Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١ كتاب النكاح - باب عشرة النساء الكونية من أخذ بأسبابها حصلها من مسلم وكافر، فليست ملكًا لأحد، وإنما يدركها من بحث فيها . ١١ - ويدل الحديث على أنَّ حصول الأشياء من خيرٍ وشرٍّ، منوطةٌ بأسبابها التي رتبها الله تعالى عليها . ١٢ - يدل الحديث على مثل هذه العلوم الدنيوية؛ كالغيلة، وتأبير النخل، وأمثال ذلك، أنَّها أمورٌ يأتي بها النَّبِي وَّ بإدراكه البشري، وقد لا يصيب فيها؛ لأَنَّها ليست من الأمور المتعلّقة بالرِّسالة، وإنَّما هي من الأمور التي يرجع فيها إلى التجربة والبحث. ١٣ - تحريم الوأد، وهو عادةٌ جاهلية، ومعناه: دفن بناتهم وهنَّ أحياء؛ قال ﴾ [التكوير]، وتحريم ذلك تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ ﴿لَ بِأَِّ ذَنْبٍ قُئِلَتْ ٩ ممَّا عُلِم من الدِّين بالضرورة. ١٤ - قوله: ((كنّا نعزل، والقرآن ينزل)) يدل على مسألة أصولية، وهي أنَّ ما عمله الصحابة في زمن النبي ◌َّ، فإنَّه سنَّة، سواءٌ علمنا أنَّ النَّبيَّ نَّهِ علم به أو لم يعلم؛ لأنَّ الله تعالى لا يخفى عليه شيء، ولا يقر المسلمين على عملٍ یرید- جلَّ وعلا - شرعه، إلاَّ بيّنه لهم. ١٥ - وتدل هذه الجملة على قاعدةٍ أُخرى، وهي أنَّ ما عُمِل زمن النَّبِي ◌َّ، وأقرَّ عليه، فلم ينه عنه، فهو من الأمور المعفو عنها . ١٦ - ويدل الحديث على أنَّ إرادة الله الكونية نافذة، فلا يردها عمل وقاية منها، ولا حذر، ومع هذا: فالإنسان مأمورٌ بعمل الأسباب المفيدة النافعة، فإنَّ الله تعالی إذا أراد وقاية أحد من شيءٍ، جعل له سببًا واقيًا منه. قال ابن القيم: الذي كذَّب فيه رسول الله ﴿ اليهودَ هو زعمهم أنَّ العزل لا يتصور معه الحمل أصلاً، وجعلوه بمنزلة قطع النسل بالوأد، فأكذبهم وأخبر أنَّه لا يمنع الحمل إذا شاء الله خلقه، وإذا لم يرد خلقه، لم تكن وأدّا ٣٨٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام حقيقة، وإنما سمَّاه وأدًا خفيًّا؛ لأنَّ الرَّجل إنَّما يعزل هربًا من الحمل، فأجرى قصده لذلك مجرى الوأد، ولكن الفرق بينهما : أنَّ الوأد ظاهر بالمباشرة، فاجتمع فيه القصد والفعل، والعزل يتعلَّق بالقصد فقط، فلذلك وصفه بكونه خفيًّا؛ وبهذا حصل الجمع بين الحديثين. ١٧ - يدل الحديث رقم (٨٨٩) على إلحاق النسب مع العزل. ١٨- أما الحديثان رقم (٨٨٩)، ورقم (٨٩٠) فيدلان على جواز العزل. ١٩ - واختلف العلماء في جواز العزل تبعًا لاختلاف الأحاديث: فذهب الأئمة الثلاثة: إلى جواز العزل؛ عملاً بالأحاديث التي تبيحه. وذهب الإمام أحمد: إلى تحريمه إلا إذا أذِنَت الزوجة المشاركة للزوج في اللَّذة والولد؛ عملاً بحديث جدامة بنت وهب الذي في مسلم. ** تحديد النسل: ظهر في هذه العصور المتأخرة نظرية تحديد النسل، وجعله مبدأ اقتصاديًّا، نظرًا عندهم إلى تزايد عدد السكان تزايدًا سريعًا، بينما تزايد المواد الغذائية يسير بنسبة حسابية متوالية . دُرست هذه النظرية على ضوء الشريعة الإسلامية من ظاهر الحديثين؛ حدیث جدامة بنت وهب رقم (٨٨٨)، وحديث أبي سعيد (٨٨٩)، فالأول يدل