Indexed OCR Text
Pages 101-120
كتاب الجنايات - ١٠١) - ١٠١٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((اقْتَتَلَتِ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ، فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرِى بِحَجَرٍ، فَقَتَلَنْهَا، وَمَا فِي بَطْنِهَا، فَاخْتَصَمُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ وَهِ، فَقَضَى رَسُولُ اللهِ وَ أَنَّ دِيَةَ جَنِبْنِهَا غُرَّةٌ: عَبْدٌ أَوْ وَلِيدَةٌ، وَقَضَى بِدِيَةِ المَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا، وَوَرَّثَهَا وَلَدَهَا، وَمَنْ مَعَهُمْ. فَقَالَ حَمَلُ بْنُ النَّبِغَةِ الهُذَلِيُّ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ يُغْرَمُ مَنْ لاَ شَرِبَ وَلاَ أَكَلَ، وَلاَ نَطَقَ وَلاَ اسْتَهَلَّ، فَمِثْلُ ذِلِكَ يُطَلُّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ◌َِّ: إِنَّمَا هَذا مِنْ إِخْوَانِ الكُهَّانِ، مِنْ أَجْلٍ سَجْعِهِ الَّذِي سَجَعَ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١). وَأَخْرَجَهُ أَبُودَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاس: ((أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - سَأَلَ مَنْ شَهِدَ قَضَاءَ رَسُولِ اللهِّهِ فِي الجَنِيِنِ؟ قَالَ: فَقَامَ حَمَلُ بْنُ النَّابِغَةِ، فَقَالَ: كُنْتُ بَيِّنَ امْرَأَتَيْنِ، فَضَرَبَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى ... )) فَذَكَرَهُ مُخْتَصَرًا، وَصَخَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالحَاكِمُ(٢). ** درجة الحديث: الحديث صحيح . ذلك أنَّه جاء من طريقٍ إسنادها صحيح، وقد صحَّحه كل من: الحاكم، وابن حبان، وابن حزم، وقال ابن حزم في ((المحلى)): إسناده في غاية الصحة. (١) البخاري (٥٧٥٨)، مسلم (١٦٨١). (٢) أبو داود (٤٥٧٢)، النسائي (٢١/٨)، ابن ماجه (٢٦٤١)، ابن حبان (٥٩٨٩)، الحاكم (٥٧٥/٣). ١٠٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام وجاء في رواية البخاري من حديث أبي هريرة؛ أنَّ رسول الله وَّ قَضى فِي جنين امرأة من بني لحيان بغرة: عبدٍ أو أمةٍ، ثم إنَّ المرأة القاتلة توفيت، فقضى رسول الله وَ ◌ّ أنَّ ميراثها لبنيها وزوجها، وأنَّ العقل على عصبتها. * مفردات الحديث: - هُذيل: هذيل بن مدركة وهي قبيلة من القبائل العدنانية، لا تزال تقيم في ضواحي مكة الشرقية والجنوبية، وسكان وادي نعمان، وما حوله كلهم من هذيل، ومن هذيل قبيلة لحيان الذين يقيمون الآن في ضواحي مكة الشمالية. - جَنينها: ما في بطن الحامل وهو من: الاجتنان، وهو الاختفاء، فإنَّ مادة جنَّ كلها تدور على الاختفاء والاستتار. - غرَّة: بضم الغين، وتشديد الراء، آخره تاء التأنيث، أصل الغرة البياض في وجه الفرس، وهي عندهم أنفس شيء، والمراد به هنا: العبد نفسه؛ لأنَّ الله خلق الإنسان في أحسن تقويم. - وليدة: الشابة الأنثى من العبيد، جمعها: ولائد. - عاقلتها: العاقلة صفة موصوف محذوف؛ أي: الجماعة العاقلة، يقال: عقل القتيل إذا غرم ديته، مأخوذ من: العقل، وهو المنع؛ لأنَّ العاقلة تمنع عن القاتل، ويتحملون العقل عنه، والعقل هو الدية . أما تعريف العاقلة شرعًا: فهم من غرم ثلث الدية فأكثر من ذكور العصبة، بسبب جناية الخطأ، أو شبه العمد . - حَمَل: حمل بن النابغة الهذلي، من هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر، وهو زوج المرأتين المذكورتين، صحابي، نزل البصرة. - يُغْرَم: مبني للمجهول، غرم يغرم غرامة، والغارم: هُو من لزمه مال يجب عليه أداؤه، وغرم الدية: أداها عن غيره. - استهلَّ: استهل الصبي: رفع صوته بالبكاء، وصاح عند الولادة. ١٠٣ كتاب الجنايات - يُطل: بضم التحتية، وفتح الطاء، وتشديد اللام؛ أي: يبطل ويهدر دم القتيل، فلا یثأر له، ولا تؤخذ دیته. - الكُھَّان: بضم الكاف، ثم هاء مشددة ، جمع: كاهن، والكاهن: اسم لكل