Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤١)
كتاب الجامع - باب البر والصلة
١٢٧٣ - وَعَنْ جَابِرِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ
وَلَه : ((كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ)) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ(١).
١٢٧٤ - وَعَنْ أَبِي ذَرِّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ
وَلَهُ: ((لاَ تَحْقِرَنَّ مِنَ المَعْرُوفِ شَيْئًا، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ)»
أَخْرَجَهُ مُسْلِمُ(٢).
* مفردات الحديث:
۔ بوجه: بالتنوين.
- طَلْق: بفتح الطاء، وسكون الَّلام، أي: طليق سهل منبسط باشِّ مشرق،
ويأتي طليق كأمير.
* ما يؤخذ من الحديثين:
١ - أبواب طرق الخير كثيرة، والمستحب للمسلم أنْ يضرب في كلِّ بابٍ بسهمٍ؛
فقد قال تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ، عَلِيهُ
[البقرة]، وقال
١٥
&-
تعالى: ﴿ وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهٌ﴾ [آل عمران: ١١٥]، وقال تعالى:
﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرً ا يَرَهُ الَ﴾ [الزلزلة].
٢- وقد عدَّ النَّبِي وَّهِ جملةً طيبةً في بعض الأحاديث الصحيحة من أعمال
الخير، وجعلها صدقة، فقال: ((كلُّ تسبيحةٍ صدقةٌ، وكل تحميدةٍ صدقةٌ،
وكل تهليلةٍ صدقة، وكل تكبيرةٍ صدقة، وأمرٌ بالمعروف صدقة، ونَهيٌّ عن
(١) البخاري (٦٠٢١).
(٢) مسلم (٢٦٢٦).

٣٤٢)
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
المنكر صدقة، وفي بُضْع أحدكم صدقة، تعدل بين اثنين صدقة، تعين
الرَّجل فتحمل له على الدَّابة صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وبكلِّ خطوةٍ
تمشيها إلى الصَّلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة، وطلاقة الوجه
بوجه أخيك المسلم صدقة))؛ وهذه الجمل الكريمات من ثلاثة أحاديث.
٣- كل معروفٍ يفعله الإنسان صدقة، والصدقة هي ما يعطيه المتصدِّق؛ فيشمل
الواجبة والمندوبة، يبيِّن أنَّ له حكم الصَّدقة في الثواب.
٤- الحديث يدل على أنَّ الصَّدقة لا تنحصر فيما هو أصلها، وهو ما أخرجه
الإنسان من ماله متطوِّعًا؛ فلا تخص بأهل اليسار، بل كل أحد قادر على أنْ
يفعلها في أكثر الأحوال من غير مشقَّة؛ فإنَّ كلَّ شيءٍ يفعله الإنسان، أو
يقوله من الخير: یکتب له به صدقة .
٥- لعلَّ من حِكَم تنويع العبادات، وأنواع البر، هو امتحان العباد بالقيام بها؛
فإنَّ منهم من تسهل عليه العبادات المالية دون البدنية، ومنهم من تسهل عليه
العبادات البدنية دون المالية، فأراد جلَّ وعلا اختبار عباده ؛ من يقدم طاعة
ربه على هوى نفسه، كما أنَّ تنويعها؛ ليقوم كل مريدٍ للخير بما يقدر عليه،
وما يناسبه .

٣٤٣
كتاب الجامع - باب البر والصلة
١٢٧٥ - وَعَنْ أبِي ذَرِّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَله :
((إِذَا طَبَخْتَ مَرَقَةٌ، فَأَكْثِرْ مَاءَهَا، وَتَعَاهَدْ جِيرَانَكَ)) أَخْرَجَهُ مُسْلِمُ(١).
* مفردات الحديث:
- مَرَقة: المَرَق: بفتح الميم، والرَّاء، بعدها قاف، هي الماء أغلي فيه اللحم،
فصار دسمًا، والجزء منه: مرقة.
- تعاهد جيرانك: تفقَّدْ جيرانك، وَصِلْهم، ولو بمرقة تهديها إليهم.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - تقدَّم الحثُّ على فضل صلة الجار، وبرِّه، والإحسان إليه، وهذا الحديث
يحث الرجل أنْ يتعاهد جيرانه بقدر حاله، وأنْ لا يحقر من المعروف شيئا،
حتَّى ولو لم يكن عنده إلاَّ مرقة، فليكثر ماءها، وليتعاهد جيرانه ببعث شيء
منها .
٢- العادة أنَّ الجيران قد سقطت بينهم الكلفة، وزالت فيما بينهم الهيبة،
والهدية - ولو صغرت ـ توثق الصلة، وتقوي العلاقة، وتحكم المحبة؛
فالأفضل أنْ يتعاهدوا فيما بينهم الوسائل التي تربط بينهم علاقة الجوار؛
ففي الحديث: ((تهادوا تحابوا)) .
(١) مسلم (٢٦٢٥).

