Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١ كتاب الحدود - باب حد الزاني وهو قول عبدالله بن معمر، والزهري، وربيعة، وإسحاق ابن راهوية. وذهب الإمامان: الشافعي، وأحمد، إلى -: أنَّ عقوبته كعقوبة الزاني؛ سواء كان فاعلاً، أو مفعولاً به. وهذا قول عطاء، والحسن، وسعيد بن المسيب، والنَّخعي، وقتادة، والأوزاعي؛ لما روى البيهقي من حديث أبي موسى أنَّ النَّبِيَّ وَّ قال: ((إذا أتى الرجل الرجل، فهما زانيان)). وذهب الإمام أبو حنيفة إلى: أنَّ عقوبته دون عقوبة الزنا، وهي التعزير. قال أصحاب القول الأول، وهم جمهور الأمة: إنَّه ليس في المعاصي أعظم مفسدة من هذه المعصية، وإنَّ الله تعالى جمع على أهلها من أنواع العقوبات ما لم ينكل به أمة سواهم؛ وذلك لعظم مفسدة هذه الجريمة. وإنَّ الله تعالى جعل حد القاتل إلى خيرة الولي، بينما حتم قتل اللوطي حدًّا، وأجمع على ذلك الصحابة، ودلَّت عليه السنة الصحيحة الصريحة، التي عمل بها الصحابة، والخلفاء الراشدون، رضي الله عنهم. وإنما اختلف الصحابة في صفة قتله: فقال علي بن أبي طالب: أرى أن يحرق بالنار، وقال ابن عباس: يرمى من شاهق، ثم يتبع بالحجارة. أما الذين ذهبوا إلى أنَّ عقوبة اللواط دون عقوبة الزنا، وإنما هو عقوبته التعزير - فيقولون: إنَّه معصية لم يقدر الله تعالى ورسوله ◌َّ فيها حدًّا مقدرًا، فكان فيه التعزير، ولأنَّه وطء في محل لا تشتهيه الطباع، والقواعد الشرعية أنَّ المعصية إذا كان الوازع منها طبيعيًّا، اكتفي بذلك الوازع عن الحد، أما إذا كان في الطباع ميل إليها جعل فيها الحد؛ لذا جعل الله الحد من الزنا، والسرقة، والسكر، دون أكل الميتة. قُلتُ: وهذه تعللات لا تقوم بجانب النصوص، وإجماع الصحابة . ٢٤٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام صَلىالله وَسَلم علـ ١٠٥٩ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا -: ((أَنَّ النَّبِيَّ ضَرَبَ وَغَرَّبَ، وَأَنَّ أَبَابَكْرِ ضَرَبَ وَغَرَّبَ، وَأَنَّ عُمَرَ ضَرَبَ وَغرَّبَ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، إِلاَّ أَنَّهُ اخْتُلِفَ فِي وَقْفِهِ وَرَفْعِهِ(١). * درجة الحديث: الحدیث صحیح. أخرجه الترمذي، والبيهقي من طرق عن عبدالله بن إدريس عن عبيدالله عن نافع عن ابن عمر به. قال الترمذي: حديث غريب، رواه غير واحد عن عبدالله بن إدريس، فرفعوه، وروى بعضهم عن عبدالله بن إدريس هذا الحديث عن عبيدالله عن نافع عن ابن عمر: ((أنَّ أبا بكر ضرب وغرب، وأنَّ عمر ضرب وغرب)). قلتُ: الحديث صحيح الإسناد؛ لأنَّ عبدالله بن إدريس الأزدي ثقة محتج به في الصحيحين ، وقد رواه عنه الجماعة مرفوعًا، ومن رواه عنه موقوفًا لم يخالف رواية الجماعة؛ فإنَّ في رواية الجماعة زيادة، والزيادة مقبولة، لا سيّما إذا كانت من الجماعة، وقد صحَّح الحديث أيضًا: ابن القطان، والحاكم، وقال: على شرط الشيخين. * مفردات الحديث: - غرَّب: بفتح الغين، وتشديد الراء، ثم باء موحدة، يقال: غرَّب يغرِّب تغريبًا: أبعده عن وطنه، والمعنى: حكم عليه القاضي بالنفَّي عن بلده لمدة سنة . (١) الترمذي (١٤٣٨). ٢٤٣ كتاب الحدود - باب حد الزاني * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الحديث يدل على أنَّ أبابكر وعمر - رضي الله عنهما - نفذا في خلافتهما سنة النبي ◌ّة، فضربا الزاني البكر، فجلداه مائة جلدة، كما في الآية الكريمة: الزَّنِيَةُ وَالَّانِ فَأَجْلِدُ واْكُلَّ وَحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]. ٢ - وأنَّ الخليفتين الراشدين غرَّبا الزاني البكر عن بلده إلى بلد آخر عامًا كاملاً، كما صحَّت السنة بذلك .. ٣- فهذا دليل على بقاء هذا الحد، وأنَّه لم يُنسَخ ولم يبدل، بل نفذه هذان الإمامان الكبيران رضي الله عنهما وأرضاهما. قال وَّةٍ: ((اقتدوا باللَّذين من بعدي: أبي بكر، وعمر)). رواه ابن ماجه، والحاكم، والترمذي وحسّنه. ٢٤٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ١٠٦٠ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: (لَعَنَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ المُخَنَّتِيْنَ مِنَ الرِّجالِ، وَالمُتَرَجِّلَاتٍ مِنَ النِّسَاءِ، وَقَال: أَخْرِ جُوهُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ)). رَوَاهُ البُخَارِيُّ(١). * مفردات الحديث: - المُخَنَّفِينَ: جمع ((مُخَنَّث))، بالخاء المعجمة، فنون، فمثلثة، يقال: خنث الرجل يخنث خنثًا أي: صارخِثًا، والخَنِث: من فيه لينٌ، وتكسُّرٌ، وَتَثَنِّ، وتشبُّهُ بالنساء في زيه، وحركاته، وكلامه. - المتَرَجِّلات: المتشبهات بالرجال، هكذا ورد تفسيره في حديث آخر، أخرجه أبوداود، والمراد: أنَّهنَّ يتشبهن بالرجال بخصائصهم: من الحركات، والكلام، واللبس، والزي، وغير ذلك من الأمور الخاصة بالرجال. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - المتخنثون من الرجال هم الذين يتشبهون بالنساء في حركاتهم، ومشيتهم، وتكسرهم، ولباسهم، وغير ذلك من الأمور المختصة بالنساء. ووجد فئة من الشباب قبيحة، اتّخذت خصائص النساء في كل شيء، فيجب ردعهم؛ لئلا يستشري فسادهم في أنفسهم، وفي غيرهم، فهلذه طائفة من الشباب المائع الماجن المتأنث، يسمون: ((الجنس الثالث))، ظهر منهم أعمال، وحالات يندى لها الجبين ، فهؤلاء يجب التشديد في حقهم، وقطع دابرهم. ٢ - أما المترجلات من النساء: فهنَّ المتشبهات بالرجال بكلامهن وحركاتهن، (١) البخاري (٦٨٣٤). er mome me ---------- - ٢٤٥ كتاب الحدود - باب حد الزاني وأعمالهن، وغير ذلك من الأمور الخاصة بالرجال. وهذه الظاهرة برزت من مزاحمة الفتيات بالمكاتب، والدوائر، والشركات، وغير ذلك. ٣- فالصنفان لعنهم النَّبِيُّ وَّ؛ لأنَّهم حاولوا تغيير خلقة الله تعالى، التي أرادها في خلقه، فالله تبارك وتعالى خلق كل خَلْقٍ على هيئة وشكل، يناسب طبيعته، وعمله الذي خُلِقٍ من أجله، فعكس هذا الأمر هو تغيير لخلق الله، وفطرته التي فطر الناس عليها . ٤ - الحديث يدل على أنَّ تشبه الرجال بالنساء ، وتشبه النساء بالرجال - أنَّه من المحرَّمات، ومن كبائر الذنوب؛ لأنَّ اللَّعنة لا تلحق إلاَّ صاحب كبيرة. ٥- قال الشيخ عبدالرحمن السعدي عند هذا الحديث: الأصل في جميع الأمور العادية الإباحة، فلا يحرم