من يدَّعي علم الغيب، أو يدَّعي الكشف عن المغيبات، من: عرَّافٍ، ومنجم، ورمَّالٍ، وغیرهم. - سَجعه: السجع: نوع من أنواع المحسنات البديعية، وتعريفه عند علماء البلاغة: أنَّه اتِّفاق الفواصل في الكلام المنثور في الحرف، أو في الوزن معًا، والكهان يجيدون هذا السجع، ويكثرون منه في كلامهم لخداع الناس . - على عاقلتها: الضمير فيها يعود إلى الجانية . ما يؤخذ من الحديث: ١ - اختصمت امرأتان ضرَّتان من قبيلة هذيل، فرَمَت إحداهما الأخرى بحجر صغير، لا يقتل غالبًا، وللكنه قتلها، وقتل جنينها الذي في بطنها، فقضى النبي ◌َّ أنَّ دية الجنين غرَّة؛ وهي : - عبد أو أمة - على الجاني، وقضى للمرأة المقتولة بالدية؛ لكون قتلها ((شبه عمد))، وتكون على عاقلتها؛ لأنَّ مبنى العاقلة على التناصر والتعاون، ولكون القتل غير عمد. ٢- هذا الحديث أصل في النوع الثاني من القتل، وهو ((شبه العمد))؛ وهو أن يقصد الجاني الجناية بما لا يقتل غالبًا؛ كالقتل بالحجر الصغير، أو العصا .. الصغيرة، فحكم هذا النوع من القتل هو تغليظ الدية على القاتل، ولا يقاد. ٣- أنَّ دية ((شبه العمد))، ومثله ((الخطأ)) - تكون على عاقلة القاتل، وهم: الذكور من عصبته القريبون والبعيدون، ولو لم يكونوا وارثين؛ لأنَّ مبنى العصوبة التناصر والتآزر، وهذه الجائحة وقعت منه بلا قصد، فناسب مساعدتهم له، ولو كان غنيًّا، ولكن تخفف عنهم بتوزيعها عليهم حسب قربهم، وتؤجل عليهم مقسّطة إلى ثلاث سنوات. ١٠٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٤ - أنَّ ديّة الجنين الذي سقط ميتًا بسبب الجناية ــ ((غرة)): عبد أو أمة. وقدَّر الفقهاء قيمة هذه الغرة بخمس من الإبل، تورث عنه، كأنَّه سقط حيًّا. ودية الجنين على القاتل لا على العاقلة؛ لأنَّها أقل من ثلث الدية، وما كان أقل من ثلث الدية، فإنَّ العاقلة لا تتحمله . ٥ - أنَّ الدية تكون ميراثًا بعد المقتول؛ لأنَّها بدل نفسه، وليس للعاقلة فيها شيء. ٦ - قال العلماء: إنَّما كره النبي ◌َّ سجع حَمَل بن النابغة لأمرين: الأمر الأول: أنه عارض به حكم الله تعالى وشرعه، ورام إبطاله. الأمر الثاني: أنَّه تكلّف هذه السجعات بخطابه؛ لنصر الباطل، كما كان الكهَّان يروِّجون أقاويلهم الباطلة بأسجاع تروق السامعين، فيستميلون بها القلوب والأسماع. فأما إذا وقع السجع بغير هذا التكلف، ولم يقصد به نُصْرة الباطل - فهو غير مذموم . وقد جاء في كلام النبي ◌َّ فقد خاطب الأنصار بقوله: ((أما إنكم لَتَقِلُّون عند الطمع، وتکثرون عند الفزع)). وفي دعائه وَّهِ: ((اللَّهمَّ! إني أعوذ بك من علم لا يَنْفَع، وقول لاَ يُسمع، وقلب لا يخشع، ونفسٍ لا تشبع، أعوذ بك من هؤلاء الأربع)). [رواه مسلم (٢٧٢٢))]. * قرار هيئة كبار العلماء في إسقاط الجنين: قرار رقم (١٤٠) وتاريخ ١٤٠٧/٦/٢٠ هـ: الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، محمَّد، وعلى آله وصحبه، وبعد : فإنَّ مجلس هيئة كبار العلماء في دورته التاسعة والعشرين، المنعقدة في مدينة الرياض، ابتداء من يوم ١٤٠٧/٦/٩ هـ، حتى نهاية ٦/٢٠/ ١٤٠٧ هـ قد ١٠٥ كتاب الجنايات اطّلع على الأوراق المتعلّقة بالإجهاض الواردة من المستشفى العسكري بالرياض، كما اطّلع على كلام أهل العلم في ذلك، وبعد التأمل والمناقشة والتصور لما قد يحدث للحامل من أعراض وأخطار في مختلف مراحل الحمل، ولاختلاف الأطباء في بعض ما يقرِّرونه، واحتياطًا للحوامل من الإقدام على إسقاط حملهن لأدنى سبب، وأخذًا بدرء المفاسد، وجلب المصالح، ولأنَّ من الناس من قد يتساهل بأمر الحمل رغم أنَّه محترم شرعًا - لذا فإنَّ مجلس هيئة كبار العلماء يقرر ما يلي : ١ - لا يجوز إسقاط الحمل في مختلف مراحله، إلاّ لمبرر شرعي، وفي حدود ضيقة جدًّا. ٢ - إذا كان الحمل في الطور الأول، وهي مدة الأربعين، وكان في إسقاطه مصلحة شرعية، أو دفع ضرر متوقع جاز إسقاطه، أما إسقاطه في هذه المدة، خشية المشقة في تربية الأولاد، أو خوفًا من العجز عن تكاليف