Indexed OCR Text

Pages 561-580

٥٦١
كتاب الجامع - باب الدعاء
وَسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا
[الأحزاب].
الثانية: حصول عشر صلوات من الله على المصلِّي مرَّة.
الثالثة: أنه يرجى إجابة دعائه إذا قدَّمها أمامه، وكان موقوفًا بين السماء
والأرض قبلها .
الرابعة: أنَّها سبب لغفران الذنوب، وسبب لكفاية الله عبده ما أهمه.
الخامسة: أنَّها سبب لقضاء الحاجات.
السادسة: أنَّها سبب لطيب المجلس، وأن لا يعود حسرة على أهله يوم القيامة .
السابعة: أنَّها سبب لدوام محبته وزيادتها .
الثامنة: أنها سبب لهداية العبد، وحياة قلبه.
التاسعة: أنها أداء لأقل القليل من حقه الذي له علينا .
العاشرة: أنَّها تنفي عن العبد اسم البخل إذا صلى عليه عند ذكره ول له .
ثم قال أيضًا - رحمه الله تعالى -: الصلاة من الله على عباده نوعان:
عامة، وخاصة :
أما العامة: فهي صلاته على عباده المؤمنين؛ قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى يُصَلّى
عَلَيْكُمْ وَمَكَبِكَتُهُ﴾ [الأحزاب: ٣٤].
أما الخاصة: فهي صلاته على أنبيائه ورسله.
واختلف العلماء في معنى الصلاة منه سبحانه، على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنَّها رحمته؛ وهذا القول هو المعروف عند كثير من المتأخرين.
الثاني: أنَّها مغفرته؛ وهذا القول من جنس الذي قبله، وهما ضعيفان.
الثالث: أنَّ معنى الصلاة عليه من الله: هو الثناء على الرسول، والعناية به،
وإظهار شرفه، وفضله، وحرمته.
وهذا حاصل من صلاة العبد، لكن يريد ذلك من الله عزَّوجل، والله
سبحانه یرید ذلك من نفسه أن يفعله برسوله.

٥٦٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١٣٥٩ - وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ بَّهِ: ((سَيِّدُ الإِسْتِغْفَارِ أَنْ يَقُولَ العَبْدُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي، لاَ
إِلهَ إِلَّ أَنْتَ، خَلَقْتَنِي، وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ،
أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ بِذَنْبِي،
فَاغْفِرْ لِي؛ فَإِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ)) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ(١).
* مفردات الحديث:
- سيِّ الاستغفار: السيد يقال في الأصل للرئيس الذي يُقْصَد للحوائج، وصار
هذا الاستغفار سيدًا؛ لأنَّ فيه الإقرار لله وحده بألوهيته، وعلى نفسه بالعبادة،
والاعتراف بالخالق، والإقرار بالعهد، والرجاء بما وعد به، والاستعاذة مما
جنى به على نفسه، وإضافة النعم إلى مُوجِدِها، وإضافة الذنب إلى نفسه،
واعترافه بأنَّه لا يقدر على ذلك إلاَّ هو، إلى غير ذلك من بديع المعاني.
- على عهدك: أي: ما عاهدتك عليه، وواعدتك من الإيمان، وإخلاص
الطاعة لك، وقيل: العهد ما أخذ في عالم الذر.
- ما استطعت: أي: مدَّة دوام استطاعتي ، وفيه اعتراف بالعجز والقصور.
- أبوء بنعمتك، وأبوء بذنبي: أعترف وألتزم لك، قال الطيبي: اعترف بأنه أنعم
عليه، ولم يقيده؛ ليشمل كل الإنعام، ثم اعترف بالتقصير، وأنَّه لم يقم بأداء
شكر النعم عليه .
* ما يؤخذ من الحديث:
١- سمى النبي ◌َسير هذا الحديث العظيم: سيد الاستغفار؛ لما احتوى عليه من
(١) البخاري (٦٣٠٦).

