Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
كتاب النكاح - باب الصداق
لخاطرها، وإرضاءً لنفسها، وتسكينًا لقلبها، وعملاً بقوله تعالى:
[البقرة].
٢٤
وَلِلْمُطَلَّقَتِ مَتَعُ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ
٣- قال الشيخ عبدالرحمن السعدي - عند قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَتِ مَتَعُ
[البقرة] -: ذكر هنا أنَّ كل مطلقة لها على
٤١
بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ
زوجها أن يمتعها، ويعطيها ما يناسب حاله وحالها، وأنَّ ذلك حقٌّ، إنَّما
يقوم به المتقون، فإن كانت المرأة لم يُسمَّ لها صداقٌ، وطلَّقها قبل
الدخول، فتجب عليه المتعة بحسب يساره وإعساره، وإن كان مسمّى لها،
فمتاعها نصف المسمَّى، وإن كانت مدخولاً بها، صارت المتعة مستحبة في
قول جمهور العلماء، ومن العلماء من أوجب ذلك؛ استدلالاً بقوله: ﴿حَقًّا
[البقرة]، والأصل في ((الحق)) أنَّه واجب.
(٢٤١)
عَلَى الْمُتَّقِينَ
٤- لما استعاذت المرأة منه وَّةٍ قال: لقد عُذْتِ بمعاذ، وقد قال ◌َّ: ((من
استعاذكم بالله، فأعيذوه)) [رواه الإمام أحمد، وأبوداود، والنسائي]؛ فكان
هو أوَّلَ من نفَّذ وعمل بوصاياه، بأنَّه من اعتصم بالله، فلا يتجرأ عليه، وهي
لم تقل هذا كراهية للنبي وَّ، وإنما اجتهادًا منها.

٤٢٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
باب وليمة العرس
مقدمة
الوليمة: مشتقة من الولم، وهو الجمع ؛ لاجتماع الزوجين، قاله الأزهري.
قال ثعلب: الوليمة اسم لطعام العرس خاصَّة، لا يقع على غيره.
والعُرْس: بضم العين، وسكون الراء، هو الزفاف والتزويج، جمعه
أعراس.
العِرْس: بكسر العين، يقال: هو عرسها، وهي عرسه، وهما عرسان.
العَرُوس: بفتح العين، المرأة ما دامت في عرسها ، وكذلك الرَّجل،
وتسمى عروسة ما دامت في عرسها.
قال في اللسان: والزوجان لا يسميان عروسين إلاَّ أيَّام البناء.
قال المفتي الشيخ محمد بن إبراهيم: إعلان النكاح بالدف سُنَّة، وفيه
مصلحة لا تخفى، فهو مشروع؛ لإظهار النكاح.
قال في سبل السلام: دلَّت الأحاديث على مشروعية الإعلان للنكاح،
وعلى الأمر بضرب الغربال، والأحاديث فيه واسعة، لكن بشرط أن لا يصحبه
محرَّم، من التغني بصوت رخيم من امرأة أجنبية .
قال المفتي الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: الأغاني قسمان:
الأول: ما اشتمل على حِكم، ومواعظ، وحماس، ونصائح، ونحو
ذلك، فهو جائز.
الثاني: ما فيه غرام، ويشتمل على صوت مزمار، وما أشبه ذلك فهو حرام.
.....
-----

٤٢٣
كتاب النكاح - باب وليمة العرس
٩٠٣ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - ((أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ رَأَى
عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَثَرَ صُفْرَةٍ، فَقَالَ: مَا هَذا؟ قَالَ: يَا رَسُولَ
اللهِ! إِنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ، قَالَ: بَارَكَ اللهُ لَكَ،
أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (١).
* مفردات الحديث:
- أثر: الأثر: هو العلامة، وبقية الشيء، والمراد هنا: بقية الطيب الذي استعمل
عند الزفاف .
- ما هذا: يستفهم عن سبب الطيب، ويحتمل أنَّه للإنكار؛ فقد نهى عن تضمخ
الرجال بالخلوق، فأجابه بأنّه تزوَّج، فإن كان جوابًا عن السؤال؛ فهو إفادة
عن سببه، وإن كان جوابًا عن الإنكار، فهو خبرٌ بأنَّه أصابه من مخالطته
لزوجته .
- صُفْرَة: بضم الصاد المهملة، وسكون الفاء الموحدة، ثمَّ راء، فتاء تأنيث،
أثر الزعفران كما صرَّح به في بعض الروايات بأنَّه ((أثر زعفران)).
- وزْن: وزنت الشيء أزنه وزنًا، والوزن: القدر والمعادلة.
- مِنْ: للبيان.
- نَوَاة من ذهب: النواة معيار للذهب معروف لديهم، قال في المصباح: النواة:
اسم لخمسة دراهم، هكذا هو عند العرب، قال الخطابي: ذهبًا أو فضة.
- أَوْلِمْ: فعل أمر، أي: اتّخذ وليمة، وهي الطعام الذي يصنع في العرس.
- ولو بِشاة: ((لو)) هذه ليست الامتناعية، وإنما هي التي للتقليل.
(١) البخاري (٥١٥٥)، مسلم (١٤٢٧).

