Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١ كتاب القضاء ١٢٠٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهَ: (مَنْ وَلِيَ الْقَضَاءَ، فَقَدْ ذُبِعَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ)) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ، وَصَخَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ(١). * درجة الحديث: الحدیث صحیح. رواه أصحاب السنن، وحسّنه الترمذي، وصحَّحه الدَّارقطني، وابن خزيمة، وابن حبان، ورواه الحاكم، والبيهقي، من حديث أبي هريرة، وله عدَّة طرق، وذكر الدَّارقطني الخلاف فيه على سعيد المقبري قال: والمحفوظ عن سعيد المقبري عن أبي هريرة، وأعلَّه ابن الجوزي فقال: هذا حديث لا يصح؛ ولكن النسائي قوَّاه بتخريجه، كما قال ابن حجر . قال العراقي: إسناده صحيح. وصحَّحه السيوطي في الجامع الصغير. ما يؤخذ من الحديث: ١- في الحديث بيان عِظَم خطر القضاء؛ لأَنَّ موضوعه الحكم بين النَّاس في دمائهم، وأعراضهم، وأموالهم، وسائر حقوقهم، فخطره عظيم جدًّا؛ لأنَّه يخشى أن يكون هناك ميول من القاضي من خصم لآخر؛ لكون أحدهما ذا قرابة، أو صداقة له، أو أنَّه صاحب جاه ومنصب، يراعي جاهه، أو يخاف سلطته، أو يقدم له خدمة، أو منفعة، والمعصوم من عصمه الله، وتغلَّب على أهوائه الشخصية، فالخطر عظيم، نسأل الله السَّلامة. (١) أحمد (٢٣٠/٢)، أبوداود (٣٥٧١)، الترمذي (١٣٢٥)، النسائي في الكبرى (٤٦٢/٣)، ابن ماجة (٢٣٠٨). ١٦٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٢ - الذبح بغير سكِّينِ المترتب على تولي القضاء يشمل أمرين: الأول: عذاب الآخرة لمن لم يقم بحق القضاء من التحري، والاجتهاد في إصابة الحق، ومعرفة الحكم الشرعي حسب الطاقة والقدرة. الثاني: أنَّ معاناة القضاء من البحث، وطلب تصور القضية، ومعرفة حكمها، وطلب الدليل عليه، وإجهاد النّفس بالاستقصاء بالوصول إلى الصواب أمر ينهك البدن ويضعفه، وربما أدَّى بالحياة إلى الفناء، وهذا ذبحٌ بغير سكِّين، وإنَّما بالمشكلات، والمتاعب البدنية والنفسية . ولعلَّ في هذا إعجازًا علميًّا لم يكشفه إلاَّ الطب الحديث. ٣- وفيه دليل على أنَّ في الذبح بالسكين والآلة الحادة راحةً للمذبوح، وكذلك وصَّت الشريعة بالحيوان المذبوح؛ فقال بَّر: ((وليُحد أحدكم شفرته، ولیرح ذبیحته)) [رواه مسلم (١٩٥٥)]. وأمَّا الإماتة البطيئة فهي عذابٌ وعناءٌ، ومنه ما يعانيه القاضي من أعماله المرهقة، ونفسه المؤنبة حتَّى يقضي به الأمر إلى الموت، ثمَّ ما يعقبه من الحسرة والنَّدامة يوم القيامة؛ فقد جاء في مسند الإمام أحمد (٢٣٩٤٣) من حديث عائشة - رضي الله عنها - أنَّ النَّبِي وَِّ قال: «ليأتينَّ على القاضي العدلِ يوم القيامة يتمنَّى أنَّه لم يقض بين اثنين في عمره))، - وأخرجه البيهقي (٩٦/١٠) بلفظ: ((في تمرة)). ١٦٣ كتاب القضاء ١٢٠٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّكُمْ سَتَخْرِصُونَ عَلَى الإِمَارَةِ، وَسَتَكُونُ نَدَامَةً يَوْمَ القِيَامَةِ، فَنِعْمَتِ المُرْضِعَةُ، وَبِثْسَتِ الْفَاطِمَةُ)) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ(١). * مفردات الحديث: - ستحرصون: حرص: بفتح العين وكسرها، من باب ضرب وعلم، حِرْصًا، بمعنى: جشع واشتدت رغبته في الشيء. - الإمارة: بكسر الهمزة، هي منصب الأمير. - ندامة: ندم على ما فعل يندم ندمًا وندامة: أسف وحزن على ما فعل. قال الجرجاني: النَّدم غمٌّ يصيب الإنسان يتمنَّى أنَّ ما وقع منه لم يقع . - فنعمت - بئست: نعم وبئس فعلان ماضيان، بدليل