على تحريم العزل، وأنَّه جنايةٌ على النطفة، وقتلٌ لها، والحديث الثاني يدل على إباحة العزل، وأنَّه لا أثر له في إتلاف النفس التي ستخلق من تلك النطفة . ووجه الجمع بينهما: أنَّ العزل ليس وأدًا حقيقة، وإنما سمَّاه وأدًا لقصده من العازل منع الحمل، فأجري مجرى الوأد، بخلاف الوأد: فإنَّه اجتمع فيه القصد، ومباشرة القتل؛ وبهذا يعرف أنَّ حديث رقم (٨٨٨)، لم يقصد به التحريم، فلا يعارض الحديث رقم (٨٨٩)، وبهذا فمنع الحمل ليس حرامًا لذاته فيكون محرَّمًا مطلقًا، وإنَّما حرم لمقاصده؛ فصار فيه التفصيل المبين ٣٨٣ كتاب النكاح - باب عشرة النساء في قرارات المجامع الفقهية . وإنما كرهه من كره العزل لعدة محاذير، من حرمان الزوجة من كمال اللذة، ومشاركتها الزوج في التمتع بالحالة الجنسية، ولأنَّ فيه شبه معارضة للقدر، وسعيًا إلى ردِّه بالتدبير حسب ظن العازل. وأما ما يفعله الأطباء في هذا الزمان من قطع بعض العروق لإبطال قوّة التوليد، مع بقاء قوَّة الجماع؛ لتحديد النسل، فلا شكّ في تحريمه، فلا يقاس على العزل قطعًا، فإنَّ بينهما فرقًا كبيرًا؛ فالعزل سببٌ ظنِّيٌّ، وأما قطع العرق فسببٌ قطعيٌّ لمنع الحمل، ولا يبقى للجاني خيار بعد ذلك في وجود الولد. * قرار هيئة كبار العلماء بشأن تحديد النسل رقم (٤٢) بتاريخ ١٣٩٦/٤/١٣هـ: الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبيَّ بعده، وعلى آله وصحبه، وبعد : ففي الدورة الثامنة لمجلس هيئة كبار العلماء المنعقدة في النصف الأول من شهر ربيع الآخر، عام (١٣٩٦ هـ)، بحث المجلس موضوع منع الحمل وتحديد النسل، وتنظيمه، بناءً على ما تقرر في الدورة السابعة للمجلس المنعقدة في النصف الأول من شهر شعبان (١٣٩٥ هـ)، من إدراج موضوعها في جداول أعمال الدورة الثامنة، وقد اطّلع المجلس على البحث المعد في ذلك من قبل اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء، وبعد تداول الرأي والمناقشة بين الأعضاء، والاستماع إلى وجهات النظر، قرَّر المجلس ما يلي: - نظرًا: إلى أنَّ الشريعة الإسلامية ترِّغب في انتشار النسل وتكثيره، وتعتبر النسل نعمة كبرى، ومنّة عظيمة، منَّ الله بها على عباده، فقد تضافرت بذلك النصوص الشرعية من كتاب الله، وسنة رسوله وَلّة، مما أوردته اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في بحثها المعد للهيئة، والمقدم لها، ونظرًا ٣٨٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام إلى أنَّ القول بتحديد النَّسل، أو منع الحمل مصادمٌ للفطرة الإنسانية، التي فطر الله الخلق عليها، وللشريعة الإسلامية التي ارتضاها الرب تعالى لعباده، ونظرًا إلى أنَّ دعاة القول بتحديد النسل أو منع الحمل فئةٌ تهدف بدعوتها إلى الكيد للمسلمين بصفةٍ عامّة، وللأمة العربية المسلمة بصفةٍ خاصَّة، حتى تكون لديهم القدرة على استعمار البلاد، واستعباد أهلها، وحيث إنَّ في الأخذ بذلك ضربًا من أعمال الجاهلية، وسوء ظنٍّ بالله تعالى، وإضعافًا للكيان الإسلامي المتكون من كثرة اللَّبِنات البشرية، وترابطها . لذلكَ كلِّه: فإنَّ المجلس يقرر بأنَّه لا