٣٤٤)
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١٢٧٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ
اللهَِّهِ: ((مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً
مِنْ كُرَبٍ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يُشَرَ عَلَى مُعْسِرٍ، يَشَرَ اللهَ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا
والآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا والآخِرَةِ، واللهُ فِي
عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ)) أَخْرَجَهُ مُسْلِمُ(١).
* مفردات الحديث:
- نَفَّسَ: بفتح النون، وتشديد الفاء، آخره سين، من تنفيس الخناق، أي:
إرخائه حتَّى يأخذ له نفسًا، والمراد: إزالة الضيق.
- كُرْبة: بضم الكاف، وسكون الرَّاء، ثمَّ باء موحّدة، وآخرها تاء التأنيث،
هي: ما أهم النفس، وغمَّ القلب، كأنَّها لشدَّة غمِّها عطَّلت مجال التنفس منه.
- يشَر على معسرٍ: سهّل عليه بإبراءٍ، أو هبةٍ، أو صدقةٍ، أو إنظارٍ إلى ميسرة،
قال في الفتح: ويصح شموله لإفتاء عامي في ضائقة وقع فيها بما يخلصه
منها؛ لأَنَّ حِصن بالنسبة للعامي.
- سَتَرَ: أخفى عيب أو ذنب ذوي الهيئات والمروءات الَّذين لم يُعْرَفوا بالشرِّ،
فالله تعالى يستره يوم القيامة بمحو ذنوبه، بحيث لا يسأله عنها ابتداءً، أو
یسأله عنها بدون أن یطَّلِعَ علیها أحد.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - قال ابن دقيق العيد: هذا حديثٌ عظيم جامع لأنواع من العلوم والقواعد
(١) مسلم (٢٦٩٩).

٣٤٥
كتاب الجامع - باب البر والصلة
والآداب. وهذه القطعة التي معنا فيها أربع فقرات كريمات:
الأولى: ((من نفَّس عن مسلمٍ كربةً ... إلخ)):
قال ابن رجب: الكربة هي الشدَّة العظيمة التي توقع صاحبها في الكرب،
وتنفيسها أن يخفف عنه منها؛ وذلك بأن يزيل عنه الكربة، فتفرج عنه كربته،
ويزول همه وغمه، وتفريج الكربات بابه واسع؛ فإنَّه يشمل كل ما يلزمه،
وينزل بالعبد من ضائقة .
قال النووي: فيه دليلٌ على استحباب الرضا، وفك الأسير، والضمان
على المعسر، وليس في الحديث جزاء الحسنة حسنة في الآخرة واحدة،
وإنَّما كربة الآخرة تشتمل على أحوال صعبة، ومخاوف جمَّة، وتلك
الأهوال تزيد على العسرة؛ كما أنَّ الحديث وعد بأنْ يختم للمنفِّس بخير،
بأنْ يموت على الإسلام، فهو وعد بثواب الآخرة، فبهذا الوعد فليثق
المؤمنون .
الثانية: ((من يسَّر على معسرٍ، يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة)):
قال تعالى: ﴿ وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكَةٌ
[البقرة]؛ فإنظار الغريم في الدَّين، أو إبراؤه سببٌ
إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ
قويٌ، ووعدٌ من الله تعالى أنْ ييسّر الله أموره في الدنيا والآخرة.
قال ابن رجب: التيسير على المعسر يكون بأحد أمرين :
إمَّا إنظاره، وذلك واجب .
وإمَّا بالوضع عنه، أو بإعطائه ما يزول به إعساره؛ وكلاهما فيه فضل.
وجاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النَّبيِّ وَّ قال: ((كان تاجرٌ
يداين النَّاسَ، فإذا رأى معسرًا، قال لصبيانه: تجاوزوا عنه، لعلَّ الله أنْ
يتجاوز عناً، فتجاوز الله عنه)).
الثالثة: ((من ستر على مسلم ... إلخ)).