دخول تاء التأنيث السَّاكنة عليهما، وهما جامدان لا يتصرفان، جاءا لإفادة المدح، أو الذم. - المرضعة: الرضاع بفتح الرَّاء وكسرها، هو مصدر رضع الثدي: إذا مصَّه، بكسر الصَّاد وفتحها، والكسر أفصح، ويُقال: امرأةٌ مرضع، إذا كان لها ولدٌ ترضعه، فلا تلحقها التّاء لتأنيثها . والمراد هنا تشبيه منافع الإمارة العاجلة الزَّائلة بالرضاع في مدته القصيرة. - الفاطمة: مؤنث فاطم، جمعها فواطم، يُقال: فطمت الرضيع تفطمه فطمًا، من باب ضرب، أي: فصلت المرضعة الرضيع عن الرضاع، شبّه انقطاع منافع الإمارة بالفطام. (١) البخاري (٧١٤٨). ----- ١٦٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام * ما يؤخذ من الحديث: ١ - طالب ولاية القضاء أو غيرها من الولايات له إحدى حالتين: إحداهما: أنْ يقصد من الحصول عليها الجاه، والرئاسة، والمال، فهذا هو المذموم، وهو الَّذي وردت الأحاديث الصحيحة بذمِّه ومنعه، ومنع طالب الولاية فيها، ومن تلك الأحاديث: - ما أخرجه مسلم (١٨٢٥) عن أبي ذرِّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قال: ((قلت: يارسول الله! ألا تستعملني؟ قال: إنَّك ضعيف، وإنَّها أمانة، وإنَّها يوم القيامة خزيٌ وندامة، إلاَّ من أخذها بحقِّها، وأدّى الَّذي عليه فيها)). - وما أخرجه الطبراني (٧١/١٨) والبزَّار (١٨٨/٧) بسندٍ صحيح من حديث عوف بن مالك أنَّ النَّبِيِ وَّ قال: ((أولها ملامة، وثانيها ندامة، وثالثها عذاب يوم القيامة، إلاّ من عدل)). قال النووي عن حديث الباب: هذا أصلٌ عظيم في اجتناب الولاية، لا سيما لمن كان فيه ضعف، وهو في حق من دخل فيها بغير أهلية، ولم يعدل؛ فإنَّه يندم على ما فرط منه إذا جوزي بالجزاء يوم القيامة . الثانية: أنْ يطلب القضاء أو الولاية؛ لأَنَّها متعينة علیه؛ لأَّه لا يوجد من هو أهل لها وللقيام بها، وإذا تركها، تولاها من لا يقوم بها، ولا يحسنها، فيطلبها بهذه النية، وهو القصد الحسن؛ فهذا مثاب مأجور معان عليها . قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: لأن أجلس قاضيًا بين اثنين، أحب إليَّ من عبادة سبعين سنة . قال في المغني: وفي القضاء فضل عظيم لمن قوي على القيام به، وأداء الحق فيه؛ ولذلك جعل الله فيه أجرًا على الخطأ، وأسقط عنه حكم الخطأ، ولأَنَّ فيه أمرًا بالمعروف، ونصرة للمظلوم، وأداء للحق إلى مستحقه، وردًّا للظَّالم عن ظلمه، وإصلاحًا بين النَّاس، وتخليصًا لبعضهم من بعض. ١٦٥ كتاب القضاء ٢ - المتوسط لغيره في أمر من الأمور، إنْ كان المتوسّط له مستحقًّا لتلك الوظيفة، فالمتوسِّط محمود، وإنْ كان المتوسّط له لا يستحق الولاية، وغيره أولى منه وأنفع، كان التوسُّط مذمومًا، غشًّا لله ولرسوله، وغشًّا للمتوسط عنده، وغشًّا لمن توسَّط له؛ لكونه أعانه على ما هو منهيٌّ عنه. ٣- (نعمت المرضعة)) بما تدر من منافع المال، والجاه، ونفاذ الحكم، و((بئست الفاطمة)» بتبعاتها يوم القيامة، وحسراتها. ٤ - وقال الشيخ عبدالرحمن السعدي: المتوسّط لغيره في أمر من الأمور إنْ كان المتوسّط له كفؤًا، فهي وساطة محمودة، وإلاّ فهو غاشٌ له، وللعمل، وللمسلمين. فهذا هو الَّذي يحرص عليها للمطامع الدنيوية، ((فنعمت المرضعة))؛ لما فيها من حصول الجاه في الدنيا، و(بئست الفاطمة))؛ لما يترتب عليها من التبعات في الآخرة. ٥ - قوله: (ستحرصون)) هذا فيه دلالة على اغترار النَّفس لمحبتها في الإمارة، لما تنال فيها من نيل لحظوظ الدنيا ولذَّاتها، ونفوذ الكلمة، ولذا ورد النَّهي عن طلبها؛ فقد أخرج البخاري (٦٦٢٢) ومسلم (١٦٥٢) من حديث عبدالرحمن