يجوز تحديد النسل مطلقًا، ولا يجوز منع الحمل إذا كان القصد منه خشية الإملاق؛ لأنَّ الله تعالى هو الرَّازَّقُ ذو القوَّة المتين؛ ﴿﴿ وَمَا مِن دَآبَةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]. وأما إذا كان منع الحمل لضرورة محقَّقة، ككون المرأة لا تلد ولادةً عاديَّةً، وتضطر معها إلى إجراء عملية جراحيةٍ لإخراج الولد، أو كان تأخيره لفترةٍ ما لمصلحةٍ يراها الزوجان، فإنَّه لا مانع حينئذٍ من منع الحمل أو تأخيره؛ عملاً بما جاء في الأحاديث الصحيحة ، وما روي عن جمع من الصحابة - رضوان الله عليهم - من جواز العزل، وتمشِّيًا مع ما صرَّح به الفقهاء من جواز شرب الدواء؛ لإلقاءِ النطفة قبل الأربعين، بل قد يتعيَّن منع الحمل في حالة ثبوت الضرورة المحقَّقة . وقد توقف فضيلة الشيخ عبدالله بن غديان في حكم الاستثناء، وصلَّى الله على محمَّد. هيئة كبار العلماء * قرار مجمع الفقه الإسلامي بشأن تنظيم النسل: إنَّ مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة المؤتمر الخامس بالكويت من ١ إلى ٦ جمادي الأولى ١٤٠٩ هـ، ١٠ إلى ١٥ كانون الأول - -- ٣٨٥ كتاب النكاح - باب عشرة النساء (ديسمبر) ١٩٨٨ م. بعد اطلاعه على البحوث المقدمة من الأعضاء والخبراء في موضوع: ((تنظيم النسل))، واستماعه للمناقشات التي دارت حوله. وبناءً على أنَّ من مقاصد الزواج في الشريعة الإسلامية الإنجاب، والحفاظ على النوع الإنساني، وأنَّه لا يجوز إهدار هذا المقصد؛ لأنَّ إهداره يتنافى مع نصوص الشريعة وتوجيهاتها الداعية إلى تكثير النَّسل، والحفاظ عليه، والعناية به، باعتبار حفظ النَّسل أحد الكليات الخمس التي جاءت الشرائع برعايتها . قرَّر ما يلي : أولاً: لا يجوز إصدار قانون عام يحد من حريّة الزوجين في الإنجاب. ثانيًا: يحرم استئصال القدرة على الإنجاب في الرجل، أو المرأة، وهو ما يعرف بـ((الإعقام)) أو ((التعقيم))، ما لم تدع إلى ذلك الضرورة بمعاييرها الشرعية . ثالثًا: يجوز التحكم المؤقت في الإنجاب، بقصد المباعدة بين فترات الحمل، أو إيقافه لمدةٍ معيّنةٍ من الزمان، إذا دعت إليه حاجةٌ معتبرةٌ شرعًا، بحسب تقدير الزوجين، عن تشاورٍ بينهما وتراض، بشرط أنْ لا يترتَّب على ذلك ضرر، وأنْ تكون الوسيلة مشروعة، وأنْ لا يكون فيها عدوانٌ على حملٍ قائم، والله أعلم. * قرار مجلس المجمع الفقهي الإسلامي بمكة المكرمة: الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه، وبعد : فقد نظر مجلس المجمع الفقهي الإسلامي في موضوع تحديد النسل، أو ٢٣٨٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ما يسمى تضليلاً بـ ((تنظيم النسل)). وبعد المناقشة وتبادل الآراء في ذلك قرَّر المجلس بالإجماع ما يلي : نظرًا إلى أنَّ الشريعة الإسلامية تحض على تكثير نسل المسلمين وانتشاره، وتعتبر النسل نعمةً، ومنةً عظيمة، منَّ الله بها على عباده، وقد تضافرت بذلك النصوص الشرعية من كتاب الله عزَّوجل، وسنة رسوله ◌َّل، ودلَّت على أنَّ القول بتحديد النَّسل أو منع الحمل، مصادمٌ للفطرة الإنسانية، التي فطر الله الناس عليها، وللشريعة