٥٦٣
كتاب الجامع - باب الدعاء
معاني التوبة والتذلل، مما ليس في غيره من أحاديث التوبة والاستغفار.
٢- قال الطيبي: لما كان هذا الدعاء جامعًا لمعاني التوبة، استعير له اسم السيد الذي
هو في الأصل الرئيس الذي يُقصد إليه في الحوائج، ويُرجع إليه في الأمور.
٣- وقال ابن أبي جمرة: جمع هذا الحديث من بديع المعاني، وحسن الألفاظ
ما يحق له أن يسمى بسيِّد الاستغفار.
٤- اشتمل هذا الحديث السيد الشريف على اعترافات ترجع إلى الله تعالى بما
يستحقه من العظمة والإجلال، وترجع إلى العبد بما يجب عليه من الذل،
والخضوع، والانكسار.
٥- فيه الإقرار لله تعالى بالربوبية، وذلك أنَّه تعالى هو الخالق، الرازق، المعطي،
المانع، القابض، الباسط، المحيي، المميت، المدبِّر لجميع الأمور.
٦- وفيه الإقرار له بالعبودية، والإلهية، والوحدانية، وأنَّه المألوه المعبود
المقصود .
٧- وفيه الإقرار والاعتراف من العبد لربه ومعبوده، بأنَّه العبد، المطيع،
الخاضع، الذليل أمام ربه، وخالقه، ورازقه، ومعبوده.
٨- وفيه إقرار العبد بأنَّه ملتزم بالوفاء بالعهد الذي أخذه ربه عليه بقوله: ﴿وَإِذْ
أَخِذٍ رَبُّكَ مِنْ بَنِيّ ءَآدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّنَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىّ
[الأعراف].
١٧٢
شَهِدْنَاْ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَفِلِينَ
٩ - قوله: ((ما استطعت)) وعد بالقيام بعهد الله تعالى بقدر الاستطاعة والطاقة،
وهذا موافق لقوله تعالى: ﴿فَأَنَّقُواْ اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وقوله ◌َّه :
((إذا أمرتكم بأمر، فأتوا منه ما استطعتم)) [رواه البخاري ومسلم]؛ فلا يكلف
الله نفسًا إلاّ وسعها .
وهو أيضًا: إقرار واعتراف من العبد لربه بالعجز والتقصير، بأن يعبده
حق عبادته .

٥٦٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١٠ - قوله: ((أعوذ بك من شر ما صنعت)) قال ابن القيم: أعوذ، بمعنى: ألتجيء
وأعتصم وأتحرز، فالمستعيذ مستتر بمُعَاذ، ومستمسك به، ومعتصم به،
والاستعاذة بقلب المؤمن معنى قائم وراء هذه العبارة التي ليست إلاَّ إشارة
وتفهيمًا، وإلاَّ فما يقوم بالقلب حينئذٍ من الالتجاء، والاعتصام،
والانطراح بين يدي الرب، والافتقار إليه، والتذلل بين يديه، أمرٌ لا تحيط
به العبارة .
١١ - وقال أيضًا: المستعاذ به هو الله وحده الذي لا ينبغي الاستعاذة إلاَّ به، فلا
يُستعاذ بأحد من خلقه؛ فهو الذي يعيذ المستعيذين ويعصمهم ويمنعهم من
شر ما استعاذوا من شره، وقد أخبر الله تعالى في كتابه عمن استعاذ بخلقه
أنَّ استعاذته زادته طغيانًا .
١٢ - أنواع الشرور المستعاذ منها لا تخلو من قسمين: إما شر وقع به من غيره،
وإما ذنوب وقعت منه يعاقب عليها؛ فيكون وقوع ذلك بفعله وقصده
وسعيه، ويكون هذا الشر هو الذنوب وموجباتها، وهو أعظم الشرين،
وأدومهما، وأشرهما اتصالاً بصاحبه.
والذنوب التي يستعيذ منها بهذا الحديث الشريف: هي من فعل العبد
وقصده؛ فهو يستعيذ من شرها؛ لأنَّها موجبة للعقاب وللعقوبة، إلاَّ أن
يعيذه ربه، ويغفر له، ويرحمه، وأقوى سبب لمنع شرها: التوبة النصوح.
١٣ - قوله: ((أبوء لك بنعمتك عليَّ)) هذا إقرارٌ واعتراف بنعم الله تعالى على
عباده، بأنَّه وحده المنعم المتفضل، وأنَّه المستحق للحمد والشكر على
نعمه التي لا تحصى، وإفضاله الذي لا يحد ولا یعد.
١٤ - وفي الحديث دليل على أنَّ المقاصد لا ينبغي أن تطلب إلاَّ بوسائلها
الصحيحة، وأسبابها الموصلة، أما التعلّل بالخرافات، والبدع،
والتوسُّلات الشركية والبدعية، فهي لا تزيد الإنسان من ربه إلاّ بعدًا.

