Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
كتاب الجامع - باب الأدب
١٢٤٩ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ
وَّ: ((حَقُّ المُسْلِم عَلَى المُسْلِمِ سِتُّ: إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا
دَعَاكَ فَأَجِبَةُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْهُ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللهَ
فَشَمِّتْهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ، وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ)) رَوَاهُ مُسْلِمُ(١).
* مفردات الحديث:
- إذا دعاك فأجبه: أجاب الدَّاعي إجابة، مصدر، والاسم: الجابة، بمنزلة
الطاعة، تقول: منه إجابة، وأجاب عن سؤاله، والاستجابة بمعنى الإجابة،
وأصله : أجابه إجْوَابًا، حذفت الواو، وعوضت عنها التاء؛ لأَنَّ أصلها أجوف
واوي.
- وإذا عَطَسَ فَحَمِدَ اللهَ فَشَمِّتْه: العطاس: اندافع الهواء من الأنف بعنف
لعارض.
فَشَمِّته: بالشين المعجمة، ثمَّ ميم مشدّدة، من التشميت، والتفعيل يجيء
للسلب، والمراد هنا: إزالة شماتة الأعداء عنه بالدعاء له بالخير، لا سيما
بلفظ: يرحمك الله، ويأتي بالسين المهملة، ولكن بالشين المعجمة أفصح.
قال في تهذيب اللغة: سمَّته بالسين والشين: إذا دعا له.
وقال أبو عبيد: بالشين المعجمة أعلى وأفشى.
- وإذا فمرض فعُدْه: عاد المريض يعوده عيادة: إذا زاره في مرضه، وسأل عن
حاله، وأصل العيادة عِوَادَةٌ؛ قلبت الواو ياء؛ لكسر ما قبلها؛ طلبًا للخفة.
(١) مسلم (٢١٦٢).

٢٨٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
* ما يؤخذ من الحديث:
الدِّين الإسلامي دين المحبّة، والمودة، والإخاء، يحث عليها، ويرغب
فيها؛ لذا فإنَّه شرع الأسباب التي تحقق هذه الغايات الشريفة.
وإنَّ من أهمِّها القيام بالواجبات الاجتماعية بين أفراد المسلمين، من
إفشاء السلام، وإجابة الدعوة، والنصح في المشورة، وتشميت العاطس،
وعيادة المريض، وتشييع الجنازة.
---------
هذا الحديث الَّذي معنا أكَّد هذه الحقوق، ونحن نعرضها واحدًا واحدًا
إنْ شاء الله تعالی :
الأوَّل: السلام؛ قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدْخُلُواْ بُيُوتًا غَيْرَ
بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَ أَهْلِهَا﴾ [النور: ٢٧]، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا
دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُواْ عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَرَكَةٌ طَيِّبَةٌ﴾ [النور: ٦١]،
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا حُبِّيْتُمْ بِنَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَاً﴾ [النساء: ٨٦].
وجاء في صحيح مسلم (٥٤) عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال
رسول الله وَله: ((لا تدخلوا الجنَّةَ حتَّى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتَّى تحابوا، أولا
أدلكم على شيءٍ إذا فعلتموه تحاببتم: أفشوا السّلام بينكم)).
فالتحية المباركة الطيبة جعلها الله رابطة مودة، وحب، وإخاء بين
المسلم والمسلم، وبين القلب والقلب.
لذا يحسن أن تؤتى بألفاظها، ومعانيها الكاملة، وهي: ((السلام عليكم
ورحمة الله وبر كاته)).
قال في الإقناع: ((وابتداء السلام سنة، ومن الجماعة سنة كفاية، ولو سلّم
على إنسان، ثمَّ لقيه عن قُربٍ، سُن أنْ يسلِّم عليه ثانيًا، وثالثًا، وأكثر، ولا
يترك السلام إذا كان على ظنِّه أنَّ المسلم لا يرد عليه)).
ورد السَّلام فرض عين على المنفرد، وفرض كفاية على الجماعة.
----

