحدثين والنقاد من الأصوليين فيما أسنده البخارى ومسلم أو علقاه) وهو الذى حذف من مبتدا إسناده واحد أو أكثر، وأغلبُ ما وقع ذلك فى كتاب البخارى ، وهو فى كتاب مسلم قليل جدا ، قال ابن الصلاح فى جزء له : ما اتفق البخارى ومسلم على إخراجه فهو مقطوع بصدق مخبره ثابت لتلقى الأمة ذلك بالقبول، وذلك يفيد العلم النظرى، وهو فى إفادة العلم كالمتواتر إلا أن المتواتر يفيد العلم الضرورى، وتلقى الأمة يفيد العلم النظرى، وقداتفقت الأمة على أن ما اتفق البخارى ومسلم على صحته فهو حق وصدق ، انتهى . (أما ما أسنداه) أى الشيخان ( أو أحدهما فذكر ابن الصلاح أن العلم اليقينى النظرى واقع به) أى بما أسنداه أو أحدهما ( خلافا لقول من نفى ذلك) أى إفادة اليقين وفى شرح مسلما يفيد أن هذا الخلاف لبعض محققي الأصوليين (محتجاً بأنه) أى الحديث الصحيح (لا يفيد فى أصله) أى فى حق كل واحد من الأمة (إلا الظن) وأما قول ابن الصلاح فى الاستدلال على إفادتهما اليقين بتلقى الأمة لهما بالقبوال نجوابه قوله ( وإنما تلقته) أى حديث الكتابين (الأمة بالقبول) لأنه يفيد الظن (ولأنه يجب عليهم العمل بالظن، والظن قد يخطئ) ولا يتم به اليقين (قلل) ابن الصلاح ( وقد كنت أميل إلى هذا وأحسبه قوياً ، ثم بان لى أن المذهب الذى اخترناه أولا) وهو كونه يفيد العلم اليقينى النظرى (هو الصحيح لأن - ١٢٢ - ظن من هو معصوم عن الخطأ ) وهم الأمة (لا يخطئ، إلى آخر كلامه) وهو قوله ((ولهذا كان الاجماع المبنى على الاجتهاد حجة مقطوعاً بها، وأكثر إجماعات العلماء كذلك، وهذه نكتة نفيسة نافعة ، ومن فوائدها القول بأن ما انفرد به البخارى أو .لم يندرج فى قبيل ما يقطع بصحته لتلقى الأمة كل واحد من كتابيبما . انتهى. وقال إمام الحرمين : لو حلف إنسان بطلاق امرأته بأن مافى كتاب البخارى ومسلم مما خكما بصحته من قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما ألزمته الطلاق، ولا حَثْتُهُ، لاجماع المسلمين على صحتهما ، قال النووى : لقائل أن يقول : إنه لا يحنث ولو لم يجمع المسلمون على صحتهما، للشك فى الحنث، فانه لوحلف على ذلك فى حديث ليس هذه صفته لم يحنث وإن كان راويه فاسقاً ، فعدم الخنث حاصل قبل الاجماع فلا يضاف إلى الاجماع ، قال : والجواب أن المضاف إلى الاجماع هو القطع بعدم الحنث ظاهرا وباطنا ، وأما عند الشك فعدم الحنث حاصل محكوم به ظاهراً مع احتمال وجوده باطنا ، فعلى هذا يحمل كلام إمام الحرمین ، فهو اللائق بتحقيقه . انتهى . وأقول : فى هذا الكلام بحثان : الأول : أه مبنى على دعوى تلقى كل الأمة للكتابين بالقبول ، وقد قدمنا أن هذه دعوى على الأمة كلها وهى غير صحيحة كما أوضحناه فى « نمرات النظر » وغيرها ، وقد أقرّ ابن الصلاح بعدم مامها فانه قال: إن الأمة تلقّتْ ذلك بالقبول سوى من لا يستد بخلافه ووفاقه، ولا يخفى أن مسمى الأمة ودليل العصمة شامل لكل مجتهد، والقولى بأنه لا يعتد بمجتهد وإخراجه عن مسمى الأمة لا يقبله ذو تحقيق، وإلا لادعى من شاء ماشاء بغير دليل ، وقد قدّمنا سؤال الاستفسار عن هذا التلقى: هل هو الأصل الكتابين من حيث الجملة أو لكل فرد فرد من أحاديث ما? - ١٢٣ - الأول غير مراد ولا يفيد المطلوب ، والثانى هو المراد ولا يتم فيه الدعوى كما أشرنا إليه سابقا، وقرر ناه فى «نمرات النظر» وفى غيرها، البحث الثانى: بعد تسليم الدعوى الأولى أن التحقيق أن الأمة مَعْصُومة عن الضلالة، وعليها دلت الأدلة كما حققناه فى حواشينا على شرح الغاية المسماة (( بالدراية)» وقد أشرنا إليه سابقاً، والخطأ ليس بضلالة ، وتأتى زيادة فى هذا . (وقد سبقه ) أى ابن الصلاح ( إلى نحو ذلك عد بن طاهر المقدسى ، وأبو نصر عبد الرحيم بن عبد الخالق بن يوسف ، واختاره ابن كثير ، وحكى فى علوم الحديث له أن ابن تيمية حكى ذلك عن أهل الحديث وعن السلف وعن جماعات كثيرة من الشافعية والحنابلة والأشاعرة والحنفية وغيرهم. والله أعلم) رأيت فى بعض رسائل ابن تيمية مالفظه : ولهذا كان أكثر متون الصحيحين مما يعلم علماء الحديث علماً قطعياً أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم قاله ، قارة بتواتره عندهم ، وتارة لتلقى الأمة له بالقبول، وخبر الواحد المتلقى بالقبول جنيه العلم عند جمهور العلماء من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد ، وهو قول أكثر أصحاب الأشعرى كالأسفرائينى وابن فَوْرَك فانه وإن كان فى نفسه لا يفيد إلا الظن ، لكنه لما اقترن به إجماع علماء أهل الحديث على تلقيه بالتصديق كان بمنزلة إجماع أهل العلم بالصحة على حكم مستندين فى ذلك إلى ظاهر أو قياس أو خبر واحد، فان ذلك الحكم يصير قطعياً عند الجمهور وإن كان بدون الاجماع لیس بقطعی ، انھی. وفيه أنه حكم على أكثر منون الصحيحين، وأن ذلك إجماع أئمة الحديث، وهذا