منها إلاَّ ما حرّم الله ورسوله: إما لذاته كالمغصوب، وإما لخبث مكسبه، وإما لتخصيص الحل فيه بأحد الصنفين، فالذَّهب والفضة والحرير خاص للنساء، وأما تحريم تشبه الرجال بالنساء، وبالعكس فهو عامٌّ في اللباس، وغيره. ٢٤٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ١٠٦١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّه: ((ادْفَعُوا الخُدُودَ، مَا وَجَدْتُمْ لَهَا مَدْفَعًا)). أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ بِسْنَادٍ ضَعِيفٍ(١). وأَخرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالحَاكِمُ مِن حَدِيثِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - بِلَفْظِ: ((ادْرَءُوا الحُدُودَ عَنِ المُسْلِمِينَ، مَا اسْتَطَعْتُمْ))، وَهُوَ ضَعِيفٌ أَيْضًا(٢). وَرَوَاهُ البَيْهَقِيُّ عَنْ عِلِيٍّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - مِن قَوْلِهِ بِلَفْظِ: (اذْرَءُ والحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ))(٣). * درجة الحديث: الحدیث ضعيف. أما حديث أبي هريرة: فأخرجه ابن ماجه من طريق إبراهيم بن الفضل عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة به، ومن هذا الوجه رواه أبويعلى في ((مسنده))، قال في ((الزوائد)): هذا إسناد ضعيف، فإبراهيم بن الفضل المخزومي ضعَّفه أحمد، وابن معين، والبخاري، والنسائي. أما حديث عائشة: فأخرجه الترمذي، وفيه یزید بن زياد متروك. وأما حديث علي: قال البيهقي: في إسناده ضعف، وعلَّته مختار التمار. (١) ابن ماجه (٢٥٤٥). (٢) الترمذي (١٤٢٤)، الحاكم (٣٨٤/٤). (٣) البيهقي (٢٣٨/٨). ---- -- - - -- --- ---- ------ ٢٤٧ كتاب الحدود - باب حد الزاني قال البخاري: منكر الحديث. قال ابن حجر في ((التلخيص)): قد روي عن غير واحد من الصحابة أنَّهم قالوا ذُلك، ورواه ابن حزم في الإيصال عن عمر بإسناد صحيح، وفي مسند أبي حنيفة للحارثي من طريق مقسم عن ابن عباس مرفوعًا . * مفردات الحديث: - ادرءوا: من: درأ يدرء درءًا أي: دفعه، فالدرء: الدفع . والمعنى: التمسوا الأعذار مما يسقط الحد. - الشبهات: يقال: اشتبه الأمر: خفي والتبس، فالشبهة: التباس للأمر بالثبوت وعدمه، جمعه: ((شُبَه وشُبُهَات)) . * ما يؤخذ من الحديث: ١- حقوق الله تعالى مبنية على المسامحة؛ لِما اتَّصف به جلَّ وعلا من الستر على عباده، والعفو، والمغفرة عن ذنوبهم، وخطاياهم. ٢ - ومن هذا ما جاء في هذا الحديث الذي جاء من طرق مرفوعة وموقوفة، يعضد بعضها بعضًا، لتدل على أصل هذا المعنى، وهو معنى دلَّ عليه كرم الله تعالى، وصفحه عن عباده. ٣- فحدود الله تعالى، وحقوقه تدرأ وتدفع بالشبهات ، ما وجد إلى درئها ودفعها سبيل، من الأمور التي يجوز دفعها ، ويمكن درؤها؛ كأن تدعي المرأة الإكراه، أو أنَّها وطئت وهي نائمة، ونحو ذلك، فحينئذٍ يقبل قولها، ويدفع عنها الحد، ولا تكلف البينة فيما دفعت به، وزعمته . قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أنَّ الحدود تدرأ بالشبهات . وقال الموفق: ذهب أكثر أهل العلم إلى أنَّه لا حد مع الشبهة؛ لأنَّ الحدود