٢٨٣
كتاب الجامع - باب الأدب
وتزاد الواو في رد السلام وجوبًا .
ويكره أن يسلم على امرأةٍ أجنبية إلاَّ أنْ تكون عجوزًا، أو برزة.
ويكره على تالٍ، وذاكرٍ، وملبٍّ، ومحدِّثٍ، وخطيبٍ، وواعظٍ،
ونحوهم، وعلى من يسمع لهم.
والهجر المنهي عنه يزول بالسلام.
ويسن أنْ يسلِّم عند الانصراف، وإذا دخل بيته، أو بيتًا خاليًا، أو مسجدًا
خاليًا، قال: السَّلام علينا، وعلى عباد الله الصَّالحين.
ويجزىء: ((السَّلام عليكم))، وفي الرد: ((وعليكم السَّلام))، وكماله:
((السَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته))، والجواب مثله.
ولا يجوز مصافحة المرأة الأجنبية الشَّابة .
وتسن مصافحة الرجل للرجل، والمرأة للمرأة، ولا ينزع يده من يد
مصافحه حتَّى ينزعها إلاَّ لحاجة .
ولا بأس بالمعانقة، وتقبيل الرأس واليد لأهل العلم، والدِّين ونحوهم.
الثاني: ((إذا دعاك فأجبه))؛ قال تعالى: ﴿ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُواْ فَإِذَا
طَعِمْتُمْ فَأَنْتَشِرُواْ﴾ [الأحزاب: ٥٣].
وجاء في سنن أبي داود (٣٧٤١) عن ابن عمر، قال: قال رسول الله وَ له :
((فمن دعي فلم يجب، فقد عصى الله ورسوله))، ولمسلم: ((إذا دعا أحدكم
أخاه، فليُجب))، وفي لفظ: ((إذا دعي أحدكم إلى وليمة عرس، فليجب)).
قال في الإقناع: والإجابة إلى وليمة العرس واجبة إذا عيّنه داع مسلم،
يحرم هجره، ومكسبه طيب، في اليوم الأوَّل، وهو حق الدَّاعي تسقط بعفوه،
وإنْ كان المدعو مريضًا، أو ممرضًا، أو مشغولاً بحفظ مال، أو كان في شدَّة
حر، أو برد، أو مطر يبل الثياب، أو كان أجيرًا ولم يستأذن المستأجر - لم تجب
الإجابة .

٢٨٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
والإجابة في دعوة العرس واجبة - كما تقدَّم ــ وفيما عداها من الدعوات
المباحة مندوبة .
الثالث: ((إذا استنصحك فانصحه))؛ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾
[الحجرات: ١٠]، وقال عن أخلاق الأنبياء - عليهم الصَّلاة والسَّلام -: ﴿وَأَنَاْ لَكُمْ
نَاصِعُ أَمِينُ (٨َ﴾ [الأعراف].
وجاء في البخاري (٥٧)، ومسلم (٥٦) من حديث جرير بن عبدالله،
قال: ((بايعت رسول الله وَّر على إقامة الصَّلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكلِّ
مسلم)) .
وجاء في البخاري (١٣) ومسلم (٤٥) عن أنس عن النَّبي ◌َّ قال: ((لا
يؤمن أحدكم حتَّى يُحِب لأخيه ما يحب لنفسه)) .
وروى مسلم في صحيحه (٥٥) من حديث تميم الدَّاري؛ أنَّ النَّبِيَّ وَّ
قال: ((الدِّين النصيحة ، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله،
ولأئمة المسلمين، وعامتهم)).
فالنصيحة: هي عماد الدِّين وقوامه.
والنصيحة لعامَّة المسلمين: هي إرشادهم لصالحهم في آخرتهم
ودنياهم، وإعانتهم عليها، وستر عوراتهم، وسد خلاتهم، ودفع المضار
عنهم، وجلب المنافع لهم، وأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر برفقٍ
وإخلاص، والشفقة عليهم، وتوقير كبيرهم، ورحمة صغيرهم، وتَخَوّلهم
بالموعظة الحسنة، وترك غشهم وحدهم، وأن يحب لهم ما يحب لنفسه من
الخير، ويكره لهم ما يكره لنفسه من المكروه.
والنصيحة فرض كفاية؛ إذا قام بها من يكفي، سقطت عن غيره.
وهي لازمة على قدر الطَّاقة.
ومعنى الحديث: أنَّه إذا طلب منك النصيحة، فيجب عليك أنْ تنصح له،
-- -

