Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
كتاب الجامع - باب الترهيب من مساوىء الأخلاق
١٣٠٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ
وَّة: ((إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ)) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ (١).
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - المشاجرات مع النَّاس، والخصومات، محرَّمة؛ لما يتولَّد منها من الإضرار،
ولما تحدث من القطيعة والبغضاء، وإذا حصلت أو حصل تأديب لمن
يستحق التَّأديب من خادم، أو ولدٍ، أو زوجة، أو وجب حدّ لله تعالى، فإنَّ
الضارب عليه أنْ يجتنبّ الوجه فهو أشرف الأعضاء، وهو الَّذي تحصل به
المواجهة، وضربه عليه إمّا أن يتلف منه عضوًا، وإمَّا أنْ يُحْدِثَ فيه شَيْئًا؛
فالواجب اجتنابه، ويحرم الضرب معه، سواء أكان الضرب بحقِّ، أو عن
طريق الاعتداء .
٢- ومثل الوجه المواطن الَّتي يحدث ضربها موتًا؛ فيجب اجتنابها.
٣- قال في شرح الإقناع: ويجتنب الضَّارب الرَّأس، والوجه، والفرج،
والبطن، من الرجل والمرأة، ومواضع القتل فيجب اجتنابها؛ لأَنَّ ضربها
يؤدِّي إلى القتل، وهو غير مأمور به.
٤ - قال شيخ الإسلام: على مقيم الحدود أن يقصد بإقامتها النفع والإحسان،
كما يقصد الوالد بعقوبة ابنه، والطبيب بداوء المريض، فلم يأمر الشرع إلاّ
بما هوَ أنفع للعباد، وعلى المؤمن أنْ يقصد ذلك.
(١) البخاري (٢٥٥٩) مسلم (٢٦١٢).

٤٢٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١٣٠١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّ رَجُلاً قَالَ:
(يَارَسُولَ اللهِ! أَوْصِنِي، قَالَ: لاَ تَغْضَبْ، فَرَدَّدَ مِرَارًا، قَالَ: لاَ
تَغْضَبُ)) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ(١).
* مفردات الحديث:
- لا تغضب: الغضب: استجابة لانفعال يتميز بالميل إلى الاعتداء، والمعنى:
تجنّب أسباب الغضب، وإذا غضبت، فلا تنفذ غضبك .
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الغضب جماع الشر، وجاءت النصوص الكثيرة في البعد عنه؛ ففي المسند
(٦٥٩٧) من حديث ابن عمرو؛ أنَّه سأل النَّبِيَّ وَّ: ((ماذا يباعدني من غضب
الله عزَّوجل؟ قال: لا تغضب))، قال الصحابي: ففكّرت فإذا الغضب يجمع
الشر کله.
٢- قال في الإحياء: حقيقة الغضب: هو غليان الدم لطلب الانتقام، والنَّاس في
قوّة الغضب على درجات، فمن قويت نار الغضب في وجهه، أعمته،
وأصمَّته عن كلِّ موعظةٍ وإرشاد.
٣- وهذا الرَّجل جاء إلى النَّبِيَّ وَّهِ فقال: ((علّمني شيئًا ولا تكثر عليَّ، فقال: لا
تغضب))؛ ردد عليه ذلك مرارًا كل ذلك يقول: ((لا تغضب)).
٤ - قال ابن رجب: قوله: ((لا تغضب)) يحتمل أمرين:
أحدهما: أنْ يكون مراده الأمر بالأسباب التي توجب حسن الخلق من
الحلم، والحياء، والأناة، والاحتمال، وكف الأذى، والصفح، والعفو،
(١) البخاري (٦١١٦).

٤٢٣
كتاب الجامع - باب الترهيب من مساوىء الأخلاق
وكظم الغيظ، والطَّلاقة، والبشر، ونحو ذلك من الأخلاق الجميلة؛ فإنَّ
النَّفس إذا تخلقت بهذه الأخلاق وصارت لها عادةً ، أوجبَ لها ذلك دفع
الغضب عند وصول أسبابه.
الثاني: أنَّ المراد: لا تعمل بمقتضى الغضب إذا حصل لك، بل جاهد
نفسك على ترك تنفيذه، والعمل بما يأمر به الله؛ فإنَّ الغضب إذا ملك ابن
آدم، كان الأمر النَّاهي له.
٥- قال في مختصر الإحياء: علاج الغضب یکون بحسم مادته التي تھیجه،
وأسبابه التي تثيره، وأمَّا إذا هاج فيعالج بأمورٍ منها: أنْ يفكِّر بأمورٍ منها: أنْ
يفكّر في الأخبار الواردة في فضل كظم الغيظ، والحلم، والاحتمال.
وقد جاء في الحديث: ((ليس الشديد بالصرعة، ولكن الشديد الَّذي يملك
نفسه عند الغضب)) [رواه البخاري (٦١١٤) ومسلم (٢٦٠٩)]، وفي
البخاري (٦١١٥) ومسلم (٢٦١٠) من حديث سليمان بن صرد قال:
(استبَّ رجلان عند النَّبِي ◌َّة، ونحن عنده، وأحدهما يسب صاحبه مغضباً
قد احمر وجهه، فقال ◌َُّ: إِنِّي لأعلم كلمةً لو قالها لذهب عنه ما يجد، لو
قال: أعوذ بالله من الشيطان الرَّجیم)) .