حَسَنٌ ، ولكنه ليس بالاجماع الذى ادعاه ابن الصلاح ، فان أراد ابن كثير هذا الكلام الذى لابن تيمية فلا يخفى أنه لا يحسن ضمه إلى ابن الصلاح ومن سبقه لأن أولئك ادعوا الإجماع من الأمة على التلقى، وابن تيمية يقول إنه تلقاه علماء الحديث، أى تلقوا أكثر متونهما بالقبول، وإنه بمنزلة الاجماع، - ١٢٤ - وإن علماء الحديث هم الذين يعلمون علماً قطعياً أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال مافى الصحيحين مما نسب إليه ، وهذا قول عدل، إلا أن الدليل عليه كونه بمنزلة الاجماع، ولا يخفى أن الدليل إنما هو الاجماع لا ما هو بمنزلته، لأنه ليسَ إجماعاً ضرورة واتهاقا، إذالدليل هو الاجماع كمافى علم الأصول، لا ماهو بمنزلته. ثم رأيت الحافظ ابن حجر نقل كلام ابن تيمية إلا أنه بأبسط من هذه العبارة وضمه إلى من ضمه ابن كثير ، وقوله غیر قول من ضموه إليهم ، ولا بد من حمل كلامهم على كلامِهِ لأن مَنْ يُعتبر تلقيه بالقبول إنما هو من يعرف الفنّ ويميز بين صحيحه وسقيمه ويعرف رجاله ، وذلك خاص بأهل الحديث وأئمة هذا الشأن، وهم الذين تروج دعوى ذلك عليهم ، لا الأمة كلها ، فلو قال ابن الصلاح وغيره مثل هذا لمقبل منه ، وأما دعوى القطعية بعد تسليمه هذا القدر من التلقى ففيها خفاء ، وإنما قلنا إنه لابد من رد كلامهم إلى كلامه لأنه الواقع ، وهو يفيد أرجحية ما فيهما كما أشار إليه المصنف فيا سلف، لا القطعية المدعاة ( قال النووى) فى شرح مسلم (وخالف ابن الصلاح المحققون والأكثرون فقالوا: يفيد الظن مالم يتواتر، ونحو ذلك حكى زين الدين عن المحققين واختاره) قال النووى: فنهم - أى المحققين - قالوا : إن أحاديث الصحيحين التى ليست متواترة إتها تفيد الظن ، لأنها آحاد، والآحاد إنما تفيد الظن كما تقرّر، ولا فرق بين البخارى ومسلم وغيرهما فى ذلك، وتلقى الأمة بالقبول إنما أفادنا وجوب العمل بما فيهما ، وهذا متفق عليه ، فان أخبار الآحاد فى غيرهما يجب العمل بها إذا صحت أسانيدها ، ولا تفيد إلا الظن ، وكذا الصحيحان ، وإنما يفترق الصحيحان وغيرهما من الكتب فى كون مافيهما صحيحاً لايحتاج إلى النظر فيه ، بل يجب العمل به مطلقا ، وما كان فى غيرهما لا يعمل به حتى ينظر فيه وتوجد فيه شروط الصحيح ، ولا يلزم من إجماع الأمة على العمل بما فيهما إجماعهم على أنه كلام النبي صلى الله عليه وسلم ، انتهى. - ١٢٥ - واعلم أنه قال الحافظ ابن حجر: إن شيخه - يريد زين الدين - أقر كلام النووى هذا ، وفيه نظر ، وذلك أن ابن الصلاح لم يقل إن الأمة أجمعت على العمل بما فيهما ، وكيف يسوغ له ذلك والأمة لم تجمع على العمل بما فيهما لا من حيث الجملة ولا من حيث التفصيل ، لأن فيهما أحاديث ترك العمل بمادلت عليه لوجود معارض أو ناسخ ، انتهى . قلت: ولا يخفى أنه وَهَمٌ ، فان القائل إن الأمة أجمعت على العمل بما فيهما هو النووى نفسه، لاأنه نقله عن ابن الصلاح، ثم إن قوله ((أجمعت على العمل)» إنما مراده مما تعبدنا بالعمل به، فالمنسوخ والمخصص قد خرجاً من ذلك . ثم إنه نقل عن الأستاذ أبى بكر محمد بن الحسن بن فورك تفصيلا فى المتلقى بالقبول ، فقال : الخبر الذى تلقته الأمة بالقبول مقطوع بصحته ، ثم فصل ذلك فقال: إن اتفقوا على العمل به لم يقطعوا بصدقه وحمل الأمر على اعتقادهم وجوب العمل بخبر الواحد ، وإن تلقوه بالقبول قولا وفعلا حكم بصدقه قطعا ، ثم قال : إنما اختلفوا فيما إذا أجمعت الأمة على العمل بخبر المخبر هل يدل ذلك على صحته أم لا؟ على قولين، فذهب الجمهور إلى أنه لا يكون صحيحاً بذلك، وذهب عيسى ابن أبان إلى أنه يدل على صحته ، قال : وقد تعقب شيخنا شيخ الاسلام فى محاسن الاصطلاح - يريد به البلقيني - قولَ النووى إن ابن الصلاح خالفه المحققون والأكثرون ، فقال : هذا ممنوع ، فقد نقل بعض الحفاظ المتأخرين عن جمع من الشافعية والحنفية والحنابلة والمالكية أنهم يقطعون بصحة الحديث الذى تلقته الأمة بالقبول . قلت : وكأنه عنى بهذا البعض الشيخ تقي الدين ابن تيمية، ثم ذكر ما أسلفناه من كلام ابن تيمية . قلت : إلا أن هاهنا بحثا ، فانه لا يخفى اختلاف أحوال العلماء وغيرهم فيها يستفيدونه اعتقاداً، فمنهم من يُفيده خبرُ الآحاد العلم ، وقد قدمنا فى شرح رسم - ١٢٦ الصحيح شيئا من ذلك، ومنهم من يفيد الظن، ومنهم من لا يفيده علماً ولا ظناً، ولذا اختلف فيما يفيده خبر الآحاد الاختلاف الذى سبق ذكره هنالك أيضاً، فالتلقى بالقبول لا يجزم بافادته القطع لكل أحد مُحَقِّق لاختلاف الناس فى الاعتقاد، فدعوى إفادته القطع لكل أحد غير صحيحة ، وأيضاً إنما يستوى الناس فى البديبيات ككون الكل أعظم من الجزء ونحوه، وأما فى الأمور النقلية فلا ، فانه يتواتر الأمر لشخص دون شخص فيكون حجة على الأول دون الثانى. إذا عرفت هذا فالرد على ابن الصلاح