٤٢٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
قال في المصباح : الشاة من الغنم: يقع على الذكر والأنثى، والجمع:
شاء وشياه، رجوعًا إلى الأصل، وتصغيرها شويهة .
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - كراهة التطيب بالزعفران، وما يظهر أثره من الطيب للرجَّال.
٢ - تفقد الوالي أصحابه، وسؤاله عن أحوالهم، وأعمالهم التي تعنيه فيهم.
٣- استحباب تخفيف الصداق؛ فهذا عبدالرحمن بن عوف الغني لم يَصْدقُ
زوجته إلاّ وزن خمسة دنانیر من ذهب.
٤- الدعاء للمتزوج بالبركة، وتقدم نصه، وهو: ((بارك الله لك، وبارك عليك،
وجمع بينكما في خير)).
٥- مشروعية وليمة العرس، وأن لا تقل عن شاة إذا كان من ذوي اليسار،
والأولى الزيادة على الشاة، وعمل الوليمة هي من جانب الزوج، وليس
لِعَمَله من قِبل أهل الزوجة مستندٌّ إلاَّ أنَّه يمكن أن يكون العموم.
٦ - أن يدْعَى إليها أقارب الزوجين، والجيران، والفقراء، وأهل الخير؛ ليحصل
التآلف، وتحل البركة، وأن يُجتنَب السرف والمباهاة.
٧- استحباب تسمية الصداق في عقد النكاح، وإذا جرت عادة بعض الأسر عدم
ذكره، فلا بأس .
أما عقد النكاح على مهر ريال، إذا لم يريدوا تسمية الصداق، فإنَّه لم يرد
عن النبي ◌َّر، ولا عن أحد من أصحابه، والعادات المباحة لا بأس بها في
غير الأحكام الشرعية، أما الأحكام الشرعية: فالناس مقيدون فيها بأحكام
الشريعة .
٨- قال الشيخ عبدالرحمن السعدي: التهاني في المناسبات مبنية على أصلٍ
عظيمٍ نافع، هو أنَّ الأصل في جميع العادات القولية والفعلية الإباحة
والجواز، فلا يحرم منها ولا يكره إلاَّ ما نهى عنه الشارع، أو تضمن
-------

٤٢٥
كتاب النكاح - باب وليمة العرس
مفسدة؛ وعلى هذا الأصل: فإنَّ النَّاس لم يقصدوا التعبد بها، وإنَّما هي
عوائد جرت بينهم في مناسبات، لا محذور فيها .
٩- قال الشيخ محمد بن إبراهيم: إعلان النكاح بالدف سُنَّة، وأما الأغاني
المشتملة على مواعظ، وحماس، ونحو ذلك، فلا محذور فيها، وأما
الأغاني التي فيها غرام، أو معها آلة طرب، فهي حرام.

٤٢٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٩٠٤ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ
نَّ: ((إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى وَلِيمَةٍ، فَلْيَأْتِهَا)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِمُسْلِمٍ: ((إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ أَخَاهُ، فَلْيُجِبْ، عُرْسًا كَانَ أَوْ
نَحْوَهُ))(١) .
* مفردات الحديث:
ـ دُعِيَ أحدكم: مبني للمجهول، يعني إلى طعام الوليمة، فالدَّعوة إليه، تُنْطِق
بفتح الدال، وأما بضم الدال . - الدُّعْوة - فاسم النداء إلى الحرب، وأما بكسر
الدال ـ الدِّعوة - فاسم لدعوة النسب.
(١) البخاري (٥١٧٣)، مسلم (١٤٢٩).

