Indexed OCR Text
Pages 461-480
٤٦١ كتاب الجامع - باب الترهيب من مساوىء الأخلاق بهذه المجاهدة نقيًّا صافيًا من أدران الذنوب. ثانيًا: من تخلى من وضر الذنوب، فإنَّه سيتحلى بفضائل الأخلاق، التي أولها طاعة الله تعالى، وفعل ما يجمِّله، ويهذبه، ويقربه. ثالثًا: هو بجهاد نفسه وعسفها للتخلّي من الرذائل، والتحلي بالفضائل، قد شغل وقته بإصلاح نفسه، فَسَلِمَ من تبعة تتبع الناس . ٢- بهذا السلوك المستقيم، والسير إلى الله تعالى بههذا الاتجاه الحميد، استحق جائزة «طوبى)) التي هي : إما شجرة في الجنة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها . وإما درجة عالية في الجنة، والله الموفق. ٤٦٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ١٣١٨ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِوَّهِ: ((مَنْ تَعَاظَمَ فِي نَفْسِهِ، وَاخْتَالَ فِي مِثْيَتِهِ، لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانٌ)) أَخْرَجَهُ الحَاكِمُ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ(١). * درجة الحديث: الحدیث حسن . قال العراقي: أخرجه أحمد، والطبراني، والحاكم وصحَّحه، وأخرجه الحاكم في شعب الإيمان من حديث ابن عمر . قال المؤلف : رجاله ثقات . وقال المنذري: رواته محتج بهم في الصحيح. وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح. * مفردات الحديث: - من: بفتح الميم، وسكون النون، اسم شرط جازم في محل رفع مبتدأ. - تعاظم: عظُم الشيء يعظُم - من باب كرم - عِظَمًا، فهو عظيم، وتعاظم: بمعنى تصنَّع العظمة، وتكبر، وأرى نفسه الكبر؛ فالعظمة: الكبرياء. - اختال: تخايل الرجل تخايلاً، واختال في مشيته اختيالاً: تكبر وأعجب بنفسه؛ فالخائل : المتكبر، جمعه خالة. - مشيته: مشي يمشي مشيًا: إذا كان على رجليه، فهو ماشٍ، والجمع مشاة. والمِشية بكسر الميم، وسكون الشين: مصدر نوعي، جاء لبيان نوع الفعل وصفته . (١) الحاكم (٦٠/١). ٤٦٣ كتاب الجامع - باب الترهيب من مساوىء الأخلاق - غضبان: غضب يغضب ــ من باب علم - غضبًا، فهو غضبان، جمعه غضاب، سخط عليه وأراد الانتقام منه . هذا من حيث التصريفُ اللغويُّ، أما غَضَبُ الله تعالى: فهو صفة، نثبت حقيقتها على المعنى اللائق بجلاله، ونفوِّض كيفية الصفة . * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الحديث يدل على ذم الكبر والتعاظم، ويظهر هذا التعاظم وهذا التكبر في مِشيته، ؛ فيختال فيها، وفي لباسه فَيُسبِله، وفي كلامه؛ فيتشدق فيه ويتقعر ، وفي نظره؛ فلا ينظر إلى الناس إلاَّ ببعض عينيه، ويصعَّر خده للناس، فيميله كبرًا؛ فمن اتَّصف بهذه الصفات الذميمة الكريهة، فهو ممقوت عند الناس، وثقیل لدیھم، ومحل سخریتهم، واستهزائهم به . ٢- أما عند الله تعالى: فإنَّه يلقى ربه يوم القيامة، وهو عليه غضبان، وغضبه مستوجب لعقابه؛ فالكِبر والتعاظم من كبائر الذنوب. ٣- جاءت نصوص كثيرة في ذم الكبر وأهله؛ قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِينَ [النحل]، وقال تعالى: ﴿إِنِ عُدَّتُ بِرَبِ وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ ٢٣ [غافر]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ ٢٧ مُتَكٍَّ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ ١٨ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ! ﴾ [لقمان]. وجاء