٣٤٦)
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
قال النووي: في الحديث استحباب ستر المسلم إذا طَّلَعَ على أنَّه عمل
فاحشة؛ فقد قال تعالى: ﴿إِثَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ اُلْفَحِشَةُ فِى الَّذِينَ ءَامَنُواْ
﴾ [النور].
١٩
لَمْ عَذَابٌ أَلِيُ فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ
والمستحب للإنسان إذا اقترف ذنبًا أنْ يستر على نفسه.
قال ابن دقيق العيد في شرح الأربعين: المراد الستر على ذوي الهيئات،
ونحوهم ممَّن ليس معروفًا بالفساد، وهذا في ستر معصية وقعت وانقضت،
أمَّا إذا علم معصيته وهو ملتبس بها، فيجب المبادرة بالإنكار عليه، ومنعه
منها، فإنْ عجز، لزم رفعها إلى ولي الأمر إنْ لم يترتَّب على ذلك مفسدة.
أمَّا المعروف بالفسق: فلا يستر عليه؛ لأَنَّ الستر عليه يطمعه في الفساد،
والإيذاء، وانتهاك المحرمات، وجسارة غيره على مثل ذلك، بل عليه أنْ
يرفعه إلى الإمام إنْ لم يخف من ذلك مفسدة.
وكذلك القول في جرح الرواة، والشهود، والأمناء على الصدقات،
والأوقاف، والأيتام، ونحوهم، فيجب تجريحهم عند الحاجة، ولا يحل
الستر عليهم إذا رأى منهم ما يقدح في أهليتهم، وليس هذا من الغيبة
المحرَّمة، بل من النصيحة الواجبة .
وقال ابن رجب في شرح الأربعين: واعلم أنَّ النَّاسَ على ضربين:
أحدهما: من كان مستورًا لا يعرف بشيءٍ من المعاصي، فإذا وقعت منه
هفوة، أو زلَّة، فإنَّه لا يجوز هتكها، ولا كشفها، ولا التحدث بها؛ لأنَّ
ذلك غيبة محرَّمة، وهذا هو الّذي ورد في النصوص؛ وفي ذلك قال الله
تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِ الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِ الدُّنْيَا
﴾ [النور]، والمراد بإشاعة الفاحشة على
١٩
وَالْآَخِرَةَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ
المؤمن فيما وقع منه، واتهم به ممَّا هو بريءٌ منه .
قال بعض الوزراء الصَّالحين لبعض من يأمر بالمعروف: اجتهد أنْ تستر
------ -- - --
- -. .
---------- ---

٣٤٧
كتاب الجامع - باب البر والصلة
العصاة؛ فإنَّ ظهور معاصيهم عيبٌ في أهل الإسلام، ومثل هذا لو جاء تائبًا
نادمًا، وأقر بحد لم يفسره، لم يطلب منه أنْ يفسره، بل يؤمر بأن يرجع
ويستر نفسه؛ فقد جاء في الحديث عن النَّبِي وَّ: ((أقيلوا ذوي الهيئات
عثراتهم)) [أخرجه أبوداود (٤٣٧٥) والنسائي (٣١٠/٤) من حديث
عائشة].
الثاني: من كان مشتهرًا بالمعاصي، معلنًا بها، ولا يبالي بما ارتكب
منها، ولا بما قيل له، هذا هو الفاجر المعلن، وليس له غيبة؛ كما نصَّ على
ذلك الحسن البصري، وغيره.
ومثل هذا لا بأس بالبحث عن أمره؛ لتقام عليه الحدود، وصرَّح بذلك
أصحابنا؛ واستدلوا بقول النَّبِيِّ بَّهِ: ((واغدُ يَا أُنيس إلى امرأة هذا، فإنْ
اعترفت فارجمها)) [رواه البخاري (٦٨٥٩) ومسلم (١٦٩٨)].
ومثل هذا لا يشفع له إذا أخذ، ولو لم يبلغ السلطان، بل يترك حتَّى
يقام عليه الحد، فيكشف ستره، ويرتدع به أمثاله.
قال مالك: من لم يعرف منه أذّى للنَّاس، وإنَّما كانت منه زلَّة، فلا بأس
أنْ يشفع له مالم يبلغ الإمام، وأمَّا من عُرِفَ بشرٍّ، أو فسادٍ، فلا أحب أنْ
يشفع له أحد، ولكن يترك حتَّى يقام عليه الحد، حكاه ابن المنذر وغيره.
الرَّابعة: ((والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه)):
فمن كان في حاجة أخيه، فالله تعالى في حاجته بالتيسير والتسهيل
والإعانة، وهو وعدٌ صادق من الله تعالى؛ فقد أخرج الطبراني في الأوسط
(٢٠٢/٥) من حديث عمر مرفوعًا: ((أفضل الأعمال إدخال السرور على
المؤمن، کسوت عورته، أو أشبعت جوعته، أو قضیت حاجته)).
قال مجاهد: ((صحبت ابن عمر في السفر لأخدمه، فكان يخدمني)).