الإسلامية التي ارتضاها الله تعالى لعباده، ونظرًا إلى أنَّ دعاة القول بتحديد النسل، أو منع الحمل، فئة تهدف بدعوتها إلى الكيد للمسلمين؛ لتقليل عددهم بصفةٍ عامَّة، وللأمَّة العربية المسلمة والشعوب المستضعفة بصفةٍ خاصَّة، حتى تكون لهم القدرة على استعمار البلاد، واستعباد أهلها، والتمتع بثروات البلاد الإسلامية. وحيث إنَّ في الأخذ بذلك ضربًا من أعمال الجاهلية، وسوء ظنٍّ بالله تعالى، وإضعافًا للكيان الإسلامي المتكون من كثرة اللبنات البشرية وترابطها . لذلك كله فإنَّ مجلس المجمع الفقهي الإسلامي، قرَّر بالإجماع أنَّه لا يجوز تحديد النَّسل مطلقًا، ولا يجوز منع الحمل إذا كان القصد من ذلك خشية الإملاق؛ لأنَّ الله تعالى هو الرزَّاق ذو القوَّة المتين؛ ﴿﴿ وَمَا مِن دَآبَةٍ فِى الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]. أو كان ذلك لأسبابٍ أخرى غير معتبرةٍ شرعًا . أمَّا تعاطي أسباب منع الحمل، أو تأخيره في حالات فردية لضررٍ محققٍ؛ ككون المرأة لا تلد ولادةً عاديَّة، وتضطر معها إلى إجراء عملية جراحية لإخراج الجنين، فإنَّه لا مانع من ذلك شرعًا، وهكذا إذا كان تأخيره لأسباب أخر شرعية أو صحية يقررها طبيب مسلم ثقة، بل قد يتعيَّن منع الحمل في حالة ثبوت الضرر المحقق على أمه، إذا كان يخشى على حياتها منه بتقرير ممن ٣٨٧ كتاب النكاح - باب عشرة النساء يوثق به من الأطباء المسلمين . أما الدعوة إلى تحديد النسل، أو منع الحمل بصفةٍ عامَّةٍ، فلا تجوز شرعًا للأسباب المتقدم ذكرها، وأشدُّ من ذلك في الإثم إلزام الشعوب بذلك، وفرضه عليها، في الوقت الذي تُنفق فيه الأموال الضخمة على سباق التسلّح العالمي للسيطرة والتدمير، بدلاً من إنفاقه في التنمية الاقتصادية والتعمير وحاجات الشعوب . * قرار المجمع الفقهي بشأن تحويل الذكر إلى أنثى وبالعكس: الحمد لله، والصلاة والسلام على من لا نبيَّ بعده، سيدنا ونبينا محمَّد وَ طلال . أما بعد: فإنَّ مجلس المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي في دورته الحادية عشرة المنعقدة بمكة المكرمة، في الفترة من يوم الأحد ١٣ رجب ١٤٠٩ هـ الموافق ١٩ فبراير ١٩٨٩م، إلى يوم الأحد ٢٠ رجب ١٤٠٩هـ الموافق ٢٦ فبراير ١٩٨٩م، قد نظر في موضوع تحويل الذكر إلى أنثى وبالعكس، وبعد البحث والمناقشة بين أعضائه، قرَّر ما يأتي: أولاً: الذكر الذي كملت أعضاء ذكورته، والأنثى التي كملت أعضاء أنوثتها لايحل تحويل أحدهما إلى النوع الآخر، ومحاولة التحويل جريمة يستحق فاعلها العقوبة؛ لأنَّه تغييرٌ لخلق الله، وقد حرَّم سبحانه هذا التغيير بقوله تعالى مخبرًا عن قول الشيطان: ﴿وَلَّمُهَنَّهُمْ فَلَيُغَيُّنَ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩]. وقد جاء في صحيح مسلم عن ابن مسعود أنَّه قال: ((لعن الله الواشمات، والمستوشمات، والنَّامصات، والمتنمصات، والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله عزَّوجل))، ثم قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: ألا ألعن من لعن رسول الله وَّة، وهو في كتاب الله