بن سمرة قال: قال لي رسول الله وَله: ((يا عبدالرحمن بن سمرة! لا تسأل الإمارة، فإنَّك إنْ أُعطيتها من غير مسألةٍ أُعِنْتَ عليها، وإنْ أُعْطِيتَهَا عن مسألةٍ وُكِلْتَ إليها)) . ٦ - وجاء في سنن الترمذي (١٣٢٤) من حديث أنس أنَّ النَّبِي وَلِّ قال: ((من ابتغى القضاء وسأله وُكِل إلى نفسه، ومن أُكره عليه أنزل الله عليه ملكًا يسدّده)). وإنَّما جمع بين الرغبة فيه وبين طلبه إظهار الحرص عليه؛ فإنَّ النَّفْس مائلةُ إلى حب الرئاسة، وطلب الترفع على النَّاس، فمن منعها، سلم من هذه الآفة، ومن أتبع نفسه هواها، وسأل القضاء، هلك؛ فلا سبيل إلى المشروع فيه إلاّ بالإكراه، وحينئذٍ يسدّد ويوفّق. ١٦٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ١٢٠٥ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ وَّه يَقُولُ: ((إِذَا حَكَّمَ الْحَاكِمُ، فَاجْتَهَدَ، ثُمَّ أَصَابَ، فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ، فَاجْتَهَدَ، ثُمَّ أَخْطَأَ، فَلَهُ أَجْرٌ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). : مفردات الحديث: - حَكَم: الحُكْمُ لُغَةً: المنع، يُقال: حكمت عليه بكذا: إذا منعته من خلافه. واصطلاحًا: تبيينُ الحكم الشرعي، والإلزامُ به. - فاجتهد: الاجتهاد لغةً: مأخوذٌ من الجهد، وهو المشقّة والطَّاقة. واصطلاحًا: هو بذل الفقيه وسعه في نيل حكم شرعيٍّ عملي بطريق الاستنباط . - أخطأ: الخطأ مهموز وهو لغةً: نقيض الصواب، ويقصر ويمد، واسم من أخطأ يخطىء، فهو مخطىء. واصطلاحًا: هو أن يقصد بفعله شيئًا، فيصادف فعله غير ما قصد. - فاجتهد: معطوف على الشرط، على تأويل: وأراد أنْ يحكم فاجتهد. - ثم أصاب: معطوف على ((فاجتهد)). - فله أجران: جزاء الشرط . --------- * ما يؤخذ من الحديث: ١- الاجتهاد في الاصطلاح: هو بذل الوسع في نيل الحكم الشرعي بطريق الاستنباط . ٢- قال في شرح الإقناع: المجتهد المطلق: من يعرف من كتاب الله تعالى، (١) البخاري (٧٣٥٢)، مسلم (١٧١٦). - -- ١٦٧ كتاب القضاء وسنّة رسوله وَّ: الحقيقةَ والمجاز، والأَمْرَ والنَّهي، والمجمَلَ والمبيَّن، والمحكَمَ والمتشابه، والخاصَّ والعامَّ، والمطلَقَ والمقيَّدَ، والنَّاسخَ والمنسوخ، ويعرف صحيحَ السنَّة من سقيمها، ومتواترها من آحادها، ممَّا له تعلقٌ بالأحكام خاصَّة، ويعرف القياس وشروطه، ويعرفُ اللغة العربية، وكلُّ ذلك مذكورٌ في أصول الفقه وفروعه. ٣- أمّا المجتهد المقيد: فهو الَّذي يراعي ألفاظ إمامه ومتأخرها، ويقلِّد كبار أئمة مذهبه في ذلك. ٤ - قال الشيخ تقي الدِّين: وهذه الشروط في القاضي تعتبر حسب الإمكان. قال في الإنصاف: وعليه العمل من مدَّة طويلة، وإلاّ لتعطَّلت أحكام النَّاس. ٥- وقال الشيخ: الواجب أنْ يكون مجتهدًا في الأدلَّة الشرعية من الكتاب والسنَّة، وأنْ تكون هي إمامَهُ؛ فهي أقرب إلى الأفهام، وأدنى إلى إصابة المراد. وقال: من كان متبعًا إمامًا، ومخالفًا له في بعض المسائل؛ لقوّة الدليل؛ فقد أحسن. ٦ - قال الشيخ: الشَّارِعُ نصوصُهُ كلماتٌ جوامع، وقضايا كلية، وقواعد عامَّة، يمتنع أنْ ينص على كلِّ فردٍ من حدثان العالم إلى يوم القيامة، فلا بُدَّ من الاجتهاد في جزئيات: هل تدخل في كلماته الجامعة، أو لا تدخل؟ وتقدَّم هذا، ولكنْ ذِكْرُهُ في الموضعَيْن مناسب. ٧- قال في شرح الإقناع: ويجب على الإمام أن يختار للقضاء أفضل من يجد علمًا وورعًا؛ لأَنَّ القضاء بالشرع فرعٌ من العلم به، والأفضل أثبت وأمكن، وكذا من ورعه أكثر الكون النَّفس إلى ما يحكم به أعظم. ويأمره بتقوى الله، وإيثار طاعته في سرِّه وعلانيته، ويأمره بتحري ١٦٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام · العدل، والاجتهاد في إقامة الحقِّ؛ لأَنَّ ذلك تذكرة له بما يجب عليه فعله. ٨- وقال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ في نصيحة قاضٍ: أوصيك بتقوى الله تعالى ومراقبته، والأناة في قضائك، والتثبت والسؤال عن المشكِل، والصلح مهما وجدت إليه سبيلاً، ما لم يتضح الحكم الشرعي، كما نذكِّر فضيلتكم أنَّ البقاء في عملكم من التعاون، وأداء الواجب، وهو من الجهاد في سبيل الله، والّذي نؤمله فيكم الصبر والاحتساب، ولن يضيع الله أجر من أحسن عملاً . ٩ - قال ابن القيم: لا يشترط في المجتهد علمه بجميع ما قاله النَّبِي ◌َّهِ وفعله، فیما يتعلَّق بالأحكام، ولکن أن یعلم جمهور ذلك ومعظمه .. ١٠ - الحاكم إذا بذل جهده في القضية، واجتهد فيها حتَّى وصل باجتهاده إلى ما يعتقد أنَّه الحق في القضية، ثمَّ حكم، فإنْ كان حكمه صوابًا موافقًا للحقِّ، وهو مراد الله تعالى في أحكامه، فله أجران: أجر الاجتهاد، وأجر إصابة الحق . وإنْ اجتهد؛ ولكنَّه لم يصل إلى الصواب، فله أجرٌ واحد، هو أجر الاجتهاد؛ لأَنَّ اجتهاده في طلب الحقِّ عبادة، وفاته أجر الإصابة. ولكنَّه لا يأثم بعدم إصابة الحق بعد بذله جهده واجتهاده، فقد سقط عنه إثم الخطأ، ولكن بشرط أنْ يكون عالمًا مؤهَّلاً للاجتهاد. ١١- مفهوم الحديث: أنَّ القاضي إذا لم يجتهد، بل حكم بدون إمعان، ولا تحرِّ للصواب: أنَّه آثمٌ؛ لأَنَّه حكم بين النَّاس وهو لا يعرف الحق؛ فهذا في النَّار. ١٢ - قال ابن القيم: الحاكم محتاج إلى ثلاثة أشياء لا يصح له حكمٌ إلاَّ بها: - معرفة الأدلة. - معرفة الأسباب. ـععـ ------- ---- -- ------ ----- --- -- ١٦٩ كتاب القضاء - معرفة البينات. فالأدلَّة: معرفة الحكم الشرعي، لا الكلي. والأسباب: معرفة ثبوته في هذا المحل المعتبر، وانتفائِهِ عنه . البينات: معرفة طريق الحكم عند التنازع. فمن أخطأ واحدًا من هذه الثلاثة أخطأ، في الحكم. وجميع خطأ الحُكَّام مداره على هذه الثلاثة، أو بعضها . خلاف العلماء : * واختلف العلماء: هل كل مجتهدٍ مصيبٌ، أم أنَّ المصيب واحد، وهو من وافق الحق الَّذي عند الله، وأنَّ الآخر مخطىء؟: فذهب بعضهم: إلى أنَّ كلّ منهما مصيب؛ لأَنَّ الله تعالى جعل للمخطىء أجرًا، فلولا إصابته الحق، لم يجعل له أجرًا . وذهب جمهور العلماء: إلى أنَّ المصيب واحد فقط، وهو من وافق الحق الَّذي هو مراد الله تعالى، وأمَّا الأجر الَّذي للمخطىء فهو لحرصه على الحق، واجتهاده فيه . والرَّاجح: أنَّ المصيب واحد، والله أعلم. ١٧٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ١٢٠٦ - وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَّه يَقُولُ: ((لاَ يَحْكُمْ أَحَدٌ بَيِّنَ اثْنَيْنٍ، وَهُوَ غَضْبَانُ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١) . * مفردات الحديث: - وهو غضبان: بلا تنوين؛ لأَنَّه ممنوعٌ من الصرف؛ للوصفية والألف والنون الزائدتين . * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الغضب: هو استجابةٌ لانفعالٍ يغلي منه دم القلب؛ لطلب الانتقام. وإذا وصلت الحال الغضبية بالقاضي إلى هذا الحد من الثورة، فإنَّه معرّضٌ لأَن يميل في حكمه في حقِّ المغضوب عليه، ولا يتزن في الحكم على غيره، فمتى قويت نار الغضب، أعمته عن الحقِّ. ٢- الحديث فيه النَّهي عن القضاء وهو غاضب؛ لأَنَّ الغضب يخرجه عن دائرة العدل، وإصابة الحقِّ. قال في الروض المربع وحاشيته: ويحرم القضاء