٤٢٧
كتاب النكاح - باب وليمة العرس
٩٠٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ
وَله: ((شَرُّ الطَّعامِ طَعَامُ الوَلِيمَةُ، يُمْنَعُهَا مَنْ يَأْتِيهَا، وَيُدعَى إِلَيْهَا مَنْ
يَأْبَاهَا، وَمَنْ لَمُ يُحِبِ الدَّعْوَةَ، فَقَدْ عصَى الله وَرَسُولُهُ)) أَخْرَجَهُ
(١)
مُسْلِمُ(١).
* مفردات التحديث:
- شر: الشر: السوء والظلم، والجمع: شرور.
وشر هنا: من صيغ أفعل التفضيل التي تصاغ على وزن أَفْعَلَ، فكان حقه
أن يقال: أَشَرّ الطعام، إلاَّ أنَّها حذفت هنا الهمزة؛ لكثرة استعمالها، ودورانها
على الألسنة، قالوا: ويجوز إثباتها على الأصل، وللكنه قليل، ومثل شر
((خير)) في هذا التصريف.
- يُمْنَعُهَا: مبني للمجهول، أي: يكف عنها .
(١) مسلم (١٤٣٢)، ورواه البخاري (٥١٧٧).

٤٢٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٩٠٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ
وَسِ﴿: ((إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ، فَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ، وَإِنْ كَانَ
مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ)) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا(١).
وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - نَحْوُهُ، وَقَالَ: ((إِنْ شَاءَ
طَعِمَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ))(٢) .
* مفردات الحديث:
- فليجب: فليأت إلى مكان الدعوة.
- فليصل: الصلاة: أصلها واوي اللام، وهي لغةً: الدعاء، والمراد هنا:
فليدع .
(١) مسلم (١٤٣١).
(٢) مسلم (١٤٣٠).

٤٢٩
كتاب النكاح - باب وليمة العرس
٩٠٧ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ
اللهِ ◌َّهِ: ((طَعَامُ الوَلِيمَةِ أَوَّلَ يَوْمٍ حَقٌّ، وَطَعَامُ يَوْمِ الثَّانِي سُنَّةٌ، وَطَعَامُ
يَوْمِ الثَّالِثِ سُمْعَةٌ، وَمَنْ سَمَّعَ سَّمَّعَ اللهُ بِهِ)) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَاسْتَغْرَبَهُ،
وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ(١)، وَلَهُ شَاهِدٌ عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهُ(٢).
** درجة الحديث:
الحدیث ضعيف .
رَوَاه الترمذي واستغربه .
وله شواهد منها: ما أخرجه أحمد، وأبوداود، والطحاوي، والبيهقي عن
رجلٍ من ثقيف، قال البخاري: لم يصح إسناده، وضعَّف الحديث المناوي في
فيض القدير، متعقبًا السيوطي حیث صحّحه.
وقال الترمذي: لا يعرف هذا الحدیث مرفوعًا إلاّ من حديث زياد بن
عبد الله، وهو كثير الغرائب والمناكير، وضعَّفه البيهقي، والدَّارقطني.
وأمَّا حديث أنس فقال الحافظ: فيه بكر بن خنيس، وهو ضعيف.
وللحديث طرقٌ وشواهد، قال عنها الشيخ الألباني: وجملة القول في
هذا الحديث: أنَّ أكثر طرقه وشواهده شديدة الضعف، لا يخلو طريق منها من
متّھم خاصَّة أو متروك؛ فلذلك يبقى على هذا الضعف.
(١) الترمذي (١٠٩٧).
(٢) البيهقي (٧/ ٢٦٠)، ولم يروه ابن ماجه من حديث أنس ، إنما رواه من حديث أبي هريرة
(١٩١٥).