٣٤٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
فالحديث يدل على أنَّه تعالى يتولَّى إعانة من أعان أخاه، سواءٌ في حاجة
العبد التي يسعى فيها، أو في حوائج نفسه؛ فينال من عون الله مالم يكن يناله
بغير إعانته، وإنْ كان تعالى هو المعين لعبده في كلِّ أموره، لكن إذا كان في
عون أخيه، زادت إعانة الله له .
٢- فيؤخذ منه أنَّه ينبغي للعبد أنْ يشتغل بقضاء حوائج أخيه، فيقدمها على
حاجة نفسه؛ لينال من الله كمال الإعانة في حاجاته.
٣- وهذه الجمل دلَّت على أنَّه تعالى يجازي العبد من جنس فعله.
- ------
11 ------- ------ -- --------

٣٤٩)
كتاب الجامع - باب البر والصلة
١٢٧٧ - وَعَنِ أَبِي مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ
اللهِبَّه : ((مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ، فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ)) أَخْرَجَهُ مُسْلِمُ(١).
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - المؤمن هو الَّذي يكون قدوةً، وأسوةً في عمل الخيرات، وفعل الطيبات،
قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَجِنَا وَذُرِّيَِّنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ
[الفرقان]، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَهُمْ أَيِمَّةُ
وَأَجْعَلْنَا لِلْمُنَّقِينَ إِمَامًا
يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ [الأنبياء: ٧٣].
وجاء في مسلم (١٠١٧) من حديث جرير بن عبدالله؛ أنَّ النَّبِيَّ وَّ قال:
((مَنْ سَنَّ سنَّةً في الإسلام حسنةً، فله أجرها، وأجر من عمل بها بعده، من
غير أنْ ينقص من أجورهم من شيء)).
٢ - وحديث الباب يدل على أنَّ من دلَّ على خيرٍ، سواءٌ أكان من خير الدنيا، أو
خير الآخرة: أنَّ له من الأجر مثل أجر من فعل، من غير أن ينقص من أجر المقتدى
به شيء، وإنَّما هو أجرٌ بسبب كونه قدوةً في الخير، وأسوةً في عمل الإحسان.
٣- ومن أفضل الأعمال الصالحة التي يتعدَّى نفعها، وتبقى ثمارها: هو العلم
النَّافع، الَّذي هو شرع الله تعالى من أصوله وفروعه، وما أعان على فهمه،
فمن نشر هذا العلم، فقد ضرب بسهمٍ وافرٍ من القدوة الحسنة، والدَّلالة
على الصراط المستقيم، وقد أخرج النَّاس - بإذن الله تعالى - من ظلمات
الجهل إلى نور العلم، والهداية، والإرشاد، ونال بهذا عظيم الأجر من الله
تعالى، فقد قال وَله: ((لأن يهديَ الله بك رجلاً واحدًا خيرٌ لك من حُمْرُ النَّعم))
[رواه البخاري (٣٠٠٩)، ومسلم (٢٤٠٦)].
(١) مسلم (١٨٩٣).

٣٥٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١٢٧٨ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - عَنِ النَّبِيِّ بَلَ قَالَ:
((مَنِ اسْتَعَاذَكُمْ بِاللّهِ فَأَعِيَّذُوهُ، وَمَنْ سَأَلَكُمْ بِاللهِ فَأَعْطُوهُ، وَمَنْ أَتَّى
إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَادْعُوا لَهُ)) أَخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ (١).
** درجة الحديث:
الحدیث صحیح.
قال المؤلف: أخرجه أحمد، والبخاري في الأدب، والبيهقي،
وأبوداود، وصحَّحه ابن حبان، والحاكم، ووافقه الذهبي.
وأخرجه الترمذي: وقال حسنٌ غريب.
وقد أخرجه الطبراني (١٢ / ٣٩٧) بسندٍ رجالُهُ رجال الصحيح إلاّ شيخه.
* مفردات الحديث:
- استعاذكم بالله: سأل العوذَ والعصمةَ، متوسلاً إليكم بالله، ومُقْسِمًا به عليكم،
فَسَمَ استعطافٍ.
ـ فأعيذوه: أي أجيروه منه؛ إجلالاً لمن استعاذ به.
- من سألكم بالله: شيئًا، من جليلٍ، أو حقير، متوسلاً إليكم بالله، فأعطوه ما
سأل إذا قدرتم علیه .
- معروفًا: اسمٌ جامعٌ لكل ما يحسن في الشرع، وتسكن إليه النفس من الخير،
والرفق والإحسان، وغيرها.
- فكافئوه: بصيغة الأمر، أي: أعطوه على إحسانه بمثل معروفه، أو أحسن
منه .
(١) البيهقي (١٩٩/٤)، أبو داود (١٦٧٢)، النسائي (٨٢/٥)، أحمد (٦٨/٢).
-