وهو غضان كثيرًا، لا يسيرًا؛ فإنَّه لا يمنع فهم الحكم؛ لأَنَّ الغضب يشوِّش عليه قلبه وذهنه، ويمنعه من كمال الفهم، ويحول بينه وبين استيفاء النظر، ويعمي عليه طريق العلم والقصد؛ فهو نوعٌ من الإغلاق. ٣- فإنْ خالف وحكم فأصاب الحقَّ، نفذ حكمه؛ لموافقته الصواب. قلت: أمَّا صحَّة الحكم مع الغضب، فمذهب جمهور العلماء؛ فإنَّه لا مناسبة بين الغضب، ومنع الحكم، وإنَّما ذلك مظنّة لحصوله، وهو تشويشٌ (١) البخاري (٧١٥٨)، مسلم (١٧١٧). ----------------------- -------- ----------- ---- -- --- --- ----* ----- --- - -- - ----- -- ----- ------ ----- - ١٧١ كتاب القضاء للفكر، ومشغلةٌ للقلب عن استيفاء ما يجب من النظر، وحصول هذا قد يفضي إلى الخطأ دون الصواب، ولكنَّه غير مطَّرِد مع كلِّ غضبٍ، ومع كلِّ إِنْسَان . فإذا أفضى الغضب إلى عدم تمييز الحق من الباطل، فلا كلام في تحريمه . ٤- قال في الحاشية: ولا يستريب عاقلٌ أنْ من قصَر النَّهيَ على الغضب وحده، دون الهم المزعج، والخوف المقلق، والجوع، والظمأ الشديد، وشغل القلب المانع من الفهم - فقد قلَّ فقهه وفهمه . ١٧٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ١٢٠٧ - وَعَنْ عَلِيِّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّه : ((إِذَا تَقَاضَى إِلَيْكَ رَجُلاَنِ فَلاَ تَقْضِ لِلأَوَّلِ حَتَّى تَسْمَعَ كَلاَمَ الآخَرِ، فَسَوْفَ تَدْرِي كَيْفَ تَقْضِي))؛ قَالَ عَلِيٍّ: فَمَا زِلْتُ قَاضِيًا بَعْدُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُودَاوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَقَوَّهُ ابْنُ المَدِينِيِّ، وَصَخَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ(١). ولَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ الحَاكِمِ، مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسُ (٢) * درجة الحديث: الحدیث حسن . قال المؤلِّف: رَوَاه أحمد، وأبوداود، والترمذي وحسَّنه، وقوَّاه ابن المديني بقوله: حديثٌ كوفي، وإسناده صالح، وصحَّحه ابن حبان، فقد أخرجوا هذا الحديث من طرق؛ أحسنها رواية البزَّار عن عمرو بن مرَّة، عن عبدالله ابن سلمة، عن علي - رضِي الله عنه - وفي إسناده عمر بن أبي المقدام، واختلف فيه على عمرو بن مرَّة، فرواه شعبة عنه، عن أبي البحتري، قال: حدّثني من سمع عليًّا، رَضِي الله عنه . وأخرجه أبويعلى، وإسناده صحيح لولا هذا المتهم. وله طرق أُخر تشهد له، ويشهد له ما رواه الحاكم من حديث علي، قال: بعثني النَّبِي وَ ◌ّهِ إلى اليمن فقال: ((إذا جلس إليك الخصمان، فلا تقضٍ (١) أحمد (٩٠/١)، أبوداود (٣٥٨٢)، الترمذي (١٣٣١). (٢) الحاكم (٩٨/٤). ١٧٣ كتاب القضاء لأحدهما حتَّى تسمع من الآخر، كما سمعت من الأوَّل)) ، قال علي: فما زلت قاضیًا بعدها . قال الحاكم: هذا حديثٌ صحيح الإسناد، ولم يخرِّجاه، ووافقه الذهبي. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - العدل بين الخصوم هو أساس الحكم ؛ فيجب على القاضي أنْ يعدل بين الخصمين إذا ترافعا إليه في كلِّ شيءٍ، حتَّى الَّلفظ واللحظ . قال ابن رشد: أجمعوا على أنَّه يجب عليه أنْ يسويَ بين الخصمين في المجلس . وقال ابن القيم: نهي عن رفع أحد الخصمين عن الآخر، وعن الإقبال عليه، وعن مشاورته، والقيام له دون خصمه؛ لئلا يكون ذريعةً إلى انكسار قلب الآخر، وضعفه عن القيام بحجته، وثقل لسانه . ٢ - وحديث الباب فيه النَّهْيُ عن القضاء للمدَّعِي حتَّى يسمع الحاكم كلام الآخر، والنَّهْيُ يقتضي الفساد، فإنْ حكم