في مسلم (٩١) من حديث ابن مسعود؛ أنَّ النَّبِيَّ وَِّ قال: ((لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من کِیر)). وروى مسلم (٤٠٩٠) أنَّ النَّبِيَّ وَِّ قال: «قال الله تعالى: العزُّ إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني فيهما، عذبته)). ٤ - قال في مختصر الإحياء: الكبر والعجب داءان مهلكان، والمتكبر والمعجب سقيمان مريضان، وهما عند الله ممقوتان بغيضان، وقد ذم الله الكبر في مواضع من كتابه؛ فقال: ﴿ سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَتِىَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِ اَلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٤٦٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام اٌلْحَقِّ﴾ [الأعراف: ١٤٦]. وحقيقة الكبر ينقسم إلى ظاهر وباطن: فالباطن: خلق في النفس، والظاهر: هو أعمال تصدر من الجوارح، والأعمال ثمرات لذلك الخلق، وخلق الكبرياء موجب للأعمال، فالأصل هو الخلق الذي في نفسه فوق غيره من صفات الكمال؛ فعند ذلك يكون متكبرًا. ٤٦٥ كتاب الجامع - باب الترهيب من مساوىء الأخلاق ١٣١٩ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلّهِ: ((العَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ)) أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَه(١) * درجة الحديث: الحديث حسن . قال المؤلف: أخرجه الترمذي، وحسّنه، وقد ذكر له السخاوي في المقاصد الحسنة طرقًا كثيرة تقوِّي حسنه، والله أعلم. وقال المنذري: رجاله رجال الصحيح. * مفردات الحديث: - العَجَلَة: بفتحتين: السرعة في المشي، وفي المثل: ((رُبَّ عجلة تهب ريًا)) مدحًا في التأني. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الأناة والرفق أصل كبير في سياسة الأمور وعلاجها؛ ولذا جاء في صحيح مسلم (٢٥٩٤)؛ أنَّ النَّبِيَّ وَّه قال: ((ما كان الرفق في شيء إلاّ زانه)). ٢ - الأمور التي تحتاج إلى تبصر وتفكير وتروٍّ، لا ينبغي السرعة والعجلة فيها؛ بل لا بد فيها من التروي والتأني، وبحث الأمور من جميع طرقها ووجوهها، حتى تظهر أمارات العاقبة، وعلامات المستقبل في الرغبة في الأمور والإقبال، أو بضد ذلك. ٣- سلوك الحكمة في الأمور سببٌ لنجاحها، وسبب لتوقِّي مخاطرها؛ ولهذا (١) الترمذي (٢٠١٢). ٤٦٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام فإن الشارع الحكيم حث على الشورى؛ فقال تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ [الشورى: ٣٨]، وقال تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِ اُلْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وشرع الله تعالى صلاة الاستخارة ودعاءها؛ ليجمع المسلم بين استخارة الله تعالى في الأمور، وبين مشاورة الخلق، وأخذ ما لديهم من الشورى والنصيحة في ذلك. ٤ - هناك أمور واضحة المعالم بينة السبل، فلا ينبغي التأني فيها؛ لئلا يضيع الوقت عنها والمبادرة إليها فتفوت الفرصة. ومن أهمها: طاعة الله تعالى، والمسارعة في الخير والعبادات؛ قال تعالى: ﴿﴿ وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [آل عمران: ٣٣]، وقال تعالى: ﴿فَأَسْتَبِقُواْ الْخَيْرَتِّ﴾ [البقرة: ١٤٨] وقال [المؤمنون]، وجاء في ٦١ تعالى: ﴿يُسَرِيعُونَ فِى الْخَيََّتِ وَهُمْ لَهَا سَبِقُونَ البخاري (١٤١٩) ومسلم (١٠٣٢) من حديث أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النَّبِي وَّ فقال: ((أي الصدقات أعظم أجرًا؟ قال: أن تصدّق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر، وتأمل البقاء، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت : لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان))، والنصوص في هذا كثيرة. نسأل الله تعالی أن یمن علینا بالاستعداد. ٤٦٧ كتاب الجامع - باب الترهيب من مساوىء الأخلاق ١٣٢٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: قال رَسُولُ اللهِ ونَ﴾: ((الثُّؤْمُ سُوءُ الخُلُقِ)) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ(١). * درجة الحديث: إسناده ضعيف . قال العراقي: حديث: ((الشؤم سوء الخلق)) أخرجه أحمد من حديث عائشة، ولأبي داود (٥١٦٢)، من حديث رافع بن مَكِيث: ((سوء الخلق شؤم))، وكلاهما لا يصح، أما المؤلف فقال: في إسناده ضعف . ورافع بن مكيث: صحابي شهد الحديبية، والفتح، ومعه لواء. * مفردات الحديث: - الشُّؤْم: بضم الشين، وسكون الهمزة، وقد تسهّل، هو ضد اليمن والبركة. - سوء الخلق: الخلق: عبارة عن هيئة للنفس راسخة، تصدر عنها الأخلاق بسهولة ويُسر، من غير حاجة إلى فكر وروية، فإذا كانت الأفعال الصادرة سيئة، قيل لصاحبها: سَيِّىء الخلق. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الخلق الحسن هو خلق المصطفين من عباد الله تعالى، الذين قال الله عنهم: وَاُلْكَظِمِينَ الْغَيْظَ وَاَلْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٣٤]؛ فهو رأس الأخلاق الفاضلة، ودليل السعادة الأبدية . فقد قال ◌َله: ((البر حسن الخلق)) [رواه مسلم ٢٥٥٣]. (١) أحمد (٨٥/٦). ٤٦٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام وقال عليه الصلاة والسلام: ((إنَّ خياركم أحسنكم خلقًا)) [البخاري (٦٠٣٥) ومسلم (٢٣٢١)]. وقال: ((إنَّ المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم)) [رواه أبو داود (٤٧٩٨)]. فهو سعادة، وفلاح، ونجاح في أمور الدنيا والآخرة. ٢- أما سوء الخلق فهو عذاب على صاحبه، وعلى من حوله من أهلِ، وأصحابٍ، وعملاء، وزملاء، فسوء خلقه شؤم عليه؛ لأنَّه ممقوت، مكروه، مستثقل، بغيض إلى كل أحد، منبوذ من مجتمعه، فمضارُّ سوء خلقه وبالٌ عليه في دنياه وأخراه. ٤٦٩ كتاب الجامع - باب الترهيب من مساوىء الأخلاق ١٣٢١ - وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ اللَّعَّانِينَ لاَ يَكُونُونَ شُفَعَاءَ، وَلاَ شُهَدَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ)) أَخْرَجَهُ مُسْلِمُ(١). * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الحديث يدل على تحريم اللعن، وأنَّه لا يجوز للمسلم أن يتفوّه به؛ لأنّه من السباب المحرم، ومن اللفظ القبيح. ٢ - نفى النبي وَّل عن مكثر اللعن قبول شهادته؛ لأنَّ الشهادة لا تكون إلاّ من عدل؛ كما قال تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فمن لم نرضَهُمْ لا يكونون شهداء، ولا شفعاء، وكثيرو اللعن ليسوا بمرضيِّين عند الله، ولا عند خلقه. ٣- الظاهر أنَّ نفي قبول شهادة كثيري اللعن عامَّة في الحياة الدنيا وفي الآخرة: ففي الدنيا: هم ساقطو العدالة؛ فلا يصلحون شهودًا في الخصومات لإثبات الحقوق. ولا في الآخرة أيضًا حينما تشهد الأمم أنَّ رسلهم