عزَّوجل يعني قوله: ﴿وَمَآ ءَانَكُمُ الرَّسُولُ ٣٨٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام فَخُذُوهُ وَمَا تَهَنَكُمْ عَنْهُ فَانْنَهُواْ﴾ [الحشر: ٧]. ثانيًا: أمَّا من اجتمع في أعضائه علامات النساء والرجال، فينظر فيه إلى الغالب من حاله، فإن غلبت عليه الذكورة ، جاز علاجه طبيًّا بما يزيل الاشتباه في أنوثته، سواء أكان العلاج بالجراحة أو بالهرمونات؛ لأنَّ هذا المرض والعلاج يقصد به الشفاء منه، وليس تغييرًا لخلق الله عزَّوجل . وصلى الله على سيدنا محمَّد، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا، والحمدلله رب العالمين . ٣٨٩ كتاب النكاح - باب عشرة النساء = صَلى الله عاجيه وسلم ٨٩١ - وَعَنْ أَنَسِ بْن مَالِكِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - «أَنَّ النَّبيَّ كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ)) أَخْرَجَاهُ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (١). * مفردات الحديث: - يطوف على نسائه: طاف بنسائه يطوف طوفًا: ألمَّ بهنَّ، والإلمام هو الزيارة القصيرة، والمراد هنا: كنايةٌ عن وقاعه بهنَّ بغسلٍ واحدٍ، وفي هذا دليل کمال رجولته گچڑ . * ما يؤخذ من الحديث: ١- الغسل من الجنابة من الطهارة المشروعة، ومن النظافة المرغَّب فيها؛ قال تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَطَّهَّرُواْ﴾ [المائدة: ٦]؛ لما في الاغتسال من فوائد صحية، فإنَّ المجامع حينما تخرج منه النطفة، التي هي سلالة بدنه، وجوهر قوَّته، يحصل له بعد خروجها شيءٌ من الإجهاد والتعب، ويحصل من ذلك فتورٌ ورکودٌ في حرکة الدم ودورته. ٢- من رحمة العليم الخبير: أن شرع الغُسل من الجنابة الذي يعيد إلى الجسم قوته وحيويته ونشاطه، وكم لله في شرعه من حِكمٍ وأسرار !!. وقد أرشد النبي ◌َّيقول إلى هذ المعنى بما رواه مسلم، من حديث أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله وَ له: ((إذا أتى أحدُكم أهله، ثم أراد أن يعود، فليتوضأ بينهما وضوءًا»، زاد الحاكم: ((فإنَّه أنشط للعود)). ٣- القَسْم بين الزوجين أو الزوجات واجب، والميل إلى إحداهنَّ محرَّمٌ، وقد جاء في السنن الأربع عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ النَّبيَّ وَّل قال: ((من (١) البخاري (٢٦٨)، مسلم (٣٠٩). ٣٩٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام كانت له امرأتان يميل لإحداهما على الأخرى، جاء يوم القيامة يجر أحد شدقیه ساقطًا، أو مائلاً)). ٤- أخذ العلماء من هذا الحديث وجوبَ القسم بين الزوجات؛ فقال في الإقناع وشرحه: ويحرم على من تحته أكثر من زوجة دخوله في ليلتها إلى غيرها إلاَّ لضرورة، فإن لبث عندها، أو جامع، لزمه أن يقضي لها مثل ذلك في حق الأخرى؛ لأنَّ التسوية واجبة ولا تحصل إلاّ بذلك)). ٥- تقدم أنَّ من حكمة الغسل من الجنابة إعادة النشاط إلى البدن المختل، وتنشيط الأعضاء الخاملة، نتيجة التعب والإجهاد، هذا هو المعهود، والمعروف عند الناس . أما النَّبِيُّ وَلّ: فكان يغتسل من الجنابة؛ لأنَّها إحدى الطهارتين، ويحب