قبل سماع الإجابة، بطل قضاؤه، فإنْ سكت المدَّعَى عليه، وأصرَّ على عدم الجواب، اعتبر ناكلاً، وقُضِيَ عليه بالنكول . هذا إذا كان المدَّعَى عليه حاضرًا في مجلس الحكم، وهو مذهب الأئمة الثلاثة: مالك، والشَّافعي، وأحمد. ٣- أمَّا إذا كان المدَّعَى عليه متغيبًا عن المجلس، أو مستترًا في البلد، أو كانت الدَّعوى على ميت، أو صغير، أو مجنون، فإنَّها تسمع الدَّعوى إذا كان لدى المدَّعِي بينةً على دعواه، ويُحْكَمُ بموجب البينة، ثمَّ إذا قدم الغائب، وبلغ الصغير، وعقل المجنون، وظهر المستتر، فهم على حججهم؛ لأنَّ المانع إذا زال صاروا كالحاضرين المكلفين، وهذا مذهب الجمهور، ومنهم الأئمة ١٧٤) توضيح الأحكام من بلوغ المرام الثلاثة، فإنْ لم يكن لدى المدَّعِي بينةٌ، فإنَّ الدَّعوى لا تصح ضدهم. ٤ - قال فقهاؤنا: ولا تصح الدعوى إلاَّ محرَّرةً؛ لأَنَّ الحكم مرتَبٌ عليها؛ ولذا قال ◌َله: ((إنَّما أقضي على نحو ما أسمع)) [رواه البخاري (٦٩٦٧) ومسلم (١٧١٣)]. وأنْ يكون المُدَّعَى به معلومًا؛ ليتأتَّى الإلزامُ به إذا ثبت . ولا بُدَّ أنْ تَنْفَكَّ عمَّا يكذِّبها عرفًا؛ فلا تصح على إنسان أنَّه قتل، أو سرق منذ عشرين سنة، وستُّهُ دونها، ولا يعتبر فيها ذكر سبب الاستحقاق لعينٍ، أو دينٍ؛ لكثرة سببه، وقد يخفى على المدَّعي. ٥- قال في الروض وغيره: وإنْ كان عقَدَ نكاح، أو عقد بيع، أو غيرهما كإجارةٍ، فلا بُدَّ من ذكر شروطه؛ لأَنَّ النَّاس مختلفون في الشروط؛ فقد لا يكون العقد صحيحًا عند القاضي، فلا يتأتَّی الحکم بصحته مع جهله بها . ١٧٥ كتاب القضاء ١٢٠٨ - وَعَنْ أَمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ◌َّهِ : (إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ، فَمَنْ قَطَعْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١). * مفردات الحديث: - تختصمون: يُقال: خَصَمَهُ يَخْصُمُهُ خَصْمًا: غلبه في الخصومة، وخاصمه فَخَصَمَهُ: إذا غلبه في الخصومة، فالخصم يقع على المفرد والمثنَّى والجمع، وعلى المذكر والمؤنَّث بلفظٍ واحد، واختصم القوم خاصم بعضهم بعضًا، وتجادلوا وتنازعوا. - لعلَّ: حرف مشبه بالفعل، لفتح آخره كالماضي، ووجود معنى الفعل فيه، وهو من أخوات إنَّ، وله معانٍ، منها التوقُع للمكروه، ولعلَّه المراد هنا. - ألحن بحجته: لَحَنَ الرَّجلُ يَلْحَنُ لحنًا: فَطِنَ لحجته وانتبه . قال أهل اللغة: أصل هذه المادّة: الميل عن جهة القصد. قال في المصباح: اللّحن: سرعة الفهم، وهو ألحن من زيد، أي: أسبق فهمًا منه . - القطعة: قطع يقطع قطعًا، والقطعة: الطَّائفة من الشيء. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - يدل الحديث على أنَّ الحاكم يحكم على نحو ما يسمع من الخصمين من قوّة الحجّة، وبيان البرهان، فإذا اجتهد فأخطأ، فلا إثم عليه، وإنَّما يؤجر على (١) البخاري (٧١٦٩)، مسلم (١٧١٣). ١٧٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام اجتهاده؛ كما جاء في الحديث الصحيح: ((وإنْ اجتهدَ فَأخطأ، فله أجر)). ٢ - وفيه أنَّ الَّذي يلحقه التبعة والإثم هو الَّذي كسب القضية بباطله ؛ فإنَّ المعصوم وَّ قال: ((إنَّما أقطع له قطعة من نار)). ٣- قال الحافظ: وفيه أنَّ من ادعى مالاً ولم يكن له بينة، فحلف المدعى عليه، وحُكِمَ ببراءة الحالف: أنَّه لا يبرأ في الباطن، ولا يرتفع عنه الإثم بالحكم؛ وهذا مذهب جمهور العلماء، ومنهم الأئمة الثلاثة. وخالف أبو حنيفة فقال: إنَّه ينفذ حكمه ظاهرًا وباطنًا، وأنَّه لو حكم بصحة الزواج بشهادة الزور، حلَّت للمدَّعِي، واستدل