بلغوا الرسالة، وأدوا الأمانة؛ فهؤلاء اللَّعانون ليسوا من هؤلاء الشرفاء، الذين قاموا بأداء الشهادة، والتزكية لأنبيائهم. (١) مسلم (٢٥٩٨). ٤٧٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ١٣٢٢ - وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنْ عَيَّرَ أَخَاهُ بِذَنْبٍ، لَمْ يَمُتْ حَتَى يَعْمَلَهُ)) أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ، وَسَنَدُهُ مُنْقَطِعُ(١). ** درجة الحديث: قال المؤلف: أخرجه الترمذي، وحسّنه، وسنده منقطع . قال الصنعاني: إنَّما حسَّنه الترمذي لشواهده؛ فلا يضره انقطاعه. وحسّنه السيوطي في الجامع الصغير، وذكر المناوي له بعض الشواهد مع بيان انقطاع سند الترمذي، وفيه محمَّد بن الحسن بن أبي زيد، قال أبوداود وغيره: كذاب. * مفردات الحديث: - عيَّر أخاه: بفتح العين، وتشديد الياء، بمعنى: عابه لمجرد التعيير؛ فإنَّه الذي يسبب العقوبة في الآخرة، وحرمان الحياة الطيبة في الدنيا. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الحديث فيه التحذير من عيب الإنسان أخاه المبتلى بذنب من الذنوب، أو عيب من العيوب؛ فإنَّه لم يعب أحدًا بعينه إلاَّ لِما يجد في نفسه من العجب بسلامته من ذلك العيب، والعُجب ناشيء من نفسه؛ لأنَّه يرى أنَّ عصّمته من العيب جاءته من قوته وإرادته، لا من الله تعالى الذي صرف عنه السوء. ٢ - من عاب أخاه بعيب مثاره الإعجاب بنفسه، والشماتة بأخيه، لن يموت حتى يصاب به ويعمله؛ ذلك أنَّه لم يتكل على الله تعالى بالتوقي من الشر، وإنما (١) الترمذي (٢٥٠٥). ٤٧١ كتاب الجامع - باب الترهيب من مساوىء الأخلاق اعتمد على نفسه، فخذله الله تعالى، وخانته نفسه، فعمل ما عيَّر به أخاه. ٣- فهذا دليل على تحريم الشماتة بالناس، ووجوب الغفلة عن عيوبهم اشتغالاً بعيب نفسه؛ فطوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس . ٤ - وقد جاءت النصوص التي تنهى عن هذا الخلق الرذيل؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَحِشَةُ فِى الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيُ فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَّ﴾ [النور: ١٩]، وقد جاء في سنن الترمذي (٢٥٠٦) من حديث واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله وَله: ((لا تُظهر الشماتة بأخيك، فيرحمه الله ويبتليك))؛ فإنَّ إظهار الشماتة ليس من خلق المسلم الذي يحب لأخيه ما يحب لنفسه؛ فإنَّ خلق المسلمين أن يتألم بعضهم لبعض، ويفرح بعضهم لفرح بعضهم الآخر. والله المستعان . ٤٧٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ١٣٢٣ - وَعَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ جَدِّهِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((وَيْلٌ لِلَّذِي يُحَدِّثُ، فَيَكْذِبُ؛ لِيُضْحِكَ بِهِ القَوْمَ، وَيْلٌ لَهُ، ثُمَّ وَيْلٌ لَهُ!)) أَخْرَجَهُ الثَّلاَثَةُ، وَإِسْنَادُهُ قَوِيٌّ(١). * درجة الحديث: الحدیث حسن. قال المناوي: رواه أحمد، وأبوداود، والترمذي، والحاكم، من حديث معاوية بن حيدة، وقد حسّنه الترمذي، وقواه المنذري. وقال المؤلف: رواه الثلاثة، وإسناده قوي. * مفردات الحديث: - ويل: الويل الهلاك، وقيل: واد في جهنم. * ما يؤخذ من الحديث: ١- الحديث فيه الوعيد بالهلاك لمن يحدث الناس فيكذب عليهم؛ وذلك ليضحكهم ويفكُّههم، بأكاذيبه، وأقواله الباطلة. ٢- جاء تحريم الكذب في نصوص كثيرة من الكتاب والسنة: من الكتاب : قال تعالى: ﴿وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلَهٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]. وقال تعالى: ﴿ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِبُ عَنِيدٌ ﴾ [ق]. ١٨ (١) أبوداود (٤٩٩٠)، الترمذي (٢٣١٥)، النسائي في التفسير (١٤٦). ۔۔ ٤٧٣ كتاب الجامع - باب الترهيب من مساوىء الأخلاق ومن السنة : جاء في البخاري (٢٣٤) ومسلم (٥٨ ) من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص؛ أنَّ النَّبيَّ بَ ◌ّه قال: ((أربع من كنَّ فيه كان منافقًا خالصًا))، وذكر منها: ((وإذا حدَّث كذَّب)). وجاء في البخاري (٦٠٩٤) ومسلم (٢٦٠٧)، من حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله وَله: ((إنَّ الكذب يهدي إلى الفجور، وإنَّ الفجور يهدي إلى النار، وإنَّ الرجل ليكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذَّابًا)). ٣- قال النووي: اعلم أنَّ الكذب، وإن كان أصله محرَّمًا، فيجوز في بعض الأحوال : کل مقصود محمود یمکن تحصيله بغیر الكذب يحرم الكذب فيه. - وإن لم یمکن تحصیله إلاّ بالكذب، جاز الكذب. - ثم إن كان تحصيل ذلك المقصود مباحًا، كان الكذب مباحًا. - وإن كان واجبًا، كان الكذب واجبًا . فإذا اختفى مسلم من ظالم يريد قتله أو أخذ ماله، وسئل إنسان عنه، وجب الكذب بإخفائه، ومثله الوديعة المخفاة عن ظالم، والأحوط التورية، ومعناها: أن يقصد بعبارته مقصودًا صحيحًا ليس هو كاذبًا بالنسبة إليه، وإن كان كاذبًا في ظاهر اللفظ، وبالنسبة إلى ما يفهمه المخاطب. والدليل على ذلك: ما جاء في البخاري (٢٦٩٢) ومسلم (٢٦٠٥) عن أم كلثوم؛ أنَّها سمعت رسول الله ◌ٍَّ يقول: ((ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس، فينمي خيرًا، أو يقول خيرًا)) ورواية مسلم عنها قالت: لم أسمعه يرخِّص في الكذب إلاّ في ثلاث: ((في الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها)). قال عياض: لا خلاف في جواز الكذب في هذه الأمور الثلاثة. ٤٧٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ١٣٢٤ - وَعَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ: ((كَفَّارَةُ مَنِ اغْتَبْتَهُ أَنْ تَسْتَغْفِرَ لَهُ)) رَوَاهُ الحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ بِأسنَادٍ ضَعِيفٍ(١). * درجة الحديث: الحدیث ضعيف. قال في فيض القدير: أخرجه ابن أبي الدنيا عن أنس، ورمز له السيوطي بالصحة، وحكم ابن الجوزي بوضعه، وتعقبه السيوطي بأنَّ البيهقي قال: إسناده ضعيف، وبأنَّ العراقي في تخريج الإحياء اقتصر على تضعيفه. قال السخاوي في المقاصد الحسنة: ضعيف، للکن له شواهد. * مفردات الحديث: - الغيبة: ذكرك أخاك بما يكره، وإن كان ما اغتبته فيه. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الغيبة من المحرَّمات، ومن كبائر الذنوب، ومعناها: ذكرك أخاك بما يكره، وإن كان ما قلته موجودًا فيه؛ فهو هتك لعرضه، ولا يمكن التوبة منه، ولا من أي حق من حقوق العباد إلاّ باستحلاله منه. وطلب الحِلِّ ممن اغتيب قد يزيد الأمر شرًّا، وقد يثير فتنا وعدوانًا؛ فصار الواجب بحق المغتاب أن يستغفر لمن اغتابه، ويدعو له ويذكر محاسنه في المجالس التي اغتابه فيها، وعند الأشخاص الذين عابه عندهم؛ فهذا العمل مع الندم والعزم على عدم العودة يكون سببًا للتوبة النصوح، (١) الحارث بن أبي أسامة في مسنده (٢/ ٩٧٤). 