٤٢٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١٣٠٢ - وَعَنْ خَوْلَةَ الأَنْصَارِيَّةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ رِجَالاً يَتَخَوَّضُونَ في مَالِ اللهِ بِغَيْرِ حقٍّ، فَلَهُمُ
النَّارُ يَوْمَ القِيَامَةِ)) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ(١).
* مفردات الحديث:
- يتخوضون في مال الله: قال في النهاية: أصل الخوض: المشي في الماء، ثمَّ
استعمل في التلبس بالأمر، والتصرف فيه، والمعنى: رُبَّ متصرِّفٍ في مالِ الله
تعالى بما لا يرضاه الله .
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - المال جعله الله تعالى قوامًا ومتاعًا في هذه الحياة الدنيا؛ فقال: ﴿وَلَا تُؤْتُواْ
السُّفَهَاءَ أَمْوَلَكُمُ الَّتِ جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَمًا﴾ [النساء: ٥]، وقال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَآ
أَنْفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا
[الفرقان]؛ فالمال ذو
فائدة كبيرةٍ في الدِّین والدنيا.
٢- وإنفاقه في غير سبيل الخير، والطرق النَّفعة المفيدة سفهٌ، وإسرافٌ،
وتبذير؛ وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء: ٢٧].
٣- المال بيد المسلمين، وبيد ولاتهم هو مال الله تعالى، استخلفهم عليه؛
لينفقوه في طرقه المشروعة النَّافعة، والمفيدة في أمور الدنيا والآخرة؛ قال
تعالى: ﴿وَأَنْفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: ٧]، أي: جعلكم خلفاء
في التصرف فيه؛ فالمال مال الله، والعباد خلفاء الله في أمواله، فعليهم أنْ
يصرفوها فيما يرضيه .
(١) البخاري (٣١١٨).

٤٢٥
كتاب الجامع - باب الترهيب من مساوىء الأخلاق
٤ - أمَّا التخوُض فيه والتصرف بالباطل، وفي غير الطرق المشروعة، فهذا
حرام، وأكلٌ لمال الله تعالى بالباطل.
٥ - وهذا يشمل أموال النَّاس التي بأيديهم وتخصهم، فلا يجوز لهم أنْ يتصرفوا
فيها إلاَّ بما يحبه الله تعالى؛ لتكون عونًا لمرضاته فيما يقيم دينه، وفيما ينفع
عباده في دنياهم.
٦- كما يشمل الولاة فَعَلَيْهِمْ أنْ يصرفوا مال الله تعالى فيما يعزِّز دينه، ويعلي
كلمته، وعلى ما ينفع الرعية والبلاد، من المشاريع النافعة، والزراعة،
والصناعة، والتعليم، والمرافق العامة التي تنفع عموم الرعية، وفيما ينفع
عباده في دنياهم .
٧ - الحديث يشمل من أخذ من مال لا يستحق أخذه منه بأن يكون للمال مصرف
ليس هو من أهله، ولكنَّه يعمل الحيل، والطرق التي تمكنه من الأخذ منه؛
فهذا أخذٌ بالباطل .

٤٢٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١٣٠٣ - وَعَنْ أَبِي ذَرِّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ بَهَ - فِيمَا
يَرْوِيِهِ عَنْ رَبِّهِ - قَالَ: ((يَاعِبَادِي! إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي،
وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا؛ فَلاَ تَظَالَمُوا)) أَخْرَجَهُ مُسْلِمْ﴾(١).
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - هذا الحديث قطعةٌ من حديثٍ عظيمٍ أخرجه الإمام مسلم في صحيحه،
وأخرجه غيره.
قال الإمام أحمد: هو أشرف حديثٍ لأَهل الشَّام، وكان أبوإدريس
الخولاني إذا حدث به جثا على ركبتيه.
٢ - قوله: ((ياعبادي!إنِّي حرَّمت الظلم على نفسي))، يعني: أنَّه منعه تعالى عن
نفسه فلا يظلم عباده؛ قال تعالى: ﴿ وَمَآ أَنَاْ بِظَلَّمِ لِلْمُبِيدِ
[ق]، وقال
٢٩
: [آل عمران] وقال تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ
تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَلَمِينَ
بِظَلَّمٍ لِّلْعَبِيدِ ﴾﴾ [فصلت]، والآيات والأحاديث في هذا كثيرة.
قال النووي: تقدس وتنزَّه عن الظلم، فالظلم وضع الشيءٍ في غير
موضعه، وله الحكمة التَّامَّة من أنْ لا يجري الأمور إلاَّ في مجاريها، ووفق
مصالحها .
٣- قوله: ((جعلته بينكم محرَّمًا؛ فلا تظالموا)) :
قال ابن رجب: حرَّم الظلم على عباده، ونهاهم أنْ يتظالموا فيما بينهم؛
فحرامٌ على كلِّ عبدٍ أنْ يظلم غيره .
٤ - والظلم نوعان :
(١) مسلم (٢٥٧٧).