٢٨٥
كتاب الجامع - باب الأدب
وأمَّا بدون طلب، فلا يجب، ولكن النَّصيحة من أخلاق الإسلام الفاضلة،
فالدَّال على الخير كفاعله.
الرَّابع: ((إذا عطس فحَمِدَ الله فشمتْه))؛ صفة ذلك كما جاء في صحيح
البخاري (٦٢٢٤) عن أبي هريرة عن النَّبِي وَّ أنَّه قال: ((إذا عطس أحدكم،
فليقل: الحمد لله، وليقل له أخوه: يرحمك الله، وليقل: يهديكم الله، ويُصْلِحُ
بالكم)).
قال النووي : إنَّه متّفق على استحبابه.
قال في الإقناع: وإذا عطس، خمَّر وجهه، ولا يلتفت، ويحمد الله.
وتشميته فرض كفاية، ويكره أن يشمت من لم يحمد الله، لكن يعلُّم
الصغير أن يحمد الله، وحديث عهد بالإسلام ونحوه.
ويشمِّت الرجل الرجلَ، والمرأةَ العجوز والبرزة، ولا يشمت الشَّابة، ولا
تشمته .
فإنْ عطس ثانيًا، وثالثًا، شمته، ورابعًا، دعا له بالعافية.
الخامس: ((إذا مرض فعُدْه))؛ فقد جاء في جامع الترمذي (٩٦٩) عن
علي - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله وَل يقول: ((ما من مسلمٍ يعودِ
مسلمًا غدوةً إلاَّ صلَّى عليه سبعون ألف ملك حتَّى يمسي، وإنْ عاده عشّية إلاَّ
صلَّى عليه سبعون ألف ملك حتَّى يصبح، وكان له خريف في الجنة)) حديث
حسن .
قال الشيخ تقي الدِّين: الّذي يقتضيه النص وجوب عيادة المريض، وجزم
بها البخاري، وذهب جمهور الفقهاء: إلى أنَّها مندوبة، ونقل النووي الإجماع
على عدم الوجوب.
ومفهوم الحديث: أنَّ حقَّ العيادة للمسلم، ولكنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام
عاد يهوديًّا، كما في البخاري، وعاد عمه أبا طالب؛ كما في الصحيحين.

٢٨٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
قال في الإقناع: ويسأله عن حاله، وينفِّس في أجله بما يطيب نفسه، ولا
يطيل الجلوس عنده، ويَغِبُّ بها)).
جاء في البخاري (٥٧٤٣) ومسلم (٢١٩١)، عن عائشة: ((أنَّ النَّبِيَّ﴾
ـلاد
كان يعوِّذ بعض أهله، يمسح بيده اليمنى، ويقول: ((اللهم رب النَّاس، أذهب
الباس، اشْفٍ أنت الشَّافي، لا شافي إلاّ أنت، شفاءً لا يغادر سَقَمًا)).
السَّادس: ((إِذَا ماتَ فَاتَّبِعْهُ))؛ فقد جاء في البخاري (١٣٢٥) ومسلم
(٩٤٥) عن أبي هريرة - رَضِيَ الله عنه - قال: قال رسول الله وَلَهُ: ((مَنْ شهد
الجنازة حتَّى يصلى عليها فله قيراط، ومن شهدها حتَّی تدفن: فله قيراطان،
قيل: وما القيراطان؟ قال: مثل الجبلين العظيمين)).
قال في الإقناع: واتباع الجنازة سنَّة، وهو حق للميت، وحق لأهله.
قال الآجري: من الخير أنْ يتبعها لقضاء حق أخيه المسلم .
ويكره رفع الصوت، والصيحة عند رفعها، ولو بقراءة، أو ذكر، ويسن
أنْ يكون متخشعًا متفكِّرًا في حاله، متعظًا بالموت، وبما يصير إليه الميت،
ويكره التبسم، والضحك أشد منه، والتحدث بأمر الدنيا.
----.