1 ٤٧٥ كتاب الجامع - باب الترهيب من مساوىء الأخلاق وبراءة الذمة من عِرض المسلم، والله أعلم. ٢ - قال الغزالي في الإحياء: اعلم أنَّ الواجب على المغتاب أن يندم ويتوب، ويتأسف على ما فعله؛ ليخرج من حق الله تعالى، ثم يستحل المغتاب؛ ليحلله فيخرج من مظلمته. قال الحسن البصري: يكفيه الاستغفار دون الاستحلال. قال مجاهد: كفارة أكلك لحم أخيك أن تُثني عليه، وتدعو له بخير . ٤٧٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ١٣٢٥ - وَعَنِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهُ: ((أَبْغَضُ الرِّجَالِ إِلَى اللهِ الأَلَدُ الخَصِمُ)) أَخْرَجَهُ مُسْلِمُ(١). * مفردات الحديث: - الألد: اللدود: هو من اشتدت خصومته، وألده: غلبه في الخصومة، وهي [مريم] أي: مجادلين ٩٧ لداء، جمعه لُدٌّ؛ قال تعالى: ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ، قَوْمًا لُّدًّا بالباطل . - الخَصِم: بفتح الخاء المعجمة، وكسر الصاد المهملة، ومعناه: الذي يحج من يخاصمه، وذلك يكون محرمًا إذا كان في باطل. * ما يؤخذ من الحديث: ١- الألد: هو الخصم الشديد الخصومة، وشديد التأبي، قال تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ [مریم] . ٩٧ [البقرة]، وقال: ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ، قَوْمًا لُّدًّا اُلْخِصَامِ! فاللدود: الشديد الخصومة، يبغضه الله تعالى؛ لأنَّ مثل هذا لا يريد بلجاجه طلب الحق، والوصول إلى الصواب، وإنما يريد أن يظهر على مجادله ومخاصمه، ولو بالباطل، وقد أخرج الترمذي (١٩٩٤)، من حديث ابن عباس أنَّ النَّبيَّ وَّ قالَ: ((كفى بك إثمًا أن لا تزال مخاصمًا)). ٢ - قال الغزالي: إنَّ الذم إنما هو لمن خاصم بباطل وبغير علم، كالذي يتوكل في الخصومة قبل أن يعرف الحق في أي جانب؛ وكالذي لا يقتصر على قدر الحاجة؛ بل يظهر الكذب لإيذاء خصمه . ٣- أما الذي يحاجُّ عن حق له هو مظلوم فيه بطرق الحجاج الشرعي، وأصولٍ (١) مسلم (٢٦٦٨). ٤٧٧ كتاب الجامع - باب الترهيب من مساوىء الأخلاق المرافعات المشروعة، فلا بأس بها، ولا تدخل في باب الخصومة المذمومة . ٤ - ومثل ذلك الذي يجادل لإظهار دين الله تعالى، وإعلاء كلمته، والظهور على أعداء الإسلام بدحض حججهم، ورد شبههم، وإبطال ضلالهم؛ فهذا محمود مثاب صاحبه، وهو ممن جاهد بلسانه، ودافع ببيانه؛ وقد قال تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِثْنَكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا [الفرقان]، ٣٣ وقال تعالى: ﴿وَحَدِلْهُم بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنٌ﴾ [النحل: ١٢٥]. والآيات والأحاديث في الباب كثيرة، والله الموفق. ٤٧٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام باب الترغيب في مكارم الأخلاق مقدمة الترغيب: قال في الوسيط: رغب رغبًا ورغبةً: حرص على الشيء، وطمع فيه . قال في المصباح: رغبت في الشيء: إذا أردته، ورغبتُ عنه: إذا لم ترده. والمؤلف - رحمه الله تعالى - أورد كثيرًا من الأحاديث الشريفة المرغُّبة والحاثَّة على المُثُل الكريمة، والأخلاق الفاضلة، والآداب النبوية الرفيعة، وهو بهذا الترتيب اللطيف أحسن صنعًا، وأجاد