٥٦٥
كتاب الجامع - باب الدعاء
١٣٦٠ - وعَنِ ابْن عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: ((لَمْ يَكُنْ
رَسُولُ اللهِوَّهِ يَدَعُ هَؤْلاَءِ الكَلِمَاتِ حِينَ يُمْسِي وَحِينَ يُصْبِحُ: اللَّهُمَّ
إِنِّي أَسْأَلُكَ العَافِيَّةَ فِي دِينِي، وَدُنْيَايَ، وَأَهْلِي، وَمَالِي، اللَّهُمَّ اسْتُرْ
عَوْرَاتِي، وَآمِنْ رَوْعَاِي، وَاحْفَظْنِي مِنْ بَيِّنِ يَدَيَّ، وَمِنْ خَلْفِ، وَعَنْ
يَمِينِي، وَعَنْ شِمَالِي، وَمِنْ فَوْقِي، وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ أُعْتَالَ مِنْ
تَحْتِي)) أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَخَّحَهُ الحَاكِمُ(١).
* درجة الحديث:
الحدیث صحیح.
قال الشيخ صديق حسن: أخرجه أبوداود، والنسائي، وابن ماجه.
قال النووي في الأذكار: روي بالأسانيد الصحيحة.
وأخرجه ابن حبان، والحاكم، وقال: صحيح الإسناد.
* مفردات الحديث:
- العافية: الصحة التامة في البدن، والسلامة التامة في أمر الدين، والسلامة من
المعاصي والبدع، والسلامة في الدنيا من شرورها ومصائبها .
- عَوْرَاتي: جمع عورة، والعورة: كل ما يُسْتَحْيَا منه إذا ظهر من الذنوب
والعيوب.
- روعاتي: جمع روعة، يقال: راعه يروعه روعًا: أفزعه؛ فالروع: الفزع.
- عظمتك: عظمة الله تعالى: صفة جليلة من صفاته العلى؛ فهو موصوف
(١) النسائي في عمل اليوم والليلة (٥٦٦)، ابن ماجه (٣٨٧١)، الحاكم (٥١٧/١).

٥٦٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
بالعظمة الكاملة، والقدرة النافذة، فله الكبرياء والعظمة المطلقة، فالسائل
يستعيذ ويلتجيء من الشرور، بعظمة الله تعالى، وقدرته المحيطة بكل شيء.
- أَنْ أُغْتَال: اغتاله: أخذه من حيث لا يدري فأهلكه، من الاغتيال، وهو: أخذ
الشيء خفية .
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - هذه الأدعية الكريمات كان ◌َّ لا يدعها صباحًا ولا مساءً؛ لتكون حصنًا من
الآفات، وحرزاً من الشرور، وأمانًا من المكاره؛ فعلى المسلم أن يلازمها،
ولا يدعها؛ اقتداء بنبيه وَله، وحفظًا لنفسه من الشرور وأسبابها.
٢- ففيها سؤال الله تعالى العافية في الدين؛ من المعاصي، والابتداع، وترك
الواجبات .
أما العافية في الدنيا: فالسلامة من شرورها، ومصائبها، وغوائلها،
والانهماك فيها، والغرور بها، وما تجرّه من الغفلة ونسيان الآخرة.
وأما العافية في الأهل: فسلامة أديانهم من الشهوات والشبهات، وسلامة
أبدانهم من الأمراض والأسقام، وسلامة قلوبهم من فتنة الدنيا، والانهماك
فيها دون غيرها، مما ينقصهم في حياتهم الأبدية.
٣ - ((استر عوراتي)): يسأل ربه ستر عورته، بأن يستر أعماله القبيحة عن
الناس، ثم يمن عليه بالتوبة منها، والسلامة من فضيحتها، وخزيها في الدنيا
والآخرة، ويشمل طلب الرزق بكسوة يتجمَّل بها .
٤- ((وآمن روعاتي)): يكون التأمين من فجائع الدنيا، ومصائبها، وحوادثها
المروعة، ويكون من روعات يوم القيامة، وهو أعظم الأمرين، ففي أهوال
يوم القيامة ما يذهل كل مرضعة عما أرضعت: ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتٍ حَمْلٍ
خَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكََرَى وَمَا هُم بِسُكَرَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اَللَّهِ شَدِيدٌ
٢
[الحج].

٥٦٧
كتاب الجامع - باب الدعاء
٥- ويسأله حفظًا كاملاً، وصيانةً تامةً، تحيط به من جميع الجهات؛ فلا تخلص
إليه الشرور، ولا تصل إليه المصائب، فيحاط بحصن الله تعالى من بين
يديه، ومن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله، ومن فوقه.
٦- ويستعيذ ويلتجيء إلى ربه بأن لا يغتال من تحته من حيث لا يشعر، فيخسف
به كما خسف بقارون، أو يغرق كما أغرق فرعون، أو يأتيه حادث مروِّع من
حوادث المعدات الثقيلة أو الخفيفة، والله أعلم.