٢٨٧
كتاب الجامع - باب الأدب
١٢٥٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ
اللهِ وَّهِ: (انْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلاَ تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ
فَوْقَكُمْ؛ فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لاَ تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١).
* مفردات الحديث:
- أَجْدَر: مشتق من الجدر الَّذي هو أصل الشجرة؛ فكأنَّهُ ثابتٌ بثبوت الجدر،
ومعناه: أحق وَأخلق ألاَّ تحتقروا نعمة الله عليكم.
- تزدروا: يُقال: ازدراه ازدراء: احتقره واستخف به .
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الطمأنينة القلبية لا تحصل إلاَّ بحسن النظر، والقناعة بما قسم الله للعبد،
فإذا قنع نفسه، وألهم شعوره بنعم الله تعالى عليه، حصلت له راحة نفسية،
وطمأنينة قلبية، ورضيَ بما قسم الله له؛ فلا تطمح نفسه في أمور الدنيا إلى
مَنْ هم أعلى منه، ولا تمتد عيناه إلى من هم فوقه فيها .
وإذا فعل ذلك، حصل له راحةُ قلب، وطيب نفس، وهناءة عیش.
وإلاّ فإنَّه مهْمَا حصَّل، ومهما زادت أموره الدنيوية، فإنَّه سيجد من هو
أحظ منه؛ فلا يزال في شقاء قلب، وتعب ضمير، وإنهاك بدن، ولهو،
وغفلة عن الاستعداد لحياته الباقية، وسعادته الدَّائمة.
٢ - النَّبيِ وَله أرشد أمَّته إلى طريق القناعة، ودلَّهم على منهج الرضا؛ فأمرهم أنْ
ينظروا في أمر دنياهم إلى من هو أسفل منهم، وأقل منهم حظًّا فيها؛ فإنَّ
العبد مهما افتقر، فسيجد من هو أفقرمنه، ومهما مرض فسيرى من هو أشد
(١) البخاري (٦٤٩٠)، مسلم (٢٩٦٣).

٢٨٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
منه مرضًا، وإنْ كان ذا عاهة، فسيجد من هو أعظم منه عاهة، وأشد بلاءً،
فإذا أمعن النظر، فسيجد أنَّ اللهَ تعالى فضَّله على كثيرٍ ممَّن خلق تفضيلا .
وهذه النظرة الحكيمة ستريح قلبه، وتسعد نفسه، وتزيده إيمانًا بربِّه،
وشكرًا له على نعمه، وصبرًا على ما ابتلاه؛ ابتغاء ما عند الله تعالى.
٣- أمَّا النظر في الطَّاعات والقربات، فينبغي أنْ ينظر إلى من هم أعلى منه، وأنْ
يعتبر نفسه من المقصِّرين، وأنْ يغبطهم على سبقهم، وَيَجِّدَّ في اللحاق بهم.
وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ
قال تعالى:
وَاُلْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ
[آل عمران]، وقال تعالى: ﴿أُوْلَتِكَ يُرِعُونَ فِ
[المؤمنون]، وقال تعالى: ﴿وَفِ ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ
اْخَّرَتِ وَهُمْ لَا سَبِقُونَ
[المطففين].
٢٦
اٌلْمُثَنَافِسُونَ
وقد جاء في صحيح مسلم (٥٦٦٤) من حديث أبي هريرة قال: قال
رسول الله وَّل: ((المؤمن القوي خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف،
وفي كلٍّ خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز)).
وجاء في البخاري (٦١٢٢) ومسلم (٢٨٢٣) عن أبي هريرة أنَّ النَّبِيَّ وَّه
قال: ((حُفَّت النَّارُ بالشَّهوات، وحُفَّت الجنَّةً بالمكاره)) .
--- ---- ---- ------------------