تدرأ بالشُّبهات. ٢٤٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام قال الشوكاني عن حديث الباب: الحديث يصلح للاحتجاج على مشروعية درء الحدود بالشُّبهات المحتملة، لا مطلق الشبهة . ٤- أما حقوق الخلق: فهي مبنية على الشح والتقصي، فالمقر بحق آدمي لا يقبل رجوعه عن إقراره، والقرينة على صحة الدعوى يعمل بها، ويحاول إظهار الحق ممن أنكره قال الشيخ عبدالرحمن السعدي عند هذا الحديث: يدل الحديث على أنَّ الحدود تدرأ بالشُّبهات، فإذا اشتبه أمر الإنسان: هل فعل ما يوجب الحد، أم لا؟ وهل هو عالم، أو جاهل؟ وهل هو متأول، أو معتقد حِلَّه، أم لا؟ دُرئت عنه العقوبة؛ لأنَّنا لم نتحقق موجبًا، فالخطأ في درء العقوبة، أهون من الخطأ في إيقاع العقوبة على من لم يفعل سببها؛ فإنَّ رحمة الله تعالى سبقت غضبه، وشريعته مبنية على اليسر والسهولة، وهذا في الاحتمالات المعتبرة، أما الاحتمالات التي تشبه الوهم والخيال، فلا عبرة بها . وقال: وفي الحديث دليل على أصل هو: أنَّه إذا تعارضت مفسدتان، تحقيقًا أو احتمالاً، راعينا المفسدة الكبرى، فدفعناها؛ تخفيفًا للشر، والله أعلم. -- ٢٤٩ كتاب الحدود - باب حد الزاني ١٠٦٢ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الهِ مَّهِ : (اجْتَنِبُوا هَذِهِ القَاذُورَاتِ الَّتِي نَهَى اللهُ عَنْهَا، فَمَنْ أَلَمَّ بِهَا، فَلْيَسْتَتِّرْ بِسِتْرِ اللهِ، وَلْيَتُبْ إِلَى اللهِ؛ فَإِنَّهُ مَنْ يُبْدِ لَنَا صَفْحَتَهُ، نُقِمْ عَلَيْهِ كِتَابَ اللهِ تَعَالَىْ)). رَوَاهُ الخَاكِمُ. وَهُوَ فِي ((المُوطٍَّ) مِنْ مَرَاسِيلِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ (١). * درجة الحديث. الحدیث صحیح. قال المصنف: رواه الحاكم، وقال: على شرط الشيخين. وهو في ((الموطأ)) من مراسيل زيد بن أسلم، قال ابن عبدالبر: لا أعلم هذا الحديث أُسْنِدَ بوجه من الوجوه. ومراد ابن عبدالبر بذلك: حديث مالك، وأما الحاكم: فرواه مسندًا عن أنس بن عياض عن يحيى بن سعيد وعبدالله بن دينار عن ابن عمر مرفوعًا، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، ووافقه الذَّهبي، وصحَّحه ابن السكن. * مفردات الحديث: - القاذورات: مفرده: ((قاذورة))، يقال: قذر الشيء - وهو مثلث العين - ومصدره : قذرًا وقذارة، وهو ضد النظيف، يقال: شيء قذّر بسكون العين وتثليث حركتها، والقاذورة لها عدة معانٍ؛ منها: الفاحشة، وهو المراد هنا. - ألَمَّ: يقال: لمّ الشيء يلمّه لمّا؛ أي: جمعه وضمه، وألم الرجل بالذنب فعله. (١) الحاكم (٢٧٢/٤)، مالك (٨٢٥/٢). ٢٥٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام - يُبْدِ: من: بدا الأمر يبدو بَدْوًا وبُدُوًّا بمعنى: ظهر وبان. - صفحته: حقيقة الصفحة: جانب الوجه، فلكل وجه صفحتان هما الخدان، » بمعنى: أظهر ذنبه وأبانه. - كتاب الله: جمعه: (كتب)) - بضم العين وسكونها - وهو مصدر سمي به المكتوب؛ لجمعه أحكام الله، والمراد هنا: حكم الله الذي لا يخالف التنزيل. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - دلَّ الحديث على رغبة الشارع الحكيم من المذنب أن يستر نفسه، ويتوب عن الذنب فيما بينه وبين ربه، والله سبحانه غفور رحيم: ﴿ وَهُوَ الَّذِى يَقْبَلُ الثَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ، وَيَعْفُواْ عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ [الشورى: ٢٥]. ٢- وكان ◌َّهُ يُعرض عن المقرين، والمعترفين عنده بذنوبهم؛ كقصة ماعز بن مالك، يريد بذلك و له أن تكون توبتهم فيما بينهم وبين ربهم، فيقول: لعلَّك قبَّلْت، لعلَّك غمزت، لعلَّك نظرت. ٣- أما إذا رُفِع أمر من أتى بفاحشة، وأبان عن حقيقة حالة إلى ولي أمره، فإنَّه حينئذٍ يجب على ولي الأمر إقامة ذلك الحد؛ كما قال ◌َّ: ((من يُبْدِ لنا صفحته، نقم علیه كتاب الله عزَّوجل)). وكما قال ◌َّ لصفوان بن أمية حنيما شفع للسارق الذي سرق رداءه: ((هلا كان ذلك قبل أن تأتيني به؟!)) وقال وَّر منكرًا على أسامة بن زيد: ((أتشفع في حدٍّ من حدود الله؟!)). ٤- أما حديث: ((أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم)): فقد قال الإمام الشافعي: سمعت من يفسِّر هذا الحديث، فيقول: يتجاوز للرجل من ذوي الهيئات عثرته ما لم تكن حدًّا. قال الماوردي في تفسير العثرات: فيها وجهان: أحدهما: الصغائر. ----- ----------- ٢٥١ كتاب الحدود - باب حد الزاني الثاني: أول معصية زلَّ فيها مطيع . والمتعارف عند الناس أنَّ ذوي الهيئات هم أصحاب الخصال الحميدة، وذوي المروءات، وكرائم الأخلاق. والمراد بقوله: ((إلاَّ الحدود))؛ أي: فإنَّها لا تُقَالُ، بل تقام على ذي الهيئة، وغيره بعد الرفع إلى الإمام. ٢٥٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام باب حد القذف مقدمة القذف لغة: الرمي بالشيء، فيقال: قذف قذفًا، واسم الفاعل: قاذف، وجمعه : قذاف وقذفة. وشرعًا: الرمي بزنا أو لواط . القذف نوعان: ١ - قذف يُحَد عليه القاذف. ٢ - قذف يعاقب عليه بالتعزير. فأما الذي يحد فيه القاذف: فهو رمي المحصَن بالزنا، أو نفي نسبه، أو رميه باللواط . وأما ما فيه التعزير: فهو الرمي بما ليس صريحًا فيما تقدم، أو الرمي بغير ذلك. والقذف محرَّم بالكتاب، والسنة، والإجماع: فمن الكتاب : قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَزِّمُونَ الْمُحْصَنَتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةٍ شُهَدَآءَ فَاجْلِدُ وهُمْ ثَمَنِينَ جَْدَةً وَلَا نَقْبَلُوْ لَهُمْ شَهْدَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ﴾ [النور: ٤]. ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة؛ أنَّ النَّبيَّ نَّ قَالَ: ((اجتنبوا ومن السنة : ------ ------- ٠٠٠ ... كتاب الحدود - باب حد القذف ٢٥٣ السبع الموبقات ... )) وعدَّ منها القذف. وأجمع المسلمون على أنَّه من كبائر الذنوب. قال ابن رشد: اتَّفق العلماء على أنَّه يجب مع الحد سقوط شهادته، ما لم يتب، واتَّفقوا على أنَّ التوبة لا ترفع الحد. - ٢٥٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ١٠٦٣ - عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: ((لَمَّا نَزَلَ عُذْرِي، قَامَ رَسُولُ اللهِ وَّهَ عَلَىُ المِنْبَرِ، فَذَكَرَ ذلِكَ، وَتَّلاَ القُرْآنَ، فَلَمَّا نَزَلَ، أَمَرَ بِرَجُلَيْنِ، وَامْرَأَةٍ، فَضُرِبُوا الحَدَّ)). أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ، وَأَشَارَ إِلَيْهِ البُخَارِيُّ (١). * درجة الحديث: الحدیث حسن . قال الترمذي: حسن غريب، لا نعرفه إلاّ من حديث ابن إسحاق. قال المنذري: قد أسنده ابن إسحاق مرَّة، وأرسله أخرى. * مفردات الحديث: - عُذْرِي: يعني: لما نزلت براءة الصدِّيقة مما رميت به، وحُكِم ببراءتها في سورة النور من قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ جَاءُ و بِآلْإِفْكِ ... ﴾ الآيات الكريمة [النور]. - رَجُلَيْنِ: هما: حسَّان بن ثابت الأنصاري، ومِسْطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب بن عبدمناف بن قصي القرشي المطلبي، فهما اللّذان خاضا بالإفك في عائشة ،- رضي الله عنها -. - امرأة: هي: حمنة بنت جحش بن رئاب، من بني أسد بن خزيمة، هي أخت زينب بنت جحش أم المؤمنين، وكانت تحت مصعب بن عمير، فاستشهد عنها في أحد، فتزوَّجها طلحة بن عبيدالله . * ما يؤخذ من الحديث: ١ - القذف: هو الرمي بالزنا، أو اللواط، وهو من الكبائر. (١) أحمد (٣٥/٦)، أبوداود (٤٤٧٤)، الترمذي (٣١٨١)، النسائي في الكبرى (٣٢٥/٤)، ابن ماجه (٢٥٦٧). ----- --- ------ ٢٥٥ كتاب الحدود - باب حد القذف ٢- عائشة الصديقة وبنت الصديق ابتليت - رضي الله عنها - بمن رماها بالفاحشة، مع صحابي تقي هو ((صفوان بن المعطّل))، فبرَّأها الله تعالى من هذه الفرية التي زادتها نزاهة ورفعة، حينما نزل ببراءتها قرآن يتلى إلى يوم القيامة من سورة النور. ٣- لما نزلت براءتها، أخبر النبي ◌َّ المسلمين؛ بذلك، وتلا القرآن النازل بالبراءة على المنبر، ثم نزل عليه الصلاة والسلام، فأتي بالرجلين القاذفين: وهما حسَّان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وبالمرأة وهي: حمنة بنت جحش، فأقام علیهم حد القذف؛ لثبوت کذبهم به . ٤- ففي الحديث ثبوت القذف، وثبوت حده، ووجوب إقامته على القاذف الكاذب، وحد القذف ثمانون جلدة إن كان حرًّا، وإن كان القاذف عبدًا فأربعون جلدة . ٥- يسقط حد القذف بواحدة من أربع : (أ) عفو المقذوف، قال الشيخ: لا يحد القاذف، إلاَّ بطلب إجماعًا . (ب) تصديق المقذوف للقاذف فيما رماه به . (ج) إقامة البينة على صحة القذف. (د) إذا قذف الرجل زوجته ولاعنها. ٦ - القذف له عدة أحكام: ( أ) حرام: إذا كان كاذبًا في إخباره. (ب) واجب: على من رأى زوجته تزني، ثم تلد ولدًا يقوى ظنه أنَّه من الزاني. (ج) مباح: إذا رأى زوجته تزني، ولم تلد ما يلزمه نفيه، فهو مخيّر بين فراقها وقذفها وفراقها، أولى من قذفها؛ لأنَّه أستر، ولأنَّ قذفها يلزم منه أن يحلف أحدهما كاذبًا، أو تقرَّ فتفتضح . ٢٥٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ١٠٦٤ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((أَوَّلُ لِعَانٍ كَانَ فِي الإِسْلاَمِ، أَنَّ شَرِيْكَ بْنَ سَحْمَاءَ قَذَفَهُ هِلَاَلُ بْنُ أُمَيَّةَ بِمَّرَأَتِهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِّهِ: البِيئَةَ، وَإِلاَّ فَحَدٌ فِي