بأن جماعة قالوا لا يفيد إلا الظن،والرد على من رد عليه بأن جماعة قالوا يفيد القطع ، غير صحيح فى الطرفين ، لأن هذه أمورٌ وجدانية يختلف فيها الناس ، فلا يحكم أحد على غيره بما عند نفسه، ولو كان المتلقى بالقبول يفيد القطع لكل أحد أو الظن لما وقع اختلاف فى المسألة . ثم اعلم أن هذا التلقى المدعى مرادبه تلقى العلماء هو من بعد تأليف الصحيحين وهى الطبقة الأولى من بعد ذلك ، وأما من بعدهم من أهل الأزمنة المتأخرة فالدليل عليه نقل تلك الطبقة التلقي بالقبول ، ولعله قد يكون آحادا فلا يفيده، أو متواتراً فتقوم الحجة بنقل تلقى الأمة لهما بالصحة . ولما قال ابن الصلاح إن ظن من هو معصوم لايخطئ، قال المصنف (قلت: والمسألة دقيقة، وقد بسطت القول عليها فى العواصم ، وهى فى أصول الفقه مذكورة ، وحاصل الجواب) على ابن الصلاح فى قوله إن ظن من هو معصوم عن الخطأ لا يخطئ (أن المعصوم معصوم فى ظنه عن الخطأ الذى هو خلاف الصواب ) قال المصنف فى مختصره فى علوم الحديث: والحق أنه أى الخطأ لايناقضها أى العصمة حيث خطؤه فيما طلب لا فما وجب ، ولا يوصف خطؤه حينئذ بقبح (لا عن الخطأ الذى هو خلاف الاصابة كالخطأ فى رمى) المؤمن (الكافر حيث رماه ) فأصاب مؤمناً فإنه غير آثم قطعاً (وفى الحكم بشهادة العدلین فیالظاهر) وهما فى الباطن غیر عدلین ( ومن ذلك صلاة رسول الله صلى ١٢٧ الله عليه وآله وسلم بزيادة) کا فی صلاته الأربع خمساً ( أو نقصان) كمافى صلاته الأربع اثنتين، أخرجه الستة من حديث ابن بُحَينة ، وسماها الظهر ( حيث سها وظن أنه ماسها) فانه قال له صلى الله عليه وآله وسلم ذو اليدين : أقصرت الصلاة يارسول الله أم نسيت ؟ قال: لم تقصر ولم أنس، وسيأتى (فن جَوّز هذا على المعصوم) كالرسول صلى الله عليه وآله وسلم (لأنه خطأ لغوى) وهو: الخطأ المرفوع عن الأمة فى حديث ((رفع عن أمتى الخطأ)) (وهو فى الحقيقة صواب لأنه مأمور به مثاب عليه ) وقد استدل المصنف لجوازه بالعقل والنقل فى مختصره حيث قال: لَنَا لو وَجَب القطع بانتفائه لبطل كونه ظناً، والفرضُ أنه ظن ، فهذا خلف ، ولوجوب الترجيح عند تعارض المتلقَّى بالقبول، ولا ترجيح مع القطع، ومن السمع قول يعقوب فى قصة أخى يُوسفَ ((بل سَوّلت لكم أنفسكم أمراً)» وقوله ((ففهمناها سليمان)) وقوله فى حديث ((إنما أقطع له قطعة من نار)) أخرجه الشيخان مرفوعاً من حديث أم سلمة وأوله (« إنكم تختضمون إلى، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضى له على نحو ما أسمع منه، فمن قضيت له من حق أخيه شيئا الحديث)) وأحاديث سهوه صلى الله عليه وآله وسلمفى الصلاة، ولا يمتنع أن يدخل الظن فى استدلال الأمة ثم يجبُ القطع باتباعهم كخبر الواحد وطرق الفقه، ولذلك يسمى الفقه علماً، فبطل القطع بأن حديث البخارى ومسلم معلوم كما ظنه ابن الصلاح وابن طاهر وأبو نصر. (قال) جواب من جوز ( إن تلقى الأمة لخبر الواحد لا يفيد العلم القاطع: ومن لم يجوزه) أى الخطأ الذى هو خلاف الصواب (على المعصوم قال : إنه يفيد العلم القاطع، والله أعلم) ثم لا يخفى أن ابن الصلاح قال فى دعواه إن المتلقى بالقبول يفيد العلم اليقينى النظرى ، قال الحافظ ابن حجر: لو اقتصر على قوله العلم النظرى لكان أليق بهذا المقام ، أما العلم اليقينى فمعناه القطعى ، فلذلك أنكر عليه من أنكر، لأن المقطوع به لا يمكن الترجيح بين آحاده، وإنما يقع - ١٢٨ - الترجيح بين مفهوماته ، ونحنُ نجدُ علماء هذا الشأن قديماً وحديثاً يُرَجحون بعض أحاديث الكتاب على بعض بوجوه من الترجيحات النقلية، فلو كان الجميع مقطوعاً به ما بقى للترجيح مسلك ، انتهى. وهذا منادٍ على أن مرادهم أنه تلقى بالقبول كل فرد فرد من أفراد أحاديث الصحيحين ، إلا ما استثنوه مما يأتى (فل زين الدين: ولما ذكر ابن الصلاح أن ما أسنداه مقطوع بصحته قال: سوَى أحرف يسيرة تكلم عليها بعض أهل النقد كالدار قطنى وغيره ) كأبى مسعود العمشقى وأبى على الغسانى الجيانى (وهى) أى الأحرف اليسيرة ( معروفة عند أهل هذا الشأن ) قال البقاعى فى النكت الوفية : قال شيخنا : إن الدار قطنى ضعف من أحاديتهما مائتين وعشرة : يختص البخارى بثمانين ، واشتركا فى ثلاثين، وانفرد مسلم بمائة ، قال : وقد ضعّفَ غيره أيضا غير هذه الأحاديث. انتهى، وقدمنا كلام الحافظ ابن حجر فى عدة ذلك . (قال زين الدين : روينا عن محمد بن طاهر المقدسى ومن خطه نقلت قال: سمعت أبا عبد الله محمد بن أبى نصر الحميدى) صاحب الجمع بين الصحيحين (يقول: قال لنا أبو محمد بن حزم ) هو الظاهرى المعروف صاحب المؤلفات البديعة ( ما وجدنا البخارى ومسلم فى كتابيهما شيئا لا يحتمل مخرجاً إلا حديثين لكل واحد منهما حديث تم عليه فى تخريجه الوهم مع إتقانهما وحفظهما وصحة معرفتهما ، فذكر) أبو عد (من البخارى حديث شريْك عن أنس فى الاسراء وأنه قبل أن يوحى إليه ، وفيه شق صدره ، قال ابن حزم: والآفة فيه من شريك) وهو شريك بن عبد الله بن أبى نمير المدنى تابعى صدوق، قال ابن معين والنسائى: ليس بالقوى، وقال ابن معين فى موضع آخر: لا بأس به ، ذكر هذا الذهبى فى المغنى (والحديث الثانى حديث عكرمة بن عمار) بفتح العين المهملة وتشديد الميم (عن أبى زميل) بضم الزاى وفتح الميم وسكون المثناة التحتية فلام، هو سماك ابن الوليد تابعی (عن ابن عباس : كان الناس لاينظرون إلى أبى سفيان ولا يقاعدونه ، فقال النبي -١- صلى الله عليه وآلهوسلم: ثلاث أعطيكهن؟ قال: نعم ، قال: عندى أحسن العرب وأجمله أم حبيبة بنت أبى سفيان أزوجكها، قال: نعم الحديث، قال ابن حزم: هذا موضوع لاشك فى وضعه، والآفة فيه من عكرمة بن عمار) قال النووى فى شرح مسلم : واعلم أن هذا الحديث من الأحاديث المشهورة بالا شكال، لأن أبا سفيان إنما أسلم عام الفتح، وكانَ النبى صلى الله عليه وآله وسلم إنما تزوج أم حبيبة قبل ذلك بزمان طويل، وجزّم ابن حزم أنه موضوع )، وفى رواية عنه أنه وهم، والآفة فيه من عكرمة بن عمار الراوى عن أبى زميل، وأنكر الشيخ أبو عمروبن الصلاح هذا على ابن حزم، وبالغ فى الشناعة عليه ، قال: وهذا القول من جَسارته، وكان هجوما على تخطئة الأئمة الكبار وإطلاق اللسان فيهمو ولا فعـ أحداً نَسَبَ إلى عكرمة بن عمّار وضع الحديث، وقد وفه وكيع ويخـ وغيرهما ، وكان مستجاب الدعوة، وأما ما توهمه ابن حزم من مناظة هذا الحديث لتقدم زواجها فغلط منه وغفلة وجهل، لأنه يحتمل أنه سأله تجديد عقد النكاح تطبيباً لقلبه ، لأنه ربما كان رأى عليه غضاضة فى رياسته ونسبه أن تزوّج منه بغیر رضاه، وأنه ظن أن إسلام الأب فىمثل هذا يقتضى مجديد العقه ، انهى وليس فى الحديث أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم جدد العقد، ولا تقال لأبى سفيان إنه يحتاج إلى تجديد، فلعل قال له «نعم» وأراد أن مقصودك يحصل وإن لم يكن بحقيقة العقد، وكأن المصنف لمرتض هذا الجواب فقال (آت: قد رد الحفاظ على ابن حزم ما ذكره، وجمع ابنُ كثير الحافظ جزءاً مفرداً فى بيان ضعف كلامه ، وفى الحديث غلط ووم فى اسم الخطوب لما التوصل الخ عليه وآله وسلم وهى عزّة) بفتح العين المهملة وتشديد الزاى (أخت أم حبيبة خطب أبو سفيان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلملها وخطبته لها أختها أم حبيبة كماثبت فى الصحيحين، فأخبرها بتحريم الجمع بين الأختين، وقد ذكر له تأويلات كثيرة هذا أقرَبُهَا ) ووجه قربه أن التأويل فى لفظة واحدة أسهل (٩ - تقبح ١) - ١٣٠ - ( والموجب للتأويل ما علم من تزوج النبى صلى الله عليه وآله وسلم أم حبيبة قبل إسلام أبى سُفْيَان) قلت : ولم يتعرض المصنف لتأويل حديث شريك الذى أوردهابن حزم على صحيح البخارى ، وقد ذكر الحافظ ابن حجر فى مقدمة فتح البارى فى الحديث العاشر والمائة مما اعترض على البخارى تخريجه فى صحيحه حديث شريك عن أنس فى الاسراء بطوله ، وقد خالف فيه شريك أصحاب أنس فى سنده ومتنه، ووَجْه إشكال حديث شريك مافيه منْ قوله إن الاسراء كان قبل أن يوحى إليه صلى الله عليه وآله وسلم انه أخرجه الشيخان عن شريك ابن عبد الله بن أبى نمير بلفظ أنه سمع أنس بن مالك يقول : ليلة أسرى برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من مسجد الكعبة أنه جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه ، وقد قال مسلم: إنه قدم فيه شيئاً وأخر ، وزاد ونقص، يعنى شريكا، قال النووى فى شرح مسلم : فى رواية شريك فى هذا الحديث أوهام أنكرها عليه بعضُ العلماء ، وقد نبه مسْلم على ذلك بقوله «قدم شيئاً وأخر، وزاد ونقص)) وذلك قوله « قبل أن يوحى إليه)) فانه غلط لم يوَافَقْ عليه، فان الاسراء أقل ما قيل فيه إنه كان بعد بعثته صلى الله عليه وآله وسلم بخمسة عشر شهراً، وهو قول الزهرى، وقال الحربى : كان ليلة سبعة وعشرين من ربيع قبل الهجرة بستة ، وقال الزهرى: كان ذلك بعد مبعثه بخمس سنين . قلت : ولعل الزهرى فيه قولين ، وقال ابن إسحق : أسرى به وقد فشا الاسلام بمكة والقبائل، قال النووى: وأشبه الأقوال قول الزهرى وابن إسحق. قلت : ومثله قال القاضى عياض ، واستدل بقوله: إذ لم يختلفوا أن خديجة صَلّت معه صلى الله عليه وآله وسلم بعد فرض الصلاة عليه ، ولا خلاف أنها توفيت قبل الهجرة بمدة، قيل: بثلاث سنين، وقيل: بخمس، كما أن العلماء مجمعون أنه كان فرض الصلاة قبل الاسراء، فكيف يكون هذا كله قبل أن يوحى إليه ؟ قال عبد الحق فى الجمع بين الصحيحين بعد ذكر رواية شريك: إنه قد زاد فيه زيادة مجهولة ، - ١٣١ - وأتى فيه بألفاظ غير معروفة ، فقد روى حديث الاسراء جماعة من الحفاظ المتقنين والأئمة المشهورين كابن شهاب وثابت البنانى وقتادة - يعنى عن أنس - ولم يأت أَحَدٌ منهم بما آتى به شريك، وشريك ليس بالحافظ عند أهل الحديث، وكذلك أنكر من حديث شريك قوله « إن شق صدره وغسله فى تلك الليلة)» لأن المصحح أنه شق صدره وهو فى بنى سَعْد عنْد حليمة ، قال القاضى عياض: وقدْ جوّد الحديث حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس وأتقنه، وفصّلَهُ حديثين، وجعل شق الصدر فى صغره، والاسراء بعد ذلك بمكة ، وهو المشهور الصحيح . إذا عرفت هذه الأقاويل عرفت أنه لا اعتراض على مسلم فى إيراده الحديث شريك بعْد بيانه ما فيه من الزيادة والنقصان والتقديم والتأخير. (وذكر الذهبى شرط مسلم فى ترجمته من النبلاء ، وطول القول فى ذلك وأجاد وأفاد، فينبغى مراجعته ونقله من النبلاءَ) قلت : إلا أنه لا يخفى أنه شرط تخمينى، لتصريخهم بأنه لم ينقل عن الشيخين ولا عن أحدهما ذلك ، نعم مسلم قد ذكر فى مقدمة صحيحه ما قدّمنا لفظه فهو شرطه ( قال زين الدين : وقد ذكرت فى الشرح الكبير أحاديث غير هذين) مما انتقده الحفاظ على الشيخين ، ويأتى غيرهما فى كلام المصنف ( وقد أفردت كتاباً لما ضعف من أحاديث الصحيحين مع الجواب عنها فمن أراد الزيادة فى ذلك فليقف عليه) أى على الكتاب الذى أفرده ( ففيه فوائدٌ ومهمات) قال الحافظ ابن حجر بعد نقل كلام شيخه ما لفظه: كأن مسودة هذا التصنيف ضاعت ، وقد طال بحثى عنها وسؤالى من الشيخ أن يخرجها فلم أظفر بها، ثم حكى ولده أنه ضاع منها كراسان أولان فكان ذلك سبب إهمالها وعدم انتشارها . واعلم أنه قد سبق عن ابن الصلاح أن الأمة تلقت الصحيحين بالقبول، قال : سوى أحرف يسيرة قد تكلم عليها بعض أهل النقد من الحفاظ ، قال - ٠ - ١٣٢ - زين الدين : إن الذى استثناه من المواضع قد أجاب العلماء عنها، ومع ذلك إنها ليست بيسيرة ، قال الحافظ ابن حجر تعقباً له : اعترض الشيخ أولا على ابن الصلاح استثناء المواضع اليسيرة بأنها ليست يسيرة ، بل كثيرة، وبكونه قد جمعها وأجاب عنها، وهذه لا يمنع استثناءها ، أما كونها يسيرة فهو أمر نسبى ، نعَمْ هى بالنسبة إلى ما لا طعن فيه فى الكتابين يسيرة جداً ، وأما كونها يمكن الجواب عنها فلا يمنع ذلك استثناءها لأن من تعقبها من جملة مَنْ ينسب إليه الاجماع بالتلقى، فالمواضع المذكورة متخلفة عنده عن التلقى، فیتعین استثناؤها ، انہی (قلتُ: وقد ذكر النووى فى مقدّمة شرْحه لكتاب مسلم قطعة حَسنّة فى ذلك ، وذكر من صنف فى ذلك كأبى مسعود الدمشقى وأبى على الغسانى والدار قطنى وذكر أنه يُبيِّن جميع ذلك أو أكثرهُ ويجيب عنه فى شرح مُسْلم) وذكر فصلا مستقلا فيما عيب به مسلم ، فقال فيه : عابَ عائِبون مسلما بروايته فى صحيحه عن جماعة من الضعفاء أو المتوسطين الواقعين فى الطبقة الثانية الذين ليسوا من شروط الصحيح ، ولا عيب عليه فى ذلك ، بل جوابه من أوجه ذكرها الامام أبو عَمْرو بن الصلاح: أحدُهَا أن يكون ذلك فيمن هو ضعيفٌ عند غيره ثقة عنده ، بل نقل عن الخطيب وغيره أنه قال : ما احتج بهالبخارى ومسلم وأبو داود من جماعة على الطعن فيهم من غيرهم محمول على أنه لم يثبُتْ المؤثر مفسراً، قلتُ : وهذا هو الذى أشار إليه المصنف آنفاً. الثانى : أن يكون واقعاً فى المتابعات والشواهد، لا فى الأصول. الثالث: أن يكون ضعف الضعيف الذى احتج به طرأ بعد أخذه باختلاطه ، وذلك غير تادح فيما رواه من قبل فى زمن الاستقامة ، الرابع : أن يعلو بالشخص الضعيف إسناده وهو عنده من رواية الثقات نازلٌ فيقتصر على العالى ولا يطول باضافة النازل إليه مكتفياً بمعرفة أهل هذا الشأن ذلك، وهذا العذر قد رو يناه تنصيصاً، انتهى، وذكر أمثلة لما ذكره - ١٣٣ - يطول ذكرها، قلت: ولا يخفى على الناقد ما فى هذه الوجوه . (قال النووى : وينبغى أن يكون هذا مخرجا عن حكم المجمع على صحته المتلقى بالقبول مُستثنى منَ الخلاف المقدَّم فى القطع بصحة المجمع عليه) وهذا هو الذى قد أشار إليه ابنُ الصَّلاَح واستثناه بقوله سوى أحرف يسيرة (وهذا الكلام فيما أسنداه ، وقد قصر هؤلاء فى هذا الموضع ، وجودهُ الحافظ ابنُ حجر فى مقدمة شرح البخارى فذكر مما اعترضه حفاظ الحديث على البخارى مائة حديث وَعشرة أحاديث) وقالَ فى نكته على ابن الصلاح : إنه تتبع الدارقطنى مافيهما من الأحاديث المعلة فزادتْ على المائتين ( ولكنها اعتراضات لطيفة فى مشكلات اصطلحوا عليها أكثرها من علم العلل التى لا يقدح بها الفقهاء وأهل الأصول ، ثم أشار إلى الخلاف فى كل حديث فى البخارى مروى عن مدلس بالعَنْنَّة ) سيأتى بيان التدليس وأقسامه والعنعنة إن شاء الله تعالى (وهذا غير ماذكر فى كل حَدِيث روى من طريق راو مختلف فيه ، وم ) أى الرواة المختلف فيهم (خلق کثیر، ثم مسألة الخلاف فيما عدا ذلك كله فاعرف. ذلك ، والله أعلم) قال الحافظ ابن حجر بعدذكر جملة الانتقادات ما لفظه : والكلام على هَذِه الانتقادات من قبل