٢٨٩
كتاب الجامع - باب الأدب
١٢٥١ - وَعَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: سَأَلْتُ
رَسُوْلَ اللهِ وَّةِ عَنِ البِرِّ وَالإِثْمِ؟ فَقَالَ: ((البِرُّ حُسْنُ الخُلُقِ، وَالإِثْمُ مَا
حَاكَ فِي صَدْرِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ)) أَخْرَجَهُ مُسْلِمُ(١).
* مفردات الحديث:
- البر: بكسر الباء، التوسع في فعل الخير؛ فهو اسمٌّ جامعٌ للخيرات؛ من
اكتساب الحسنات، واجتناب السيئات، والعمل الخالص الدَّائم المستمر.
- حُسن الخلق: قال ابن دقيق العيد: الإنصاف في المعاملة، والرفق في
المجادلة، والعدل في الأحكام، والبذل والإحسان، وغير ذلك من صفات
المؤمنين .
- الإثم: هو المعاصي والذنوب بحق الله، أو بحقِّ خلقه؛ قال ابن دقيق العيد:
الإثم هو الشيء يورث نفرة في القلب، وهذا أصلٌ يتمسّك به لمعرفة الإثم.
- حَاكَ: تردد، وتحرَّك به الخاطر في صدرك، وخشيت أنْ يكون ذنبًا.
* ما يؤخذ من الحديث:
الحديث يشتمل على تفسير لفظين: ((البر)) و((الإثم))، وهذا معناهما:
البر: قال ابن رجب: البر يدخل فيه جميع الطاعات الباطنة؛ كالإيمان
بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والطّاعات الظَّاهرة؛ كإنفاق الأموال فيما يحبه
الله، وإقامة الصَّلاة، وإيتاء الزكاة، والوفاء بالعهد، والصبر على الأقدار؛
كالمرض والفقر، وعلى الطَّاعات؛ كالصبر على لقاء العدو.
وقد يكون جواب النَّبِي ◌َّر في حديث النواس شاملاً لهذه الخصال كلها؛
(١) مسلم (٢٥٥٣).

٢٩٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
لأَنَّ حسن الخلق قد يُراد به التخلق بأخلاق الشريعة، والتأدب بآداب الله، التي
أدَّب بها عباده في كتابه؛ كما قال تعالى لرسوله وَّ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ
عَظِيمٍ ﴾﴾ [القلم].
قالت عائشة: ((كان خلقه القرآن)) يعني: تأذَّب بآدابه، فيعمل بأوامره،
ويتجنَّب نواهيه؛ فصار العمل بالقرآن له خلقًا، كالجبلة والطبيعة، لا يفارقه.
وهذا هو أحسن الأخلاق، وأشرفها، وأجملها، وقد قيل: ((إنَّ الدِّين كله
خلق)) .
وقال ابن دقيق العيد: ((البر حسن الخلق)): المراد بحسن الخلق:
الإنصاف في المعاملة، والرفق في المجادلة، والعدل في الأحكام، والبذل
والإحسان، وغير ذلك من صفات المؤمنين الَّذين وصفهم الله تعالى، فقال:
﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ الآيات [الأنفال: ٢]، وقوله:
وَالتَّمْبُونَ الْعَبِدُونَ﴾ [التوبة: ١١٢]. وقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ
الآيات [المؤمنون]، وقوله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ الآيات
[الفرقان: ٦٣].
فمن أشكل عليه حاله، فليعرض نفسه على هذه الآيات، فوجود جميعها
علامة حسن الخلق، وفقد جميعها علامة سوء الخلق، ووجود بعضها دون
بعض يدل على عدم كمالها، فليشتغل بحفظ ما وجده، وتحصيل ما فقده.
ولا يظن ظانٌ أنَّ حسن الخلق عبارة عن لين الجانب وترك الفواحش
فقط، وأنَّ من فعل ذلك، فقد هذَّب خلقه، بل حسن الخلق ما ذكرناه من
صفات المؤمنين، والتخلق بأخلاقهم، ومن حسن احتمال الأذى.
وقال الشيخ أحمد حجازي في شرح الأربعين:
البر: عبارة عمَّا اقتضاه الشرع وجوبًا وندبًا؛ فهو عبارة عن الإحسان،
فيدخل فيه ثلاثة: طلاقة الوجه، وكف الأذى، وبذل النَّدى، وأنْ يحب للنَّاسِ
------

