Indexed OCR Text
Pages 81-100
- ٨١ - ثم لنذكر بعض الأمثلة التى ذكرها الحافظ ، فانه قال: منها ما ذكره - أى الحميدى - فى مسند عبد الله بن عباس رضى الله عنهما فى أفراد البخارى عن أبى السفر سعيد بن يحمد، قال: سمعت ابن عباس يقول: يا أيها الناس اسمعوا منى ما أقول لكم وأسمعونى ما تقولون، ولا تذهبوا فتقولوا قال ابن عباس قال ابن عباس، من طاف بالبيت فليطف من وراء الحجر ولا تقولوا الحطيم(١)، فان الرجل فى الجاهلية كان يحلف فيلقى نعله أو سوطه أو قوسه ،لم يزد - يعنى البخارى - على هذا وزاد البرقانى فى الحديث بالإسناد المخرج به: وأيما صبى حج به أهاه فقد قضت حجته عنه مادام صغيرا، فاذا بلغ فعليه حجة أخرى، وأيما عبد حج به أهله فقد قضت عنه مادام عبدا، فإذا أعتق فعليه حجة أخرى، انتهى ما ذكره الحافظ نقلا عن كتاب الحميدى ، وهو صريح فيما ذكره عنه من البيان لما زاده. قلت : وقد راجعت جامع الأصول لابن الأثير وفروعه فى كتاب الحج فوجدته قد ساق الرواية التى نسبباً الحميدى إلى البخارى مقتصرا عليها، ونسبها إلى البخارى ، ولم يأت بحرف من زيادة البرقانى، وكذلك فروع الجامع صنعوا صنيعه من الاقتصار والعَزْو، ثم راجعتها فى باب حج الصبى فلم أجدم ذكروا زيادة البرقانى، ولعل من تتبع الجامع لم يجده ينقل من كتاب الحميدى إلا ألفاظ الشيخين لاغير ،وحذف مافيه من الزيادات التى زادها من غيرهما ، ومعلوم أنه حيث قد ميز الجميدى الزيادات وعزاها إلى من رواها، أنه لا يأتى ابن الأثير وينقل الأصل (١) الحجر - بكسر الحاء وسكون الجيم- اسم الحائط المستدير إلى جانب الكعبة الغربى، والحطيم - بفتح الحاء المهملة - هو مابين الركن والباب، وقيل : هو الحجر المخرج منها ، سمى به لأن البيت رفع وتركهو محطوما، وقيل : لأن العرب كانت تطرح فيه ما طافت به من الثياب فتبقى حتى تنحطم بطول الزمان ، فیکون - على هذا الآخیر فعیلا بمعنى فاعل (٦ - تنقع ١) - ٨٢ -- والزيادة وينسبهما معا إلى الشيخين : فان هذا مايفعله عالم ولا تقى ، بل ولا عاقل. نعم كان على ابن الأثير أن يقول فىخطبة الجامع - حيث قال: واعتمدت فى النقل عن البخارى ومسلم على ما جمعه الامام أبو عبد الله الحميدى فى كتابه -: إلا أنى اقتصرت على لفظهما، وحذفت ما زاده من غيرهما ؛ ليندفع الوهم الذى يأتى للمصنف فى التنبيه . ٠ 1 ، واعلم أن ابن الأثير حنف ما ذكره الترمذى من جامعه فى قوله عقيب الحديث ((صحيح حسن غريب)) مجموعة تارة، ومفرقة أخرى، وهو إخلال بما فيه نفع كثير وغنية عن الكشف عن حال الحديث من تصحيح وغيره ، وإن كان فى كلام . الترمذى فى هذه الصفات أبحاث تعرفها فيما يأتى، وكذلك حذف ما تعقب به أبو داود بعض الأحاديث من بيان أنها واهية كما نقل عنه وسيأنى. إذا عرفت هذا فليس لك أن تستدل بحديث الترمذى وأبى داود بمجرد وجدانهما فى جامع الأصول وفروعه، بللابد من الكشف عن حاله، ولعل من هذا قول ابن الأثير فى خطبة جامع الأصول ما لفظه « وأما الأحاديث التى وجدناها فى كتاب رزين رحمه الله تعالى ولا أجدها فى الأصول فى الأمهات الست فانى كتبتها نقلا عن كتابه على حالها فى مواضعها المختصة بها، وتركتها بغير علامة، وأخليت لاسم من أخرجها موضعا لعلى أتتبع نسخا أخرى (١) لهذه الأصول وأعثر عليها فأثبت اسم من أخرجها، انتهى)». وكأنه وقع له ماوقه لمشايخ الحافظ (٢) فى عدم مطالعتهم الخطبة الحميدى فانه وجد نقل بخط بعض العلماء أن فى لفظ خطبة رزين فى كتابه مالفظه (« وأعل أنى أدخلت من اختلاف نسخ الموطأ لابن شاهين والدارقطني ومن رواية معن الموطأ (١) يريد نسخا أخرى من الأمهات (٢) أراد بالحافظ العلامة ابن حجر، وأراد بمشايخه الزين العراقى وابن النحوى ومن تقدمهما ٠ - ٨٣ - أحاديث تفردت بها بعض النسخ عن بعض وكلها صحيحة)» وقال أيضاً فى موضع آخر «إنه ظاهر ما اتفق عليه النسائى والترمذى واتفق عليه أحدهما مع بعض نسخ الموطأ بأحاديث يسيرة ثبتت له سماعها، وهى مروية من طريق أهل البيت عليهم السلام عن على وابن عباس رضى الله عنهما وغيرهما)) انتهى. وهذا صريح فى أنه (١) أخرج أحاديث من غير الستة الأصول ، وعزاها إلى من ذكره، وأن ما زاده خاص برواية الموطأ لاغير، وإنما قلت «لعله» و ((كأنه)» لأنى لم أجد نسخة من رزين فأخبر عما نقل عنه على اليقين ، إلا أنى أظن قوة ما نقل عنه فى الخطبة، لاستبعاد أن يريد جمع الأصول الستة ثم يأتى بأحاديث لا توجد فى كتاب حديثى منها، والعجب من الشيخ محمد بن سليمان (٢) أنه ينسب التخريج لرزين فى كتابه الذى سماه «جمع الفوائد من جامع الأصول ومجمع الزوائد » فانه قال فى خطبته : إنه نقل ما بيض له ابن الأثير من روايات رزين التى لم ينسبها إلى كتاب ، فنسبها الشيخ لرزين كما ينسب روايات البخارى وغيره فيقول مثلا