معيشتهم وتعليمهم، أو من أجل مستقبلهم، أو اكتفاءً بما لدى الزوجين من الأولاد - فغير جائز. ٣- لا يجوز إسقاط الحمل إذا كان علقة أو مضغة، حتى تقرر لجنة طبية موثوقة؛ أنَّ استمراره خطر على سلامة أمه، بأن يُخشى عليها الهلاك من استمراره، فيجوز إسقاطه بعد استنفاد كافة الوسائل لتلافي تلك الأخطار. ٤- بعد الطور الثالث، وبعد إكمال أربعة أشهر للحمل لا يحل إسقاطه، حتى يقرر جمع من الأطباء المختصين الموثوقين؛ أنَّ بقاء الجنين في بطن أمه يسبب موتها، وذلك بعد استنفاد كافة الوسائل لإنقاذ حياته، وإنما رخِّص الإقدام على إسقاطه بههذه الشروط، دفعًا لأعظم الضررين، وجلبًا لعظمى المصلحتين. والمجلس إذ يقرر ما سبق يوصي بتقوى الله، والتثبت في هذا الأمر، والله الموفق، وصلى الله على نبينا محمَّد وآله وصحبه وسلم. ١٠٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام * قرار المجمع الفقهي الإسلامي بشأن موضوع إسقاط الجنين المشؤه خلقيًا: الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، سيدنا ونبينا محمّد ێ، وعلى آله وصحبه. أما بعد : فإنَّ مجلس المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي في دورته الثانية عشرة المنعقدة بمكة المكرمة في الفترة من يوم السبت: ١٥ رجب ١٤١٠ هـ، الموافق ١٠ فبراير ١٩٩٠ م، إلى يوم السبت ٢٢ رجب ١٤١٠ هـ، الموافق ١٧ فبراير ١٩٩٠ م - قد نظر في هذا الموضوع، وبعد مناقشته من قبل هيئة المجلس الموقرة، ومن قبل أصحاب السعادة الأطباء المختصين، الذين حضروا لهذا الغرض - قرر بالأكثرية ما يلي: - إذا كان الحمل قد بلغ مائة وعشرين يومًا، فإنه لا يجوز إسقاطه، ولو كان التشخيص الطبي يفيد أنَّه مشوَّه الخِلقة، إلاّ إذا ثبت بتقرير لجنة طبية من الأطباء الثقات المختصين أنَّ بقاء الحمل فيه خطر على حياة الأم، فعندئذٍ يجوز إسقاطه؛ سواء أكان مشوهًا أم لا؛ دفعًا لأعظم الضررين . - قبل مرور مائة وعشرين يومًا على الحمل، إذا ثبت وتأكد بتقرير لجنة طبية من الأطباء المختصين الثقات، وبناء على الفحوص الفنية بالأجهزة والوسائل الممكنة -: أنَّ الجنين مشوه تشويهًا خطيرًا غير قابل للعلاج، وأنَّه إذا بقي وولد في موعده ستکون حیاته سيئة وآلامًا علیه وعلى أهله - فعندئذٍ يجوز إسقاطه؛ بناء على طلب الوالدين، والمجلس إذ يقرر ذلك يوصي الأطباء والوالدين بتقوى الله، والتثبت في هذا الأمر. والله ولي التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمَّد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، والحمدلله رب العالمين. ------ ١٠٧ كتاب الجنايات ١٠١٧ - وَعَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّ الرُّبِيِّعَ بِنْتَ النَّضْرِ - عَمَّتَهُ - كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ، فَطَلَبُوا إِلَيْهَا العَفْوَ، فَأَبَوْا، فَعَرَضُوا الأَرْشَ، فَأَبَوْا، فَأَنَوْا رَسُولَ اللهِ نَّهِ فَأَبَوْا إِلَّ القِصَاصَ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ وََِّّ بِالقِصَاصِ، فَقَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتَكْسَرُ ثَنِيَّةُ الرُّبِّعِ؟! لاَ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، لاَ تُكْسَرُ ثَنِيَتُهَا، فَقَالَ رَسُولُ الهِ وَهُ : يَا أَنَسُ، كِتَابُ اللهِ القِصَاصُ»، فَرَضِيَ القَوْمُ، فَعَفَوْا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لِأَبَّهُ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ(١). * مفردات الحديث: - الرُّبَيَع: تصغير ربيع، وهو بضم الراء، وفتح الباء الموحدة، وتشديد الياء، آخره عين مهملة -: بنت النضر الأنصارية الخزرجية، أخت أنس بن النضر، وعمة أنس بن مالك خادم النبي ◌َله . - ثَنِيَّة: واحدة الثنايا، وهنَّ أربع أسنان في مقدم الفم: اثنتان من أعلى، واثنتان من أسفل. - جارية: شابة من بنات الأنصار، وليس المراد بها الأمة؛ لعدم القصاص بینھما . - الأزْش: بفتح الهمزة، وسكون الراء، آخره شين معجمة -: هو قدر ما بين قيمة المجني عليه صحيحًا، وبين قيمته وفيه الجناية، فیقوَّم کأنه عبد سلیم، (١) البخاري (٢٧٠٣)، مسلم (١٦٧٥). ١٠٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ثم يقوَّم مرَّة أخرى وفيه الجرح، فما بين القيمتين ينسب إلى دية الحر؛ فيكون أرش الجناية . - أتكسر: الهمزة للاستفهام الإنكاري، ولم يقصد الإنكار، ولكن أخذه الغضب والحمية، أو أنَّه يجهل الحكم الشرعي. - كِتاب الله القصاص: مبتدأ وخبر؛ أي أنَّ كتاب الله يَحْكُم بالقصاص. - لأبره: اللام للتأكيد في جواب القسم ؛ أي: لا يحنثه، بل يبر قسمه، ويجيبه إلى ما أقسم عليه، ويعطيه مطلوبه لكرامته عليه، وعلمه أنَّه من جملة عباد الله الصالحين. * ما يؤخذ من الحديث: قال الله تعالى: ﴿ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ [المائدة: ٤٥]، والرُّبيع بنت النضر أخت أنس بن النضر أحد شهداء أحد، وهي عمة أنس بن مالك، خادم النبي وَثّر، كسرت ثنية إحدى بنات الأنصار عمدًا، فطلب أنس بن النضر من أولياء المجني عليها العفو عن أخته، فأبوا، فعرضوا عليهم الدية، فأبوا، ورفعوا أمرهم إلى النبي ◌َّ مطالبين بالقصاص، وأصرُّوا على طلبهم، فأمر النبي ◌َّ بالقصاص، فقال أنس بن النضر: يا رسول الله، أتكسر ثنية الربيع؟! لا، والذي بعثك بالحق، لا تُكسر ثنيتها، فقال النبي وَّ: ((يا أنس، كتاب الله))، فرضي القوم، وعفوا، فقال رسول الله: ((إِنَّ من عباد الله من لو أقسم على الله لأبرّه)). هذا الحديث فيه جملة معان وأحكام منها : ١ - ثبوت القصاص في السن؛ كما قال تعالى: ﴿ وَالسِّنَّ بِالسِّنِ﴾ [المائدة: ٤٥]، ولا يكون القصاص إلاَّ في العمد، أما الخطأ وشبه العمد فليس فيهما إلاَّ الدية . ٢ - يكون القصاص بالسن المماثلة للسن المجني عليها. ١٠٩ كتاب الجنايات ٣- أنَّ القصاص هو حكم الله تعالى، يجب القيام به، ما لم يَعْفُ صاحب الحقِّ؛ قال تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨]. ٤ - أنَّ المؤمن إذا لجَّ به الغضب والحمية، فصدر منه ما ظاهره الاعتراض على أمر الله وحكمه، وهو لم يرد به الإنكار والمعارضة، وإنما قصد به طلب الشفاعة - فلا يؤخذ بذلك؛ فإنَّما الأعمال بالنيات. ويحتمل: أنَّ أنس بن النضر إنما قال ذلك توقعًا من الله تعالى، ورجاءً من فضله أن يرضي الله عنه خصم أخته، ويلقي في قلبه العفو، ولذا قال ◌َله : ((إنَّ من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره)). ٥- أنَّ القصاص من حق المجني عليه، فإذا عفا عنه سقط ، ولا يعتبر هذا تعطيلاً لحدود الله؛ لأنَّه محض حق آدمي . ٦ - أنَّ الله تعالى بكرمه وعدله يعرف لذوي السابقة بطاعته سباقتهم، فإذا وقعوا في معضلة سهَّلها لهم؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينٌّ ١٤٣ لَلَبِثَ فِى بَطْنِهِ: إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [الصافات] وكما جاء في الحديث: ((تعرَّف ١٤٤) إلى الله في الرخاء، يعرفك في الشدّة)) [رواه أحمد وأبوالقاسم في ((أماليه))، وحسّنه السيوطي في ((الجامع الصغير))، وكذلك المناوي]. ٧- أنَّ القلوب بين يدي الله تعالى، فالمجني عليهم كانوا ممتنعين من العفو، ومن الدية، وطبيعة الحال أنَّ تشدد أنس بن النضر في عدم تنفيذ القصاص، في أخته مما يزيدهم شدة في طلب القصاص، وإلحاحًا فيه، إلاَّ أنَّهم عفوا، وهذا من الأدلة أنَّ المتصرِّف في القلوب هو الله وحده . ٨- في الحديث منقبة عظيمة لأنس بن النضر - رضي الله عنه - وهي أنَّه من جملة عباد الله تعالى، الذين يعطيهم الله مطلوبهم، ويسمع نداءهم، ويجيب دعاءهم، وقصة استشهاده يوم أحد مشهورة. ١١٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام * فائدة: قال ابن القيم: أتباع الأئمة الأربعة لا قصاص عندهم في اللطمة والضربة، وحكى بعضهم الإجماع. وخرجوا عن محض القياس، وموجب النصوص، وإجماع الصحابة؛ قال تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَاعُوقِبْتُم بِهٌِ﴾ [النحل: ١٢٦] فالواجب للمظلوم أن يفعل بالجاني عليه كما فعل به، فلطمةٌ بلطمةٍ، وضربةٌ بضربة في محلها، بالآلة التي لطم بها، أو مثلها، أقرب إلى المماثلة المأمور بها شرعًا من تعزیره بغیر جنس اعتدائه، وصفته. وهذا هدي الرسول ◌َّ﴾ وخلفائه، ومحض القياس، ونصوص أحمد. ١١١ كتاب الجنايات ١٠١٨ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّةِ: ((مَنْ قُتِلَ عِمِّيَّا أَوْ رِمِّيًّا، بِحَجَرٍ أَوْ سَوْطٍ أَوْ عَصًا - فَعَقْلُهُ عَقْلُ الخَطَإِ، وَمَنْ قُتِلَ عَمْدًا فَهُوَ قَوَدٌ، وَمَنْ حَالَ دُونَهُ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ)) . أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، بِإِسْنَادٍ قَوِيٌّ(١). * درجة الحديث: إسناده قوي، كما قال المؤلف. وقال ابن عبدالهادي: ((إسناده جيّد)) . * مفردات الحديث: - عِمِّيًّا: بكسر العين المهملة، وتشديد الميم، والياء المثناة من تحت، بالقصر، على وزن فِعِيلى، من: العَمَاء. ـ رِمِّيًّا: بكسر الراء، وتشديد الميم، ثم ياء مثناة تحتية، بالقصر، على وزن فعيلى، من الرمي، وكل من عِمِّيا ورِمِّيًّا مصدر يراد به المبالغة، والمعنى: أنه إذا وجد جماعة من الناس في اقتتال، ثم وجد قتيل يُعمى أمره، ولم يتبيَّن قاتله - فحكمه حكم الخطأ تجب فيه الدية. - سَوْط: بفتح السين، وسكون الواو، ما يُضرب به من جلد؛ سواء كان مضفورًا، أو لا . - عَصا: ما يتخذ من خشب وغيره للتوكؤ، أو الضرب، جمعه: عِصِىّ. - فعقْله عقل الخطإ: العقل: الدية، ومعناه: فديته قدر دية قتل الخطأ. - قوَد: بفتح القاف، والواو، آخره دال مهملة، القود: القصاص؛ سمي قودًا؛ (١) أبوداود (٤٥٤٠)، النسائي (٣٩/٨)، ابن ماجه (٣٦٣٥). ١١٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام لأنَّه يقاد عند تنفيذ القصاص فيه. * ما يؤخذ من الحدیث: ١ - قتيل العمياء؛ وهو الذي يُقْتل في زحام، فيُجهل قاتله؛ كزحام الطواف، والسَّعي، ورمي الجمار، فهذا ديته من بيت مال المسلمين. قال الشيخ صالح الحصين المستشار في وزارة المالية: (( القاعدة أنَّ دم المعصوم لا يضيع هدرًا، فالدية تجب على بيت المال في مثل حالة، لا يبقى فيها سبيلٌ للثبوت على غير بيت المال، ولا يوجد ما يسقط العقل عنه)). ٢ - أما القتل برمي حجر، أو سوط، أو عصًا مما لا يقتل غالبًا، فهذا شبيه بالخطأ من حيث عدم وجوب القصاص، وشبيه بالعمد من حيث تغليظ الدية؛ فدية شبه العمد كدية العمد قدرًا . ٣- أما قتل العمد العدوان فإنَّ فيه القود، وهو القصاص، وقد أشار إليه وَلَيه بقوله: ((ومن قتل عمدًا فهو قَود)) . وعرَّف الفقهاء قتل العمد: بأن يقصد آدميًّا معصومًا، فيقتله بما يغلب على الظن موته به، فلا قصاص بما لا يقتل غالبًا، وكذا لاقصاص إن لم يقصد القتل، أو قصد غير معصوم. ٤- وهناك تسع صور لقتل العمد العدوان: ١ - الضرب بمُثَقَّل. ٢- الضرب بما له نفوذ في البدن. ٣- إلقاؤه في زُبْيَةِ سُبُع مفترس. ٤ - إلقاؤه في ماء یغرقه، أو نار تحرقه. ٥- أن يخنقه . ٦ - أن يحبسه عن الطعام والشراب، فيموت جوعًا، أو عطشًا في مدة يموت فيها غالبًا . ١١٣ كتاب الجنايات ٧- أن يسقيه السم. ٨- أن يقتله بسحر . ٩- أن يشهد عليه رجلان بما يوجب قتله. والضابط لهذا كله تعريفه بأنه: ((القتل بما يغلب عليه الظن موته به))؛ فهذا تعريف مطرد على عمومه، فلا يدخل فيه ما لو غرزه بإبرة، أو شوكة في غير مقتل، وخرج منه دم، فمات منه؛ فإنَّ هذا من شبه العمد؛ لأنَّ هذا لا يقتل غالبًا، فهو من صور شبه العمد، كما نبّه على ذلك شيخنا عبدالرحمن السعدي رحمه الله . ٥- أنَّ القصاص أو الدية إذا وجب، فحالت يد ظالمة عن تنفيذه ، فعلى تلك اليد الحائلة بين الدية أو القود، وبين أولياء القتيل - لعنة الله؛ لأنَّها منعت أصحاب الحق من حقهم؛ وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِهِ، [الإسراء]. ٣٣° سُلّطَانًا