Indexed OCR Text
Pages 261-280
٢٦١ كتاب العتق ١٢٤١ - وعَن ابْن عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: ((الْوَلاَءُ لُخْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ، لاَ يُبَعُ، وَلاَ يُوهَبُ)) رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَصَخَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالحَاكِمُ(١). وأَضْلُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِغَيْرِ هَذَا الَّلِفْظِ (٢). * درجة الحديث: الحدیث صحیح. أخرجه الشَّافعي، ومن طريق الشَّافعي أخرجه الحاكم، والبيهقي. قال الألباني: قال النيسابوري: رواه الحسن مرسلاً، قلت: وإسناد هذا المرسل صحيح، وهو ممَّا يقوي الموصول؛ فإنَّ طريق الموصول غير طريق المرسل. فالحديث إذًا صحيح من طريق الحسن البصري، والله أعلم. * مفردات الحدیث: - الوَلاء: بالفتح: ولاء العتاقة، وهي عصوبة سببها نعمة المعتِق على رقيقه بالعتق . - لُحمة كلُحمة النسب: اللحمة بالضم: علاقة وارتباط، كعلاقة وارتباط النسب . * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الرق هو عجزٌ حكمي يقوم بالإنسان، سببه الكفر؛ فالرق معناه فَقْدْ الإنسان (١) الشَّافعي (١٢٣٢)، ابن حبان (٤٩٢٩)، الحاكم (٢٣١/٤). (٢) البخاري (٦٧٥٦)، مسلم (١٥٠٦). ٢٦٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام حريته الشخصية، وحريته المالية؛ فهو مملوك الذَّات والتصرفات لسيده. فإذا أعتقه، فكأنَّه أخرجه من العدم إلى الوجود؛ لذا صارت منَّة السيد على رقيقه كبيرة، ونعمته عليه عظيمة . ٢ - العتق هو تحرير الرقبة، وتخليصها من الرق، وخصَّت الرقبة - مع أنَّ وقوع الرق على جميع البدن - لأَنَّ ملك السيد له كالغل في رقبته المانع له من التصرفات، فإذا عَتَقَ، فكأنَّ رقبته أطلقت من ذلك الغل . ٣- ولاء العتاقة: هي عصوبة سببها نعمة المعتق على رقيقه من العتق؛ فالولاء لمن أعتق . ٤- صار الولاء لحمة كلحمة النسب، وصار عُلْقَةً وارتباطًا كعلقة وارتباط النسب؛ لما بينهما من التشابه من حيث الإيجاد، والصلة القوية. ٥- وكما أنَّ القرابة لا تباع، ولا توهب؛ فكذلك الولاء المكتسب من نعمة الإعتاق لا يصح بيعه، ولا هبته، وإنَّما يورث به من جانب واحد، وهو جانب المنعم بالعتق، أو من جاء عن طريقه بالإرث. ٦ - الَّذي يرث بالولاء هو من باشر العتق، ثمَّ عصبته المتعصِّبون بأنفسهم، لا بغيرهم، ولا مع غيرهم؛ لأَنَّ الولاء يورث به، ولا يورث، وأمَّا العتيق: فلا يرث من معتقه على قول جمهور العلماء؛ لأَنَّ النِّعمة عليه لا له. ------ -- ٢٦٣ كتاب العتق ١٢٤٢ - عَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - ((أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ أَعْتَقَ غُلاَمًا لَهُ عَنْ دُبْرٍ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ، فَبَلْغَ ذُلِكَ النَّبِيَّ ◌َله فَقَالَ: مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي؟ فاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . وَفِي لَفْظِ لِلْبُخَارِيِّ: ((فَاحْتَاجَ)). وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ: ((وَكَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَبَعَهُ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَأَعْطَاهُ، وَقَالَ: اقْضِ دَيْنَكَ))(١). ** مفردات الحديث: - أنَّ رَجُلاً: جاء في مسلم: ((أنَّ الرَّجل من الأنصار))، وجاء في روايةٍ أخرى فيه أيضًا: ((أنَّه من بني عذرة))، واسمه ((أبومذكور))؛ وهكذا عند الذهبي. - غلامًا له: اسمه يعقوب. - عن دُبُرُ: بضم الدَّال المهملة، وضم الباء الموحدة، وهو نقيض القُبُل من كلِّ شيءٍ، والمراد هنا: علَّق عتقه بموته. - نُعَيْم: بضم النون، تصغير نعم، ابن عبدالله النحام القرشي العدوي. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - علَّق رجلٌ من الأنصار عتق غلامه بموته، ولم يكن له مالٌ غيره، فبلغ النَّبي وَلّ، فعدّ هذا العتق من التفريط، وتضييع النَّفْس، فردّه، وباع غلامه بثمانمائة درهم، وأرسل بها إليه؛ فإنَّ قيامه بنفسه وأهله أولى له، وأفضل (١) البخاري (٦٧١٦، ٢١٤١)، مسلم (٩٩٧)، النسائي (٢٤٦/٨). ٢٦٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام من العتق، ولئلا يكون عالة على النَّاس. ٢ - فيه دليلٌ على صحّة التدبير؛ وهو متَّفق عليه بين العلماء. ٣- أنَّ المدبَّر يعتق من ثلث المال لا من رأس المال؛ لأَنَّ حكمه حكم الوصية؛ لأَنَّ كلّ منهما لا ينفذ إلاّ بعد الموت؛ وهذا مذهب جمهور العلماء. ٤- جواز بيع المدبر مطلقًا، للحاجة؛ كالدين والنفقة، بل أجاز الشَّافعي وأحمد بيعه مطلقًا للحاجة وغيرها، واستدلا بهذا الحديث الّذي أثبت بيعه في صورة من جزئيات البيع، فيكون عامًّا في كلِّ الأحوال، وقياسًا على الوصية التي يجوز الرجوع فيها . ٥- أنَّ الأولى والأحسن لمن ليس عنده سعة في الرزق أن يجعل ذلك لنفسه، ولمن يَعُولُ؛ فهم أولى من غيرهم؛ ولذا يتفقّه في نوافل هذه العبادات: من الصدقة، والعتق، ونحوها. أمَّا الَّذي وسَّع الله عليه رزقه، فليحرص على اغتنام الفرص بالإِنفاق في طرق الخير، ﴿وَمَا نُقَدِّمُواْ لِأَنْفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٠]. ٢٦٥ - كتاب العتق ١٢٤٣ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ - عَنِ النَّبِّ نَّهِ قَالَ: «المُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ مُكَاتَبَتِهِ دِرْهَمٌ)) أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُدَ بِإِسْنَادِ حَسَنٍ (١)، وَأَصْلُهُ عِنْدَ أَحْمَدَ، والثَّلاثَةِ، وَصَخَّحَهُ الحَاكِمُ(٢). * درجة الحديث: الحدیث إسناده حسن . قال في التلخيص: رواه أبوداود، والنسائي، والحاكم من طرق، ورواه النسائي، وابن حبان من وجهٍ آخر، من حديث عطاء، عن عبدالله بن عمرو بن العاص، ولفظه: ((ومن كان مكاتبًا على مائة درهم، فقضاها إلاَّ أوقية، فهو عبد)) . قال النسائي: هذا حديثٌ منكر، وهو عندي خطأ، وقال ابن حزم: عطاء هذا هو الخراساني، ولم يسمع من عبدالله بن عمرو، وقال الشَّافعي: في حديث عمرو بن شعيب: لا أعلم أحدًا روى هذا إلاَّ عمرو بن شعيب، ولم