التفصيل من وجوه : منها ما هو مندفع بالكلية ، ومنها ماقد يندفع ، فمنها الزيادة التى قد تقع فى بعض الأحاديث إذا انفرد بها ثقة من الثقات ولم يذكرها مَنْ هوَ مثله أو أحفظ منه ، فاحتمال كون هذا الثقة غلط ظن مجرد ، وغايتها أنها زيادة ثقة ، فليس فيها منافاة لما رواه الأحْفَظ والأكثر ، فهى مقبولة . ومنها المروى من حديث تابعى مشهورٍ عَنْ صحابى سمع منه ، فيعلل بكونه روی عنه بواسطة کالذی یروى عن سعيد المقبری عن أبى هريرة ، ویُوی عن سعيد عن أبيه عن أبى هريرة، فإن مثل هذا لامانع أن يكون التابعى سمعه بواسطة ثم سمعَة بدُون تلك الواسطة، ويلتحق بهذا ما يرويه التابعىعَنْ صحابىفيروى ١ ٠٫٠ - ١٣٤ - من روايته عن صحَابى آخر، فان هذا يمكن أن يكون سمعَهُ منهما فحدث به نارة عن هذا وتارة عن هذا ، وهذا إنما يطرد حيث يستوى الضبط والإتقان . ومنها ما يُثيرُ صاحب الصحيح إلى علته كحديث يَرْويه مسنداً ثم يشير إلى أنه روى مرسلا، فذلك مصير منه إلى ترجيح رواية من أسنده على من أرسلهُ ومنها ما تكون علته من جُوحة بالنسبة إلى صحته ، كالحديث الذى يرويه ثقات متصلا ويخالفهم ثقة فيرويه منقطعاً ، أو يرويه ثقة متصلا ويرويه ضعيف منقطعاً ، ومسألة التعليل بالانقطاع وعدم اللقاء قل أن تقع فى البخارى بخصوصه لأنه معلوم أن مَذْهبه عدم الاكتفاء فى الإِسناد المعَنْعَن بمجرد إمكان اللقاء، وإذا اعتبرت هذه الأمور من جملة الأحاديث التى انتقدت عليهما لم يبق بعد ذلك مما انتقد عليهما سوى مواضع يسيرة جداً، ومن أراد حقيقة ذلك فليطالع المقدمة التى كتبتها لشرح صحيح البخارى، فقد بينت فيها ذلك بياناً شافياً بحمد الله . انتهى ، بحذف يسير. (وأمَا مَا وقع فيهما) وهو عطف على قوله ((فأما ما أسنداه)) (غير مسند، وهو المعبر عنه بالتعليق) أى المسمى بهعندهم (وَ) حقيقته (هو أن يُسْط البخارى أوْ غيره) عبارة النخبة من تصرف مصنف ( من أوّل إسناده) أى بالنظر إليه، ومنهم من يعبر عنه بمبدأ السند (راوياً فأكثر) ولا يشترط التوالى بين الساقطين وإن صرح به ملاً على قارى فى حواشيه على النخبة وشرحها ( ويعزو الحديث إلى من فوق المحذوف بصيغة الجزم، كقول البخارى فى الصَّوم: قال يحيى بن أبى كثير عنْ عُمر بن الحكم بن ثوبَان عن أبى هريرة قال : إذا قاء فلا يفطر، قال ابن الصلاح: ولم أجدْ لفظ التعليق مستعملاً فيما سقط منه بعض رجَال الإِسْنَاد منْ وَسَطِه أوْ مِنْ آخره) فإذا قال فى حقيقته (( مِنْ أول إسناده)» (ولا) مستعملا ( فيما ليسَ فيه جزم كيروى) بصيغة المجهول، وبدا قال المصنف فى حقيقته أيضا (( بصيغة الجزم)) (قال زين الدين : استعمل غير واحد من ١ - ١٣٥ - المتأخرين التعليق فى غير المجزوم به منهم الحافظ المزى ) بكسر الميم وبتشديد الزاى نسبة إلى بلد بالشام ، وهو الحافظ الكبير أبو الحجاج يوسف بن الزكى عبد الرحيم بن يُوسف القضاعى الكابى(فى الأطراف) كتاب له سيآنى ذكره، وذكر حقيقتها، قال زين الدين : كقول البخارى فى باب مسّ الحرير من غير لبس: ويروى فيه عن الزبيدى عن الزهرى عن أنس عن النبى صلى الله عليه وآلهوسلم وذكره فى الأطراف وعلم عليه علامة تعليق البخارى ( قلتُ : أما ما سقط فيه رجل منْ وَسَط الإِسناد فهو يُسَنَّى المقطوع والمنقطع) ولذا قيل فى رسم التعليق (( مِنْ أول إِسناده)» (وما سقط من آخره فهو المرسل، كما يأتى جميع ذلك ) أى كلُّ ما ذكر ( وأما إذا سقط الاسناد كله، وقال : قال النبى صلى الله عليه وآله وسلم، أو ذكر الصَحَابِى فقط من رجال الأسناد ، فقال ابن الصلاح: تعليق) قال ابن الصلاح: إن لفظ التعليق وجدته مستعملا فيما حذف من مبتدأ إسناده وَاحدٌ فأكثر ، حتى إن بعضهم استعمله فى حذف كل الاسناد ، مثال ذلك قوله قال صلى الله عليه وآله وسلم كذا وكذا ، قال ابن عباس رضى الله عنهما كذا وكذا ، قال سعيد بن المسيب كذا وكذا ، عن أبى هريرة كذا وكذا . قلتُ: وبه تعرف أن ابن الصلاح نقله عن غيره، لا أنه لهُ ، ولذا قال الزيْن: حكاه ابن الصلاح عن بعْضهم ، وتعرف أيضاً أنه إذا ذكر الصحابى أو التابعى يكون على هذا القول تعليقاً أيضاً، واقتصر المصنف على الصحابى. فقط ( ولم يذكره) أى هذا القسم (المزى تغليقا فى الأطراف) لفظ الزين: ولم يذكر هذا المزى فى الأطراف فى التعليق، بل ولا ما اقتصر فيه على ذكر الصحابى غالباً ، وإن كان مرفوعا ( وأما إذا روى) أى البخارى (عن شيخه) ( بصيغة الجزم ولم يقل حدثنا ولا أخبرنا) قال الزين : كقوله قال فلان ، وزاد فلان (فمتصل حكمه كحكم العَنْئة كما يَأنى) قال الزين: إن حكمه - أى المعنعن- الاتصال ، بشرط ثبوت اللقاء والسلامة من التدليس ، واللقاء فى شيوخه - أى - ١٢٦ - البخارى - معروف، والبخارى سالم من التدليس، فله حكم الاتصال، انتهى . قلت : فهذا يختص بالبخارى ومن هو مثله فى شرط