٣٥١
كتاب الجامع - باب البر والصلة
* ما يؤخذ من الحديث:
١- الحدیث فيه أربع جمل هي :
الأولى: ((من استعاذكم بالله، فأعيذوه)) أي: من التجأ إليكم، واعتصم
بكم في أمرٍ من الأمور التي حَزَبته، والعظائم التي ألجأته، فأعيذوه، وكونوا
سندًا له، وعضدًا له في كربته ممَّن ظلمه، أو تعدَّى عليه، ما دام أنَّه مع حق
في طلب النجاة والحماية، ؛ فقد دخل عليكم هذا المدخل، فقد قال ◌َله :
((انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا)).
الثانية: ((من سألكم بالله، فأعطوه)): من سألكم شيئًا، وعزّز سؤاله بالله
أنْ تغطوه سؤاله، فأعطوه ما طلب؛ إعظامًا للسؤال بالله تعالى .
الثالثة: ((من صنع إليكم معروفاً، فكافئوه)) على معروفه، ولا تجعلوا له
المنَّة الدائمة عليكم؛ فإن شكر المنعم مكافأته، ومقابلته عليها، والبادىء
بالمعروف له سابق الفضل، فيحسن مجازاته على إحسانه .
الرّابعة: إنْ لم يجد ما يكافىء به صاحب المعروف، فعليه أنْ يكافئه
بالدعاء، ومن أعظم الدعاء قول: ((جزاك الله خيرًا)).
٢ - وفيه دليلٌ على أنَّ الاستعاذة بالمخلوق بما يقدر عليه جائزة؛ كما أنَّ السؤال
عند الحاجة جائز.

٣٥٢)
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
باب الزهد والورع
١٢٧٩ - عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ - رَضِيَ الله عَنْهُ - قَالَ: سَمِعْتُ
رَسُولَ اللهِ وَ لّهِ يَقُولُ : - وَأَهْوَى النُّعْمَانُ بإصْبَعَيْهِ إِلَى أُذُنَيْهِ -: ((إنَّ
الحَلَاَلَ بَيِّنٌ، وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيَّنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ، لا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ
النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبْهَاتِ، فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي
الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعي يَرْعَىُ حَوْلَ الحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ
فِيهِ، أَلاَ وإنَّ لِكُلِّ مَلِكِ حِمَّى، أَلاَ وَإِنَّ حِمَى الله مَحَارِمُهُ، أَلاَ وَإِنَّ في
الجَسَدِ مُضْغَةً، إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ
الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلاَ وَهِيَ القَلْبُ)) مُتَّفقٌ عَلَيْهِ(١).
مفردات الحديث:
- مُشْتبهات: المشتبهات: بضم الميم، وسكون الشين، وكسر الباء الموحدة،
وفيها عدَّة روايات بغير هذا الضبط، هي: غير الواضحات البينات، فهي كل
ما تتنازعه الأدلة، وتتجاذبه المعاني؛ فالإمساك عنه ورع.
- استبرأ لدينه وعرضه: بالهمزة، من البراءة، أي: احتاط؛ فحصل له براءة من
الذم الشرعي، وصان نفسه وعرضه من ذم الناس .
(١) البخاري (٥٢)، مسلم (١٥٩٩).
---.

٣٥٣
كتاب الجامع - باب الزهد والورع
- عِرْضَه: بكسر العين، والعرض: موضع المدح والذم من الإنسان، فهي
الأمور التي بذكرها يرتفع أو يسقط، ومن جهتها يُحمد أو يُذم.
- في الشُّبُهَات: بضم الشين والباء، جمع شبهة، وهي الأمر الملتبس.
- وقع في الحرام: الوقوع في الشيء: السقوط فيه، وكل سقوط يُعبَّر عنه بذلك،
وإنَّما قال: وقع، ولم يقل: يوشك أنْ يقع فيه؛ تحقيقًا لمداناة الوقوع؛ كما
يُقال: من اتبع هواه هلك، وإلاّ فحقيقة الأمر هو: يوشك أن يقع فيه.
- الحِمَى: بكسر الحاء، وفتح الميم المخففة، مقصور، أطلق اسم المصدر
على اسم المفعول، وهو موضعٌ حَظَرَه الإمام على النَّاس لنفسه، ومنع غيره
منه .
- يُؤْشِكُ: بضم الياء، وكسر الشين، بمعنى: يقرب ويسرع.
- محارمه: معاصيه التي حرمها؛ كالقتل.
- أَلاَ: مركَّبة من همزة الاستفهام، وحرف النَّفي؛ لإعطاء معنى التنبيه على
تحقُّق ما بعدها .
- مُضْغة: بضم الميم، وسكون الضاد المعجمة، بعدها غين معجمة، آخرها تاء
التأنيث، هي: القطعة من اللحم بقدر ما يمضغ الإنسان.
- صلحت: بفتح الَّلام وضمها، والفتح أفصح، والصَّلاح ضد الفساد.
((ألا وإنَّ في الجسد مضغة ... أَلاَ وهيَ القلب)): أبهم في الجملة الأولى،
وبيَّنَ في الثانية، وكرَّر حرف التنبيه؛ لبيان فخامة شأنها، وعظيم موقعها،
وعبَّر عن القلب بالمضغة؛ لأَنّه قطعةٌ من الجسد، كما أنَّ في المضغة معنى
التصغير، مع أنَّ صلاح الجسد أو فساده تابعان لهذه المضغة، تعظيمًا لشأنها؛
ذلك أنَّ من معاني التصغير التفخيم.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحلال بيِّنٌ حكمه، واضحٌ أمره، لا يخفى حله؛ وذلك كالخبز، والفواكه،