بعد سياق المتن (( للبخارى)) ويقول بعد سياق المتن ((لرزين)» .. فيوم (٣) فى نسبته إليه على حد نسبته إلى البخارى مثلا أنه أخرجه رزين ، وابن . الأثير بيض له ولم ينسبه لرزين لأنه لم يخرجه ، والحال أن رزينا ليس من المخرجين للأحاديث على ما ذكره فى خطبته، وأن أحاديث رزين بيض لها أبن الأثير، فكان عليه أن يبيض لها كابن الأثير أو يقتبع مواضع ما يخرج منه (١: الضمير من قوله ((أنه)) يعود إلى رزين (٢) فى هامش اهنا مانصه ( ألف كتابا سماه جمع الفوائد خرج إلى اليمن فى حدود سنة ١١٦٠ جمع فيه الأمهات وغيرها ) اهـ (٣) إنما قال «يوم» لأن من قرأ خطبة الكتاب عرف منها أن رزينا غير مخرج، وأن أحاديثه قد بيض لها ابن الأثير، فيزول عنه هذا الوهم ١٠هـ من هامش ابايضاح يسير ٤ -- ٨٤ - فيخرجها فيأتى بفائدة يعتدبها، وذكرت هذا لأنه يستبعد أن لا يطلع على رزين، وقد كان فى مكة وجمع من الكتب ما اشتهر عند أهل عصره أنه لم يجتمع عند أحد من أهل عصره مثله، ثم إن [ابن] (١) الديبع اختصر من جامع الأصول كتابه المسمى «تيسير الوصول)» فصنع صنع الشيخ محمد بن سليمان فى نسبة ما بیض له ابن الأثير إلى تخرج رزین فیقول « أخرجه رزین » وهو خلل كبير، وكان الأولى أن يميض له كما بيض له ابن الأثير ، وقد نبهت على هذا فى « التحبير شرح التیسیر» فىمحلات کثیرة، والحمد لله . (تنبيه - حكم مانقله أبو السعادات المبارك بن محمد بن عبد الكريم ابن الأثير فى جامع الأصول عن البخارى ومسلم حكم ما نقله الحميدى ، لأنه اعتمد كتاب الحمیدی فی الجمع لأحادیہما کما ذ کره فی خطبة الجامع ومقدمته) فانه قال -أیابن الأثير فى خطبة الجامع- «واعتمدت فى النقل من كتاب البخارى ومسلم على ماجمعه الامام أبو عبدالله الحمیدی فی کتابه فانه أحسن فی ذ کر طرقه واستقصی فى إيراد رواياته ، وإليه المنتهى فى جمع هذين الكتابين)) انتهى، إذا عرفت هذا عرفت أن فيما ينسبه ابن الأثير إلى البخارى ومسلم إشكالا، لأنه ينقل لفظهما من كتاب الحميدى، والحميدى أتى فيه يزيادات صرح أنها من كتب المستخرجين عليهما، وحينئذ فكيف يسوغ النقل عن جامع الأصول أو فروعه من(٢) كتاب (١) زيادة لا بد منها (٢) ((من)) فى قوله ((من كتاب البازرى)) للبيان، والغرض بيان فروع جامع الأصول لابن الأثير، و ((من)) فى قوله بعد ذلك (من تلك الكتب)) متعلقة بقوله (النقل)) والاستفهام فى قوله ((كيف يسوغ النقل» إنكارى بمعنى النفي، وكأنه قال: لا يسوغ لأحد أن ينقل من هذه الكتب التى هى فروع جامع الأصول الذى ألفه ابن الأثير وينسب ماينقله إلى الشيخين البخارى ومسلم لأنه ثبت أن ابن الأثير اعتمد على كتاب الحيدى فى نسبة الأحاديث، وفروع هذا الكتاب تابعة له ناقلة منه . - ٨٥- البازرى وتيسير ابن الديبع ومعتمد ابن جهران وجمع الفوائد لألفاظ الصحيحين من تلك الكتب لتصريح ابن الأثير أنه اعتمد فى نقلهما على كتاب الحميدى وتصريح الذين اختصروا الجامع أو نقلوا منه من المذكورين وغيرهم بأن جامع الأصول أصلهم ومعتمدهم ، ثم ينسبون ألفاظ ما ينقلونه منه إلى الشيخين فهذا لا يجوز على كلام المصنف فى هذا التنبيه . ٠ نعم على ما قررناه آنفا من أنا راجعنا جامع الأصول فوجدناه يقتصر على مافی الصحیحین من دون ذكره لما زاده الحمیدی من غيرهما ، وقدمنا لك مثال ذلك، فلا يتم قول المصنف ((حكم ما نقله ابن الأثير حكم ما نقله الحميدى)) وقد سبق له ولابن الصلاح ولزين الدين أنه لا يجوز نسبة ما فى كتاب الحميدى إلى الشيخين لما عرفت، ولذا قال المصنف فيما سلف آنفا ((وأما الجمع بين الصحيحين لعبد الحق وكذلك مختصرات البخارى ومسلمفلك أن تنقل منها وقعزو ذلك إلى الصحيح ولو باللفظ)) إذا عرفت هذا فهو إشكال لزم من كلام المصنف لا ينحل دال على عدم جواز ذلك ، هذا تقرير مراد المصنف رحمه الله تعالى وكلام من تقدمه، وإلا فقد قدمنالك من التحقيق ما يزيل هذا الاشكال فان. ابن الأثير قال إنه اعتمد فى نقل مافى الصحيحين على كتاب الحميدى ولم يقل نقل كتاب الحميدى ولا إشكال بعد تقرر مانقلنام عن ابن حجر وما نقلناه من(١) المثال ، واقتصار ابن الأثير فيه على كلام البخارى، ومن له همة تتبع ألفاظ ابن الأثير، وألفاظ جامع الحميدى ، فإنه يجد ما يقرر ماذكرناه أو يقررما ذكره المصنف رحمه الله تعالى. (١) تلخيص هذا أن ابن الأثير لا ينقل من تجمع الحميدى إلا ما كان منسوبا فيه إلى الشيخين البخارى ومسلم أو أحدهما ، ولّذِ ابن الأثير أيضا لاينقل من كتاب الحميدى مازاده من كتب المستخرجين وتغيرها ، وقدبين الشارح ذلك كمانقله عن ابن حجرفيما مضى ومثل له بحديث ابن عباس . - ٨٦ - 1 ٩ مسألة مسـ [فى بيان مراتب الصحيح] (مراتب السند الصحيح عند المحدثين) يحترز من مراتبه عند الفقهاء ( اعلم أن مراتب الصحيح متفاوتة ) وأن جمعها الاتصاف بالصحة ( بحسب تمكن الحديث من شروط الصحة وعدم تمكنه، وقد ذكر أهل علوم الحديث) أى جمهورهم (أن الصحيح ينقسم) باعتبار ماذكر (سبعة أقسام) القسم (الأول أعلاها ، وهو ما اتفق على إخراجه البخارى ومسلم، وهو الذى يعبر عنه أهل الحديث) الناقلون من كتابى الشيخين ( بقولهم: متفق عليه) يطلقون ذلك ويعنون به اتفاق البخارى ومسلم، واتفاق الأئمة أيضاً حاصل على ذلك لما تقدم من تلقيهم لهما بالقبول ، كذا قاله البقاعى. واعلم أنك قد عرفت مما أسلفناه فى وجوب ترجيح البخارى أن شرطه أخص من شرط مسلم لأنه يشترط اللقاء، ومسلم يكتفى بشرط المعاصرة مع إمكان اللقاء، وكل من ثبت له اللقاء ثبتت له المعاصرة وليس كل من ثبتت له المعاصرة يثبت له اللقاء، فرجح البخارى بخصوصية شرطه ، أى كان ذلك من المرجحات ووجود الأعم فی ضمن الأخص ضروری ، فكل راو للبخاری قد حصل فيه شرط مسلم ضرورة وجود الأعم فى الأخص ، وليس كل راو لمسلم يحصل فيه شرط البخارى الأخص ، وقد عرفناك أن هذا الشرط إنما هو فيما يروى بالعنعنة، لا فى غيره، فعلى هذا يحسن أن يقال: إنه تقدم رواية البخاري على مسلم فيما يرويانه بالعنعنة لا مطلقا، فقد أسلفنالك فى وجوه الترجيح التى ذكرها ابن حجر مرجحات للبخاری مطلقا ما لا يتم به مدعاهم ، فتذكر هذا باعتبار -- ٨٧- أصل شرطهما، لاباعتبار ما اتفقا عليه، فانضمام مسلم فى روايته إلى البخارى لم يأت بزيادة تقوى رواية البخارى، وإنما القوة حصلت من حيث إنه صار للحديث راويان البخارى ومسلم إذ قد اشتركا فى رواية الحديث من أول رجاله إلى آخرم ومن حيث إنه وجد فى الرواية الشرط الأخص ، إذ الغرض فيمن اتفقا عليه أنهم رواة البخارى الذين فيهم الشرط الأخض، هذا إن أريد بالاتفاق ماذكروا وإن أريد أنهما اتفقا على صحابيه فقط دون رجاله فليحقق المراد من مرادهم، ثم المراد بما اتفقا عليه: ما اتفقا على إخراج إسناده ومتنه معا، وهذا عند جمهور المحدثين إلا عند الجوزقى فانه يعد المتن إذا اتفقا على إخراجه ولو من حديث صحابين حديثاً واحداً، كما إذا أخرج البخارى المتن من حديث أبى هريرة وأخرجه مسلم من طريق أنسٍ . واعلم أنه تبع المصنفُ الزينَ ، وهو تبع ابن الصلاح فى جعل أعلى أقسام الصحيح ما اتفقا عليه، واعترض بأن الأولى أن يكون القسم الأول هو ما بلغ مبلغ التواتز أو قاربه فى الشهرة والاستفاضة، وأجاب الحافظ ابن حجر بأنا لا نعرف حديثاً وصف بكونه متواتراً ليس أصله فى الصحيحين أو أحدهما قلت : ولا يخفى ما فى جواب الحافظ ابن حجر ، فانه لو سلم أن كل متواتر فى الصحيحين فلا خَفَاء فى أنه أرفع رتب الصحة ، وحينئذ فالمتعين أن يقال: أعلى المراتب فى الصحةما تواتر فى الصحيحين من أحاديثهماء ولك أن تقول: الكلام إنما هو الصحيح من الحديث الأحادى فان التدوين له وكذا فى شرائطه، وأما المتواتر فلا مدخل للبحث عنه هنا . ثم قال الحافظ: والحق أن يقال: إن القسم الأول - وهو ما اتفقا عليه - ١ يتفرع فروعاً : أحدها: ماوصف بكونه متواتراً، ويليهما كان مشهوراً كثير الطرق، ويليهما ما وافتهما عليه الأئمة الذين التزموا الصحة على تخريجه الذين أخرجوا السهن والذين 1 - ٨٨ - انتقوا المسند، ويليه ماوافقهما عليه بعض من ذكر، ويليه ما انفردا بتخريجه، فهذه أنواع للقسم الأول - وهو ما اتفقا عليه - إذ يصدق على كل منها أنهما اتفقا على تخريجه . ثم قال: فائدتان إحداهما إن اتفاقهما على التخريج عن راو من الرواة يزيده قوة، فحينئذ ما يأتى من رواية ذلك الراوى الذى اتفقا على التخريج عنه أقوى. مما يأتى من رواية من انفرد أحدهما: أى بالرواية عنه ، والثانية أن الاسناد الذى اتفقا على تخريجه يكون متنه أقوى من الاسناد الذى انفرد به أحدهما . ومن هنا يتبين أن فائدة المتفق إنما تظهر فيما إذا أخرجا الحديث من حديث صحابی واحد ، وفيه إشارة إلى خلاف الجوزقی کما قدمنا ثم قال: نعم قد يكون فى ذلك الحديث أيضاً قوة من جهة أخرى، وهو أن المتن الذى تعددت طرقه أقوى من المتن الذى ليس له إلا طريق واحدة ، والذى يظهر من هذا أنه لا يحكم لأحد الجانبين بحكم كلى، بل قد يكون ما اتفقا عليه من حديث صحابى واحد، إذا لم يكن فرداً غريباً، أقوى مما أخرجه أحدهما من حديث صحابى غير الصحابى الذى أخرجه الآخر ، وقد يكون العكس إذا كان ما اتفقا علیه من صحابى واحد فرداً غريبا ، فيكون ذلك أقوى ، انتهى كلامه. (والثانى) من الأقسام السبعة ( ما أخرجه البخارى) منفرداً به (والثالث) منها ( ما أخرجه مسلم) منفرداً به ، فيقدم ما انفرد به البخارى على ما انفرد به مسلم. قال الحافظ ابن حجر: هذه الأقسام للصحيح التى ذكرها المصنف - يريد ابن الصلاح - ماشية على قواعد الأئمة ومحققى النقاد ، إلا أنها قد لا تطرد لأن الحديث الذى انفرد به مسلم مثلا إذا فرض مجيئه من طرق كثيرة حتى يبلغ التواتر أو الشهرة(١) القوية أو يوافقه على تخريجه مشترطو الصحة مثلا لا يقال فيه إن (١) فى ١ («حتى يبلغ التواتر أى الشهرة القوية)) وما أثبتناه عن ب أدق بـ - ٨٩ - ما انفرد البخارى بتخريجه إذا كان فردا ليس له إلا مخرج واحد أقوى من ذلك، فليحمل إطلاق ماذكر على الأغلب . قلت: أو يقال مرادهم أن ما انفرد به مسلم أو انفرد به البخارى مقيد بقید الحیفیة ، أى ما انفرد به مسلم من حيث انفراده ، دون ما انفرد به البخاری من تلك الحيثية ، فلا ينافى تقديم ما انفرد به مسلم من حيثية أخرى. (والرابع) من الأقسام (ما هو على شرطهما) أى الشيخين ولم يخرجه واحد منهما ، وإلا لكان من القسم الثانى . واعلم أنه قد قال ابن الهمام فى شرح الهداية ((من قال أصح الأحاديث مافى الصحيحين ثم ما اشتمل على شرط أحدهما تحكم لا يجوز التقليد فيه، إذ الأصحية ليست إلا لاشتمال رواتهما على الشروط التى اعتبراها، فإذا وجدت تلك الشروط فى رواة حديث فى غير الكتابين أفلا يكون الحكم بأصحية ما فى الكتابين عين التحكم)) اهـ قلت: قد يجاب بأن ما أخرجاه ونصا على رواته يعلم أنهما قد ارتفيها رواته، وأما ما كان على شرطهما فانه لم يَتَم دليل على تعيين شرطهما، بل أئمة الحديث تتبعوا شرائط فى الرواة وقالوا: هى شرط الشيخين ، ولم يتفقوا على ذلك، بل رد بعضهم على بعض كما ستعرفه، فالحديث الذى يقال فيه « على شرطهما » لا يفيد إلا ظناً ضعيفاً أنه على شرطهما لعدم قصر يحهما بشرطهما، بخلاف منرویا عنه فى كتابيهما فانه يحصل الظن بأنها قد ارتضياه، وإن قدح فى بعض،(جالها، والأ غلب عدم ذلك، والحكم للأغلب عند الظن ، نعم إذا روى حديث بنفس رجالهما من غير نقص فله حكم ما فيهما . (والخامس ماهو على شرط البخارى) فيقدم(والسادس ماهو على شرط مسلم) كما قدم ماانفرد باخراجه، والعلة العامة (والسابع ماهو صحيح عند غيرم٨) أى غير الشيخين ( من الأئمة المعتمدين ، وليس على شرط واحد منهما) هذا التقسيم هو - ٩٠ - سي المعروف فى كتب علوم الحديث، وفائدة هذا التقسيم تظهر عند الترجيح هذا، وأما الحاكم أبو عبد الله فانه قسم الصحيح عشرة أقسام: خمسة متفق عليها، وخمسة مختلف فيها، ذكره ابن الأثير: الأول من المتفق عليه : اختيار الشيخين ، وهو الدرجة العليا من الحديث ، وهو الحديث الذى يرويه الصحابى المعروف بالرواية عن رسول اللهصلى الله عليه وآله وسلم وله راويان(١) ثقتان ثم يرويه عنه التابعى المشهور بالرواية عن الصحابة وله راويان ثقتان ، ثم يرويه عنه من أتباع التابعين الحافظ المتقن المشهور وله رواة من الطبقة الرابعة ، ثم يكون شيخ البخارى أو مسلم حافظاً متقناً مشهوراً بالعدالة فى روايته، فهذه الدرجة العليا من الصحيح ، والأحاديث المروية بهذه الشريطة لا يبلغ عددها عشرة آلاف . الثانى من المتفق عليه : الحديث الذى ينقله العدل عن العمل فيرويه الثقات الحُفَّاظ إلى الصحابى ، وليس لهذا الصحابى إلا راو واحد ، مثل حديث عروة. ابن مضرس الطائى ، قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم وهو بالمزدلفة فقلت : يا رسول الله ، أتيتك من جَبَل طى أكْلَلْتُ فرسى وألعبت مطيتى والله ما تركت بن جبل إلا وقد وقفت عليه - الحديث ، فهو حديث من أصول الشريعة منقول بين الفقهاء ورواته كلهم ثقات ، ولم يخرجه البخارى ، إذ ليس له راو عن عروة بن مضرس إلا الشعبى. الثالث من المتفق عليه: إخبار جماعة من (١) اعلم أنه ليس مراد الشارح ولا من نقل الشارح عنه من هذا الكلام أنه لا بد أن يروى الحديث عدلان عن عدلين من لدن مؤلف الكتاب إلى أن يصل السند إلى الصحابى ، بل المراد أن يكون الراوى مشهورا بالرواية عمن قبله، فالصحابى يكون مشهورا بالرواية عن رسول الله صلوات الله وسلامه عليه ، والتابعى يكوز مشهورا بالرواية عن الصحابى ، وتابع التابعى يكون مشهورا بالزواية عن التابعی ، ثم یکون لكل راو رواة أو راويان ثقتان ، هذا تم ذلك فى الراوى- بأن يكونمشهورا بالرواية عمن قبله ، وبأن يكون له واويان أو رواة ثقاث - لم يضر ما وراءه من أن يروى الحديث عن واحد - ٩١ - التابعين عن الصحابة ، والتابعون ثقات، إلا أنه ليس لكل واحد منهم إلا الراوى الواحد، الرابع من المتفق عليه: الأحاديث الأفراد التى يرويها الثقلت وليس لها طرق مخرجة فى الكتب، مثل حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ((إذا انتصف شعبان فلا تصوموا حتى يجىء رمضان)) وقد أخرج مساء أحاديث العلاء أكثرها فى كتابه، وتراك هذا وأشباهه مما تفردبه العلاء عن أبيه عن أبى هريرة. الخامس من المتفق عليه: أحاديث جماعة من الأئمة عن آبائهم عن أجدادهم، ولم تتواتر الرواية عن آبلهم عن أجدادهم إلاعنهم ، كصحيفة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وجده عبد الله بن عمرو ابن العاص ، ومثل بهزبن حكيم عن أبيه عن جده، وأحاديثهما على كثرتها محتج بها فى كتب العلماء ، وليست فى الصحيحين. وأما الخمسة المختلف فيها فأولها المراسيل ، فقد اختلف الأئمة فى قبولها . والعمل بها، ويأتى كلام المصنف فيها. الثانى من المختلف فيه: رواية المدلسين إذا لم يذكروا سماعهم فى الرواية فيقولون («قال فلان)» ممن هو معاصرهم، رواه أولم يروه ولا يكون لهم فيه سماع ولا إجازة ولا طريق من طرق الرواية، وأنواع التعليس كثيرة، وسيأتى ذكرها. الثالث من المختلف فيه: خبر يرويه ثقة من الثقات عن إمام من أئمة المسلمين بسنده ، ثم يرويه عنه جماعة من الثقات فيرسلون ، وهدا القسم كثير، وهو صحيح على مذهب الفقهاء ، والقول فیه عندهم قول من زالافی الاسناد أو المتن إذا كان ثقة ، وأما أهل الحديث فالقول عندهم فيه قول الجمهور الذين وقفوه وأرسلوه لما يخشى من الوهم على الواحد. والرابع من المختلف فيه: رواية محدث صحيح السماع صحيح الكتاب معروف بالرواية ظاهر العدالة غير أنه لا يعرفمايحدث به ولا يحفظه، قال الحاكم: کأ کثر محدنی زماننا هذا ، وهو محتج به عند أكثر أهل الحديث وجماعة من الفقهاء ، فأما أبو حنيفة ومالكفلا يريان الاحتجاج به. الخامس من المختلف فيه : روايات المبتدعة وأصحاب الأهواء ١ - ٩٢ - وهى عند أكثر أهل الحديث مقبولة إذا كانوا فيها صادقين، وكان أبو بكر محمد ابن إسحق بن خزيمة يقول: حدثنى الصدوق فى روايته المتهم فى دينه، وفى البخارى جماعة من هؤلاء، وأما مالك فانه كان يقول: لا يؤخذ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من صاحب هوى يدعو الناس إلى هواه، ولا من كذاب يكذب فى أحاديث الناس وإن كان لا يتهم أنه يكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال الحاكم: هذه وجوه الصحيح المتفقة والمختلفة قد ذكرناها لئلا يتوهم مثوهم أنه ليس يصح من الحديث إلا ما أخرجه البخارى ومسلم، انتهى منقولا من مقدمات جامع الأصول، وصوبه صاحب جامع الأصول، وبنى على ما قاله من شرط الشيخين ، وأطال فى ذلك بما هو معروف. وخالته الحافظ ابن حجر فتعقب كلام الحاكم فقال بعد نقل معناه : لولا أن جماعة من المصنفين كالمجد ابن الأثير فى مقدمة جامع الأصول تَلَّوا كلامه أى الحاكم بالقبول لقلة اهتمامهم بمعرفة هذا الشأن واسترواحهم إلى تقليد المتقدم دون البحث والنظر لأ عرضت عن تمقب كلامه هذا ، فإن حكايته خاصة تغنى اللبيب الحادق ، فأقول أما القسم الأول الذى ادعى أنه شرط الشيخين فمنقوض بأنهما لم يشترط ذلك ولا يقتضيه تصرفهما ، وهو ظاهر بين لمن نظر فى كتابيهما وأما ما زعمه بأنه ليس فى الصحيحين شىء من رواية صحابى ليس له إلاراو واحد فر دُودٌ بأن البخارى أخرج حديث مرداس الأسلمى وليس له راو إلا قيس بن أبى حازم فى أمناة كثيرة مذكورة فى أثناء الكتاب، وأما قوله إنه ليس فى الصحيحين من رواية تابعى ليس له إلا راو واحد فمردود أيضاً بما أخرج البخارى عن الزهرى عن عمر بن محمد بن جبير بن مطعم ، ولم يروه عنه غير الزهرى ، فى أمثلة قليلة، وأما قوله « إن الغرائب الأفراد ليس فى الصحيحين منها شىء)) فليسٍ كذلك ، بل فيهما قدر مائتى حديث قدجمعها الحافظ ضياء الدين المقدسى فى جزء مفرد، وأما قوله « ليس فيهما من روايات من روى عن أبيه عن جده = ٩٣ - مع تفرد الابن بذلك عن أبيه، فمنتقض برواية سعيد بن المسيب عن أبيه عن جده ، وبرواية عبد الله والحسن ابنى محمد بن على عن أبيهما عن على ، وغير ذلك ومن ذلك ماتفرد به بعضهم وهو فى الصيححين أو أحدهما ، وأما الأقسام الخمسة التى ذكر أنه مختلف فيها وليس فى الصحيحين منها شىء فالأول كما قال ، نعم قد يخرجان منه فى الشواهد ، وفى الثانى نظر يعرف من كلامنافى التدليس ، وأما ما اختلفا فى إرساله ووصله بين الثقات ففى الصحيحين منه جملة ، وقد تعقب الدارقطنى بعضه فى التتبع له، وأجبنا عن أكثره ، وأما روايات الثقات غير الحفاظ ففى الصحيحين منه جملة أيضاً، لكنه حيث يقع مثل ذلك عندهما يكونان قد أخرجاله أصلايقويه ، وأماروايات المبتدعة إذا كانواصادقين ففي الصحيحين عن خلق كثير من ذلك، لكنهم من غير الدعاة ولا الغلاة، وأكثر ما يخرجان من هذا القسم فى غير الأحكام، نعم قد أخرجا لبعض الدعاة والغلاة كعمران بن حطان وعبادبن يعقوب وغيرهما ، إلا أنهما لم يخرجا لأحد منهم إلا ماتوبع عليه، وقد فات الحاكم من الأقسام المختلف فيها قسم نبه عليه القاضى عياض، وهو رواية المستورين، فان روايتهم مما اختلف فى قبولها وردها، ولكن يمكن الجواب عن الحاكم فى ذلك بأن هذا القسم - وإن كان مما اختلف فى قبوله ورده - إلا أنه لم يطلق أحد تلقَّى حديثهم اسم الصحة عليه، بل الذين قبلوه جعلوه