بآثار لا يقوم بها دليل، وبقياس لا يَقْوَى على مقاومة النَّصِّ. ٤- وفي الحديث دليلٌ على عظم إثم من خاصم في باطل، حتَّى لو استحقه في الظاهر، فهو في الباطن حرامٌ عليه، وإن احتال حتَّى صار في الظاهر حقًّا، فلا يحل له تناوله في الباطن. ٥ - وفي الحديث ردٌّ على المخرِّفين الضَّالين الغالين، الَّذين يرفعون مقام النَّبي وَّر فوق المقام الرفيع الّذي جعله الله له، ويعطونه من صفات الربوبية والألوهية، ومن الاطلاع على المغيبات: ما يبرأ منه دين الإسلام. وقد أمره الله تعالى أنْ يُبَلَّغَ النَّاسَ قوله تعالى: ﴿قُل لَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا وَلَا ضَرّ إِلَّ مَا شَآءَ اللّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَأَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّتِىَ السُّوءُ إِنْ ﴾ [الأعراف: ١٨٨]. ٨٨ أَنَاْ إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيْرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ قال الشيخ محمد رشيد رضا في تفسيره: هذه الآية من أعظم أصول الدِّين، وقواعد عقائده ببيانها لحقيقة الرِّسالة، والفصل بينها وبين الربوبية والألوهية، وهدمها لقواعد الشرك، ومباني الوثنية من أساسها، فقد أمره أنْ يُبيِّنَ للنَّاسِ أنَّ كلَّ الأمور بيد الله تعالى وحده، وأنَّ علم الغيب كله عنده، وأن ينفي كلّ منهما عن نفسه وَلَه، وذلك أنَّ الَّذين كانوا يسألونه بَّ عن -------- ١٧٧ كتاب القضاء السَّاعة من المسلمين كانوا يظنون أنَّ منصب الرِّسالة قد يقتضي علم السَّاعة، وغيرها من علم الغيب، وربما كان يظن بعض حديثي العهد بالإسلام أنَّ الرّسول قد يَقْدِرُ على ما لا يصل إليه كسب البشر، من جلب النَّفع، ومنع الضر عن نفسه، وعمَّن يحب، أو يشاء؛ أو منع النفع، وإحداث الضر بمن يكره، أو بمن يشاء، فأمره الله تعالى أنْ يبيِّن أنَّ منصب الرسالة لا يقتضي ذلك، وإنَّما وظيفة الرسول التعليم والإرشاد والتزكية، وأنَّه فيما عدا تبليغ الوحي عن الله تعالى: بشر كسائر البشر؛ ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَىَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحِدٌ﴾ [الكهف: ١١٠]. والنَّبي ◌َّ لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعًا ولا ضرًّا مستقلا بقدرته، وإنَّما يملك ما يملكه من ذلك بتمليك الرب الخالق جلَّت قدرته، وهو المراد بالاستثناء أي: لا أملك منهما ((إلاَّ ما شاء الله)) من نَفْع أقدرني على جلبه، وضرٌّ أقدرني على منعه، وسخَّر لي أسبابهما . كما أنَّه لا يملك شيئًا من عالم الغيب، الَّذي هو شأن الخالق دون المخلوق، والنَّاسُ فُتِنُوا منذ قوم نوحٍ بمن اصطفاهم الله، فجعلوهم شركاء لله تعالى فيما يرجوه عباده، من نفع يسوقه إليهم، وما يخشونه من شرِّ فيدعونه ليكشفه عنهم، وصاروا يدّعونهم كما يدعون الله لذلك، إمّا استقلالاً وإمّا إشراكًا . ولمّا كان ملك الضر والنفع خاصًّا برب العباد وخالقهم، وكان طلب النفع، أو كشف الضر عبادةً لا يجوز أنْ توجَّه إلى غيره من عباده مهما يكن فضله: أمر الله رسوله وَّهُ أنْ يصرِّح بالبلاغ عنه، أنَّه لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعًا ولا ضرًّا، وقد تكرّر هذا في القرآن مبالغةً في تقريره وتوكيده. ٦ - جاء في سنن أبي داود (٣٦٢٧) من حديث عوف بن مالك؛ أنَّ النَّبِي ◌ِّ قضى بين رجلين، فقال المقضيُّ عليه لمَّا أدبر: حسبي الله ونعم الوكيل، ١٧٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام فقال