٣٥٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
والعسل، واللبن، وجميع المأكولات، والمشروبات، والملابس، الواضح
حلها، وكذا المعاملات، والتصرفات.
٢ - وإنَّ الحرام بيِّنٌ حكمه، واضحٌ تحريمه؛ من أكل لحم الخنزير، وشُرب
الخمر، ولبس الحرير، والذَّهب للرَّجل، والزنى، والغِيبة، والنميمة،
والحقد، والحسد، وغير ذلك.
فهذان القسمان الحكم فيها بيِّنٌ؛ لما ورد فيهما من النصوص القاطعة.
٣- هناك قسمٌ ثالثٌ مُشْتبه الحكم، غير واضح الحل أو الحرمة، وهذا الاشتباه
راجعٌ إلى أمور:
منها: تعارض الأدلة: بحيث لا يظهر الجمع، ولا الترجيح بينها؛ فهذا
مشتبهٌ في حقِّ المجتهد الَّذي يطلب الأحكام من أدلتها .
فمن انبهم عليه الحكم الرَّاجح، فهو في حقَّهِ مشتبه؛ فالورع اتقاء
الشبهة .
ومنها: تعارض أقوال العلماء وتضاربها؛ وهذا في حق المقلِّد الَّذي لا
ينظر في الأدلة؛ فالورع في حق هذا اتقاء المشتبه .
ومنها: ما جاء في النَّهي عنها حديث ضعيف، يوقع الشك في مدلوله.
ومنها: المكروهات جميعها: فهي رقية - أي: سُلَّم وَصْل - إلى فعل
المحرمات، والإقدام عليها؛ فإنَّ النَّفس إذا عصمت عن المكروه، هابت
الإقدام عليه، ورأته معصية؛ فيكون حاجزًا منيعًا عن المحرمات.
ومنها: المباح الَّذي يُخشى أنْ يكون ذريعةً إلى المحرَّم، أو يجرّ - في
بعض الأحوال - إلى المحرم، ومثله الإفراط في المباحات، فتسبب
مجاوزته إلى الحرام، إمّا عند فقده، أو للإفراط فيما هو فيه.
وبناءً عليه: فإنَّ هذا الحديث أصلٌ في الورع، وهو أنَّ ما اشتبه على
الرجل أمره في الحل أو الحرمة، فالورع تركه وتجنبه؛ فإنَّه إذا لم يتركه
----
-------

٣٥٥
كتاب الجامع - باب الزهد والورع
واستمر عليه، واعتاده، جَرَّ ذلك إلى الوقوع في الحرام.
٤- وقد كان السلف - رَضِي الله عنهم - يتركون المباحات الكثيرة؛ خوفًا من
المكروه والحرام؛ ذلك أنَّ من لم يتعد الشُّبَهَ في كسبه ومعاشه، فقد عرّض
دينه وعرضه للطعن .
٥ - ثمَّ ضربَ وَِّ مثلاً للمحرَّمات بالحِمَى، الَّذي يتخذه الخلفاء والملوك مرعى
لدواُھم.
ومثّل المُلِمّ بالمشتبهات بالرَّاعي، الَّذي يسيم ماشيته حول الحمى،
فيوشك ويقرب أنْ ترعى ماشيته فيه؛ لقربه منه، كذلك المُلِمّ بالمشتبهات
يوشك أنْ يقع في المحرمات، وهو تصويرٌ بديعٌ، ومثالٌ قريب.
٦ - ثُمَّ ذكر وَّ أنَّ في الجسد لحمةً صغيرةً لطيفةً بقدر ما يمضغ، وأنَّ هذه
القطعة من اللحم هي القلب، وأنَّ القلب هو السلطان المدبِّر لمملكة
الأعضاء، وما تأتي من أعمالٍ؛ فعليه مدار فسادها أو صلاحها .
فإن صلح القلب، فإنه لن يأمر إلاّ بما فيه الخير، وسيصلح الجسد كله،
وإن فسد، فسيأمر بالفساد والشر، وتكون الأعمال معكوسة منكوسة، والله
ولي التوفيق.
٧- وبالجملة فهذا حديثٌ عظيم جليل، وقاعدةٌ من قواعد الإسلام، وأصلٌ من
أصول الشريعة، عليه لوائح أنوار النُّبوة ساطعة، ومشكاة الرِّسالة مضيئة؛
فهو من جوامع كلام النَّبِيِّ وَّ، ويحتاج استيفاء الكلام عليه إلى مصنَّف
مستقل طويل .
٨- اتَّفق العلماء على عظم هذا الحديث، وكثرة فوائده، وأنَّه من الأحاديث التي
عليها مدار الإسلام، قيل: هو ثلثه، وحديث: ((إنَّما الأَعمال بالنِّيات))،
ثلث، وحديث: ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)) الثلث الباقي.
٩ - قوله: ((الحلال بيِّن، والحرام بيِّن ... )): معناه: أنَّ الأشياء ثلاثة أقسام:

٣٥٦)
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
حلال بيِّن واضح حله، وحرام بيِّن واضح الحرمة، والمتشابه هو الَّذي
يحتمل الأمرين؛ فاشتبه على النَّاظر بأيهما يلحق، وإليه أشار ◌َّه بقوله: ((لا
يعلمهنَّ كثيرٌ من النَّاس))؛ ففيه أنَّه يعلمهنَّ بعض النَّاس، وهم الرَّاسخون من
العلماء، فإذا اجتهد المجتهد، فألحقه بأحدهما، صار حلالاً أو حرامًا، فإذا
فَقَد هذه الدلائل، فالورع تركه؛ لأَنَّه دخل بقوله وَّهِ: ((فمن اتَّقى الشبهات،
فقد استبرأ لدينه وعرضه)) .
---------
------- -- ----
--- - rom ..
---- ----- ----- ---- -----

٣٥٧
كتاب الجامع - باب الزهد والورع
١٢٨٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ
اللهِوَّةُ: ((تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، والدِّرْهَم، وَالْقَطِيفَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ،
وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ)) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ(١).
* مفردات الحديث:
- تَعِسَ: كفَرِح، بفتح، فكسرٍ، وهو الهلاك، والعثار، والسقوط، والانحطاط،
والقرب من الشرِّ، والبعد عن الخير.
- عبد الدينار: أراد من استعبدته الدنيا بطلبها؛ فصار كالعبد لها، والدينار
والدِّرهم، والقطيفة: مجرَّد أمثلة.
- عبد: قال الطَّيبِيُّ: خصَّ العبد بالذكر؛ ليؤذن بانغماسه في محبّة الدنيا
وشهواتها، کالأسير الَّذي لا يجد خلاصًا.
- القَطِيفة: الثوب الَّذي له خمل، جمعه: قطائف وقطف.
- أُعْطِيَ: مبني للمجهول، وكذا ((لم يُعْط))؛ قال تعالى: ﴿فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ
* [التوبة].
وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ إِ
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - العبادة هي ما قصد بها وجه الله والدَّار الآخرة؛ فمن تعبَّد لأجل الدنيا،
وليس له غرضٌ ولا مأربٌ سواها، فهذا رَكَن إلى الدنيا، وجعلها همه
وغايته؛ وبهذا فقد تعس، وهلك، وسقط، وغرق في مسلكه، فلا قوام له،
إلاَّ أنْ يتداركه الله تعالى بالتوبة النصوح.
٢- فهذا قلبه وقالبه معلّق بالدنيا، إنْ أُعطيَ منها، رضي، وحمد، وأثنى، وإنْ
(١) البخاري (٦٤٣٥).

٣٥٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
لم يعط، سخط، وتبرَّم، وقد وصف الله المنافقين بهاتين الصفتين؛ فقال
تعالى: ﴿ وَمِنْهُمْ مَن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَتِ فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَ إِن لَّمْ يُعْطَوَاْ مِنْهَا إِذَا هُمْ
يَسْخَطُونَ
[التوبة].
٥٨
٣- قال الشيخ عبدالرحمن السعدي في شرحه على كتاب التوحيد: وأما العمل
لأجل الدنيا، وتحصيل أغراضها: إنْ كانت إرادة العبد كلها لهذا المقصد،
ولم يكن له إرادةٌ لوجه الله والدَّار الآخرة، فهذا ليس له في الآخرة من
نصيب؛ وهذا العمل لا يصدر من مؤمن؛ فإنَّ المؤمن ولو كان ضعيف
الإيمان لا بُدَّ أنْ يريد الله والدَّار الآخرة.
وأمَّا من عمل لوجه الله ولأجل الدنيا، والقصدان متساويان، فهذا وإنْ كان
مؤمنًا، فإنَّه ناقص الإيمان، والتوحيد، والإخلاص، وعمله ناقصٌ؛ لفقده
كمال الإخلاص.
وأمَّا من عمل لله وحده، وأخلص في عمله إخلاصًا تامًّا؛ ولكنَّه يأخذ
على عمله جُعلاً يستعين به على العمل والدِّين؛ كالجعالة التي تجعل على
أعمال الخير، وكالمجاهد الَّذي يرتب على جهاده غنيمة أو رزق،
وكالأوقاف التي تجعل على المساجد والمدارس، والوظائف الدينية التي
يقوم بها، فهذا لا يضر أخذه في إيمان العبد وتوحيده؛ لكونه لم يرد بعمله
الدنيا، وإنَّما أراد الدِّين، وقصد أنْ يكون ما حصل له معينًا على القيام
بالڈِّین.