من قسم الحسن بشرطين : أحدهما أن لا تكون روايتهم شاذة ، وثانيهما أن يوافقهم غيرهم على رواية ما رَؤوه، فقبولها حينئذ إنما هو باعتبار الجموعية كما قرر فى الحسن،انتهى. ( قلت : والوجه فى هذا ) أى: فى تقديم ما اتفق الشيخان عليه، إلى آخر الأقسام السبعة (١) أى الدليل على ما ذهبوا إليه من الحكم بالصحة للأقسام (١) فى هامش ا هنا ما نصه ( كما هو ظاهر الاشارة ، ويأتى أنهلا يدخل القسم السابع تحت هذا الوجه)» اه منه . وقد زيدت هذه العبارة فى صلب ب وهى زيادة من ناسخ الأصل . ا - ٩٤ - السيئة، وعلى ترتيبها المذكور (عند أهل الحديث: هو تلقى الأمة للصحيحين بالقبول، ولا شك أنه) أى التلقى من الأمة بالقبول للصحيحين (وجه ترجيح) اعلى أن معنى تلقى الأمة للحديث بالقبول هو أن تكون الأمة بين عامل بالحديث ومنأول له كما فى ((غاية السول)» وغيرها من كتب الأصول، وهذا التلقى لأحاديث الصحيحين يحتاج مدعيه فى إثبات هذهالدعوى إلى دليل، فنقول: هذه الدعوى يحتاج إلى استفسار عن طرفيها : هل المراد كل الأمة من خاصة وعامة كما هو ظاهر الإطلاق أو المجتهدون من الأمة ! وهو معلوم بأن الأول غير مراد ، فالمراد الثانى، وهو دعوى أن كل فرد فرد من مجتهدى الأمة تلقى البكتابين بالقبول ، ولا بد من إقامة البينة على هذه الدعوى ، ولا يخفى أن إقامته عليها من المتعذرات عادةً كاقامة البينة على دعوى الاجماع ، فان هذا فرد من أفراده ، وقد جزم أحمد ابن حنبل وغيره بأن من ادعى الاجماع فهو كاذب، وإذا كان هذا فى عصره قبل عصر تأليف الصحيحين فكيف من بعده ! مع أن هذا الاجماع بتلقى الأمة لهمالايتم إلا بعد عصر تأليفهما بزمان حتى ينتشراو يبلغا مشارق الأرض ومغاربها وينزلا حيث نزل كل مجتهد ، مع أنه يغلب فى الظن أن فى العلماء المجتهدين من لا يعرف الصحيحين، فان معرفتهما بخصوصهما ليست شرطا فى الاجتهاد قطعا ، والحاصل منع هذه الدعوى ، ثم إن سلمت هذه الدعوى فى هذا الطرف ورد سؤال الاستفسار عن الطرف الثانى ، وهو: هل المراد من تلقى الأمة لهذين الكتابين الجليلين معرفة الأمة بأنهما تأليف الامامين الحافظين ? فهذا لا يفيد إلاصحة الحكم بنسبتهما إلى مؤلفيهما، ولا يفيد المطلوب، أو المراد تلقيها لكل فردفرد من أفراد أحاديثهما بأنه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ وهذاهو المفيد للمطلوب، إذ هو الذى رتب عليه الاتفاق على تعديل رواتهما، إذ التلقى بالقبول هو ما حكم المعصوم بصحته ضمناً كما رسمه المصنف فى كتبه ، وهو يلاقى معنى ما أسلفناه عن الأصوليين من أنه ما كانت الأمة بين منأول له وعمل به،. -- ٩٥ - إذ لا يكون ذلك إلا بماصح لهم، ولكن هذه الدعوى لا يخفى عدم تسليمها فى كل حديث من أحاديث الصحيحين غيرما استثنى ، إذ المعصوم هو الأمة جميعا أو مجتهدوها، ولا يتم أن كل حديث حكم المعصوم بصحته ضمنا ، إذ ذلك فرع اطلاع كل فرد من أفراد المجتهدين على كل فرد من أفراد أحاديث الكتابين ، على أن التحقيق أن الأمة إنما عصمت عن الضلالة، لا عن الخطأ كما قررناه فى الدراية حواشى شرح الغاية، محكم الأمة بصحة حديث من الأحاديث الأحادية - وهو غير صحيح فى نفس الأمر - ليس بضلالة قطعا، ولئن سلمنا أن محتبدى الأمة كلهم تلقوا أحاديث الصحيحين بالقبول وصاروا بين عامل بكل فرد من أحاديثهما ومتأول فانه لا يدل ذلك على المدعى وهو الصحة لأن الحسن يعمل به ويتأول ، فليس التلقى بالقبول خاصا بالصحيح ، فقول المصنف (( إن التلقي بالقبول حكم من المعصوم بصحته ضمنا)» لايتم الا إذا لم يعمل المعصوم بالحسن ولا يتأوله، والمعلوم خلافه ، ولئن سل ما ادعاه المصنف ومن سبقه ووجه دعواه تم ذلك وجها لأحاديث الصحيحين لا غير، لا لما هو على شرطهما إذ لا شرط لهما مقطوع به كما ستعرفه حتى يشمله التلقى بالقبول، ولا يشمل ذلك الوجه القسم السابع، وهو ما صححه إمام من الأئمة لاختصاص التلقي بالصحيحين، ثم إذا كان وجه أرجحيةبما هو التلقى المذكور فهما متلقيان على السوية فلا وجه لجُعل ما اتفقا عليه مُقَدَّماً على ما إذا انفرد كل واحد منهما ، ولا يجعل ماانفرد به البخارى أرجح من حيثية التلقى لاستواء الجميع فيه ، إذا عرفت مافى هذا الاستدلال من الاختلال وإن تطابق عليه فحول الرجال، فالأولى عندى فى الاستدلال على تقدم الصحيحين هو إخبار مؤلفيهما بأن أحاديثهما صحيحة ، وقد علم أنهما عدلان بلا ريب ، وخبر العدل واجب القبول ، فقول البخارى ( ((هذه أحاديث صحيحة)) بمثابة قوله «رُواة هذه الأحاديث عدولٌ ضابطون ولا شذوذ فيها ولا علة» وحينئذ فيجب قبول خبره كما يقبل تعديله للمجهول I - ٩٦ - وإخباره بضبطه وخلوص الحديث عن العلة والشذوذ ،لأن لفظ ((صحيح)» متكفل بهذه المعانى كما قررناه فى رسالتنا ((إرشاد النقاد إلى تيسير