٥٦٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١٣٦١ - وَعنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: ((كَانَ رَسُولُ
اللهِ وَّهِ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِن زَوَالِ نِعْمَتِكَ، وَتَحَوَّلٍ
عَافِيَتِكَ، وفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ، وَجَمِيعٍ سَخَطِكَ)) أَخْرَجَهُ مُسْلِمُ(١).
* مفردات الحديث:
- زوال نعمتك: الزوال: التحول والانتقال، وأما النعمة: فهي المنفعة المعمولة
للغير على جهة البر والإحسان .
- تحَوُّل عافيتك: تحول العافية: هو انتقالها، فلا تنتقل إلى ضدها، وهو
المرض.
- فَجْأَةَ نِقْمَتِكَ: بفتح الفاء، وسكون الجيم، مقصور، ويقال: بضم الفاء،
وفتح الجيم، والمد ((فُجَاءَة))، وهي: الأخذ بغتة من غير توقُّع .
(١) مسلم (٢٧٣٩).

٥٦٩)
كتاب الجامع - باب الدعاء
١٣٦٢ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: ((كَانَ
رَسُولُ اللهِ بِّهِ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَةِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ
العَدُوِّ، وَشَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ)) رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وصَخَّحَهُ الحَاكِمُ(١).
* درجة الحديث:
قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذّهبي، وقال الحافظ
زين الدين العراقي في حاشيته على الإحياء: أخرجه النسائي، والحاكم من
حديث عبدالله بن عمر، وقال: صحيح على شرط مسلم .
* مفردات الحديث:
- غلبة: يقال: غلبه يغلبه غلبًا، وغلبه: قهره واعتزَّ عليه.
- شماتة: يقال: شمت بعدوه يشمت شماتة: فرح ببليَّته، فهو شامت.
* ما يؤخذ من الحديثين:
١ - هذان الحديثان اشتملا على أدعية نبوية شريفة، والأدعية النبوية هي أشرف
الأدعية؛ لما تشتمل عليه من المعاني السامية، والمطالب العالية، وما فيها
من شرف الألفاظ، وجمع المعاني الكثيرة بالجمل القليلة.
٢- قوله: ((اللَّهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك)): الأمور كلها بيد الله تعالى؛
فهو المعطي، وهو المانع، لا رادَّ لأمره، فالاستعاذة والاعتصام من زوال
النعم هي في موقعها؛ وواقعة موضعها، فهو يسأل معطيها أن لا يزيلها،
وزوالُ النعم يكون غالبًا بسبب الذنوب، فهو يسأل ضمنًا العصمة من
الذنوب التي هي سبب زوال النعم.
(١) النسائي (٢٦٥/٨)، الحاكم (١٠٤/١).

٥٧٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيَدِى النَّاسِ﴾ [الروم:
٤١].
٣ - قوله: ((وتحوّل عافيتك)) فيه الاستعاذة بالله تعالى من أن ينقل العافية منه إلى
غيرها، ويسأله بقاءها سابغة عليه، وهي تشمل العافية في الدين، والبدن،
والوطن، والأهل، والمال، بأن تبقى سالمة مما يطرأ عليها فيزيلها، أو
یهلکها، أو یذهبها .
٤- وقوله: ((وفجأة نقمتك)) الفجأة: هي البغتة التي تأخذ الإنسان من حيث لا
يكون عنده سابق إنذارٍ وإخطارٍ وتحذير، فيؤخذ من مأمنه، حينما تفجؤه
النقمة، ویبغته العذاب، ولات حین مناص ولا مفر .
٥- قوله: ((وجميع سَخَّطِك)) تعميم بعد تخصيص، فهو يستعيذ بالله تعالى،
ويعتصم من جميع الشرور والأمور التي توجب سخط الله تعالى، والذي
يسخطه جلَّ وعلا على عباده: هو عموم المعاصي والذنوب، من انتهاك
المحرَّمات أو ترك الواجبات، والله أعلم.
٦ - وقوله: ((اللَّهمَّ إني أعوذ بك من غلبة الدَّين)) الدَّيْنُ الغالب الظاهر هو الدين
الذي ليس عند المدين ما يقضيه به، أما إذا كان عند المدين ما يفي به الدين،
فهذا دين ليس بغالب .
٧- الدَّيْنُ إذا غلب يسبِّب الهم والغم، ويكون صاحبه في قلق وتعب بدني وقلبي
وفكري، وهذا هو ما استعاذ منه؛ لأنَّ حقوق الآدميين مبنية على الشح.
ولذا استعاذ النبي ◌َ ﴿ من المَغْرَم وهو الدَّين، وقال ◌َّهِ مبينًا آثار الدين
السيئة، وعواقبه الوخيمة: ((إنَّ الرجل إذا غرم، حدث فكذب، ووعد
فأخلف)) [رواه البخاري (٨٣٢) ومسلم (٢٥٨٩)].
٨- أما غلبة العدو: فهي تسبب لصاحبها الذلّة، والمهانة، والحقارة؛ فإنَّ العدو
لا یرحم، ولا یشفق، وإنما یقسو ویعثو.