٢٩١
-(
كتاب الجامع - باب الأدب
ما يحب لنفسه، ومنه الإنصاف في المعاملة، والرفق في المجادلة، والعدل في
الأحكام، والإحسان في السر، والإيثار في العسر، وحسن الصحبة، ولين
الجانب، واحتمال الأذى، وفعل الواجبات، واجتناب المحرمات.
الإثم: هو ما أثَّر في الصدور، وجاء ضيقًا واضطرابًا، فلم ينشرح له
الصدر، مع هذا فهو عند النَّاس مستنكر، بحيث يكرهونه عند اطلاعهم عليه،
وهذا هو أعلى مراتب معرفة الإثم عند الاشتباه، وهو ما استنكر النَّاس فاعله،
وغیر فاعله.
ومن هذا قول ابن مسعود: «ما رآه المؤمنون حسناً، فهو عند الله حسن،
وما رآه المؤمنون قبيحًا، فهو عند الله قبیح)).
وفي الجملة: فما ورد النص به فليس للمؤمن فيه إلاَّ طاعة الله ورسوله؛
كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ: أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ
مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦].
وينبغي أنْ يتلقَّى ذلك بانشراح الصدر والرضا؛ فإنَّ ما شرعه الله ورسوله
يجب الإيمان والرضا به والتسليم له؛ كما قال تعالى: ﴿ فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ
حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَلْنَهُمْ﴾ الآية [النساء: ٦٥].
وأمَّا ما ليس فيه نصٌّ من الله ورسوله، ولا عمَّن يقتدى بقوله من الصحابة
وسلف الأمة، فإذا وقع في نفس المؤمن - المطمئن قلبه بالإيمان، المنشرح
صدره بنور المعرفة واليقين - منه شيءٌ، وحاك في صدره بشبهة موجودة، ولم
يجد من يفتيه فيه بالرخصة، ولا من يخبره عن رأيه، وهو ممَّن لا يوثق بعلمه
وبدينه، بل هو معروف باتباع الهوى: فهنا يرجع المؤمن إلى ما حاك في
صدره، وإن أفتاه هؤلاء المفتون.
وقال الشيخ أحمد حجازي: الإثم: هو الذنب، وما حاك، أي: رسخ،
وأثَّر في النفس اضطرابًا، وقلقًا، ونفورًا، وكراهية بعدم طمأنينتها، وكرهت أنْ

٢٩٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
يطلع عليه وجوه النَّاس وأماثلهم الَّذين يسخرون منه؛ وذلك أنَّ النَّفس لها
شعور من أصل الفطرة بما تحمد عاقبته، وما تذم عاقبته، ولكن غلبت عليها
الشهوة حتَّى أوجبت لها الإقدام على ما يضرها.
ووجه كون كراهة النَّاس على الشيء يدل على أنَّه إثم: أنَّ النَّفس بطبعها
تحب الاطلاع على خيرها، وتكره ضد ذلك.
ومن ثمَّ أهلك الرياءُ - أكثر النَّاس، فبكراهتها اطلاع النَّاس يعلم أنَّه شرٌّ
وإثم .

٢٩٣
كتاب الجامع - باب الأدب
١٢٥٢ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ وَّهِ:
((إِذَا كُنْتُمْ ثَلاَثَةً، فَلاَ يَتَنَجَى اثْنَانِ دُونَ الآخَرِ، حَتَّى تَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ؛
مِنْ أَجْلِ أَنَّ ذِلِكَ يُحْزِنُهُ) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ، وَالَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (١).
* مفردات الحديث:
- فلا: الفاء هنا رابطة لجواب إذا.
- لا: ناهية، يطلب بها ترك الفعل؛ فهي جازمة .
- يتناجَ: بجيم فقط، فهي مجزومة؛ كما في بعض نسخ البخاري؛ ولكنَّها عند
الأكثر بألف مقصورة، فهو بلفظ الخبر؛ كما أوضح ذلك في فتح الباري.
- تختلطوا: الخلط مصدر خلط يخلط، من باب ضرب، فالاختلاط هنا
الاجتماع بالنَّاس.
- من: بكسر الميم، وسكون النون، لها عدَّة معانٍ؛ أحدها: أنْ تكون للتعليل،
وهي المرادة هنا .
- حتَّى: حرف يأتي لعدَّة معاني، والمراد به هنا أنَّها: للغاية؛ فهي بمعنى
((إلى)).
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الإسلام يأمر بجبر القلوب، وحسن المجالسة والمحادثة، وينهى عن كل
مايسيء إلى المسلم ويحزنه، ويوجب له الظنون؛ فمِن ذلك: أنه إذا كانوا
ثلاثة، فإنه إذا تناجى اثنان وتسارًا دون الثالث الذي معهما، فإن ذلك يسيئه
ويحزنه، ويشعره بأنه لا يستحق أن يدخل معهما في حديثهما؛ كما يشعره
(١) البخاري (٦٢٩٠)، مسلم (٢١٨٤).