٤٢٧
كتاب الجامع - باب الترهيب من مساوىء الأخلاق
أحدهما: ظلم النَّفس، وأعظمه الشرك؛ ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ
١٣)
[القمان]؛ فالمشرك جعل المخلوق في منزلة الخالق، وبهذا فقد وضع
الأشياء في غير مواضعها، وأكثر ما ورد في القرآن وعيدًا للظَّالمين إنَّما أريد
به المشركون، ثمَّ يليه المعاصي على اختلاف أجناسها من كبائر وصغائر .
الثاني: ظلم العبد غيره، وهو المذكور في الحديث؛ وقد قال النَّبِي وَلَيه
في خطبته في حجة الوداع: ((إنَّ دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم عليكم
حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا)) [رواه البخاري
(٦٧) ومسلم (١٦٧٩)].
٥ - الحديث صريحٌ بتحريم الظلم بين النَّاسِ في كلِّ حقٍّ من حقوقهم حتَّى
القليل منها؛ فقد قال بَّله: ((وإنْ كان عودًا من أراك)) [رواه مسلم (١٣٧)]؛
فالواجب البراءة من حقوق الخلق، ففي البخاري (٦٥٣٤) عن أبي هريرة؛
أنَّ النَّبِيَّ وَّه قال: ((من كانت عنده مظلمة لأخيه، فليتحلَّل منها قبل أنْ تؤخذ
من حسناته، فإنْ لم يكن له من حسناتٌ، أُخِذَ مِن سيئات أخيه، فَطُرِحَت
علیه)) .

٤٢٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١٣٠٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّ رَسُوْلَ اللهِنَّه
قَالَ: ((أَتَدْرُونَ مَا الغِيبَةُ؟ قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ؟ قَالَ: ذِكْرُكَ أَخَاكَ
بِمَا يَكْرَهُ. قِيلَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ: إِنْ كَانَ فِيهِ مَا
تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتُهُ، وإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَنَّهُ)) أَخْرَجَهُ مُسْلِمُ(١).
* مفردات الحديث:
- أتدرون: الهمزة للاستفهام، وهي الأصل فيه، وجاءت - هنا - بمعنى التقرير؛
لأنَّها جاءت - هنا - ممَّن يعلم لمن يعلم.
- الغيبة: غاب عنه يغيب غَيبة - بفتح الغين - والغِيبة - بكسر الغين -: ذكر
الغائب بما يكرهه.
- ذكرك: ذكر يذكر ذكرًا، فالذكر - بكسر الذَّال - خاصٌّ باللسان، ومعناه - هنا -
قال عنه ما يكره.
- أفرأيت: الهمزة - هنا - للاستفهام حقيقة، والتاء مفتوحة للمخاطب، وقد
وردت لطلب التصور، بمعنى: أخبرني .
- بهته: بهته يبهته بهتًا وبهتانًا، قال عنه مالم يفعل، والاسم البهتان، واسم
الفاعل باهِت، والجمع بُهْت.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الغِيبة: بيَّنْها النَّبِيُّ وَّهِ بأنَّها ذكرك أخاك المسلم بما يكره، سواءٌ أكانَ في
خَلْقه أو خُلُقه، فأي كلمة تقولها فيه ممَّا يكره أنْ تقال فيه، فهذه غيبة، سواءٌ
أكانت كبيرةً أو صغيرةً، ولكن يتفاوت الإثم بقدر ما قيل في الشخص، حتَّى
(١) مسلم (٢٥٨٩).

٤٢٩
كتاب الجامع - باب الترهيب من مساوىء الأخلاق
ولو كانت فيه تلك الصفة .
٢ - أمّا إذا لم تكن الصفة - التي ذكرت - فيه، فقد جمعت بين أمرين: الغيبة
، والبهتان والكذب على الإنسان بما ليس فيه .
٣- قال النووي: الغيبة: ذكر المرء ما يكره سواءٌ أكان في بدن الشخص، أو
دينه، أو دنياه، أو نفسه، أو خلقه، أو ماله، أو ولده، أو زوجته، أو
خادمه، أو حركته، أو طلاقته، أو عبوسه، أو غير ذلك ممَّا يتعلَّق به ذكر
سوء، وذكر ذلك باللفظ، أو بالرمز، أو بالإشارة.
وقال أيضًا: ومن ذلك التعريضُ في كلام المصنّفين؛ كقولهم من يدعي العلم،
أو بعض من ينسب إلى الصَّلاح، أو نحو ذلك، ومنه قولهم عند ذكره: ((الله يعافينا))،
((الله يتوب علينا))، ((نسأل الله السَّلامة))، ونحو ذلك، فكل ذلك من الغيبة .
٤- قوله: ((ذكرك أخاك))، قال ابن المنذر: في الحديث دليلٌ على عدم غيبة
اليهودي، والنصراني، وسائر أهل الملل، ومَنْ قد أخرجته بدعته عن
الإسلام لا غيبة له .
٥ - قال القرطبي: أجمع العلماء على أنَّ الغيبة من كبائر الذنوب، واستدل على
ذلك بقوله {َّلة: ((إنَّ دماءَكُمْ، وأموالكم، وأعراضكم، عليكم حرام)).
٦- استثنى العلماء من الغيبة ستّة أمور جائزة؛ لأنَّها لم يقصد بها الغيبة، وإنَّما
قصد بها أمر آخر لا يتحقَّق إلاَّ بها:
الأوّل: التظلُّم.
الثاني: الاستعانة على تغيير المنكر.
الثالث: الاستفتاء.
الرَّابع: تحذير المسلمين من الاغترار بشخص.
الخامس: المجاهر بالفسق والبدعة.
السّادس: التعريف بالشخص؛ كالأعمى والأعرج.