أرَ من رضيت من أهل العلم یشته . وحسَّن إسناده المصنّف، وصحَّحه الحاكم، وقال ابن عبدالهادي: هو رواية إسماعيل بن عياش عن شيخ شامي ثقة، وابن عياش إذا روى عن الشَّاميين فهو ثقة . (١) أبوداود (٣٩٢٦). (٢) أحمد (١٧٨/٢)، أبوداود (٣٩٢٧)، النسائي في الكبرى (١٩٧/٣)، الترمذي (١٢٦٠)، ابن ماجة (٢٥١٩)، الحاكم (٢١٨/٢). ٢٦٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ( * مفردات الحديث: - المكاتب: يُقال: كاتب عبده مكاتبة، أي: باعه لنفسه بآجالٍ معلومةٍ، وأقساطٍ معلومة . سميت مكاتبة؛ لأنَّه يكتب - في الغالب - للعبد على مولاه كتابًا بالعتق عند أداء النجوم. ٢٦٧ كتاب العتق ١٣٤٤ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((إِذَا كَانَ لِإِحْدَاكُنَّ مُكَاتَبٌ، وَكَانَ عِنْدَهُ مَا يُؤْدِّي، فَلْتَحْتَجِبْ مِنْهُ)) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ، وَصَخَحَهُ التِّرْمِذِيُّ (١). * درجة الحديث: الحديث مختلفٌ فيه، منهم من صحَّحه، ومنهم من تكلّم فيه . أخرجه أحمد، والترمذي، وأبوداود، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي، من طريق الزهري، عن نبهان مولى أمِّ سلمة، عنها، به. وقال الترمذي: حديثٌ حسنٌ صحيح. وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، وذكره ابن حجر في ((التلخيص)) دون أن يتكلّم عليه. قال ابن عبدالهادي: تكلّم في هذا الحديث غير واحدٍ من الأئمة. قال الألباني: ونبهان هذا أورده الذهبي في ((ذيل الضعفاء))، وقال ابن حزم: مجهول، قلت: وقد أشار البيهقي إلى جهالته، وقال الشَّافعي: لم أرَ من أهل العلم من يثبت هذا الحديث. قلت: وممَّا يدل على ضعف الحديث عمل أمهات المؤمنين على خلافه . * ما يؤخذ من الحدیثین: ١ - الحديثان يدلان مع الآية الكريمة: ﴿فَكَلِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ على أصل (١) أحمد (٢٨٩/٦)، أبوداود (٣٩٢٨)، الترمذي (١٢٦١)، النسائي في الكبرى (١٩٨/٣)، ابن ماجة (٢٥٢٠). ٢٦٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام الكتابة، ومشروعيتها . ٢ - يدل الحديث رقم (١٢٤٣) على أنَّ المكاتب لا يعتق من رقه حتَّى يوفي جميع دين الكتابة، فتجري عليه أحكام الرقيق ما بقيَ عليه درهم؛ هذا هو منطوق الحديث، وهذا هو مذهب جمهور العلماء، ومنهم الأئمة الأربعة. ٣- أمَّا مفهومه فهو يوافق منطوق الحديث رقم (١٢٤٤) من أنَّ الرقيق إذا صار معه جميع دين كتابته، فإنَّه أصبح حرًّا، له أحكام الأحرار؛ حيث خلص من الرق، وصار حرًّا. ٤- يدل الحديث رقم (١٢٤٤) على أنَّ المرأة لا تحتجب من رقيقها، بل يجوز لها كشف وجهها عنده؛ لقوَّة العلاقة، ولأَنَّ الرَّقيق لا ترتفع نفسه إلى سيدته، والسيدة لا تنزل نفسها إليه، وفي المسألة خلافٌ بين الفقهاء. ٥- ويدل على أنَّه بعد أداء جميع دين الكتابة، أو وجودها عنده، أصبح حرًّا؛ فيجب عليها حينئذٍ أنْ تحتجب عنه؛ لانفصاله عنها، ولأَنَّه بعد الحريّة أصبح كامل الإنسانية والحرية. ٦- اسم مولى أم سلمة ((نبهان)) قالت له: ماذا بقيَ عليك من كتابتك؟ قال: ألفا درهم، قال: هما عندك؟ قال: نعم، قالت: ادفع ما عليك، وعليك السَّلام، ثمَّ ألقت دونه الحجاب، فبكى، وقال: لا أعطيه أبدًا، قالت: إنَّك - والله - يا بني أبدًا لن تراني أبدًا، إنَّ رسول الله وَ لِّ عهد إلينا، أنَّه إذا كان عبد لإحداکنَّ، ووفى بما بقي عليه من كتابته، فاضربي دونه الحجاب. ٧- ويدل الحديث على أصل مشروعية الحجاب من الأجنبي، أي: غير المحرَم . ------ -- - ٢٦٩ كتاب العتق صَلى الله وَسيِّله ١٢٤٥ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - أَنَّ النَّبيَّ قَالَ: ((يُودَى المُكَاتَبُ بِقَدْرِ مَا عَتَقَ مِنْهُ دِيَةَ الحُرِّ، وَبِقَدْرِ مَا رَقَّ مِنْهُ دِيَةَ العَبْدِ)) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُودَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ(١). * درجة الحديث: الحدیث حسن . وقد أخرجه أحمد، وأبوداود، والنسائي، والترمذي وحسّنه، وقال الحاكم: صحيحٌ على شرط البخاري، ووافقه الذهبي. قال الشوكاني: حديث ابن عباس سكت عنه أبوداود، والترمذي، وهو عند النسائي مسند ومرسل، ورجال إسناده عند أبي داود ثقات . قال ابن عبدالهادي: وقد أُعِلَّ الحديث. اهـ. وأشار المنذري إلى علَّته، وهي الإرسال، لكن روي أيضًا متصلاً مسندًا. * مفردات الحديث: - دية الحر: ودى القاتلُ القتيلَ، يَدِيهِ، دِيَةٌ - مخففة -: إذا أعطى وليه المال الَّذي هو بدل النَّفس، وفاؤها محذوفة، والهاء عوض، والأصل وَدِيَه مثل: وَعِيَه، فتقول في الأمر ((دِ)) القتيلَ بدالٍ مكسورة لا غير، فإنْ وقفت قلت: ((دِهْ))، ثمَّ سمي المال تسمية بالمصدر، والجمع ديات، مثل هبة وهبات، وعدة وعدات. والدية شرعًا: المال المؤدّى إلى مجني عليه أو وليه، بسبب جناية، وهي مقدرة شرعًا ومحدَّدة، وقدرت في كتاب الجنايات. - رَقَّ: الشخص يرق، فهو رقيق، ويطلق الرقيق على الذكر والأنثى، والجمع أرقاء. والرِّقُّ شرعًا: عجزٌ حكمي يقوم بالإنسان، سببه الكفر؛ فالعجز يمنعه من (١) أحمد (٢٢٢/١)، أبو داود (٤٥٨١)، النسائي (٤٦/٨). ٢٧٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام التصرفات الشرعية، ويسلبه الأهلية. دية العبد: أمَّا دية العبد، أو الأمة، فهي قيمتهما، ولو بلغت دية الحر أو زادت عليها. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - إِذَا أَدَّى المكاتب بعض أقساط دين الكتابة، صار مبعَّضًا، بعضه حر، وبعضه رقيق، وحريته بقدر ما أداه من دين الكتابة . أمَّا حريته الكاملة: فمراعاة بإيفاء جميع دينه، أمَّا ما جاء في الحديث المتقدم: ((المكاتب عبدٌ ما بقيَ عليه من مكاتبه درهم)) فمعناه: إنْ لم يُوفِ جمیع أقساط کتابته، عاد إلی کامل رقه . ٢ - إذا اعتُدِيَ على هذا المبعَّض، فإنَّ ديته تسلّم على نوعين: النوع الأوَّل: تسلم دية كاملة هي دية الأحرار؛ وذلك بقدر ما فيه من الحريّة. النوع الثاني: تسلم دية رقيق، وذلك بقدر ما بقيَ من رقه. قال في شرح الإقناع: ومن نصفه حر، ونصفه رقيق، فعلى قاتله نصف دية حر، ونصف قيمته . ٣- وقال: أمَّا المكاتَبُ والمدبَّر وأمُّ الولد، فقال في شرح الإقناع: والمدبر، والمكاتب، وأم الولد، والمعلق عتقه بصفة عند وجودها - فكالقن؛ الحديث: ((المكاتب ◌ِن ما بقيَ عليه درهم))، والباقي بالقياس عليه. ٤- ما ذكره صاحب الإقناع مخالفٌ للحديث الَّذي جعل حكم ديته كدية المدبر، وأم الولد، وهو في الحقيقة مخالف لهما؛ لأَنَّه عتق منه بقدر ما سلَّم، والحكم يدور مع علّته وجودًا وعدمًا؛ أمَّا المدبَّر، والمعلَّق عتقه بصفة لم توجد، وأم الولد: فهؤلاء لا زالوا أرقاء لم يأتِ الوقت الَّذي يعتبرون فيه أحرارًا بخلاف المكاتب. ولذا فالرَّاجح: أنَّ المكاتب من حيث الدية حكمه حكم المبغّض فيما نصَّ عليه الحدیث. كتاب العتق - ٢٧١ ١٢٤٦ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الحَارِثِ أَخِي جُوَيْرِيَةَ أُمّ المُؤْمِنِينَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: ((مَا تَرَكَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ عِنْدَ مَوْتِهِ دِرْهَمًا، وَلاَ دِينَارًا، وَلاَ عَبْدًا، وَلاَ أَمَةً، وَلاَ شَيْئًا، إِلاَّ بَغْلَتَهُ الْبَيْضَاءَ، وَسِلاَحَهُ، وَأَرْضًا جَعَلَهَا صَدَقَةٌ)) رَوَاهُ البُخَارِيُّ(١). مفردات الحديث: - بَغْلَتَهُ البيضاء: البغل: حيوان، أمه فرس، وأبوه حمار، فهو متولِّد منهما، وهي البغلة التي أهداها المقوقس صاحب الإسكندرية للنَّبِي وَّم - . - صَدَقة: هي أرضه ◌َّ في قرية فدك. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - هذا الحديث من أدلَّة ما عليه النَّبِي وَ لِّ من إعراضه عن الدنيا الفانية إلى الدَّار الباقية، وتقلُّله منها، وشمائله في هذا الباب كثيرة، وأخباره مشهورة، صلوات الله وسلامه عليه، فإن مثل قوله تعالى: ﴿قُلّ مَنَعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَاَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ أَنَّقَى ﴾ [النساء] نصب عينيه؛ فكان ◌َّ خُلُقه القرآن. ٧٧ وَلَا نُظْلَمُونَ فَئِيلًا ٢- فالحديث يبين أنَّه ◌َ ل توفيَ ولم يخلُّف عند موته درهمًا، ولا دينارًا، ولا عبدًا، ولا أمة، ولا شيئًا . وإنَّما الَّذي ترك هو شيء من عدة سلاحه للجهاد في سبيله، وهو بغلتُهُ، وسلاحُهُ، وأرضٌ جعلها بعده صدقة؛ لأَنَّهَ بَّ قال: ((لا نُوْرَثُ، ما تركناه فهو صدقة)) [رواه البخاري (٣٠٩٢) ومسلم (١٧٥٨)]. ٣- الشَّاهد من الحديث إثبات الرق في الإسلام، وإثبات العتق أيضًا؛ فإنَّ النَّبي وَ لَّه ملك رقيقًا؛ ولكنَّه أعتقه. (١) البخاري (٢٧٣٩). ٢٧٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام باب أحكام أم الولد مقدمة الأحكام: جمع حكم، وهو لغة: القضاء والحكمة. واصطلاحًا: خطاب الله المفيد فائدة شرعية. وأحكام أم الولد: هو جواز الانتفاع بها، وتزويجها، وتحريم بيعها، ونحو ذلك. الأم: تجمع على أمات باعتبار اللفظ، وتجمع على أمهات؛ لأَنَّ أصلها أُمَّهَةٌ؛ لأَنَّ الجمع يردُّ الشيء إلى أصله. أم الولد: هي مَنْ ولدت ما فيه صورة إنسان، ولو كانت الصورة خفية وميتًا من مالك، ولو كان مالكًا بعضها. قال عمر - رضي الله عنه -: ((إذا ولدت الأمة من سيدها، فقد عَتقت، وإنْ كان سقطًا)). قال