٥٧١
كتاب الجامع - باب الدعاء
والقسوة قد تسبب جلاء عن الديار، أو هلاكًا في الأعمار، أو استيلاءً
على الأموال، أو غير ذلك من أنواع المضار التي يتعسفها العدو الغالب.
وتأمل - أيها القاريء الكريم - ما تفعله دولة إسرائيل العدو في المسلمين
من استيلاء على بلدانهم، وتشريد لزعمائهم، وقتل لأبريائهم، وتعذيب لما
تحت أيديهم منهم، وانظر إلى الأقليات الإسلامية؛ كيف هم مضطهدون
تحت سيطرة أعدائهم؛ نسأل الله أن يعز الإسلام والمسلمين.
٩ - ((شماتة الأعداء)) هو فرحهم بما يصيب الإنسان من نكبة في بدنه، أو أهله،
أو ماله، أو سُمعته، أو غير ذلك من نكبات الحياة ومصائبها؛ فإنَّه وَل
يستعيذ بالله تعالى، ويرشد أمته إلى الاستعاذة من هذه الشرور التي تسبب
وينتج عنها هذه الأمور السيئة.

٥٧٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
صَلى الله
وسلم
١٣٦٣ - وَعَنْ بُرَيْدَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((سَمِعَ النَّبِيُّ
رَجُلاً يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنِّي أَشْهَدُ أَنَّكَ أَنْتَ اللهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ
أَنْتَ، الأَحَدُ، الصَّمَدُ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ، وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًّا
أَحَدٌ فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: لَقَدْ سَأَلَ اللهَ بِاسْمِهِ الَّذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَىُ،
وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ)) أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ، وَصَخَحَهُ ابْنُ حِبَّانَ(١).
* درجة الحديث:
الحدیث حسن .
قال الشوكاني في تحفة الذاكرين: أخرجه أهل السنن الأربع، وابن
حبان، وهو من حديث بريدة، وحسَّنه الترمذي، وصحَّحه ابن حبان، وأخرجه
أيضًا من حديث بريدة الحاكم، وقال: صحيح على شرطهما .
قال المنذري: قال شيخنا أبوالحسن المقدسي: إسناده لا مطعن فيه .
وقال ابن حجر: إنَّ هذا الحديث أرجح ما ورد في الاسم الأعظم من
حیث السند .
وحسَّنه السخاوي كما في الفتوحات الربانية .
* مفردات الحديث:
- الأحد: أي: الواحد الذي ليس له شريك في الألوهية، والربوبية، والأسماء،
والصفات؛ فهو منزه الذات والصفات جلَّ وعلا.
- الصمد: هو السيد الذي يَصْمُدُ إليه الخلق في الحوائج، ويقصدونه في
(١) أبوداود (١٤٩٣)، الترمذي (٣٤٧٥)، النسائي في الكبرى (٣٩٤/٤)، ابن ماجه (٣٨٥٧)،
ابن حبان (٢٣٨٣).