الاجتهاد)» تقريراً بطيغا، وقال المصنف فى العواصم: إن الثقة العارف إذا قال إن ((الحديث صحيح)) عنده، وجزم بذلك ، وجب قبوله بالأدلة العقلية والسمعية الدالة على قبول خبر الواحده ولم يكن ذلك تقليداً لهولعله يأتى، وأما أنهما أصح من غيرهما فقد يستأنس له بما علم من تحريبما فى الرجال، وعدم التساهل فى ذلك بحال ، إلا أنه ليس حكما على كل حديث حديث، بل حكم على الأغلب ، وقد بحثنا فى استدلالهم بتلقى الأمة للصحيحين بالقبول بقريب مماهنا فى رسالتنا «نمرات النظر فى على الأثر» (وقد اختلفَ: هل يفيد) أى تلقى الأمة للصحيحين بالقبول (القطع بالصحة) لما فيهما (كما سيأتى) فى مسألة حكم الصحيحين (فأما قوة الظن فلاشك فيها) أى فى إعادته لها ( وإن لم يُسلم لهم) أى المحدثين (إجماع الأمة) لأن دعواهم تلقى الأمة بالقبول يتضمن إجماعها ( فلا شك فى إجماع جماهير النقاد من حفاظ الأثر وأئمة الحديث على ذلك، والترجيح يقع بأقل من ذلك، على ما يعرفه من له أنس بعلم الأصول) هو كما قال ، إلا أنه خروج عن دعوى تلقى الأمة المتضمن للصحة كما قرره، ورجوع إلى أن حديث الصحيحين أرجح من غيره من الصحيح، وكأنه يقول المصنف: إذا لم يتم التلقى بالقبول تم الترجيح، وعلى التقديرين فأحاديث الصحيحين أرجح من غيرها من جهة الصحة. (واعلم أن هذا الفصل يشتمل على أمرين : أحدهما : أن مافى البخارى ومسلم من الحديث المسند صحيح متلقَّى بالقبول من الأئمة) لا يخفى أنه كان يكفى هذا عن قوله ((صحيح)) لأن التلقى يتضمن الصحة، بل هو دليلها ( وذلك هو الظاهر، فقد ذكر ضحتهما المنصور بالله) عبد الله بن حمزة ( فى كتابه العقد الثمين وفى غيره، وذكر الأمير الحسين) أى ابن محمد مؤلف كتاب « شفاء الأوام)» (صحيح البخارى فى كتابه الشفاء بلفظ الصحيح ، وكذلك الزمخشرى فى - ٩ 1 1 - -- ٩٧ - الكشاف ذكره بلفظ الصحيح) فى العواصم للمصنف أن الزمخشرى ذكر صحيح مسلم بلفظ الصحيح، فينظر : هل ذكر فيه البخارى أيضا كما هنا ؟ إلا أنه قد يقال : إن ذكر من ذكرهما بلفظ الصحيح لا يدل على أنه قائل بصحتها بالمعنى المراد هنا، وذلك لأن لفظ الصحيح قد صار لقبالهما فى العرف فانه لا اسم لهما إلا صحيح البخارى وصحيح مسلم، ثم إنه استدل بأنه ذكرهما مَنْ ذَكر بلفظ الصحيح، وليس مَنْ ذَكر كلَّ الأمة ، وكأنه يريد الاستدلال على قول الزيدية بصحةما لا على قول الأمة، إذ قد على أن من عدا الزيدية قائل بصحتهما ، وإنما الحاجة إلى بيان أنهم قائلون أيضاً بصحتهما، فذكر منهم المنصور بالله والأمير الحسين، إلا أنه لا يناسبه ذكر الزمخشرى، إذ ليس من الزيدية وإن وافقهم فى بعض قواعد المعتزلة ، ثم ذكر جماعة من الزيدية بقوله (ونَقَلَ عنهما وعن غيرهما) أى عن غير الصحيحين، ولا حاجة إلى ذكره إذ الكلام فى الصحيحين (المصنفون) من الزيدية (كالمتوكل على الله) هو الامام أحمد بن سليمان فى كتابه ((أصول الأحكام)) (والأمير الحسين فى «شفاء الأوام)»، ولم يزل العلماء) من الزيدية (يحتجون بما فيهما ، قال المنصور بالله ) عبد الله بن حمزة ( فى المهذب : ولم يزل أهل التحصيل) يريد من الزيدية لقوله ( يحتجون بأحاديث المخالفين لهم فى الاعتقاد ) فى المسائل الأصولية كخلق الأفعال والإمامة والرؤية ونحوها ( بغير منا كرة) لعل هذا آخر كلامه ، ثم استأنف المصنف فقال: (وهذه) يعنى أحاديث الصحيحين إذ الكلام فيها (أصح أحاديث المخالفين بغير مناكرة، وقد استمر ذلك) أى استدلال أهل التحصيل بأحاديث المخالفين فى الاعتقاد (وشاع وذاع، ولم ينقل عن أحد فيه نكير، وهذه) أى صورة الاستدلال الشائع الذائع الذى لم ينكره أحد (طريق من طرق الاجماع السكونى) إذ حقيقته عند أئمة الأصول: أن يقول المجتهد قولا (٧ - تقبع ١) - ٩٨ - أويفعل فعلا وينتشر ويعلم به الباقون من المجتهدين ولا ينكرونه، ويُعلم أن سكوتهم رضاً بقوله أو فعله، وهذه صورة من صوره، ثم هذا مبنى على أن الاجماع السكونى هنا حجة شرعية ، وقد بحثنا فى ذلك فى الدراية على الغاية والهداية وحققنا ما فى القول بحجيته ( بل هذه أكثر طرق الاجماع المحتج به بين العلماء) فان غاية ما يقوله الباحثون والمدعون للاجماع « إنه قيل هذا القول أو فعل هذا الفعل ولم ينكره أحد فكان إجماعا)) وأما الاجماع المحقق - وهو: اتفاق المجتهدين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم على قول فى عصر بعده - فقد قال أحمدبن حنبل : من ادعاه فهو كاذب ، وذهب إلى إحالته جماعة من أئمة الأصول، فإذا قال المصنف إن الاجماع السكونى أكثر طرق الاجماع (وهذا) أى ما ذكر من استدلال أهل التحصيل إلى آخره (فى ديار الزيدية) إلا أنه لا يخفى أنه قد يقال: إنهلا يتم دعوى الاجماع المذكور لأن قبول أخبار المخالفين فى الاعتقاد هى مسألة قبول كفار التأويل