٣٥٩)
كتاب الجامع - باب الزهد والورع
١٢٨١ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: ((أَخَذَ رَسُولُ
اللهِ وَّهِ بِمَنْكِبَيَّ، فَقَالَ: كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ، أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ.
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - يَقُولُ: إِذَا أَمْسَيْتَ فَلاَ تَنْظِرِ
الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلاَ تَنْتَظِرِ المَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صَخَّتِكَ لِسَقَمِكَ،
وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ)) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ(١) .
* مفردات الحديث:
- مَنْكِبي: بالإفراد والتثنية، مجمع الكتف والعضد.
- عابر: عبر يعبر عبرًا وعبورًا، من باب نصر: قطع السبيل وجازه.
- السبيل: الطريق، يذكَّر ويؤنَّث، جمعه على التذكير: سُبُل، وعلى التأنيث:
سبول؛ كذا في المصباح.
وعابر السبيل: المسافر الَّذي لا يستقرّ حتَّى يصل إلى وطنه.
- أمسيت: أمسى الرَّجل مساءً ومُمْسَى: دخل في المساء، والمساء خلاف
الصباح، وهو زمان من الظهر إلى الغروب، أو إلى منتصف الليل، قولان.
- أصبحت: أصبح الرَّجل: دخل في الصباح، والصباح أوَّل النَّهار، وهو نقيض
المساء .
قال في المصباح عن ابن الجواليقي: إنَّ الصباح عند العرب من منتصف
الليل الآخر إلى زوال الشمس.
- سقمك: سقم يسقم، من باب عَلِمَ، وسقم يسقم، من باب كَرُمَ، سَقَمًا
وسُقْمًا، أي: مرض، والمرض: كل ما خرج بالكائن الحي عن حد الصحة
(١) البخاري (٦٤١٦).

٣٦٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
والاعتدال؛ قاله في المعجم الوسيط .
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - هذا الحديث الشريف من أحسن الأحاديث الواعظة؛ فهو أبلغ حديث لقطع
الأمل، وتذكر الأجل، والحافز على العمل.
٢ - يقول: ((كن في الدنيا كأنَّك غريب))؛ فإنَّ الغريب لا يركن إلى دار الغربة،
ولا يطمئن بها، ولا يستقر فيها، ولا تسكن نفسه إليها؛ فلا ينافس أهلها في
حطامها، ويزاحمهم على رغباتهم، فنفسه مشتاقةٌ إلى وطنه، لا تحدثه إلاَّ
فيه، فهو عازمٌ على السفر، مزمع على الرِّحلة، جازم على النقلة، وهو في
بلد الغربة غير عابىءٍ بأهله؛ فلا يأنف أنْ يُرى على خلاف عادة أهله في
الملبس والهيئة .
فالحديث فيه الحض على قلَّة المخالطة، والترغيب في الزهد في الدنيا.
قال أبوالحسن: إنَّ الغريب قليل الانبساط إلى النَّاس، مستوحشٌ منهم،
إذ لا يكاد يمر بمن لا يعرفه يأنس به، ويكثر من مخالطته فهو ذليلٌ خائف.
٣- قوله: ((أو عابر سبيل)) عابر الطريق مسافر لا يقرّ له قرار، ولا تهنأ له دار،
حتَّى يصل إلى داره دار القرار، ومجمع الأحبة والأخيار.
قال النووي: لا تركن إلى الدنيا ولا تتخذها وطنًا، ولا تحدث نفسك
بالبقاء فيها، ولا تتعلَّق منها إلاَّ بما يتعلَّق الغريب به في وطنه، الَّذي يريد
الذهاب منه إلى أهله، وهذا معنى قول سلمان الفارسي - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -:
((أَمرِنِي خليلي ◌َّ أنْ لا أتخذ من الدنيا إلاَّ كمتاع راكب)).
ففي الحديث دليلٌ على قصر الأمل، والاستعداد للموت.
وقال عمر بن عبدالعزيز - رحمه الله - في خطبته: إذا لم تكن الدنيا دار
إقامة ولا وطنًا، فينبغي للمؤمن أنْ يكون حاله على أمرين :
إمّا أنْ يكون فيها غريبًا في بلد غربة، همه التزود للرجوع إلى وطنه.
----
---
----- - ---