فَلَا يُسْرِفِ فِىِ الْقَتْلِّ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا ٦ - قوله: ((عمدًا)) فيه دليل على أنَّه لا بد في القود من تحقيق قتل العمد. قال الشيخ ناصر بن حمد بن معمر ما خلاصته : ((إذا ادَّعى القاتل أنَّ قتله للقتيل كان خطأً، لا عمدًا، وفسَّره بذلك، والقتل لم يثبت إلاَّ باعترافه - فإنَّه يقبل قوله في دعوى الخطأ، ولا قصاص عليه؛ لأنَّ من شرط القصاص أن يكون عمدًا محضًا)). ١١٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ١٠١٩ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ قَالَ: ((إِذَا أَمْسَكَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ، وَقَتَلَهُ الآخَرُ، يُقْتَلُ الَّذِي قَتَلَ، وَيُحْبَرُ الَّذِي أَمْسَكَ)). رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مَوْصُولاً، وَمُرْسَلاً، وصَحَّحَهُ ابْنُ القَطَّانِ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، إِلاَّ أَنَّ البَيْهَقِيَّ رَجَّحَ المُرْسَلَ(١). : درجة الحديث: الحدیث مرسل . قال المصنف: ((رواه الدارقطني موصولاً ومرسلاً، وصحَّحه ابن القطان، ورجاله ثقات، إلاَّ أنَّ البيهقي رجح المرسل)). قال الحافظ ابن كثير في ((الإرشاد)): ((وإسناده على شرط مسلم)). قال الشوكاني: ((قال الدار قطني: الإرسال أكثر، وقال البيهقي: المرسل أصح، فالوصل غير محفوظ)). * ما يؤخذ من الحديث: ١ - قال فقهاؤنا الحنابلة: إذا أمسك إنسان آخر؛ ليقتله ثالث، فقتله - قُتِل القاتل بلا خلاف بين العلماء؛ لأنَّه قتل من يكافئه عمدًا بغير حق، أما الممسك فیحبس حتى يموت، ولا قود عليه، ولا دية. ٢ - هذا إذا كان الممسك يعلم أنَّ القاتل سيقتله، أما إذا كان لا يعلم ذلك، كأن يكون في مزاحٍ أو لعب، فليس على الممسك شيء؛ لأنَّ موته ليس بفعله، وحينئذٍ فلا يعتبر فيه قصد القتل. هذا هو المشهور من مذهب أحمد، وهو من مفردات مذهبه. (١) الدارقطني (١٤٠/٣)، البيهقي (٥٠/٨). ١١٥ كتاب الجنايات ودلیله: حديث الباب. ٣- ذهب الإمام مالك - رحمه الله - إلى: أنَّه إذا كان الممسك يرى أنَّ الجاني سيقتل المجني عليه - قُتِلا جميعًا، وإن أمسكه وهو يرى أنه يريد الضرب فقط، فإنه يقتل القاتل، ويعاقب الممسك عقوبة شديدة، ويسجن. قال الشوكاني: ((الحق العمل بمقتضى الحديث المذكور؛ لأنَّ إعلاله بالإرسال غير قادح على ما ذهب إليه أئمة الأصول». ٤- أما مذهب أبي حنيفة والشافعي فيريان: تعزير الممسك إذا أمسك بقصد، القتل، وهو عالم بأنه سيقتل؛ لأنَّ فعل الطالب مباشرة، وفعل الممسك تسبب، وقد تغلبت المباشرة على السبب . ومن التعزير الحبس، ولكنهم لا يرونه مؤبدًا، كما يراه الحنابلة، وإنما يرون أنَّ الحبس موكول إلى اجتهاد الإمام في طول المدة وقصرها؛ لأنَّ الغرض تأدیبه، وليس استمراره إلى الموت بمقصود. ٥- وذهب الإمام مالك إلى: أنَّ الممسك يقتل قصاصًا إذا أمسك القتيل لأجل القتل، فقتله الطالب، وهو يعلم أنَّ الطالب سيقتله؛ لأنَّه بإمساكه تسبب في قتله، فإن لم يعلم أنَّه يقصد قتله، فعقاب الممسك التعزير، وليس القصاص، والله أعلم. ٦- حبس الممسك حتى الموت مناسب لتسببه بإمساك القتيل حتى قتل. ٧- في الحديث دليل على القاعدة المشهورة: إذا اجتمع المباشر والمتسبب كان الضمان على المباشر، وهنا لقي كل منهما جزاءه المناسب لجنايته، والله حکیم علیم . ١١٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ١٠٢٠ - وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ البَيْلَمَانِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ وَهِ قَتَلَ مُسْلِمًا بِمُعَاهَدٍ، وَقَالَ: ((أَنَا أَوْلَى مَنْ وَفَّى بِذِمَّتِهِ)). أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ هَكَذَا مُرْسَلاً، (١) وَوَصَلَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِذِكْرِ ابْنِ عُمَرَ فِيهِ، وَإِسْنَادُ المَوْصُوْلِ وَاهٍ (٢) . * درجة الحديث: الحديث ضعيف . هذا الحديث مرسل من حديث عبدالرحمن بن البيلماني، وقد روي مرفوعًا، لكن قال البيهقي: ((هو خطأ))، وقال الدارقطني: ((ابن البيلماني ضعيف، لا تقوم به حجة إذا وصل الحديث، فكيف بما أرسله؟!)). وقد ضعفه كل من الشافعي، والدارقطني، والبيهقي، وقد وثّقه بعضهم، والمضعفون له أكثر . * مفرادات الحديث: ءُ - بمعاهد: المعاهد هو: الكافر الذي أعطي العهد والأمان، فحرم به قتله وأسره ورقُه. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - يدل الحديث على جواز قتل المسلم بالكافر المعاهد، وأنَّ المعاهَد في ذمة إمام المسلمين، وفي ذمة المسلمين جميعًا، ولذا قال ربَّ: ((أنا أولىُ مَن وفى بذمته)). (١) عبد الرزاق (١٠١/١٠). (٢) الدار قطني (١٣٤/٣). ١١٧ كتاب الجنايات ٢ - والحديث يحتمل ثلاثة أوجه : أحدها: جواز قتل المسلم بالكافر؛ كما هو مذهب الإمام أبي حنيفة؛ لعموم النصوص التي جاءت في القصاص، وتحقيق الأمن والاستقرار؛ فإن قتل المسلم بالذمي أبلغ منه في قتل المسلم؛ لأنَّ العداوة الدينية تحمله على القتل، خصوصًا عند الغضب، فكانت الحاجة داعية إلى الزجر، وكان فرض القصاص أبلغ في تحقيق الحياة الآمنة؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلَكُمْ فِى اُلْقِصَاصِ حَيَوَةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]. وقد أخذت محاكم مصر بهذا القول، فهي لا تفرق في العقوبة؛ لاختلاف الدين. أما مذهب جمهور العلماء، ومنهم الأئمة الثلاثة -: فلا يرون قتل المسلم بالكافر مطلقًا؛ لأنَّ الكافر لا يكافيء المسلم، ولكن الكافر يقتل إذا قتله؛ لأَنَّ قَتْلُ الأدنى بالأعلى، ويطبق هذا على الذميين . الوجه الثاني: أنَّ المراد بالقتل لأجل التعزير، وليس القصاص، ولهذا جعل اختياره لنفسه وَّ، ولم يَكِلْهُ إلى أولياء الدم. الوجه الثالث: أن يكون القتل هنا قتل غيلة، وقتل الغيلة عند القائلين به لا يرون شروط القصاص من المكافأة وغيرها، والله أعلم. قال في ((الاختيارات)): لا يقتل مسلم بذمي، إلاّ أن يكون غيلة)). وقال في موضع آخر: ((إنَّ العفو لا يصح في قتل الغيلة؛ لتعذر الاحتراز منه؛ كالقتل مكابرة)) . وذكر ابن القيم أنَّ قتل الغيلة يوجب قتل القاتل حدًّا، ولا يسقطه العفو، ولا تعتبر فيه المكافأة، وهو مذهب أهل المدينة، وأحد الوجهين في مذهب أحمد، واختيار الشيخ تقي الدين. ٣- فيه تعظيم قتل المعاهد؛ فقد روى البخاري من حديث ابن عمر؛ أنَّ النَّبيَّ مََّ قَالَ: ((مَن قتل معاهدًا، لم يُرَح رائحة الجنة)) . ١١٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ١٠٢١ - وعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: ((قُتِل غُلاَمٌ غِيْلَةً، فَقَالَ عُمَرُ: لَّهِ اشْتَرَكَ فِيهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ، لَقَتَلْتُهُمْ بِهِ)). أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ(١) . * مفردات الحديث: - غِيلَة: بكسر الغين المعجمة، وسكون المثناة التحتية، يقال: قتله غيلة؛ أي: قتله على غفلة من المقتول، وغِرَّة. - صَنْعَاء: بفتح الصاد، وسكون النون، ممدود: هي عاصمة بلاد اليمن، وتقع في الجهة الجنوبية من الجزيرة العربية، وهي مدينة قديمة أثرية. وتخصيص صنعاء بالذكر في هذا الأثر؛ لأنَّ هؤلاء الرجال القتلة كانوا منها، أو أنَّه مثل عند العرب يضرب لكثرة السگَّان. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - قوله: ((لو اشترك فيه أهل صنعاء، لقتلتُهم به)) فيه قتل الجماعة بالواحد، وهو مذهب جماهير العلماء. قال ابن القيم: ((اتَّفق الصحابة، وعامة الفقهاء على قتل الجميع بالواحد، وإن كان أصل القصاص يمنع ذلك؛ لئلا يكون عدم القصاص ذريعة إلى التعاون على سفك الدماء)). وممن ذهب إلى ذلك الإمام أحمد وأتباعه. قال في ((كشاف القناع)»: ويقتل الجماعة بالواحد، إذا كان فعل كل واحد منهم صالحًا للقتل به لو انفرد ، وإن لم يصلح فعل كل واحد من الجماعة (١) البخاري (٦٨٩٦). ١١٩ كتاب الجنايات للقتل؛ کما لو ضربہ کل واحد بحجر صغير، فمات - فلا قصاص عليهم، ما لم يتواطؤوا على ذلك الفعل، ليقتلوه به؛ فعليهم القصاص؛ لئلا يتخذ ذريعة إلى درء القصاص)). قال الشيخ عبدالله أبابطين: ((معنى قوله: أن يكون فعل كل واحد منهم صالحًا للقتل به، أي: يكون فعل كل واحد صالحًا أن يكون سببًا لموت المجني عليه، لا أنَّه يغلب حصول الموت من تلك الجناية؛ لأنَّ الفقهاء مثَّلوا بالمُوضحة، مع أنَّ حصول الموت بها نادر)). كما استدلَّ بهذا الأثر الصحيح عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رضي الله عنه . خلاف العلماء: اختلف العلماء في قتل الغيلة: فقال الحنفية، والشافعية، والحنابلة، والظاهرية: إنه يوجب القتل قصاصًا؛ كسائر أنواع القتل عمدًا، وعدوانًا، وعليه يكون الحق في قتل الجاني لأولياء الدم، من ورثة القتيل، أو عصبته، فيجب تنفيذه إن اتَّفقوا على ذلك، ويسقط بعفوهم، أو عفو بعضهم. وقال أبوالزناد، ومالك، وابن تيمية، وابن القيم، وغيرهم: إنَّه يوجب قتل الجاني حدًّا، لا قودًا، فيتولى تنفيذه السلطان، أو نائبه، ولا يسقط بعفو أحد، لا السلطان، ولا غيره. استدلَّ: من قال: إنه يقتل قصاصًا؛ بالكتاب، والسنة، والقياس. أما الكتاب: فعموم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُئِلَ مَظْلُوْمًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيْهِ، سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفِ فىِ الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا [الإسراء]. ٣٣ قالوا: جعل الله سبحانه الحق في الدم لأولياء القتيل، من ورثة، أو عصبة، دون غيرهم، وعمم في ذلك، فلم يخص قتلاً دون قتل، والأصل بقاء ١٢٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام النص على عمومه، حتى يرد ما يصلح لتخصيصه . وأيضًا: عموم قوله تعالى: ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِىِ الْقَنْلِى اُّْ بِالْحُّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَى بِالْأُنثَّ فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ فَانْبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءُ إِلَيْهِ بِإِحْسَنٍ﴾ [البقرة: ١٧٨]؛ فحكم الله تعالى في عموم القتلى بوجوب القصاص، إلاّ ما خصَّه الدليل، كما عمَّم تعالى في العفو بقوله: ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ فَانْبَاعُ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءُ إِلَيْهِ بِإِحْسَنٍ﴾ [البقرة: ١٧٨]؛ فلم يخص به قتلاً دون قتل، فوجب تعميمه في كل قتل عمد عدوان، غيلةً كان، أم غير غيلة . وأما من السنة: فعموم قوله وَلّى: ((منَ قُتل له قتيل، فأهله بين خيرتين: إما أن يأخذوا العقل، أو أن يقتلوا))؛ فجعل عليه الصلاة والسلام الخيرة لأهل القتيل بين العقل والقصاص في كل قتل، غيلةً كان، أو غير غيلة. وأيضًا: ما روى عبدالرزاق عن سِماك بن الفضل: ((أنَّ عروة كتب إلى عمر بن عبدالعزيز في رجل خَتَق صبيًّا على أوضاح له حتى قتله، فوجدوه والحبل في يده، فاعترف بذلك، فكتَب: أن ادفعوه لأولياء الصبي، فإن شاءوا قتلوا)) ولم يسأل عمر عن صفة القتل، أهو غيلة، أم لا؟ ولم ينكر عليه أحد. أما القياس : فقالوا: فيه: إنَّه قتل في غير حرابة؛ فكان كسائر أنواع القتل في إيجاب القصاص، وقبول العفو؛ لعدم الفارق. واستدل: من قال: إنَّ قتل الغيلة يقتل فيه الجاني حدًّا، لا قودًا، فلا يسقط بالعفو من السلطان، أو غيره -: بالكتاب، والسنة، والقياس. أما الكتاب: فإنَّ قتل الغيلة نوع من الحرابة؛ فوجب به القتل حدًا، لا قودًا؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَّقُأْ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ, وَيَسْعَوْنَ فِىِ الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ ... ﴾ الآية [المائدة: ٣٣]. -- -- -- -- -- -- - ---- - ⑈ m