وفساقه، وسيأتى أنها مسألة خلافية، وقد تكرر أنه لا نكير فى الخلافيات، وحينئذ فالسكوت على ذلك وعدم النکیر. لكون المسألة خلافية ، لا أنه الرضا من الساكت حتى يكون هذا من الاجماع السكونى، فالحقُّ أن هذا الاستدلال المذكور بأحاديث المخالفين فرع عن قبول كفار التأويل وفساقه، فاستدلال من ذكر بأحاديثهم دليل على قبولهم، وسيأتى دعوى الاجماع على ذلك وتحقيق المسألة إن شاء الله تعالى (فأما بلاد الشافعية وغيرهم من الفقهاء) أتباع ماتك وأبى حنيفة وأحمد ( فلا شك فى ذلك ، وقد أشرت إلى ذلك فى العواصم ، وبينت أكثر من هذا فليطالع هنا لك ) قال فيها : والظاهر من إجماع أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم القول بما قاله الفقهاء منّصحة هذه الكتب إلا ماظهر القدح فيه، وإنما قلنا إن الظاهر إجماعهم على ذلك لأن الاحتجاج بصحيح ما فى هذه الكتب ظاهر فى مصنفاتهم شائع فى بلادهم، ثم ذكر نقل الامام أحمد بن سليمان والأمير الحسين وعبد الله بن حمزة : - ١٩ - وأنه إجماع سكونى، ثم قال: وأقصى مافى الباب أن ينقل إنكار ذلك عن بعض العلماء فى بعض الأعصار، فذلك النقل فى نفسه ظنى نادر، واعتبار القدح بالظنى النادر فى عصر مخصوص لا يقدح فى إجماع أهل عصر آخر، وذكر مثل ماهنا، وإنما أطال هنالك فى قول أبى نصر الوائلى السجزى حيث قال : أجمع أهل العلم القدماء وغيرهم أن رجلا لو حلف بالطلاق أن جميع ما فى البخارى مما روى عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد صح عنه وأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قاله لاشك فيه، أنه لا يحنث والمرأة بحالها فى حبالته، فقال المصنف فى العواصم - بعد نقله -: الظاهرُ إجماعهم على ذاك، وإجماع غيرهم ، لأن المعروف فى كتب الفقه أن من حلف بالطلاق على صحة أمر وهو يظن صحته ولم ينكشف بطلانه لم يحنث لأن الأصل بقاء الزوجيّة ، ولا تطلق بمجرد الاحتمال المرجوح، كما لوظن فى طائر أنه غراب فحلف بالطلاق أنه غراب ثم غاب عن بصره ولم يتمكن من أخذ اليقين فى ذلك فان زوجته لا تطلق، انتهى. ثم ذكر فى هذا المحل أربعة عشر بحثاً إلا أنه لا تعلق لها بما نحن فيه ،؟ (وأما الأمر الثانى - وهو أن البخارى ومسلما أصح كتب الحديث - فهذا مما لا يوجد الزيدية فيه نص، والظاهر من مذهبنا أن رواية أئمتنا) فى العلم (إذا تسلسل إسنادها بهم) يأتى تفسير المسلسل (ولم يكن بينهم من هو دونهم أنها أصح الأسانيد مطلقاً) لم يستدل المصنف لهذا الظاهر، وقد قال الامام عبد الله ابن حمزة مشيراً إلى هذا : وأبى أبى فهو الامام الهادى کم بین قولی عن أبی عن جده ماذلك الاسناد من إسناد وفتی يقول روى لنا أشياخنا (ولكنه يقلُّ وجودها على هذه الصفة) حتى إنه ذكر المصنف فى «إيثار الحق)) وغيره أنه ليس فى كتاب الأحكام للامام الهادى إمام مذهب الزيدية ، حديث مسلسل يا بائه إلا حديثاً واحدا، وهو قوله: حدثنى أبى وعماى محمد والحسن عن -- -١٠٠ -- أبيهما القسم بن إبراهيم عن أبيه عن جده إبراهيم بن الحسن عن أبيه عن جده الحسن بن على بن أبى طالب عليهم السلام عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال (( يا على، يكون فى آخر الزمان قوم لهم نَبْزٌ يعرفون به يقال لهم الرافضة إن أدركتهم فاقتلهم قتلهم الله إنهم مشركون (١))) انتهى بلفظه من الأحكام ، فإذا قال المصنف ((إنه يقل)) وجود الأحاديث بهذه الصفة لأهل مذهبه، واعلم أن قول المصنف مذهبنا وأصحابنا جرياً على المألوف، وإلا فانه لا يعتزى إلى فريق فى مذهبه كماأشار إليه فى أبياته الدالية ومنها : كل مصيب فى الفروع ومهندی والكل إخوان ودین واحد هذى الفروع وفى العقيدة مذهبى مالا يخالف فيه كل موحد ( وأما كتب الحديث فى أنفسها فلعل أصحابنا لا يخالفون فى أن أصبحها البخارى ومسلم لعزة شرطهما وما فيه) أى شرطهما ( من التحرى والاحتياط) ولما تكرر من المصنف ذكر شرطهما فى تقسيم الصحيح وهنا توجه عليه ذكر شرطهما فقال ( وقد اختلف المحدثون فى تفسير شرط البخارى ومسلم) اعلم أنه لم يُنقل عن الشيخين شرط شرَطاه وعَيْنَاه، إنما تتبع العلماء الباحثون عن أساليبهما وطريقتهما حتى تحصَّل لهم ما ظنوه شُروطاً لهما ، ولذا اختلفوا فيه لاختلاف أفهامهم فيها ، فانهم اختلفوا فيها على ثلاثة أقوال : الأول: ما أفاده قوله (فقال محمد بن طاهر) المقدسى ( فى كتابه فى شروط الأمة : شرط البخارى ومسلم أن يخرّجا الحديث المجمع على ثقة نقلَتَه ) أى عدالة وضبطا ( إلى الصحابى المشهور) فيه دليل على أنه يرى أن شرط الشيخين (١) قال فى تخريج الشفا بعد سياقه إلى قوله ((مشركون)) مانصه: قال فى الثمرات: وفى خبر على رضى الله تعالى عنه: قلت: ماعلامتهم؟ قال: ليست لهم جمعة ولا جماعة، يسبون أبا بكر وعمر رضى الله عنهما)، أهـ