٤٣٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
* مفردات الحديث:
- الوليمة: أصل الوليمة، تمام الشيء، واجتماعه، يُقال: أَوْلَمَ الرَّجُلُ: عمل
الوليمة، فقد نقل اسمها لطعام العرس خاصَّة، لاجتماع الرجل والمرأة، ولا
يقع على غيرها من الدعوات.
- حق: مصدر، جمعه: حقوق وحقاق، والمراد به هنا الواجب.
- سنة: بضم السين، جمعها: سنن، وهي في اللغة: الطريقة، سواء أَكَانتْ
مُرْضيةً، أم غير مرضية، وفي الشرع: هي الطريقة المسلوكة في الدين من غير
وجوب؛ فهي فضيلة.
- سمعة: بضم السين، وسكون الميم، بمعنى الصيت، يقال: فعل ذلك رياءً
وسمعة؛ ليراه الناس ويسمعوه .
- سمَّع الله به: بتشديد الميم، أي: شهره، وفضحه، وأذاع عنه عيبًا .
* مايؤخذ من الأحاديث:
١- مشروعية صنع طعام لمناسبة الزواج، ودخول الزوج بزوجته، وتقارب
الأسرتين؛ للتعارف والتآلف بين الأصهار، وابتهاجًا بنعمة الله تعالى، وفيه
إعلان للنكاح وإشعارٌله؛ كما أنَّ فيه الدعاء، والاجتماع، والتعارف.
٢ - مشروعية إجابة الدعوة، لما روى مسلم، عن أبي هريرة؛ أنَّ النَّبِيَّ وَّه قال:
(ومن لا يُحِب فقد عصی الله ورسوله)).
قال ابن عبدالبر: لا خلاف في وجوب الإجابة لمن دُعي إليها. وقيل:
مستحبة، واختاره الشيخ تقي الدين، وهي حق للآدميِّ يسقط بعفوه.
ويجب على المدعو إجابتها بأمور منها:
- أن يُعيِّنه صاحب الدعوة، فلا تكون دعوة عامة.
أن لا يكون في مكان الدعوة منكرٌ، لا يقدر على إزالته، من خمرٍ، أو
فُرُش محرَّمة، أو أواني ذهب أو فضة، أو أغانٍ محرّمة، أو اختلاط رجالٍ
----
------

٤٣١
كتاب النكاح - باب وليمة العرس
بنساء، أو تكون من حفلات السرف والخيلاء، أو يكون في ماله حرامٌ من
ربا، أو رشوة، أو ظلم أحد، أو غير ذلك، فإذا وُجِدَ شيءٌ من هذه الأمور
لم تجب الدعوة، بل تحرم.
وذكر الطيبيِّ في ((شرح المشكاة)) أمثلةً للأعذار التي تسقط إجابة الدعوة،
منها: أن يكون في الطعام شبهة حرام، أو أن يخص بها الأغنياء دون
الفقراء، أو أنَّه دعاه لخوف شرِّه، أو لطمع في جاهه، أو ماله، أو ليعاونه
على باطل، أو يكون فيها منكر، من خمرٍ، أو لهوٍ محرَّم، أو أنَّ الفرش
حرير، أو فيها صور حيوان، ونحو ذلك، وإن اعتذر منه، فقبل الداعي،
سقط الوجوب .
٣- أن تكون الدعوة في اليوم الأول، فإن كانت فيما بعده من الأيام لم تجب
الدعوة؛ ففي اليوم الثاني: مستحبة، وفي اليوم الثالث تكره: أو تحرم.
٤- أنَّ العادة الغالبة أنَّ طعام الوليمة شر طعام، وشر محفل؛ فإن الدعوة لا
توجه إلاَّ إلى الأعيان والأغنياء، ممَّن لا يأتونها رغبة، وإنَّما يأتونها إرضاءً
لصاحب الدعوة، وإحسانًا إليه، وأما الفقراء المحتاجون إليها: فهم يمنعون
من الحضور إليها، ويدفعون عنها بالأبواب؛ فلتكن هذه موعظة وتذكرة
للمسلم، أنْ لا يسلك هذا المسلك، وأن يجعلها دعوة شرعية؛ يدعو فيها
الأقارب، والأصدقاء، والفقراء، والأغنياء، وكلُّ ◌ُنزَّل منزلته.
٥- أنَّ الواجب هو إجابة الدعوة، أما الأكل فليس بواجب، لكن إن كان صائمًا
فرضًا فلا يُفطر، ويخبر صاحب الدعوة بصيامه؛ لئلا يظن به كراهة طعامه،
فقد جاء في صحيح مسلم وغيره أنَّ النَّبيَّ وَّ قال: ((إذا دُعِي أحدكم إلى
الطعام وهو صائمٌ، فليقل إني صائم)).
وأمَّا إنْ كان الصوم نفلاً: فإنْ حصل بفطره وأكله جبر خاطر الداعي،
ورغب المدعو، بمشاركتهم في الأكل، فليفطر؛ وإلاّ دعا، وأتمّ صومه؛