٥٧٣)
كتاب الجامع - باب الدعاء
المطالب، مِن صَمَدَ إليه، بمعنى قصده؛ فهو فَعَلٌ بمعنى مفعول.
- كُفُوًا أحد: الكفء: هو الشبيه، والمثيل، والنظير؛ فهو جلَّ وعلا ليس له من
خلقه مكافئئٌ، ولا مماثلٌ، ولا نظيرٌ، ولا شبيهٌ.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - قوله: ((أسألك بأنَّي أشهد أنك أنت الله)) هذا قسم استعطافي وتضرعي،
ومعناه: أسألك باستحقاقك لههذه الصفات، ولم يذكر المسؤول والمطلوب
بهذه التوسِّلات؛ لعدم الحاجة إلى ذكره .
٢- قوله: ((بأني أشهد أنَّك أنت الله لا إله إلاَّ أنت)) هذا من باب التوسُّل
بالأعمال الصالحة، وهو من التوسل الجائز، بل المستحب؛ قال تعالى:
﴿وَلِلَّهِ آلْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، وليس في الذكر أفضل من
هذه الجملة الكريمة؛ لما اشتملت عليه من الشهادة بإفراده تعالى بالعبادة،
ونفي الشريك عنه.
وتقدم شرح هذه الجملة العظيمة .
٣- ((الأحد)) الواحد وحدانيةً حقيقيةً في ربوبيته، وفي ألوهيته، وفي ذاته، وفي
صفاته، فقد انحصرت فيه الأحدية، فهو الأحد المنفرد بالكمال المطلق.
٤ - ((الصمد)) الذي تصمُدُ إليه جميع الخلائق، وتقصده لقضاء حوائجها؛
فالعالم العلوي والسفلي مفتقرون إليه غاية الافتقار، ويرغبون إليه في
مهماتهم؛ لأنَّه القادر على قضائها .
قال الشيخ محمد رشيد رضا: فلو أنَّ مبتدعة عُبَّاد القبور، وأسرى
الخرافات يفقهون معنى هذه الحكمة، ويؤمنون بها إيمانًا صحيحًا يملك
قلوبهم، لَمَا صَمَدَ أَحَدٌ منهم إلى قبر أحد من الصالحين، ولا إلى دَجَّالٍ
يدَّعي استخدام الجن، وتسخير الشياطين؛ ليقضي له ما عجز عنه من منافعه
ومصالحه، أو من دفع الأذى عن نفسه وأهله؛ فإنَّ هؤلاء - أحياءً وأمواتًا -

٥٧٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
عاجزون كلَّهم عما يظنه الجاهلون بهم من التصرُّفِ في عالم الغيب
والشهادة .
٥- ((لم يلد ولم يولد))؛ فهو جلَّ وعلا لكمال غناه، وعدم افتقاره إلى غيره، لم
يصدر عنه ولد، ولم يصدر هو عن شيء؛ لاستحالة نسبة العدم إليه سابقًا
ولاحقًا، ولو كان مولودًا، لكان مسبوقًا بالعدم؛ لأنَّ المولود حادث، ولو
كان والدًا، لوجب أن يكون له أولادٌ، وللزم أن يكون للخلق آلهة متعددة؛
وهذا مستحيل.
٦ - ((لم يكن له كفوا أحد)) الكُفُؤْ: النظير المكافيء، والله تعالى لا نظير له، ولا
شبيه؛ لا في ذاته، ولا في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فهذه
السورة الجليلة - التي تعدل في معانيها الشريفة ثلث القرآن - قد أبطلت
جميع الشرك؛ لاشتمالها على جميع أنوع التوحيد الثلاثة.
٧- (لقد سأل الله باسمه الذي إذا سُئِل به أعطى، وإذا دُعِي به أجاب))، وفي
رواية: «لقد سأل الله باسمه الأعظم)) :
إعطاء السؤال والإجابة على الدعاء دليل على شرف السائل والداعي،
ووجاهته عند المعطي والمجيب، حيث أجاب سؤاله، ولبى دعاءه ونداءه .
كما يدل على فضل هذا الدعاء وحسنه؛ فإنَّه وسيلة قوية، وسبيل قويم
إلى حصول المطالب من الله تعالى، وتلبية نداء عبده.
٨- أما الاسم الذي إذا سئل به أعطى، أو كما جاء في رواية أخرى أنَّه ((الأعظم))
- فهذا هو أحد أسماء الله تعالى، ولكن اختلف العلماء في تعيينه؛ فقد
أخفاه الله تعالى لِحكم عظيمة، لعلَّ منها أن يتلمَّسه العباد في جميع أسماء
الله، فيدعوه بها، فيكثر عملهم؛ ليكثر ثوابهم، كما أخفى ليلة القدر،
وساعة الجمعة، وساعة الليل، للاجتهاد في طلبها، وكثرة العمل في
تلمُّسها .