أن يكون على كل أحواله طاهرًا، ولكن لديه وَلّ من القوَّة البدنية والرجولة ما هو أكمل من غيره وأوفى، وهذه بعض النصوص الواصفة لتلك الحال: - حديث الباب في الصحيحين عن أنس وهو خادمه، قال: ((كان النبي وَل یطوف علی نسائه بِغُسلِ واحد)) . - حديث أنس عند البخاري أنَّ النَّبيَّ وَّ((كان يطوف على نسائه في الليلة الواحدة، وله يومئذٍ تسع نسوة)) . - وجاء في صحيح البخاري: ((أنَّهِ وٍَّ كان له قوةً ثلاثين رجلاً))، وفي روايةٍ لأسماء: ((على قوَّة أربعين)). ٦ - فله هذه الخاصية من القوّة والرجولة التي يكتفي بها عن تنشيط جسمه بالماء والاغتسال، إذا كانت الحال والوقت غير متهيّء للاغتسال من كل مرَّة، على أَنَّه وَ لّ بعد فراغه يسكب الماء على جسمه، وكان يغتسل بالصاع من الماء. ٧- أما أنَّه ◌َّهِ يدور عليهن في ليلةٍ واحدةٍ، ويجامعهن، فقد أجاب العلماء عن ذلك بعدَّة أجوبة، ولكن أفضلها، وأولاها، وأقربها من الصواب: أنَّ ٣٩١ كتاب النكاح - باب عشرة النساء · تُرْجِى مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُغْوِىّ القَسْم بین زوجاته لیس واجبًا عليه؛ قال تعالى: ﴿﴾ إِلَيْكَ مَن تَشَاءُ وَمَنِ ابْنَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب: ٥١]. فقد أخرج ابن سعد، عن محمَّد بن كعب القرظي قال: كان رسول الله وَّه موسّعًا عليه في قَسْم أزواجه، يقسم بينهن كيف يشاء؛ وذلك قوله تعالى: ذَلِكَ أَدْ نَ أَنْ تَقَرَّ أَعْيُُهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥١] إذا علمن أنَّ ذلك عليه ◌َِّ . قال ابن الجوزي: القسم غير واجب عليه ◌َل . وقال الشيخ تقي الدين: أبيح له ترك القَسم. وقال ابن كثير عند تفسير قوله تعالى: ﴿﴿ تُرْجِى مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ﴾ [الأحزاب: ١٥] أي: من أزواجك لا حرج عليك أن تترك القَسم لهن، فتُقدِّم من شئت، وتؤخر من شئت، وتجامع من شئت ، وتترك من شئت، هكذا يروى عن ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وقتادة، وأبي رزين، وعبدالرحمن بن زيد، وغيرهم. ومع هذا كان ◌َّ يقسم لهن، ولهذا ذهب طائفة من فقهاء الشافعية وغيرهم: إلى أنَّه لم يكن القسم واجبًا عليه نَّه، واحتجوا بهذه الآية الكريمة، واختار ابن جرير: أنَّ هذه الآية عامة في الواهبات، وفي النساء اللائي عنده أنَّه مخيّر، إن شاء فَسَم، وإن شاء لم يقسم؛ وهذا الذي اختاره حسنٌ جيِّدٌ قويٌّ يجمع بين الأحاديث. وقال السيوطي: اختصَّ وَّ بإباحة عدم القَسم لأزواجه في أحد الوجهين، وهو المختار، وصحَّحه الغزالي. وقال الشيخ عبدالرحمن السعدي: أباح الله له ترك القسم بين زوجاته على وجه الوجوب، وأنه إن فعل ذلك فهو تبرُّع منه، ومع ذلك كان ◌َلـ يجتهد في القسم بينهنَّ في كل شيء، ويقول: ((اللَّهمَّ هَذا قَسْمِي فيما أملكُ، فلا تلُمْنِي فيما لا أملك)). ٣٩٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام باب الصداق مقدمة الصداق: يقال أصدقتُ المرأة ومهرتُها، مأخوذ من الصِّدْق؛ لإشعاره بصدق رغبة الزوج في الزوجة، وهو العوض الذي في