اللقاء ، لا أنها قاعدة من قواعد علوم الحديث ( كذا عندابن الصلاح، واختاره الزين) فانه قال بعد نقله لكلام ابن الصلاح : إنه الصواب ، قال ابن الصلاح : ولا التفات إلى أبى محمد ابن حزم الحافظ الظاهرى فى ردّه ما أخرجه البخارى من حديث أبى عامر - أو أبى مالك - الأشعرى عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ((ليكونن فى أمتى الحديث)) وسيأتى فى كلام المصنف قريباً (خلافا لبعْض المغاربة والمذِى وابن مَنْده) وهذا البعض من المغاربة غیر ابن حزم، لأنه ساق كلامه بعد رده على ابن حزم ، فانه قال - أى زين الدين - بعد ذلك : وبلغنى عن بعض المتأخرين من أهل المغرب أنه جعله قسما من التعليق ثانياً ، وأضاف إليه قول البخاری فی غیر موضع من کتابه : وقال لی فلان ، وزادنا فلان ، فوسم كل ذلك بالتعليق المتصل من حيث الظاهر المنفصل من حيث المعنى، وقال: متى رأيت البخارى يقول : وقال لى ، وقال لنا، فاعلم أنه إسناد لم يذ کره للاحتجاج به ، وإِنما ذكره للاستشهاد به ، وكثيراً ما يعبر المحدثون بهذا الفظ لما جرى بينهم فى المذاكرات والمناظرات ، وأحاديث المذاكرة قل ما يحتجون بها . قلت : وما ادعاه على البخارى مخالفٌ لما قاله من هو أقدم منه وأعرف بالبخارى ، وهو العبد الصالح أبو جعفر بن حمدان النيسابورى ، فقد روينا عنه أنه قال: كل ما فى البخارى قال لى فلان فانه عرض ومناولة، انتهى. قلت : ولا يخفى أنه لا يقوم كلام غيره حجة عليه بمجرد قوله . (وقال) : أى ابن الصلاح (وذلك) أى مثال ما يسقط من أوله واحد ( مثل قول البخارى عمّان) لفظ الزين « قال عفان)) (وقال القعنبى) بالقاف مفتوحة فعين مهملة سا كنة فنون فموحدة ، نسبة إلى قعنب ( وأخطأ ابن الصلاح فى بمثيل التعليق بذلك، مع اختياره أنه ليس بتعليق) عبارة الزين («فقوله قال 3 - ١٢٧ - عفان قال القعنى كذا فى أمثلة ما سقط من أول إسناده واحد مخالف لكلامه الذى قدمناه عنه لأن عفان والقعنى كلاهما شيخ البخارى حدث عنهما فى مواضع من صحيحه متصلا بالتصريح ، فيكون قوله قال عفان قال القعنى محمولا على الاتصال كالحديث المعنعن ، وهذا المثال ذكره ابن الصلاح فى الفائدة السادسة من النوع الأول، وهذا إيضاح لكلام المصنف. ( قال ابن الصلاح: وكأنه مأخوذ من تعليق الجدار) قال ملا على فى شرح شرح النخبة: انتقد المصنف - يريد ابن حجر - أخذهمن تعليق الجدار، ولعل وجهه أن الطرفين أو أحدهما فى تعليق الجدار باق على حاله غير ساقط ، بخلاف تعليق الحديث (وتعليق الطلاق ونحوه لما يشترك فيه الجميع من قطع الاتصال، وقدذكر ابن الصلاح أن التعليق وقع فيهما) أى فى الصحيحين (قال: وأغلبُ ماوقع ذلك فى البخارى ، وهو فى مسلم قليل جداً ، قال زين الدين) فى شرح ألفيته بعد نقل كلام ابن الصلاح (فى كتاب مسلم من ذلك ) أى من التعليق (موضع واحد فى التيم ، وهو حديث أبى الجهيم بن الحارث) بضم الجيم وفتح الهاء فمتناة تحتية، وهو عبد الله بن الحارث ابن الصمة، وقع فى صحيح مسلم أبو الجهم بفتح الجيم من دون مثناة، قال النووى فى شرح مسلم: هكذا فى مسلم، وهو غلط ، وصوابه ماوقع فى صحيح البخارى أبو الجُهَيْم، وضبطه بما ضبطناه، فهذا هو المشهور فى كتب الأسماء ، وكذا ذكره مسلم فى كتابه فى أسماء الرجال ( ابن الصمة) بكسر الصاد المهملة وتشديد الميم ( أقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منْ نحو بئر جمل) بفتح الجيم والميم، وفى رواية النسائى الجمل (قال فيه مسلم: وروى الليث بن سعد، ولم يوصل مسلم إسناده إلى الليث) قال النووى : هكذا وقع فى صحيح مسلم من جميع الروايات منقطعاً بين مسلم والليث، قال: وهذا النوع يسمى معلقاً ( وقد أسنده البخارى عن يحيى بن بكير عن الليث، ولا أعلم فى مسلم بعد مقدمة الكتاب حديثا لم يذكره إلا تعليقا غير هذا الحديث ،وفيه - ١٣٨ - مواضع أخر يسيرة رواها باسناده المتصل ، ثم ثال: ورواه فلان ، وهذا ليس من باب التعليق، إنما أراد ذكر من تابع راويه الذى أسنده من طريقه عليه ، أوأراد بيان اختلاف فى السند كما يفعل أهل الحديث، ويَدُلّ على أنه ليس مقصوده بهذا إدخله فى كتابه أنه يقع فى بعض أسانيد ذلك من ليس هو من شرط مسلم كعبد الرحمن بن خالد بن مسافر) وهذا بناء على أن شرطهما رواتهما، وقد تقدم الكلام فيه ( وقد بينت بقية المواضع ) التى علقها مسلم ( فى الشرح الكبير) انتهى كلام الزين . ١ (فإذا عرفت هذا) هو جواب قول المصنف (( وأما ماوقع فيهما)» ، وفيه نبوة والمعنى على أن قوله (فاعلم) هو الجواب لكنه جواب إذا لا جواب أما ( أن المحققين قسموه) أى التعليق (ثلاثة أقسام) ولكنهم ذكروا المعلق من حيث ـ: هو من قسم المردود، مع أن بعض أقسامه مقبول يعمل به ، وإنما ردوه للجهل بحال من حذف من إسناده ( أحدها ما يورده البخارى بصيغة الجزم ، ويكون رجاله) غير