الموفق: لا أعلم خلافًا بثبوت حكم الاستیلاد. قال الوزير: اتفقوا على أنَّها لا تباع أمهات الأولاد، وأنَّها حرَّة من رأس مال سیدها إذا مات. ويتبعها ولدها من غير سيدها بعد إيلادها، فيعتق بموت سيدها . ويجوز من التصرف فيه ما يجوز فيها، ويمتنع فيه ما يمتنع فيها . وأمَّا ولدها قبل إيلادها من سيدها: فلا يتبعها، وليس حكمه حكمها. ٢٧٣) كتاب العتق - باب أحكام أم الولد ١٢٤٧ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((أَيُّمَا أَمَةٍ وَلَدَتْ مِنْ سَيِّدِهَا، فَهِيَ حُرَّةٌ بَعْدَ مَوْتِهِ)) أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالْحَاكِمُ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، وَرَجَّحَ جَمَاعَةٌ وَقْفَهُ عَلَى عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -(١) . : درجة الحديث: الحدیث موقوف . قال المؤلِّف: أخرجه ابن ماجه، والحاكم، وصحَّحه؛ ولكن رده الذهبي، وذلك لأَنَّ في سنده الحسين بن عبدالله الهاشمي، وهو ضعيف جدًّا، ورجَّح جماعةٌ وقفه على عمر، رضي الله عنه . وقال الحافظ في التلخيص: الصحيح أنَّه من قول ابن عمر، وذكر ضعف الطرق المرفوعة . * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الأمة إذا ولدت من سيدها ما فيه خلق الإنسان، ولو أنَّها صورة خفية لم يبن إلاّ بعض تخطيطها، فهي أم ولد، تعتق مبدئيًا بولادة الجنين، ولو ميتًا، وتكمل حريتها بوفاة سيدها . ٢- أمَّا أحكامها فهي في الوطء، والخدمة، وتأجيرها، وإعارتها: كأحكام القن؛ ذلك أنَّها مملوكة لسيدها، فتبقى كذلك إلى كمال عتقها بموته. ٣- أمَّا أحكام أم الولد في نقل الملك في رقبتها من بيع، أو وقف، أو هبة، أو (١) ابن ماجه (٢٥١٥)، الحاكم (١٩/٢). ٢٧٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام جعلها صداقًا، أو عوض خلع ونحوه، أو عقود يراد بها نقل الملك؛ كالرهن والوصية -: فلا تصح؛ لأنَّها استحقت أنْ تعتق بموته، وبيعها ونحوه يمنع ذلك. قال الوزير: اتفقوا على أنَّ أمهات الأولاد لا يُبَعْنَ. قال ابن رشد: الثَّابت عن عمر أنَّه قضى أنَّها لا تباع، وأنَّها حرَّة من رأس مال سيدها إذا مات، وروي مثله عن عثمان، وهو قول أكثر التابعين، وجمهور فقهاء الأمصار، وحكى ابن عبدالبر، وأبوحامد الإسفراييني، وأبوالوليد الباجي، وابن بطال، والبغوي، وغيرهم: الإجماع على أنَّه لا يجوز بيعها، ولا نقل الملك فيها . ٢٧٥ كتاب العتق - باب أحكام أم الولد باب التدبير مقدمة التدبير: مصدر دَبَّر العبدَ، والأمةَ تدبيرًا: إذا علق عتقه بموته؛ لأَنَّه يعتق دبر حياته، فالممات دبر الحياة. واصطلاحًا: تعليق العتق بموت المعتق. والأصل فيه: أنَّ رجلاً من الأنصار أعتق غلامًا له عن دبر، لم يكن له غلام غيره، فبلغ النَّبِي بَّ فقال: ((من يشتريه منّي؟ فاشتراه نعيم بن عبدالله بثمانمائة درهم، فدفعها إليه، وقال: أنت أحوج)) [رواه البخاري (٦٧١٦) ومسلم (٩٩٧)]. ويعتبر لعتق المدبر: خروجه من الثلث بعد الديون، ومؤن التجهيز، سواء دبّره في الصحة أو المرض؛ لأَنَّه تبرع بعد الموت أشبه الوصية، بخلاف العتق المنجز في الصحة؛ فإنَّه لم يتعلّق به حق الورثة، فنفذ في جميع المال؛ كالهبة المنجزة . ٢٧٦) - توضيح الأحكام من بلوغ المرام ١٢٤٨ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَالَ: ((مَنْ أَعَانَ مُجَاهِدًا فِي سَبيلِ اللهِ، أَوْ غَارِمًا فِي عُسْرَتِهِ، أَوْ مُكَاتَبًا فِي رَقَبَتِهِ - أَظَلَّهُ اللهُ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَ ظِلُّهُ)) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ(١). * درجة الحديث: الحدیث حسن. وأصله في الصحيحين إلاّ المكاتب. قال في التلخيص: رواه الحاكم من حديث سهل بن حنيف بلفظ ... وذكر الحديث، ورواه البيهقي عنه به . قال المؤلف: صحَّحه الحاكم. اهـ. والذهبي في موضع سكت عنه، وفي موضع قال: بل فيه عمرو بن ثابت رافضي متروك، ورمز السيوطي لصحته في الجامع الصغير، وقال المناوي: حديثه حسن، ورواه الحاكم من غير طريق عمرو بن ثابت، وسنده حسن . * مفردات الحديث: - غارمًا في عُشْرته: وهم المدينون، وهما قسمان: أحدهما: غارمٌ لإصلاح ذات البين . والثاني: غارمٌ لإصلاح نفسه. فالأوَّل: لا تشترط عسرته، والثَّاني: لا يعطى إلاَّ إذا كان معسرًا، لا يجد سدادًا لدينه وغرامته . (١) أحمد (٤٨٧/٣)، الحاكم (٨٩/٢). ٠٠ ٢٧٧ كتاب العتق - باب أحكام أم الولد - مكاتباً في رقبته: المراد به الرقيق المكاتب في الّذي لا يجد وفاء لیؤدي دین کتابته، وتحریر رقبته، فیعطی ما یفي به دین کتابته . * ما يؤخذ من الحديث: ١ - هذا الحديث فيه ثلاثة من فضائل الأعمال: الأولى: من أعان مجاهدًا في سبيل الله، فإنَّ الله تعالى يظله يوم لا ظلَّ إلاَّ ظله؛ ذلك أنَّ الجهاد في سبيل الله هو رأس الأعمال الصَّالحة وذروتها، فمن أعانه على جهاده بمالٍ، أو استخلافٍ في أهله، أو غير ذلك، نال هذا الأجر العظيم في ذلك اليوم الشديد؛ قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِّ وَالنَّقْوَى [المائدة: ٢]، وقد جاء في الصحيحين، من حديث زيد بن خالد الجهني؛ أنَّ رسول الله وَّه قال: ((من جهَّزَ غازيًا في سبيل الله فقد غزا، ومن خَلَفَ غازيًا في أهله بخیرٍ فقد غزا)). الثانية: مساعدة الغارم، وهو المدين الَّذي بقي بذمته غرامات، أو ديات بسبب تحمله ذلك للإصلاح بين قبيلتين، أو أهل بلدتين. فهذان الفرعان من الغارمين من أعانهم على ضيقة الأوَّل وعسرته، وعلى مروءة الثَّاني وإصلاحه، فإنَّ الله تعالى يظله بظلُّه يوم لا ظلَّ إلاّ ظله. وهؤلاء الغارمون جعل الله تعالى لهم نصيبًا من الزكاة؛ فقال تعالى: وَالْغَرِمِينَ﴾ [التوبة: ٦٠]. وقد جاء في مسلم (٢٦٩٩) من حديث أبي هريرة أنَّ النَّبيَّ وَِّ، قال: ((مَنْ نفَّس عن مسلم كربةً من كرب الدنيا، نفَّس الله عنه كربةً من کرب یوم القيامة، ومن يسّر على معسرٍ، يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه)). وجاء في مسند أحمد (١١٨٦٩) وسنن أبي داود (١٦٤١) أنَّ النَّبِيَّ ◌َّ قال: ((إنَّ المسألة لا تحل إلاّ لثلاثة: لذي فقر مدقعٍ، أو لذي غرم مفظع، أو ٢٧٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام لذي دم موجع))؛ وهذا الَّذي أشار إليه الحديث الأخير هو الغارم لنفسه فیعطی ما يسد به دينه . الثالثة: إعانة المكاتب على فكاك رقبته من الرق. والرقيق: معدوم الحرية، ناقص التصرف، محبوسٌ على أعمال سيده، فإذا عَتَقَ، مَلَكَ نفسه، ورجعت إليه حريته من سجن الرِّق، وانحل من غل العبودية . ففكاك المكاتب من أَجَلِّ الطَّاعات، وأفضل القربات، وأعظم الحسنات. قال تعالى: ﴿ وَفِ الْرِّقَابِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، وقال تعالى: ﴿فَكُّ [البلد: ١٣]، وجاء في سنن الترمذي (١٦٥٥) من حديث أبي ١٣ رَقَبَةٍ هريرة؛ أنَّ النَّبيَّ وَِّ قال: ((ثلاثةٌ كلهم حقٌّ على الله أنْ يعينهم: الغازي في سبيل الله، والمكاتَب الّذي يريد الأداء، والنَّكح المتعفّف». ٢- فهذه الأعمال الثلاثة عظيمة الفضل، كبيرة الأجر، ومن أعان عليها، أو على شيءٍ منها، فقد أتى بابًا كبيرًا من أبواب الإحسان. ٣- الشَّاهد من الحديث للباب هي الخصلة الأخيرة. والله الموفق. : انتهى كتاب العتق --------- ---------------- ٢٧٩ كتاب الجامع - باب الأدب كتاب الجامع مقدمة هذا الكتاب جمع ستّة أبوابٍ من آداب النفس البشرية : أحدها: الأدب. الثاني: البر والصلة . الثالث: الزهد والورع. الرَّابع: الترهيب من مساوىء الأخلاق . الخامس: الترغيب في مكارم الأخلاق. السادس: الذكر والدعاء. وهذه الأبواب تدور على تهذيب النفس، وإقامة السلوك، وتصحيح المنهج، وسيأتي بيان كل بابٍ في مكانه، إن شاء الله تعالى . ٢٨٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام باب الأدب الأدب: بفتح الهمزة والدَّال، مصدر أَدُبَ الرجلُ، بكسر الدَّال وضمها، أي: صار أديبًا في خُلُق، أو علم. قال ابن حجر في الفتح: الأدب: استعمال ما يحمد قولاً وفعلاً، وهو الأخذ بمكارم الأخلاق، وهو الهدى الَّذي كمَّل الله به نبيه محمدًاً وَّ حينما قال: : [القلم]. ووصفته عائشة - رضي الله عنها - بقولها: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ! ((كان خلقه القرآن)) [رواه مسلم (٧٤٦)]. وهو النهج الَّذي يحاول أنْ يسير عليه أرباب القلوب، وعلماء السَّيْر، والسلوك إلى الله تعالى. قال السَّفَّاريني في ((شرح منظومة الآداب)): أدب أهل الدِّين مع العلم رياضة النفس، وتأديب الجوارح، وتهذيب الطباع، وحفظ الحدود، وترك الشهوات، وتجنب الشبهات، وحفظ القلوب، واستواء السريرة والعلانية. قال الغزالي: الخلق الحسن: صفة سيد المرسلين، والأخلاق السيئة: هي السموم القاتلة، والمخازي الفاضحة؛ فحسن الخلق هو الصورة الباطنة في الإنسان، ولا تزكو النفس إلاَّ بالمجاهدة، ومن غلبت عليه البطالة، استثقل المجاهدة، والرياضة، والاشتغال بتزكية النفس وتهذيب الأخلاق، وزعم أنَّ الأخلاق لا يتصور تغييرها . ونقول له: لو كانت الأخلاق لا تقبل التغيير، لبطلت الوصايا والمواعظ، ولما قال النَّبِي ◌َّهَ لمعاذ بن جبل: ((يا معاذ، حَسِّنْ خلقك)). والطاعات: هي صقال القلوب وشفاؤها، والمعاصي: هي أدرانها وأمراضها، واعتدال الأخلاق هو صحة النفس، والميل عن الاعتدال سقمٌ ومرض. ۔۔۔۔ --- ---