ترتيبًا وتبويبًا؛ ذلك أنَّ هناك مبدأ عند أهل السّير والسلوك إلى الله تعالى، هذا المبدأ يسمى: ((التخلي والتحلي)) ومعناه: أنَّ مريد السير إلى الله يتخلى عن مساويء الأخلاق وقبائحها، ثم يتحلى بمحامدها ومكارمها؛ فإنَّه قدم الباب الذي فيه: ((الترهيب عن مساويء الأخلاق))، ثم أتبعه بههذا الباب الذي فيه: ((الترغيب في مكارم الأخلاق))؛ لملاحظة التخلي ثم التحلي . وستأتي هذه الآداب النبوية، والأخلاق الإسلامية، والكلام عليها إن شاء الله تعالى . ٤٧٩ كتاب الجامع - باب الترغيب في مكارم الأخلاق ١٣٢٦ - عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ؛ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى البِرِّ، وَإِنَّ البِرَّ يَهْدِي إِلَى الجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ، ويَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ؛ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الفُجُورِ، وَإِنَّ الفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَزَّى الْكَذِبَ؛ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ كَذَّبَا)) مُتَفَقٌ عَلَيْهِ (١). * مفردات الحديث: - عليكم بالصدق: أي: الزموا الصدق، وهو الإخبار على وفق ما في الواقع. - البر: اسم جامع للعقيدة الصحيحة، والإيمان المثمر، ولكل ما هو طيب من أعمال القلوب، وأعمال الجوارح؛ فيشمل فعل جميع المأمورات، وترك جميع المنهيات . - صِدِّيقًا: من أبنية المبالغة، والمعنى: البالغ في الصدق غايته، والتنكير فيه جاء للتعظيم والتفخيم. - الفُجُور: بالضم، فجر فجرًا فجُورًا: انبعث في المعاصي غير مكترث بممارسة الفسق والفساد، والانبعاث في الآثام. قال في المصباح: فجر العبد فجورًا: فسق وزنى، وفجر الحالف فجورًا: كذب . - یکتب عند الله: هو في الموضعین بمعنى : یحکم له. (١) البخاري (٦٠٩٤)، مسلم (٢٦٠٧). ٤٨٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الصدق: هو مطابقة الخبر للواقع، والكذب: عدم مطابقة الخبر للواقع؛ هذه حقيقتهما عند جمهور العلماء. ٢ - الحديث فيه الأمر بالصدق؛ لأنَّه يدل ويوصل إلى البر الذي هو جِمَاع الخير، والبر هو الطريق المستقيم إلى الجنة؛ ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ ١٣ [الانفطار] . ٣- إنَّ الصدق خلق كريم يحصُلُ بالاكتساب والتحصيل والمجاهدة؛ فإنَّ الرجل ما يزال يصدق في أقواله وأفعاله ويتحرى الصدق فيهما حتى يكون الصدق خلقًا له متأصلاً في نفسه، وسجية من طبعه؛ فيكون عند الله تعالى من الصِّدِّيقين والأبرار. ٤ - قال تعالى: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] ؛ فالصدق خلق كريم يتضمن الصدق في القول، والنية، والإرادة، فمن اتَّصف الصدق في جميع ذلك فهو صِدِّيق؛ لأنَّه صيغة مبالغة من الصدق، وبقدر ما يتمكن من هذه المقامات، فهو صادق بالنسبة إليه، والله أعلم. ٥- أما الكذب: فهو خلق ذميم يكتسبه صاحبه من طول ممارسته، وتخلقه به، وتحريه قولاً وفعلاً، حتى يصبح خلقًا وسجيّة قبيحةً فيه، ثم يُكتب عند الله کثیر الكذب، عدیم الصدق. ٦- ويدل الحديث على التحذير من الكذب؛ لأنَّ الكذب يوصل إلى الفسق والفجور، فتصير أعماله وأقواله كلها على خلاف الحقيقة، خارجة عن طاعة الله تعالى، والخروج عن طاعته هو الهاوية التي تقود صاحبها، وَتَزُجُ به في نار جهنم.