٤٣٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١٣٠٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ
اللهِ وَّهِ: ((لاَ تَحَاسَدُوا، وَلاَ تَنَجَشُوا، وَلاَ تَبَاغَضُوا، وَلاَ تَدَابَرُّوا،
وَلاَ يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيَّعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا، المُسْلِمُ
أَخُو المسلم: لاَ يَظْلِمُهُ، وَلاَ يَخْذُلُهُ، وَلاَ يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هَاهُنَا
- وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ - بِحَسْبِ امْرِىءٍ مِنَ الشَّرِّ أنْ يَحْقِرَ
أَخَاهُ المُسْلِمِ، كُلُّ المُسْلِمٍ عَلَى المُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُّهُ، ومَالُهُ، وعِرْضُهُ))
أخْرَ جَهُ مُسْلِمُ(١)
* مفردات الحديث:
هذه المنهيات الأربعة جاءت على صيغة التفاعل، الّذي تقع المشاركة فيه
بين اثنين فأكثر؛ فالنَّهي، والتوجيه، والإرشاد منصب على كلِّ مسلمٍ عن هذه
الأفعال .
- لا تحاسدوا: يعني: لا يحسد بعضكم بعضًا، والحسد مرضٌ قلبيٌّ مركوزٌ في
طباع البشر، والمذموم منه تمنِّي، أو السعي في ذلك، زوال نعمة المحسود،
وتقدّم الكلام عن أسبابه وعلاجه.
- ولا تناجشوا: النَّجْش - بفتح فسكون - لغة: بعث الصيد، وإثارته من مكانه،
وشرعًا: هو الزيادة في السلعة بدون قصد شرائها، إمَّا لنفع البائع، أو لمضرَّة
المشتري، أو العبث.
- ولا تباغضوا: أي: لا تفعلوا الأمور التي توجب البغضاء بينكم.
(١) مسلم (٢٥٦٤).

٤٣١
كتاب الجامع - باب الترهيب من مساوىء الأخلاق
- ولا تدابروا: قال أبوعبيد: التدابر: هو الإعراض والهجر، مأخوذٌ من أنْ يولِّي
الرجل صاحبه دبره، ويعرض عنه بوجهه؛ فهو التقاطع.
- ولا يبع بعضكم على بيع بعض: معناه: أنْ يكون قد باع شيئًا، فيأتي آخر،
ويبذل للمشتري سلعته؛ ليشتريها، ويفسخ بيع الأوَّل.
- لا يظلمه: الظلم: هو التعدي على الحقِّ، والميل إلى الباطل، وأنواعه كثيرةٌ
وصوره لا تحصر، وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
- ولا يَخْذُله: هو ترك نصرته، وذلك بأنْ يهان المسلم، أو يذلَّ، أو ينقص من
حقه، ثمَّ يتأخّر أخوه المسلم فلا ينصره، وهو يقدر على ذلك؛ فهذا خذلانه.
- ولا يحقره: يُقال: حقر الرجلَ يحقره حقرًا: أذلَّه، والمراد: أنْ يتكبّر عليه،
ويترفّع عنه، ويعظم نفسه بجانبه .
- التقوى: فتقوى الله تعالى: هي فعل أوامره؛ رجاء ما عنده، واجتناب نواهيه؛
خوفًا من عقابه، وأصل التقوى في القلب، وأثرها يظهر في الأعمال.
- بحسب امرىءٍ من الشرّ: يعني: حسبه وكافيه من خلال الشرور، ورذائل
الأخلاق ... احتقار أخيه، فقوله: ((بحسب امرىءٍ)) مبتدأ، والباء فيه زائدة،
وقوله: ((أنْ يحقر أخاه ... إلخ)) هو الخبر.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - هذا حديثٌ عظيمٌ فيه جملةٌ من آداب الإسلام الكريمة، التي من شأنها أنْ
يتحبَّب المسلم لأخيه المسلم، حتَّى تُوَخَّد كلمة المسلمين، وتُجمع
صفوفهم، ويُلمَّ شملهم، ويكونوا أمَّةً واحدةً، وإخوةً مسلمين.
أولها: ((لا تحاسدوا)): يعني: لا يحسد بعضكم بعضًا، والحسد مركوز
في طباع البشر؛ فالإنسان يكره أن يفوقه أحد من جنسه في شيءٍ من
الفضائل، والمنهي عنه هنا منه: هو أنْ يتمنَّى زوال نعمة العبد عنه، سواءٌ
تمنَّاها أنْ تنتقل إليه، أو تمنَّى مجرَّد زوالها عن المحسود.