٤٣٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
فقد جاء في بعض الروايات: قوله 3 18 لرجل اعتزل من القوم ناحية، وقال:
إنّي صائم، فقال ◌َّ: ((دعاكم أخوكم، وتكلَّف لكم، كُل، ثُم صم يومًا إن
شئتَ)).
وهذا التفصيل هو مذهب الشافعية، والحنابلة.
قال الشيخ تقي الدين: هو أعدل الأقوال.
٦ - أنَّ الوليمة في اليوم الأول واجبة، وفي اليوم الثاني سنَّةٌ مستحبّة، أمَّا في
اليوم الثالث فهي رياءٌ وسمعةٌ؛ فتكون محرّمة، فتجب على المدعو الإجابة
في الأوَّل، ولكن بشرطه المتقدم، وتُستَحب في اليوم الثاني، وتحرُم في
اليوم الثالث وهذا مذهب جمهور العلماء.
٧- استحباب الدُّعاء من المدعو للداعي، ويكون الدعاء مناسبًا للدعوة
والمقام، ويظْهِرُ الفرح والغبطة للداعي، ويدخل السرور عليه بالأماني
الطيبة، والفأل الحسن؛ فهذا من بركة الحضور والاجتماع.
فليس الحضور هو مجرَّد الطعام والأكل، وإلاّ لما أمر الصائم بالإجابة،
وإنَّما المراد : معانيه الطيبة، واجتماعه المبارك.
٨- المشهور من المذهب: أنَّ وليمة العرس تجب بالعقد، وقال الشيخ تقي
الدین: تُسنُّ بالدخول.
وقال في الإنصاف: الأولى أن يقال: وقت الاستحباب موسّع، من عقد
النكاح، إلى انتهاء أيام العرس؛ لصحة الأخبار في هذا وهذا.
* قرار هيئة كبار العلماء بشأن التبذير في الولائم:
جاء في قرار مجلس هيئة كبار العلماء رقم (٥٢) وتاريخ: ١٣٩٧/٤/٤ هـ
مما يتعلَّق بالموضوع ما نصه :
قال الله تعالى: ﴿وَلَا نُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٨) إِنَّ الْمُبَذِّرِنَ كَانُواْ إِخْوَنَ الشَّبَطِيْنِّ وَكَانَ
الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ، كَفُورًا الشَّ﴾ [الإسراء].

٤٣٣
كتاب النكاح - باب وليمة العرس
وبناءً على ما يسببه التوسع في الولائم بتجاوز الحدود المعقولة،
وتعددها قبل الزواج وبعده، ولما يسببه الانزلاق في هذا المبدأ من عجز الكثير
من النّاس عن نفقات الزواج، فإنَّ المجلس يرى ضرورة معالجة هذا الوضع
معالجة جادة وحازمة بما يلي:
أولاً: يرى المجلس منع الغناء الذي أحدث في حفلات الزواج بما
يصحبه من آلات اللَّهو، وما يستأجر له من مغنيين ومغنيات، وبآلات تكبير
الصوت؛ لأنَّ ذلك منكرٌ محرَّمٌ، فيجب منعه، ومعاقبة فاعله.
ثانيًا: منع اختلاط الرِّجال بالنِّساء في حفلات الزواج، وغيرها، ومنع
دخول الزوج على زوجته بين النساء السافرات، ومعاقبة من يُعمل عندهم ذلك
من زوج، وأولياء الزوجة، معاقبة تزجر مثل هذا المنكر .
ثالثًا: منع الإسراف وتجاوز الحد في ولائم الزواج، وتحذير الناس من
ذلك.

٤٣٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٩٠٨ - وَعَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: ((أَوْلَمَ
النَّبِيُّ ◌ََّ عَلَىْ بَعْضٍ نِسَائِهِ بِمُدَيْنِ مِنْ شَعِيرٍ)) أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ (١).
* مفردات الحديث:
- مُدَّين: تثنية مُدّ، والمُدّ ربع الصاع، فالمدان نصف الصاع النبوي، وقدر
المدين بالمكيال المعاصر - بعد أن حوّل إلى الوزن: ((١٥٠٠)) -: غرامًا
تقريبًا .
- شعير: هو الحب المعروف، وهو نباتٌ، عُشْبِيٌّ، حبيٌّ، من الفصيلة الجيلية.
(١) البخاري (٥١٧٢).