ظَهْرِكَ ... )) الحَدِيثَ. أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ(١). وَفِي الْبُخَارِيِّ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عِبَّاسٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا(٢) . درجة الحديث: الحدیث صحیح. فقد قال أبويعلى: رجاله ثقات. وله شاهد من حديث ابن عبّاس عند البخاري، وهو عند مسلم من حديث أنس بنحوه. ** مفردات الحديث: - شَريك بن سَحْمَاء: بفتح الشين، فراء مكسورة، ثم ياء، فكاف، وأما سحماء: فسینه مفتوحة، وحاؤه ساكنة، وهو ممدود. - قَدْفَه: من قذف قذفًا فهو قاذف، والقاذف في اللغة: الرمي بقوة. وشرعًا: الرمي بالزنا أو لواط، والمراد هنا: الرمي بالزنا. - البيّة: منصوب بفعل تقديره: أحضر البينة، ويجوز الرفع على تقدير: عليك البينة . (١) أبويعلى (٢٨٢٤). البخاري (٢٦٧١). (٢) ٢٥٧ كتاب الحدود - باب حد القذف * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الأصل أنَّ من قذف محصنًا بالزنا، فعليه إقامة البيّنة، وبينة الزنا شهادة أربعة رجال، فإن لم يأت بههذه البينة، فعليه حد القذف: ثمانون جلدة، كما قال تعالى: ﴿ وَلَّذِينَ يَرَّمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةٍ شُهَدَآءَ فَاجْلِدُ وهُمْ ثَمَنِينَ جَدَةً﴾ [النور: ٤]. ٢ - استثني من هذا العموم، إذا قذف الرجل زوجته بالزنا، فعليه إقامة البينة أربعة شهود، فإن لم يكن لديه أربعة شهود، دُرِىء عنه حد القذف على أن يحلف أربع مرات أنَّه لمن الصادقين فيما رماها به من الزنا، وفي الخامسة يلعن نفسه، فيقول: وإنَّ لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، وتكون الشهادات قائمة مقام الأربعة الشهود. ٣- ذلك أنَّ الرجل إذا رأى الفاحشة في زوجته، فلا يتمكن من السكوت، كما لو رآه من الأجنبية؛ لأنَّ هذا عار عليه، وفضيحة له، وانتهاك لحرمته، وإفساد لفراشه، فلا يقدم على قذف زوجته إلاَّ من تحقَّق؛ لأنَّه لن يقدم عليه إلاّ بدافع من الغيرة الشديدة؛ إذ إنَّ العار واقع عليهما، فيكون هذا مقويًّا لصحة دعواه . ٤- يدل الحديث على أنَّ هلال بن أمية قذف شريكًا بالزنا بزوجة القاذف، وليس القذف للزوجة إلاَّ ضمنًا . خلاف العلماء: * اختلف العلماء فيمن قذف رجلاً بزوجته: فذهب الإمامان: أبو حنيفة، ومالك إلى: أنَّ من قذف رجلاً بزوجته، فعليه إقامة البيّنة على ذلك، وإلاّ فعليه حد القذف؛ لأنَّه قذف من لم يكن له ضرورة إلى قذفه، فهو على أصل حد القذف. قال ابن العربي: وهذا هو ظاهر القرآن؛ لأنَّ الله تعالى وضع الحد في ٢٥٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام قذف الأجنبي، والزوجة مطلقين، ثم خصَّ الزوجة بالخلاص باللعان، وبقي الأجنبي على مطلق الآية، وإنما لم يحدّ النَّبِيُّ وَلَه هلالاً لشريك؛ لأنَّه لم يطلبه، وحد القذف لا يقيمه إلاَّ الإمام بعد المطالبة إجماعًا . وذهب الإمامان: الشافعي، وأحمد إلى: أنَّ الزوج إذا قذف زوجته برجل معيَّن، ثم لاعن، سقط عنه الحد للزوجة، ومن قذفها به، ذكره في اللعان، أو لم يذكره فيه؛ لأَنَّ اللعان بينة في أحد الطرفين، فكان بيِّة في الطرف