٤٣٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
وهذا خلقٌ ذميمٌ نهى عنه الشَّارع الحكيم، بما يسببه من الشرور في
الدنيا، ولأَّه يأكل الحسنات، كما تأكل النَّار الحطب.
ثانيها: ((لا تناجشوا)): والنجش معناه: أن يزيد الإنسان في السلعة، لا
لقصد شرائها، وإنَّما لقصد الإضرار بالمشتري برفع ثمنها عليه، أو لنفع
البائع بزيادة الثمن له، وهو حرام، وإذا تحقَّق، خيِّر المشتري بين الإمساك
ورد البيع؛ لما ناله من الخديعة، والمكر، وزيادة الثمن .
ثالثها: ((لا تباغضوا)): نهى عن التباغض بين المسلمين؛ فإنَّ المسلمين
جعلهم الله إخوة؛ قال عليه الصلاة والسَّلام: ((والّذي نفسي بيده! لا تدخلوا
الجنَّةَ حتَّى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتَّى تحابوا، أفلا أدلكم على شيءٍ إذا فعلتموه
تحاببتم، أفشوا السَّلام بينكم)) [أخرجه مسلم (٥٤)].
ولهذا المعنى حرَّم الله تعالى المشي بالنميمة؛ لما فيها من إيقاع العداوة
والبغضاء، ورخَّص في الكذب في الإصلاح بين النَّاس.
أمَّا البغض في الله تعالى، فهو من أوثق عرى الإيمان، وليس داخلاً في
لنَّھي.
وعن ابن عباس: ((من أحبَّ في الله، وأبغض في الله، ووالى في الله،
وعادى في الله، فإنَّما تُنال ولاية الله بذلك، ولن يجد عبدٌ طعم الإيمان - وإنْ
كثرت صلاته وصومه - حتَّى يكون كذلك، وقد صارت عامَّة مؤاخاة النَّاس
على أمر الدنيا، وذلك لا يجدي أهله شيئًا» رواه ابن جرير.
رابعها: ((لا تدابروا)): مأخوذٌ من أنْ يوليَ الرَّجل صاحبه دبره، ويعرض
عنه بوجهه، فقد جاء في صحيح البخاري (٦٢٣٧)، وصحيح مسلم
(٢٥٦٠) من حديث أبي أيوب الأنصاري، أنَّ النَّبيَّ نَله قال: ((لا يحل
لمسلم أنْ يهجر أخاه فوق ثلاث، وخيرهما الَّذي يبدأ بالسَّلام)).
فالهجر فوق ثلاث محرَّم لا يجوز، ويحصل إنهاء الهجر بالسَّلام، وأمَّا

-
٤٣٣
كتاب الجامع - باب الترهيب من مساوىء الأخلاق
الهجر لأجل دين، فتجوز الزيادة من غير تحديد، حتَّى يزول المانع من
الهجر؛ واستدل على ذلك بقصَّة الثلاثة الَّذين خُلِّفوا، ويباح على أهل البدع
المغلَّظة والدعاة إلى الأهواء والمبادىء الهدّامة، وأصحاب المذاهب
المضللة .
خامسها: ((ولا يبع بعضكم على بيع بعض)): قال الفقهاء: معناه أنْ يكون
قد باع عليه شيئًا، فينزل للمشتري سلعته بأرخص ليشتريها، ويفسخ بيع الأوَّل،
وهذا إذا كان في خيار المجلس، أو خيار الشرط، وكذلك على الصحيح
يشمل فيما إذا تمَّ البيع بينهما، ولم يبق خيار؛ وذلك لئلا يحتال المشتري،
أو البائع على فسخ العقد، ويكون في نفسه عداوة وبغض للعاقد معه.
قوله: ((ولا يبع بعضكم على بيع بعض)»: قد تكاثر النَّهي عن ذلك، ففي
البخاري (٢١٤٠) ومسلم (٤١٣) عن أبي هريرة، أنَّ النَّبِيَّ ◌َّ قال: ((لا يبع
المؤمن على بيع أخيه المؤمن)) وفي رواية لمسلم: ((لا يسم على سوم أخيه)).
وفي البخاري (٢١٣٩) ومسلم (٢٠٣٢) من حديث ابن عمر؛ أنَّ النَّبيَّ
وَلّ قال: ((لا يبع الرجل على بيع أخيه))، هذا دليلٌ على اختصاص ذلك
بالمسلم دون الكافر، وهو مذهب أحمد والأوزاعي.
وذهب كثيرٌ من الفقهاء: إلى أنَّ النَّهْيَ عامٌّ في حقِّ المسلم والكافر.
وأصح القولين أنَّ النَّهي للتحريم.
٢ - ((وكونوا عبادًا إخوانًا)): ذكره النَّبِي بَّ كالتعليل لما تقدَّم؛ فإنَّ في هذه
الجملة اللطيفة إشارةً إلى أنَّهم إذا تركوا التحاسد، والتناجش، والتباغض،
والتدابر، ولم يبع بعضهم على بيع بعض، صاروا إخوةٌ متحابين متآلفين.
٣- فيه الأمر باكتساب الأشياء التي تجلب المحبَّة، والمودة، والألفة: من ردِّ
السَّلام، وتشميت العاطس، وإجابة الدعوة، وعيادة المريض، ونحو ذلك
من الحقوق التي سنَّها الإسلام بين المسلمين؛ لتمكِّن المودّة، والألفة