=
٤٣٥
كتاب النكاح - باب وليمة العرس
٩٠٩ - وَعَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((أَقَامَ النَّبِيُّ وَّهُ بَيْنَ
خَيْرَ وَالمَدِينَةِ ثَلاَثَ لَيَالٍ، يُبْنَى عَلَيْهِ بِصَفِيَّةَ، فَدَعَوْتُ المُسْلِمِينَ إِلَى
وَلِيمَتِهِ، فَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ خُبْزٍ وَلاَ لَحْم، وَمَا كَانَ فِيهَا إِلاَّ أَنْ أَمَرَ
بِالأَنْطَاعِ، فَبُسِطَتْ، فَأَلْقِيَ عَلَّيْهَا الثَّمْرُ، وَالأَقِطُ، وَالسَّمْنُ)) مُتَّفَقٌّ
عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ(١).
* مفردات الحديث:
- يُبْنَى عَلَيْهِ: البناء هو الزفاف، قال ابن الأثير: البناء والاستبناء: الدخول
بالزوجة، والأصل فيه: أنَّ الرجل كان إذا تزوَّج بامرأة، بنى عليها قبة؛ ليدخل
بها فيها، فيقال: بنى الرجُلُ بأهله، وقد يُنِيَ للنبيِّ وَّ عند دخوله بصفية.
- الأنطاع: واحدها نِطْع، بفتح النون وكسرها، ومع كل واحد: فتح الطاء
وسكونها، كما في المصباح، وهو البساط من الجلود المدبوغة، يجمع
بعضها إلى بعض.
- الأَقِط: بفتح الهمزة، اللبن المطبوخ حتى يتبخّر ماؤه، ويغلظ، ثم يعمل منه
أقراص صغيرة، فتؤكل لينة ومتحجرة.
- حَيْسًا: بفتح الحاء، وسكون الياء، آخره سين مهملة، وهو: ما جمع هذه
الأخلاط، من التمر والأقط والسمن، وقد جاء حيسًا في بعض الروايات،
وقال ابن سيده: الحَيْس: هو الأقط يخلط بالسمن والتمر، حاسه حيسًا،
وحيَّسه : خلطه .
(١) البخاري (٥٠٨٥)، مسلم (١٣٦٥).

٤٣٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
ما يؤخذ من الحديثين:
*
١- في الحديثين مشروعية الوليمة في الزواج؛ لأنَّ ذلك من إظهار السرور
والفرح، ولأنَّ الوليمة هي سبب الاجتماع والسؤال عن مناسبتها الداعي
إليها، وكل هذا من إعلان النكاح وإشهاره.
٢- أنَّ الوليمة تكون على الزوج دون الزوجة وأوليائها؛ لأنَّ الزوجين هما
صاحب العرس، والزوج هو المنفِق؛ فتكون عليه.
والنبي وَّ قال للزوج: ((أولِم ولو بشاة))، فهو المخاطب بذلك.
٣- أنَّ وقت الوليمة هو عند البناء بالزوجة، والدخول عليها؛ لأنَّ هذه الفترة
هي المقصودة من النكاح، وما قبلها تمهيد لها، وتقدم كلام صاحب
الإنصاف من أنَّ وقتها موسّع، من حين العقد إلى انتهاء أيام العرس.
٤ - أنَّ المشروع هو تخفيف الوليمة، والدعوة إليها، والاستعداد لها: فإن كان
الإنسان موسرًا، فتكون بالشاتین والثلاث فأكثر قليلاً، حسب حال الزوج،
وقَدْر المدعوِّين، وإن كان في حالة سفر، أو حالة عسرة، فيكفي ما تيسّر من
الطعام والشراب.
٥- أنَّ صنع الوليمة للزواج متأكد جدًّا؛ فالسفر والتخقُّف من الزاد فيه لم يمنع
من إعدادها، والاجتماع لها .
٦- وفيه جواز المناهدة، قال الشيخ تقي الدين: المناهدة هي: أن يُخرِج كل
واحد من الرفقة شيئًا من النفقة، ويدفعون إلى من ينفق عليهم منه، ويأكلون
جميعًا، فلو أكل بعضهم أكثر أو تصدَّق، جاز، ولم يزل الناس يفعلونه.
٧- قلت: وما فعله أصحاب النبي وّل من إلقاء ما معهم من التمر والأقط
والسمن، فإنَّه يشبه ما يعمل في بعض المناطق من تقديم إعانات على إقامة
ولیمة العرس، ویسمی عندهم ((الرفد)).