من حذف فانه مجهول ( رجال الصحيح ، فيحكم) أى يوقع الحكم من "الناظر فيه ( بصحته لأنه) أى البخارى (لا يستجيز أن يجزم بذلك) أى بنسبته جزماً ( إلا وقد صح عنده) وبقى قسم مثل هذا القسم فى الصحة أشار إليه الحافظ ابن حجر فى شرح النخبة حیث قال : وقد یحکم بصحته إن عرف المحذوف بالعدالة والضبط بأن يجئء مسمى أى موصوفا باسمه أو كنيته أو لقبه من وجه آخر، أى من طريق أخرى ، انتهى . ولا يخفى أن وجه هذا الثانى من التصحيح واضح، وأما الأول فرجع الحكم بصحته حسن الظن بالبخارى فى أنه لا يجزم إلا بما صح، إلا أن قوله ( وثانيها ما يورده بصيغة الجزم أيضاً ولكن يجزم به عمن لا يحتج به ) أى البخارى يَفُتُّ فى عضد حسن الظن فى الطرف الأول، إذ العلة هى جزمه وقد حصل فى القسمين ( فليس فيه ) أى هذا الثانى ( إلا الحكم بصحته عمن أسنده إليه وجزم به عنه كقول البخارى) فى أول باب ٠ ٠ ٠ - ١٣٩ - من آداب الغسل ، كذا قال ابن الصلاح ، قلت: وراجعت البخارى فرأيتهذكره فى الثامن عشر من أبواب الغسل (وقال بهز) بفتح الموحدة وسكون الهاءفزاى ، وهو مقول قول البخارى (عن أبيه) هو حكيم (عن جده) هو معاوية بن حيدة صحابى معروف (عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم « الله أحق أن يستحيى منه))) هذا مقول قول.ز ( قال ابن الصلاح) بعد سياقه لهذا الكلام (فهذا) أى يهز عن أبيه عن جده ( ليس من شرط البخارى قطعا، ولذلك ) أى لكونه ليس من شرط البخارى (لم يورده الحميدى فى الجمع بين الصحيحين) قال الحافظ فى الفتح : إن بهزاً وأباه ليسا من شرطه ، قال : ولهذا لما علق فى النكاح شيئا من حديث جد بز لم يجزم به، بل قال: ويذكر عن معاوية بن حيدة ، انتهى. قلت : وهذا مبنى أيضا على أن شرطه رواته كما سلف، وفيه ما سلف (وثالثها: أن يورده) أى البخارى (ممرضا، وَصيغةُ التمريض عنده) وهى خلاف صيغة الجزم (أن يقول: ويذكر أو يُروى) مبنى للمجهول مضارع (أو ثقل وذكر) ماضياً (ونحوها فهذا لا يحكم بصحته) واعلم أن هذا أمر عرفى، وأن إتيان الراوى بصيغة المجهول دليل على ضعف ما يرويه، وإلا فان للاتيان بصيغة المجهول فى على البیان نکتا معروفة ( کقوله) أى البخاری فی باب ما یذ کر فى الفخذ( ویروی عن ابن العباس وجَرْ هد) بفتح الجيم وسكون الراء وفتح الهاء فدال مهملة هوابن خويلد صحابى(١) (ومحمد بن جحش) بالجيم المفتوحة فمهماة ساكنة فشين معجمة، وهو محمد بن عبدالله بن جحش، نسبه إلى جده، ولا بیهعبدالله صُحبة ، وكان محمد صغيراً فى عصره صلى الله عليه وآله وسلم ( عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ((الفخذ عورة)) لأن هذه الألفاظ) أى صيغ التمريض (استعمالها فى الضعيف (١) فى الخلاصة والتقريب: جرهد بن رزاح ـ بكسر الراء - الأسلى، هذا مضطرب الاسناد ، فينظر مصدر ماهنا . - ١٤٠ - أكثر وإن استعلمت) نادراً (فى الصحيح) والحمل على الأغلب أولى. واعلم أن ابن الصلاح جعل القسمين واحداً أى ماجزم به عمن يحتج به وَمَا أورده بصيغة التمريض، وقال: إنهما ليساعلى شرطه قطعاً، ولفظه«قول البخارى باب ما يذكر فى الفخذ، ويروى عن ابن عباس، إلى آخر ماذكره المصنف، ثم قال: وقوله فى أول باب من أبواب الغسْل: وقال بهز، إلى آخره ، ثم قال: فهذا قطعاً ليس من شرطه)) انتهى ، وإنما كان حديث ابن عباس ليس من شرطه لأن فيه يحيى القنات - بقاف ومثناتين من فوق - وهو ضعيف، وحديث جرهد ضعفه البخاری للاضطراب فی إسناده، وحديث مد بن جحش فیه أبو کثیر، قال الحافظ ابن حجر: لم أجد فيه تصريحاً ( وكذا قوله) أى البخاری ( وفى الباب يُسْتَعْمل فى الأمرين معاً) فى الصحيح والضعيف ، إلا أنه لا أغلبية له فى أحدهما على الآخر حتى يحمل عليه الفرد المجهول، بل يتوقف الأمر على البحث ( قال ابن الصلاح: ومع ذلك ) أى مع كونه أورده بصيغة التمريض (فإيراده له) أى البخارى للحديث الممرض (فى أثناء الصحيح) أى كتابه المسمى بذلك (مشعر بصحة أصله إشعاراً يؤنس به ويُرْ كن إليه) هذا كلام ابن الصلاح. واعلى أن هذا يفيد أن التعليقات المجزومة ممن التزم صحة كتابه - وإن لم يصرح بأن ما علقه صحيح - يحكم بصحتها إذا لم يجزم بمن لا يحتج به، وذلك بأنه لا يستجيز أن يجزم بذلك إلا وقد صح عنده، وكذا أيضاً بعض ماروى بغير صيغة الجزم، وهذا لايوافق ما قاله الجمهور من أنه إذا قال راوى المعلق مثلا( جميع من أحذفه ثقلت)) فانه لا يقبل حتى يسمى، قالوا : لاحتمال أن يكون ثقة عنده دون غيره، وا ذكر يعلم حاله، وكذا قول من قال ((حدثنى الثقة)) فاذا لم يقبل هذا فكيف يقبل قول من قال (( قد التزمت فى كتابى أن لا أذكر إلا الصحيح» فيجعل القزامه أبلغ من قوله حدثنى الثقة ، بل غاية التزامه هذا يفيد ما يفيده قول الراوى (( برضه» وأمّا ما قيل من المناقشة لكلام الجمهور بأنه تقديم للجرح المتوهم على