٤٣٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
بينهم، وتوحد كلمتهم.
٤- قوله: ((المسلم أخو المسلم)):
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا اُلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]؛ فالأخوّة الإسلامية
هي أوثق رابطةٍ وأقوى صلة بين المسلم وأخيه المسلم، وهي تقتضي حقوقًا
بينهما، إنْ قاما بها نمت وزكت، وإلاَّ ضعفت وذوت حتى تموت؛ فعلى
المسلمين مراعاتها، وإحياؤها بالقيام بالحقوق والصلات.
٥ - قوله: ((لا يظلمه)): هذا أقل ما يجب للمسلم على أخيه، والظلم يكون في
النفس، والعِرض، والمال؛ فعلى المسلم: تجنب غلط أخيه، فالمسلم
على المسلم حرامٌ: دمه، وماله، وعرضه.
٦ - قوله: ((ولا يخذله)):
الخذلان هو أنْ يُظْلَمَ المسلم وتقدر على نصره فلا تفعل، بل تتخلَّى عنه؛
فإنَّ المؤمنَ مأمورٌ بنصر أخيه المسلم، سواء أكان ظالمًا فتنصره على نفسه،
وتمنعه من الظلم، أو مظلومًا فتمنع الظلم عنه، فقد أخرج أبوداود (٤٨٨٤)
من حديث أبي طلحة؛ أنَّ النَّبِيَّ وَّل قال: ((مامن امرىءٍ مسلم يخذل امرأ
مسلمًا في موضع تنتهك فیه حرمته، وینتقص فيه من عرضه، إلاّ خذله الله في
موضعٍ يحب فيه نصرته، وما من امرىءٍ ينصر مسلمًا في موضع ينتقص فيه
من عرضه، وتنتهك فيه حرمته، إلاّ نصره الله في موضع یحب فيه نصرته)).
٧- قوله: ((ولا يحقره)): احتقار المسلم لأخيه ناشيءٌ عن الكِبْر؛ فقد أخرج
مسلم (٩١) من حديث ابن مسعود؛ أنَّ النَّبيَّ نَّ قال: ((الكِبْرْ بَطَر الحقَّ،
وغَمْط النَّاس)) فالمتكبِّر ينظر إلى نفسه بعين الكمال، وإلى غيره بعين
النقص؛ فيحتقرهم، ويزدريهم، ولا يراهم أهلاً لأن يقوم بحقوقهم، ولا أنْ
يقبل من أحدهم الحق إذا ردوه عليه.
٨- قوله: ((التقوى هاهنا، ويشير إلى صدره ثلاثًا)):

٤٣٥
كتاب الجامع - باب الترهيب من مساوىء الأخلاق
فيه إشارةٌ إلى أنَّ أكرم الخلق عند اللهِ من اتصف بالتقوى لا بالجاه
والرئاسة والمال، فرُبَّ من يحقرہ النّاس ـ لضعفه، وقلّة حظه من الدنیا - هو
أعظمٍ قدرًا ممَّن له قدرة في الدنيا؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ
أَنْقَنَكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣].
والتقوى أصلها في القلب، فلا يطلع على حقيقتها إلاَّ الله تعالى؛ وحينئذٍ
فقد يكون ممَّن له صورة حسنة، أو جاه، أو رئاسة في الدنيا، قلبه خالٍ من
التقوى، ويكون من ليس له شيء من ذلك، قلبه مملوءٌ من تقوى الله؛
فيكون أكرم عند الله تعالى.
قال ◌َّه: ((إنَّ اللهَ لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم
وأعمالكم)) [رواه مسلم (٢٥٦٤)].
٩ - قوله: ((بحسب امرىءٍ من الشرِّ أنْ يحقر أخاه المسلم)» :
يعني: أنَّ احتقار المسلم أخاه المسلم هو كفايته من الشرِّ؛ فإنَّه إنَّما
يحقره لتكبره عليه، والكبر أعظم خصال الشر؛ ففي صحيح مسلم (٩١) أنَّ
النَّبِي ◌َّ قال: ((لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرّةٍ من كبر)).
١٠ - قوله: ((كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه)).
النصوص في تحريم دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم كثيرة
صحيحة صريحة؛ فهو ممَّا عُلِمَ من الدِّين بالضرورة.
إنَّما المتعيِّن على المسلم أنْ يحترز عن حقوق المسلمين، فلا يعتدى
عليها، وإذا حصل بيده منها شيءٌ فليردها إنْ قدر على ذلك، وإلاَّ استحل
أهلها منها قبل أنْ يأتي يومٌ لا يستطيع أداءها إلامن أعماله الصَّالحة، فإذا
نفذت أعماله، وضع عليه من سيئات أصحاب الحقوق، ونسأل الله العافية
والمعافاة .