الآخر، كالشهادة، فإن لم يلاعن الزوج، فلكل واحد من الزوجة، والرجل المقذوف بها المطالبة بالحد، وأيهما طالب: حُدَّ له وحده دون من لم يطلب . واستدل الإمامان: بهذا الحديث؛ فإنَّ هلال بن أمية قذف شريكًا بزوجته، ولم يحده النبي وَّ، وأما قوله ◌َّله لهلال بن أمية: ((البيّة، وإلاّ فحد في ظهرك)) - فالبينة شهادات اللعان اللاتي تقوم مقام الأربعة الشهداء. .. m ٢٥٩ كتاب الحدود - باب حد القذف ١٠٦٥ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: ((لَقَدْ أَدْرَكْثُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَر وَعُثْمَانَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ - وَمَنْ بَعْدَهُمْ، فَلَمْ أَرَهُمْ يَضْرِبُونَ المَمْلُوكَ فِي القَذْفِ إِلاَّ أَرْبَعِينَ)). رَوَاهُ مَالِكٌ، وَالثَّورِيُّ فِي ((جَامِعِهِ))(١). درجة الحديث: الحدیث صحیح. قال في ((أوجز المسالك في شرح موطأ مالك)): أخرجه البيهقي من رواية يحيى بن بكير عن مالك عن ابن أبي الزناد، ثم قال: ورواه الثوري عن أبي الزناد حدَّثني عبدالله بن عامر بن ربيعة، قال: ((لقد أدركتُ أبابكر، وعمر، وعثمان، ومن بعدهم من الخلفاء ، فَلم أرهم يضربون المملوك في القذف إلاَّ أربعين)). وأخرجه البيهقي من وجه آخر، وإسناده صحيح. (١) مالك (٨٢٨/٢). ٢٦٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ١٠٦٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ، يُقَامُ عَلَيْهِ الحَدُّ يَوْمَ القِيَامَةِ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ كَمَا قَالَ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْه(١). * ما يؤخذ من الحديثين: ١- الأثر المروي عن الخلفاء الراشدين الثلاثة، أبي بكر، وعمر، وعثمان - رضي الله عنهم - هو أنَّ العبدَ إذا قذف محصنا فحده على النصف من حدّ الحر، فإنَّ حد الحر ثمانون جلدة، قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَرَّمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةٍ شُهَدَآءَ فَاجْلِدُ وهُمْ ثَمَنِينَ جَدَةً﴾ [النور: ٤]. أما المملوك: فهو على النصف من حد الحر؛ لقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ أَتَيْنَ يِفَاحِشَةٍ فَعَلَتْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَفَتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، وعلى هذا إجماع الأئمة الأربعة . ٢ - أما الحديث رقم (١٠٦٦): فيدل على أنَّه يحرم على السيد أن يقذف مملوكه، وهو كاذب عليه في ذلك، فإنَّ للمماليك من الشعور والإحساس مثل ما للأحرار، فقد جاء في الصحيحين من حديث أبي ذر - رضي الله عنه - أَنَّ النَّبيَّ وَِّ قال: ((إخوانكم، جعلهم الله تحت أيديكم)). ٣- أما إذا قذف السيد مملوكه، فلا يقام عليه الحد في الدنيا؛ ذلك أنَّ الحدود كفارات لمن أقيمت عليه، وما دام أنَّه سيلحقه العذاب في الآخرة، ويحد لذلك، فإنَّه دليل على أنَّه لا يحد في الدنيا، وعدم إقامة الحد عليه في الدنيا إجماع العلماء. (١) البخاري (٦٨٥٨)، مسلم (١٦٦٠). --------- - - ----------- --- ---- --- -..