٢٩٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
بالوحدة والانفراد.
٢- مفهوم الحديث أنهم إذا كانوا أكثر من ثلاثة من الأربعة فصاعدًا، فلا بأس
من التناجي والتسارِ.
وآداب المجالس هي الأنس والانبساط من الجميع، وتبادل الأحاديث
المفيدة والنكات اللطيفة، والمزاح المعتدل إذا كان بين الأصحاب الذين
ارتفعت بينهم الكلفة .
٣- ومن التناجي المكروه: أن يتكلم بلغة لا يحسنها الثالث الذي معهما ؛ فهذه
لها حكم التسارِّ والتناجي الممقوت.
٤ - ظاهر الحديث: أن التناجي المذكور محرَّم؛ لأن النهي يقتضي التحريم،
فإن لم يصل إلى درجة التحريم، فأقل الأحوال الكراهة الشديدة.

٢٩٥
كتاب الجامع - باب الأدب
١٢٥٣ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ
اللهِ وَّهُ: ((لاَ يُقِيمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِنْ مَجْلِسِهِ، ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ، وَلَكِنْ
تَفَسَّحُوا، وَتَوَسَعُوا)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١).
* مفردات الحديث:
- تفسّحوا: يقال: فسح له في المجلس يفسح فسحًا، من باب نفع: وسَّع
وفرَّج له عن مکان یسعه .
- توسّعوا: يُقال: وسع يسع سعة، من باب علم، وتوسّع القوم في المجلس،
أي: تفسحوا فيه.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - هذا الحديث فيه أدبان من آداب المجالس:
الأوَّل: أنَّه لا يحل للرَّجل أن يقيم الرجل الآخر من مجلس سبقه إليه
قبله، ثمَّ يجلس فيه، فمن سبق إلى مباح، فهو أحق به، و ((من سبق إلى
مالم يُسْبَقْ إليه، فهو له)) سواءٌ كان المقيم وجيهًا، أو غير وجيه؛ فإنَّ السَّابق
أحق بمكانه، سواءٌ أكان في مسجد، أو مجلس، أو حفل، أو غير ذلك.
الثاني: أنَّ المتعين على الحضور أنْ يتفسَّحوا للقادم حتَّى يوجدوا له
مكانًا بينهم؛ قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَحُواْ فِى الْمَجَلِلِسِ
فَأَفْسَحُواْ يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المجادلة: ١١].
قال القرطبي: أمر الله المسلمين بالتعاطف والتآلف حتَّى يفسح بعضهم
لبعض؛ حتَّى يتمكنوا من الاستماع من رسول الله وَّر، والنظر إليه .
(١) البخاري (٦٢٧٠)، مسلم (٢١٧٧).

٢٩٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٢ - قال: الصحيح أنَّ الآية عامَّةٌ في كلِّ مجلس، اجتمع المسلمون فيه للخير
والأجر، سواء أكان مجلس حرب، أو ذكر، أو مجلس يوم الجمعة، فإن
كل واحد أحق بمكانه الَّذي سبق له؛ قال وَلّ: ((مَن سبق إلى مالم يُسْبَقْ
إليه، فهو أحق به)) [رواه أبوداود (٣٠٧١)].
٣- وقال أيضًا: قال علماؤنا: هذا يدل على صحّة القول بوجوب اختصاص
الجالس بموضعه إلى أن يقوم منه؛ لأَنَّه إذا كان أولى به بعد قيامه، فقبله
أولی به .