٤٣٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١٣٠٦ - وَعَنْ قُطْبَةَ بْنِ مَالِكِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: كَانَ
رَسُولُ اللهِ وَّه يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ جَنِِّي مُنْكَرَاتِ الأَخْلاَقِ، وَالأَعْمَالِ،
وَالأَهْوَاءِ، وَالأَدْوَاءِ)) أَخْرَجَهُ التِّرْ مِذِيُّ، وَصَخَّحَهُ الحَاكِمُ، وَاللَّفْظُ لَهُ(١).
: درجة الحديث:
الحدیث صحیح.
صحّحه ابن حبان، والحاكم، وأخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن
غريب، وحسَّنه السيوطي في الجامع الصغير.
واعتمد الشيخ الألباني تصحيحه في صحيح الجامع الصغير، وقال:
أخرجه الترمذي، والطبراني، والحاكم.
** مفردات الحديث:
- جنِّني: دعاء من التجنب، أي: باعدني.
- منكرات الأخلاق: هي الأوصاف المذمومة؛ كالبخل، والكبر، والحسد،
والحقد، ونحوها مما ينكر شرعًا وعادةً.
- منكرات الأهواء: هي ما تشتهيه النفس، وتميل إليه من غير نظر إلى مقصد
یحمد علیه شرعًا .
- منكرات الأدواء: هو الأسقام البدنية المنفرة من المرض، أو الأمراض المزمنة.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديث فيه دعوات كريمات يقولها صاحب الخلق العظيم - صلوات الله
وسلامه عليه - يزود بها نفسه الشريفة؛ فإنَّ الله تعالى وصفه بقوله: ﴿ وَإِنَّكَ
(١) الترمذي (٣٥٩١)، الحاكم (٥٣٢/١).

٤٣٧
كتاب الجامع - باب الترهيب من مساوىء الأخلاق
لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ !
٤
[القلم].
وكان خلقه
صلى الله
وسلم
القرآن .
٢ - ((اللهمَّ جنبني منكرات الأخلاق)) :
فالتجنب المباعدة، ومنكرات الأخلاق هي الأخلاق الذميمة المستقبحة؛
كالحسد، والحقد، والغش، وقسوة القلب، والبخل، والجُبن، والهلع،
ونحو ذلك من الأخلاق المكروهة، شرعًا وعقلاً، وإذا تخلى المسلم عن
هذه الأخلاق القبيحة، وتحلى بعدها بالأخلاق المحمودة، شرعًا وعقلاً؛
من الحلم، والعفو، والجود، والصبر، والرحمة، والشفقة، وتحمل
الأذى، وقضاء الحوائج، والبر، والإحسان، ونحوها، فقد كمل خلقه.
ومنكرات الأخلاق تنشأ عن مرض القلب؛ كما أنَّ كرائم الأخلاق تنشأ
عن صحته .
٣- أما منكرات الأعمال: فهي كبائر الذنوب، والإصرار على صغائرها؛
فالمسلم يتخلى عنها، ويستعين بالله تعالى على ذلك، ويتحلى بفضائل
الأعمال من أداء الواجبات، والحرص على المستحبات، والتزود من
الباقيات الصالحات، فإذا فعل ذلك، کمل إيمانه .
٤- أما الأهواء: فهي الشهوات المهلكات، من ارتكاب المعاصي، والإقدام
على الآثام، التي تهواها النفوس، وللكن في هذا الهوى والمشتهى هلاكها .
فعلى المسلم مقاومة نفسه الأمارة بالسوء؛ لتكون له مطيعة، مطمئنة،
يسهل قيادها؛ لتكون رغبتها في طاعة الله تعالى، من الإيمان الكامل،
والإسلام الشامل، والإحسان المقرب.
٥- أما الأدواء: فهي الأسقام، وتكون للأبدان، كالأمراض الشنيعة؛ من
الجذام، والسرطان، وذات الجنب، وتكون أسقام القلوب بالشَّهوات،
كالمعاصي، وبالشبهات، كالبدع، نسأل الله السلامة.