النكاح أو بعده للمرأة بمقابل استباحة الزوج بضعها، وله عدَّة أسماء، وفيه عدة لغات، وهو مشروع في الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس: فأما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿ وَءَاتُواْ النِّسَآءَ صَدُ قَئِنَّ غِجْلَةٌ﴾ [النساء: ٤]، وغيرها من الآيات. وأما السنة: ففعله بَّه، وتقريره، وأمره؛ كقوله بَخير: ((التمس، ولو خاتمًا من حدید)» . وأما الإجماع: فقد أجمع العلماء على مشروعيّهِ؛ لتكاثر النصوص فيه، وهو مقتضي القياس؛ فإنَّه لا بد من الاستباحة بالنكاح، ولا بد لذلك من العوض. ولم يجعل الشرع حدًّا لأكثره ولأقله، إلاّ أنَّه يستحب تخفيفه؛ لقوله وَّه : ((أعظم النساء بركة أيسرهن مؤنة))، ولما رواه الخمسة عن عمر بن الخطاب قال: ((ما أصدق رسول الله وَ ل امرأة من نسائه، ولا أصدقت امرأة من بناته، أكثر من اثنتي عشرة أوقية)). والصالح العام يقتضي تخفيفه؛ فإنَّ في ذلك مصلحة كبيرة للزوجين وللمجتمع، فكم من نساء جَلَسْن بلا أزواج! وكم من شبان قعدوا من غير --- -- ٣٩٣ كتاب النكاح - باب الصداق زوجات، بسبب غلاء المهور، والنفقات التي خرجت إلى حد السرف والتبذير، وجلوسُ الجنسين بلا زواج يحملهم على ارتكاب الفواحش والمنكرات !!. وكم من مفاسد وأضرار تولدت عن هذا السرف !! فمنها الاجتماعية، والأخلاقية، والمالية، وغيرها، وإذا بلغت إلى هذا الحال، فالَّذي نراه أنه لا بد من تدخل الحكومة لحل هذه المسألة، وإصلاح الوضع، بإلزام الناس بالطرق العادلة، والله ولي التوفيق. ٣٩٤) توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٨٩٢ - عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ بَِّ: ((أَنَّهُ أَعْتَقَ صَفِيَّةَ، وَجَعَلَ عِنْقَهَا صَدَاقَهَا)) مُثَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). * مفردات الحديث: - أعتق صفية: سُبيتْ في غزوة خيبر سنة ست، فاصطفاها النبي ◌َّ من السبي. - صفِيّة: بنت حُيي بن أخطب، أبوها سيد بني النضير، ينتهي نسبها إلى هارون ابن عمران - عليه السلام-، كانت تحت كنانة بن أبي الحُقَيق، فقُتل عنها بخيبر. قال العيني: الصحيح أنَّ هذا اسمها قبل السبي. - عتقها: العتق: هو تحرير الرقبة، وتخليصها من الرق، والنساء في الحرب بعد الاستيلاء عليهن يكنَّ سبايا، وجعل ◌َّ عتقها صداقها . * ما يؤخذ من الحديث: ١ - كانت صفية بنت حُيي أبوها أحد زعماء بني النضير، وكانت زوجة كنانة بن أبي الحقيق، فقتل عنها يوم خيبر. وقد فتح النبي ◌َّ (خيبر)) عنوة، فصار النساء والصبيان أرقاء للمسلمين بمجرد السبي . ووقعت صفية في قسم دخْيةً بن خليفة الكلبي، فعوَّضه وَّ عنها غيرها، واصطفاها لنفسه وَلَه؛ جبرًا لخاطرها، ورحمةً بها. ومن كرمه أنَّه لم يكتف بالتمتع بها أمَةً ذليلةً، بل رفع شأنها بإنقاذها من ذلك الرق، وجعلها إحدى أمهات المؤمنين، وذلك أنَّه أعتقها، وتزوَّجها، وجعل عتقها صداقها . (١) البخاري (٥٠٨٦)، مسلم (١٠٤٥/٢). ٣٩٥ كتاب النكاح - باب الصداق ٢ - جواز عتق الرجل أمته، وجعل عتقها صداقًا لها، وتكون زوجته. ٣- أنَّه لا يشترط