٢٩٧
كتاب الجامع - باب الأدب
١٢٥٤ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ
اللهِ وَّهِ : ((إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا، فَلاَ يَمْسَحْ يَدَهُ حَتَّى يَلْعَقَهَا، أَوْ
يُلْعِقَهَا)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
** مفردات الحديث:
- يَلْعَقها أَوْ يُلْعِقها: الأوَّل من الفعل الثلاثي ((لعق))؛ فهو بفتح الياء، والثَّاني من
الرباعي ((ألعق))؛ فهو مضموم الياء، فالأوَّل: يلعقها بنفسه، والثَّاني: يُلْعِقها
زوجته، أو ولده، أو خادمه، واللَّعْقُ: تتبُّعُ ما عليها من طعام بلسانه.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - نعمة الله تعالى في الطعام والشراب لها حرمتها وكرامتها، ومن ذلك: أنَّ
الآكل إذا لم يلعق ما بأصبعه، أو يده من بقايا الطعام، فإنَّه لا ينبغي أنْ يغسل
يده، فيجري الطعام مع المياه الوسخة، والأقذار، والأبوال، فإنَّ هذا من
كفران النعمة وإهانتها؛ ولكن عليه أنْ يلعق يده وأصابعه حتَّى لا يبقى فيها
أثر من الطعام الرَّاسخ، أو يُلْعِقها من له عليه دالَّة وميانة؛ كالولد،
والزوجة، والخادم، ونحوهم.
٢ - إنْ لم يحصل هذا كما هو الحال في زماننا من إهمال كثيرٍ من السنن، فأقل
أحوال الآكل أنْ يمسح بقية الطعام من يده بالمناديل التي تلقى بأمكنة طاهرة
نظيفة، ثمَّ يغسل يديه بعد ذلك، والأفضل اتباع السنة .
٣- بعضهم فهم أنَّ المراد بلعق اليد بعد الطعام: أنَّ ذلك لأجل قلَّة الماء، وأنَّه
جعل اللعق بدل الغسل حتَّى لا يبقى على يديه أثر الطعام، والحق: أنَّ
(١) البخاري (٥٤٥٦)، مسلم (٢٠٣١).

٢٩٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
المراد هو الأوَّل، والله أعلم.
٤ - جاء في البخاري (٢١١) ومسلم (٣٥٨) أنَّ النَّبِي وَّ شرب لبنًا،
وتمضمض، وقال: ((إِنَّ له دسمًا)).
قال في الآداب الشرعية: لذلك ينبغي أنْ يتمضمض بعده بالماء من كل ما
له دسم؛ لتعلیله څچل .
------

٢٩٩
كتاب الجامع - باب الأدب
١٢٥٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ
اللهِ وَّهِ: (لِيُسَلِّمِ الصَّغِيْرُ عَلَى الكَبِيرِ، وَالمَارُ عَلَى القَاعِدِ، وَالْقَلِيلُ
عَلَى الْكَثِيرِ)) مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: ((وَالرَّاكِبُ عَلَى المَاشِي))(١).
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديث يفيد الترتيب المندوب في حقِّ البداءة بالسلام؛ فذكر أربعة أنواع
فيها :
أحدها: أنَّ حقَّ التكرمة هي من الصغار للكبار، فعلى الصغير أنْ يجل
الكبير، ويبدأه بالسَّلام والتحية.
الثاني: أنَّ المارَّ الَّذي يتخطَّ أمام القاعد، هو الَّذي ينبغي له البداءة
بالسَّلام؛ لأَنَّه بمنزلة القادم عليه .
الثالث: أنَّ الكثير هو صاحب الحق على القليل؛ فالأفضل للقليل أنْ
يكون هو البادىء بالسَّلام؛ لأَنَّ القليل ينوي الجمع كله ببداءة السَّلام،
فیشملهم جميعًا .
الرَّابع: أنَّ الرَّاكب له مزية الاعتلاء، وفضل الركوب؛ فكان البدء
بالسلام من أداء شكر الله تعالى على نعمته عليه؛ ليشعر الماشي بعدم الزهو
والكبر؛ فإنَّ عليه أنْ يتواضع، فيبدأ بالسَّلام على الماشي.
٢ - قال في شرح الإقناع: ويسن أنْ يسلم الصغير على الكبير، والقليل على
الكثير، والماشي على الجالس، والرَّاكب على الماشي؛ للحديث، فإنْ
(١) البخاري (٦٢٣١)، مسلم (٢١٦٠).

٣٠٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
عكس؛ بأن سلم الكبير على الصغير، والكثير على القليل، والقاعد على
الماشي، والماشي على الرَّاكب، حصلت السنَّة؛ للاشتراك في الأمر بإفشاء
السَّلام، والأوَّل أكمل في السنة؛ لامتيازه بخصوص الأمر السَّابق.
٣- هذا إذا تلاقوا في الطريق ونحوها، أمَّا إذا وردوا على قاعد أو قعود، فإنَّ
الوارد یبدأ مطلقًا، صغیرًا کان أو کبیرًا، أو راكبًا، أو قليلاً، وضدهم.
-- --- - --
------ --
-------
-----