النَّبِي وَلور يلوم على العجز: ((ولكن عليك بالكيس، فإذا غلبك أمرٌ، فقل حسبي الله ونعم الوكيل)). ومعنى هذا: أنَّه على الإنسان التيقُّظ في الأمر وعمل الأسباب، فإذا أخفق بعد عمل الأسباب النَّفعة المشروعة، فليقل حينئذٍ: ((حسبيَ الله ونِعْمَ الوكيل)). وبدون التيقُّظ وعمل الأسباب، فإنَّ الله يلوم على العجز، والتهاون في الأمور. ---- --------- ----------- -- ١٧٩ كتاب القضاء ١٢٠٩ - وَعَنْ جَابِرِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ يَقُولُ: ((كَيْفَ تُقَدَّسُ أُمَّةٌ، لَا يُؤْخَذُ مِنْ شَدِيدِهِمْ لِضَعِيفِهِمْ؟!» رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ (١). وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ عِنْدَ الْبَزَّارِ(٢)، وَآخَرُ مِنْ حَدِيْثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ ابْنِ مَاجَه(٣) . * درجة الحديث: الحدیث حسن . قال المؤلِّف: رواه ابن حبان، وابن خزيمة، وابن ماجه، وله شواهدٌ: ١ - حديث بريدة؛ عند البيهقي. ٢ - حديث قابوس بن مخارق عن أبيه؛ عند الطبراني، وابن قانع. ٣- حديث خولة غير منسوبة؛ عند الطبراني، وأبي نعيم. ٤- حديث أبي سعيد؛ عند ابن ماجه. ٥- حديث عائشة؛ عند ابن حبان، والبيهقي. وقد صحَّحه ابن خزيمة، وابن حبان، والسيوطي، وقال الذهبي: إسناده صالح، وقال الهيثمي: رجاله ثقات إلاَّ أنَّ فيه عطاء بن السَّائب ثقة؛ لكنَّه اختلط . * مفردات الحديث: - كيف تُقَدَس أمَّة: التقديس: التطهير والتنزيه، يعني تَبْعُدُ الطهارة والنَّزاهة عن (١) ابن حبان (١٥٥٤). البزَّار كما فى ((كشف الأستار)) (١٥٩٦). (٢) (٣) ابن ماجة (٤٠١٠). ١٨٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام أُمَّة لا تساوي في أحكامها بين القوي والضعيف. - الأمَّة: أتباع النَّبِي وَّرَ، والجمع أمم، مثل: غرفة وغرف. - شدیدهم: قویھم وغنيهم. * ما يؤخذ من الحديث: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَِّينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَ ١ - قال الله تعالی: أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَفْرَبِنُّ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيْرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَّا فَلَا تَتَّبِعُواْ الْهَوَىّ ﴾ [النساء]. (١٣٥) أَنْ تَعْدِ لُواْ وَإِن تَلْوُ اْأَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا! قال بعض المفسرين: لهذه الآية ثمرات هي أحكام، منها: الأوَّل: وجوب العدل على القضاة والولاة، وأنْ لا يعدلوا عن القسط لأمر تميل إليه النفوس وشهوات القلوب، من غِنَّى وفَقْرٍ، أو قرابة، بل يستوي عنده الدنيء والشريف، والقريب والبعيد. الثاني: أنَّه يجب الإقرار على من عليه الحق، ولا يحل له أنْ يكتمه؛ لقوله: ﴿ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾. ٢- قال محمد رشيد رضا: القوَّامون بالقسط هم الّذين يُقيمون العدل بالإتيان به على أتمّ الوجوه وأكملها وأدومها؛ فالقيام بالشيءٍ هو الإتيان به مستويًا تامًّا، لا نقص فيه، ولا عوج، وهذه العبارة أبلغ ما يمكن أنْ يُقال في تأكيد أمر العدل والعناية . ٣- حديث الباب فيه استبعاد أنْ تتطهّر أمَّة من الذنوب، وهي لا يُنْصَف لضعيفها من قويها فيما يلزمه من الحق له؛ فإنَّه يجب نصر الضعيف حتَّى يأخذ حقه من القوي . فقد جاء في صحيح البخاري (٢٤٤٤): ((انصر أخاك ظالما، أو مظلومًا))، ونصر الظَّالم: هو رده وكفه عن الظلم. ----- ---- --- -------------------