٤٣٧
كتاب النكاح - باب وليمة العرس
٩١٠ - وَعَن رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِّ وَِّ قَالَ: ((إِذا اجْتَمَعَ
دَاعِيَانِ، فَأَجِبْ أَقْرَبَهُمَا بَابًا، فَإِنْ سَبَقَ أَحَدُهُمَا، فَأَجِبِ الَّذِي سَبَقَ))
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ(١).
* درجة الحديث:
الحديث حسن بشواهده .
رواه أحمد، وأبوداود، وعنه البيهقي من طريق يزيد بن عبدالرحمن
، الدالاني ، عن أبي العلاء الأودي عن حميد بن عبدالرحمن عن رجل من
أصحاب النبي ◌َّ، قال: فذكره.
وهذا سندٌ ضعيفٌ من أجل يزيد بن عبدالرحمن، قال الحافظ: صدوقٌ
يخطيء كثيرًا، وكان يدلس، قال الحافظ - في التلخيص (١٩٦/٣) بعد أن عزاه
و
لأبي داود وأحمد -: إسناده ضعيف.
وقال المنذري: في إسناده يزيد بن عبدالرحمن الدالاني، وثقه أبوحاتم،
وقال الإمام أحمد: لا بأس به، وقال ابن معين: ليس به بأس، وقال ابن عدي:
یکتب حديثه، وإن کان فیه لین .
وقال الصنعاني عن هذا الحديث: رجاله موثوقون، وله شاهدٌ في
البخاري من حديث عائشة: ((قيل: يا رسول الله! إنَّ لي جارين أيهما أهدي؟
قال: إلى أقربها منك بابًا)).
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - فيه مشروعية إقامة الوليمة في الزواج، وأنَّها من السنة المحمَّدية.
(١) أبوداود (٣٧٥٦).

٤٣٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٢- وفيه مشروعية إجابة الدعوة لمن دعي، وتقدَّم أنَّها في اليوم الأول واجبة،
وفي الثاني مستحبة، وفي الثالث محرمة.
٣- وفيه مشروعية إجابة السابق من الدَاعييْنِ، أو الداعِين؛ لأنَّ له فضل السبق
بالدعوة، فإن كانا في الدعوة سواء، قدَّم أقربهما بابًا من باب المدعو، ولأنَّ
له میزة قرب الجوار .
٤ - وفيه بيان حق الجار على جاره، وأنَّ حقه كبير، والأحاديث في ذلك كثيرة.
٥ - وفيه أنَّ من الحقوق - التي بين الأقارب، والجيران، والأصدقاء - إجابةً
الدعوات، وتبادل الزيارات؛ فإنَّ لها تأثيرًا كبيرًا، في صفاء القلوب،
وجلب المحبة، وتوثيق الصلة .
٦ - الأفضل لمن يقوم بإجابة الدعوة، ويقوم بزيارة من له حق عليه، أو عيادته
في مرضه، ونحو ذلك أن ينوي مع ذُلك التقرُّبَ إلى الله تعالى بذلك؛
ليحصل له الخير الكبير، والأجر الجزيل.
- -

٤٣٩
كتاب النكاح - باب وليمة العرس
٩١١ - وَعَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ
وَالَ : ((لاَ آكُلُ مُتَكِنًا)) رَوَاهُ البُخَارِيُّ(١).
* مفردات الحديث:
- متكِثًا: قال في المحيط وغيره: اتَّكأ اتَّكَاءً: جلس متمكِّنًا متربِّعًا، قال ابن
الأثير: والعامة لا تعرف الاتِّكاء إلاّ الميل في القعود معتمدًا على أحد الشقين،
وهو يستعمل في المعنيين جميعًا.
(١) البخاري (٥٣٩٨).

٤٤٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٩١٢ - وَعنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((يَا غُلَامُ! سَمِّ اللهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ))
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١).
* مفردات الحديث:
- غلام: الغلام من الولادة إلى سن البلوغ، وجمع القلة: غِلْمَة، وجمع الكثرة:
غلمان، ويُستعار الغلام للعبد والأجير.
- سمِّ الله: فعل الأمر من سمَّى، يقال: سمَّى في العمل، أي: ذكر اسم الله
عليه، بقوله: باسم الله.
- مما يليك: وليه يليه وليًا: دنا منه وقرب، والمراد: أن يأكل من أقرب جوانب
القصعة إليه .
-------- -
---------- ---------
(١) البخاري (٥٣٧٦)، مسلم (٢٠٢٢).
----