٥٧٥
كتاب الجامع - باب الدعاء
٩- قال ابن علّن: الأظهر أنَّ الاسم الأعظم أنَّه لفظ الجلالة (الله))؛ فهو الأعظم
عند أكثر العلماء، ومعناه أنَّه امتاز على غيره من الأسماء والصفات
بخصوصية ليست في البقيّة .
١٠ - قال محرره: اختلف في تعيينه على نحو من ((أربعين قولاً))، وقد أفردها
السيوطي في مصنف.
قال ابن حجر: أرجحها من حيث السند: ((الله لا إله إلاّ هو، الأحد،
الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد)).

٥٧٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١٣٦٤ - وَعنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((كَانَ رَسُولُ
اللهِ وَّهِ إِذَا أَصْبَحَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ بِكَ أَصْبَحْنَا، وَبِكَ أَمْسَيْنَا، وَبِكَ
نَحْيَا، وَبِكَ نَمُوتُ، وَإِلَيْكَ النُّشُورُ، وَإِذَا أَمْسَىْ قَالَ مِثْلَ ذُلِكَ، إِلاَّ أَنَّهُ
قَالَ: وَإِلَيْكَ المَصِيرُ)) أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ(١).
* درجة الحديث:
الحدیث صحیح.
قال صديق حسن: أخرجه أهل السنن، وابن حبان.
قال الترمذي: هذا الحدیث صحیح، وصححه ابن حبان، والنووي،
وأخرجه أحمد بإسناد رجاله رجال الصحيح.
وحسَّنه الترمذي، وابن حجر، والسيوطي، والمناوي.
قال الشيخ الألباني: سنده جيد، ورجاله كلهم ثقات، فهم من رجال
مسلم .
** مفردات الحديث:
- بك أصبحنا: الباء للاستعانة بكل هذه المتعلقات، وقدِّم الجار والمجرور؛
لإفادة الاختصاص والحصر، و((أصبحنا)) أي: دخلنا في الصباح وأعماله.
- وإليك النشور: النشور: هو البعث بعد الموت، وفيه مناسبة؛ لأنَّ النوم أخو
الموت، فالإيقاظ كالإحياء بعد الإماتة .
- وإليك المصير: المصير: هو المرجع، وفيه مناسبة ذكر المصير في المساء؛
(١) أبوداود (٥٠٦٨)، الترمذي (٣٣٩١)، النسائي في عمل اليوم والليلة (٥٦٤)، ابن ماجه
(٣٨٦٨).

٥٧٧
كتاب الجامع - باب الدعاء
لأَنَّه ينام فيه، والنوم أخو الموت.
* ما يؤخذ من الحديث:
١- ((اللَّهمَّ بك أصبحنا)) أي: بسبب نعمة إيجادك، وإمدادك، دخلنا في
الصباح؛ فأنت الموجد لنا وللصباح.
«وبك أمسينا» مثله .
قال النووي: اعلم أنَّ أشرف أوقات الذكر في النهار بعد صلاة الصبح.
قال ابن علَّن: إنَّما فضِّل الذكر هذا الوقت؛ لكونه تشهده الملائكة.
٢- قوله: ((وبك نحيا، وبك نموت)) فما نعمله في حال الحياة من الأعمال
الصالحة، وما يلحقنا ثوابه وأجره من أعمال الخير: من قربات، وصدقات،
ومبرات، وآثار صالحة؛ من علم موروث، وعين جارية، وغير ذلك، فكل
هذا خالص لوجهك، ومتقرَّب به إليك؛ لأنَّك أنت المستحق له، والهادي
إليه، والموضَّح سبله، والميسِّر طرقه، فأعمالنا الصالحة في الحياة
والممات منك وإليك.
٣- ((إليك النشور)) تقال في الصباح لمشابهة الاستيقاظ من النوم بحال البعث
والنشور من القبور؛ فكل من الموت والنوم فقدٌ للإحساس، فالأولى الموتة
الكبرى، والنوم الموتة الصغرى، والبعث منهما رجوع إلى الحياة من جديد.
٤- ((إليك المصير)) تقال في المساء حين إقبال النوم المشابه للموت بمفارقة
الروح لجسدها، ورجوعها إلى خالقها، وإن اختلفا في نوع المفارقة
والانفصال، فيمسك التي قضى عليها الموت، وأما روح الحي: فيرسلها
إلى أجل مسمَّى.