٤٣٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١٣٠٧ - وعَنِ ابْن عَبَّاس - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ
اللهِ وَّهُ: ((لاَ تُمَارِ أَخَاكَ، وَلاَّ تُمَازِخْهُ، وَلاَ تَعِدْهُ مَوْعِدًا فَتُخْلِفَهُ))
أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ (١).
* درجة الحديث:
سنده ضعيف .
قال المصنف: أخرجه الترمذي بسند فيه ضعف، لكن في معناه
أحاديث، فقد روى الطبراني أنَّ جماعة من الصحابة قالوا: خرج علينا رسول
الله وَّ ونحن نتمارى، فذكر حديثًا طويلاً، وقال تعالى: ﴿﴿ وَلَا تُحَدِلُواْ أَهْلَ
الْكِتَبِ إِلَّا بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦]، وتتأيد صحة معناه بما أخرج
الشيخان مرفوعًا: ((أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم)).
* مفردات الحديث :
- لا تمار أخاك: بضم التاء، المماراة: هي المجادلة بغير حق، أو أن تطعن في
كلامه تحقيرًا له وإظهارًا لخلله وقصوره.
- ولا تمازحه: الممازحة: هي المداعبة لأجل المباسطة، والتلطف؛ ولذا فإنَّ
المراد بها هنا هو الممازحة التي تجلب البغض، والنفرة، وتكدر النفس.
* ما يؤخذ من الحديث:
١- الإسلام بتوجيهاته الرشيدة، وتعاليمه الحكيمة، يحث على الألفة والأخوّة
الإيمانية، التي تجمع القلوب، وتؤلف النفوس، وتشرع الأسباب الجالبة
للأخوَّة. والمحبة والمودة في الله، هو أساس الاجتماع، والتعاون على
(١) الترمذي (١٩٩٥).

٤٣٩
كتاب الجامع - باب الترهيب من مساوىء الأخلاق
البر والإحسان، ونهى عما يسيء إلى الأخوّة والألفة.
٢- المماراة: هي الجدال والخصومة، التي قد يفعلها الإنسان مع جليسه؛
ليظهر الخلل في كلامه، أو العيب في فكرته؛ فهذا خلق ذميم، ويسبب
التنافر والتباغض بين الأصحاب والإخوان، والواجب بين الإخوان
والحضور: هو احترام كل واحد منهم صاحبه، وإذا كان هناك نقاش وبحث
مسألة ؛ فيكون بالتفاهم فيها، وبحثها بأدب واحترام، فإن وجد فكرةً
صاحبه جيدة، حبذها وقبلها وأيَّدها ، وإن كانت خاطئة، أو فيها أخطاء،
عدَّلها تعديلاً بسياسة كلام، ولطف مدخل، لا يشعر فيه بالعيب والتخطئة.
أما إذا كان المجلس عامًا، وفيه الملَحُ والفكاهات، وأخطأ أحد في
حكاية، أو سوق فكاهة، أو طرفة، فالأولى تركها؛ إذ لا يترتب عليها شيء.
٣- أما المزاح: فليكن مزاحًا خفيفًا لطيفًا بأدب واحترام، وأن لا يطول، ولا
يثقل حتى يتعدى، ويسبب الغضب، والعداوة، والبغضاء.
٤- أما الوعد: فإنَّك لا تعد أخاك عِدَةً تمنِّيه في قضائها، وترجيه في إنهائها، ثم
لا تفي له بذلك؛ فإنَّ هذا يضره من ناحية، ويثير حقده عليك أيضًا، فإما أن
لاتعِده، وإلاَّ فإذا وعدته فأوف بوعدك.
٥ - تقدم الخلاف بين العلماء في حكم الوفاء بالوعد، وأنَّ أصح الأقوال وجوبه
إذا أوقع الموعود في ورطة أو ضرر، فإما أن يفي له بالوعد، وإما أن يضمن
له خسارته التي كانت بسبب وعده؛ وهذا ما قرَّره مجمع الفقه الإسلامي.

٤٤٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١٣٠٨ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((خَصْلَتَانِ لاَ يَجْتَمِعَانِ فِي مُؤْمِنٍ: البُخْلُ، وَسُوءُ
الخُلُقِ)) أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَفِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ (١).
* درجة الحديث:
الحدیث حسن بغيره.
قال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء: أخرجه الترمذي من حديث أبي
سعيد، وقال: غريب، قلت: وفي الباب أحاديث يعضد بعضها بعضًا، منها:
١ - ما رواه البيهقي مرفوعًا بلفظ: أي الأعمال أفضل؟ قال: ((الصبر والسماحة
وحسن الخلق)) قال العراقي: إسناده صحيح، وصححه السيوطي في الجامع
الصغير .
٢ - ما أخرجه الديلمي من حديث عبدالله بن عمرو مرفوعًا: ((خلقان يحبهما الله،
وخلقان يبغضهما الله، فأما اللذان يحبهما الله: فحسن الخلق والسخاء)).
* مفردات الحديث:
- خصلتان: تثنية خصلة، والخصلة: خلق في الإنسان يكون فضيلة، أو رذيلة .
- البخل: البخل في الشرع: منع الواجب.
- سوء الخلق: الخلق بضمَّتين: عبارة عن هيئة للنفس راسخة تصدر عنها
الأخلاق بسهولة ويسر، من غير حاجة إلى فكر وروية، فإذا كانت الأفعال
الصادرة، سيئة قيل لصاحبها سيِّءُ الخلق.
(١) الترمذي (١٩٦٢).
--