٥٧٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١٣٦٥ - وَعَنْ أَنَسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءٍ
رَسُولِ اللهِ وَّهُ: ((رَبَّا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةٌ، وَقِنَا
عَذَابَ النَّارِ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١).
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - هذا الدعاء هو آية كريمة في القرآن الكريم، كان ◌َي﴾ يكثر من الدعاء به،
فهي آية كريمة، وحديث شريف.
قال القاضي عياض: إنما كان له يدعو بهذه الآية لجمعها معاني الدعاء
كله من أمر الدنيا والآخرة، فإنَّ الحسنة هاهنا النعمة، فسأل نعيم الدنيا
والآخرة؛ والوقاية من النار، وهذا كمال السعادة في الحياتين: الأولى
والثانية .
٢- هذا الدعاء من أجمع الأدعية، وأشملها، وأكملها، ومن أنفع الأدعية،
وأجلها، وأحسنها؛ ذلك أنَّه جمع خيري الدنيا والآخرة، والوقاية من الشر
وأسبابه، فشمل من حسنة الدنيا سؤال كل مطلوب ومرغوب: من حصول
العلوم النافعة، والأعمال الصالحة، والعافية من الأمراض والأسقام،
والسلامة من المشاكل والأزمات والنكبات، والتوفيق بالزوجة الصالحة التي
تعجبه إن نظر إليها، وترضيه إن حضر عندها، وتحفظه في نفسها وولدها
وماله إن غاب عنها، وحصول الأولاد البررة الصلحاء، الذين بهم تقر
العين، وترضى النفس، ويُسر القلب، وحصول الأمن في الأوطان،
والاستقرار في البيوت والدور، وحصول الرضا والقناعة بما قسم الله تعالى
(١) البخاري (٦٣٨٩)، مسلم (٢٦٩٠).

٥٧٩
كتاب الجامع - باب الدعاء
وأعطى، مِنَ الحياة السعيدة، والمعيشة الهنية الرغيدة.
٣- أما حسنة الآخرة فهي النعمة الكبرى، والسعادة العظمى، والحياة الباقية،
والنعيم المقيم، وأعلاها رضا الرب، ودخول جنته التي فيها النظر إلى وجهه
الكريم، والحظوة بيوم المزيد، وما في الجنة من نعيم لا يفنى، وشباب لا
يبلى، وحياة سعيدة لا تنتهي ، وتمتُع دائم بملاذً لا تنقطع، مما لا يدور في
الخيال، ولا يحيط به البال؛ ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةٍ أَعْيُنٍ جَزَاءُ بِمَا
[السجدة]، مما لم تره عين، ولم تسمح به أذن، ولم يخطر
كَانُوا يَعْمَلُونَ
على بال بشر.
٤- أما الوقاية من عذاب النار: فإنَّها كمال النعيم، وتمام الأنس، والحصول
على الأمن، وزوال الهم والغم، وذهاب الخوف والكرب؛ ﴿فَمَنْ زُحْزِجَ عَنِ
النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥].
أسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى، وبأنَّه الله الذي لا إله
إلاّ هو الأحد الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد،
أن يجعلنا من الفائزين بجنته ورضاه، الناجين من عذابه وغضبه، ووالدينا،
وأقاربنا، ومشايخنا، وإخواننا المسلمين أجمعين، الأوَّلين منهم والآخرين،
وصلى الله على نبيِّنا وسلّم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين .

٥٨٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١٣٦٦ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ:
كَانَ النَّبِيُّ نَّهِ يَدْعُو: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِئَتِي، وَجَهْلِي، وَإِسْرَافِي
فِي أَمْرِي، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي جِدِّي، وَهَزْلِي،
وَخَطَئِي، وَعَمْدِي، وَكُلُّ ذُلِكَ عِنْدِي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَمْتُ، وَمَا
أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ، وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ
المُقَدِّمُ، وَأَنْتَ المُؤَخِّرُ، وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١).
* مفردات الحديث:
- الخطيئة: الذنب .
- جهلي: الجهل: ضد العلم، ويحتمل أنَّ المراد به هنا: الخطيئة المتعمَّدة.
- إسرافي: الإسراف: مجاوزة الحد في كل شيء.
-چِدِّي: بكسر الجيم، ضد الهزل.
- خطئي وعَمْدي: من عطف الخاص على العام؛ لأنَّ الخطيئة تكون عن هزل
وعن جد، وتكرير ذلك لتعدد الأنواع التي تقع من الإنسان من المخالفات.
- أنت المقدّم: أي: تقدِّم من تشاء من خلقك، فيتَّصف بصفات الكمال،
ويتحقق بحقائق العبودية بتوفيقك.
- أنت المؤخِّر: لمن تشاء من عبادك بخذلانك وتبعيدك له عن درجات الخير.
(١) البخاري (٦٣٩٨)، مسلم (٢٧١٩).