لذلك إذنها، ولا شهود، ولا ولي؛ كما لا يشترط التقيد بلفظ الإنكاح، ولا التزويج. ٤ - وفيه دليل على جواز كون الصداق منفعة دينية، أو دنيوية . ٥- وفي مثل هذه القصة في زواج النبي ◌ّير: ما يدل على كمال رأفته وشفقته؛ فهذه أرملة فقدت أباها مع أسرى بني قريظة المقتولين، وفقدت زوجها في معركة خيبر، وهما سيدا قومهما، ووقعت في الأسر والذل، وبقاؤها تحت أحد أتباعه زوجةً أو أمةٌ ذُلٌّ لها، وكسر لعزِّها، ولا يرفع شأنها، ويجبر قلبها إلاَّ أن تنقل من سيد إلى سيد، فكان هو أولى بها صلوات الله وسلامه عليه. وبهذا تعلم أنَّ هذا التعدد الذي وقع له رَّةِ في الزوجات ليس إرضاءً لرغبةٍ جنسيةٍ، كما يقول أعداء هذا الدِّين، والكائدون له، وإلاّ لقصَد إلى الأبكار والصغار، ولم يكن زواجه من إلاّ من ثيباتٍ انقطعن لفقد أزواجهنَّ، أو سبابا وقعن في أسره. ولو استعرضنا قصص زواجه بهنَّ، واحدةً واحدةً، لوجدناها لا تخرج عن هذه المقاصد الرحيمة النبيلة؛ فما أبعده عما يقول المعتدون الظالمون !! وقد صنَّف في هذا الموضوع عددٌ من الكتَّاب المُحْدَثين. * خلاف العلماء: اختلف العلماء في جواز جعل العتق صداقًا . فذهب الإمام أحمد، وإسحاق: إلى جوازه؛ عملاً بقصَّة زواج صفية، وبأنَّه القياس الصحيح؛ لأنَّ السيد مالكٌ لرقبة أمته ومنفعتها ومنفعة وطئها، فإذا أعتقها، واستبقى شيئًا من منافعها، التي هي تحت تصرفه، فما المانع من ذلك، وما هو المحذور؟. وذهب الأئمة الثلاثة: إلى عدم جواز ذلك، وتأوَّلوا الحديث بما يخالف ٣٩٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ظاهره، أو حملوه على الخصوصية للنَّبِيِّ وَّل. وحمل الحديث على خلاف ظاهره، أو جعله خاصًّا، يحتاج إلى بيانٍ ودليلٍ؛ لأنَّ الأصلَ بقاء الحديث على الظاهر؛ كما أنَّ الأصل في الأحكام العموم، ولو كان خاصًّا لنُقِل. ---- ----- -- ٣٩٧ كتاب النكاح - باب الصداق ٨٩٣ - وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: ((سَأَلْتُ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - كَمْ كَانَ صَدَاقُ رَسُولِ اللهِ وَلَ؟ قَالَتْ: كَانَ صَدَاقُهُ لأَزْوَاجِهِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أوقِيَةً، وَنشَّا، قَالَتْ: أَتَدْرى مَا النََّرُّ؟ قَالَ: قُلْتُ: لاَ، قَالَتْ: نِصْفُ أُوْقِيَّةٍ، فَتِلْكَ خَمْسُمِائَةٍ دِرْهَمٍ، فَهَذَا صَدَاقُ رَسُولُ الهِنَّه ◌ِأَزْوَاجِهِ)) رَوَاهُ مُسْلِمُ(١). * مفردات الحديث: - أوقية: الأوقية أربعون درهمًا، وهو نقدٌ من الفضَّة، وقدره (١٤٧) غرامًا . - نشّا: بفتح النون، ثم شين معجمة مشدّدة، والنش: نصف الأوقية، أي: عشرون درهمًا . * ما يؤخذ من الحديث: ١- الحديث فيه استحباب تخفيف الصداق، وأنَّ ذلك هو المشروع؛ فخير الصداق أيسره، وخير النِّساء أيسرهن مؤنة. ٢ - أنَّ صداق النبي وَلَه لزوجاته غالبًا اثنتا عشرة أوقية ونصف الأوقية، وهو رَّه القدوة الكاملة في العادات والعبادات، والأوقية أربعون درهمًا، فيكون خمسمائة درهم . ٣- خمسمائة درهم هي بالريال العربي السعودي مائة وأربعون ريالاً . ٤- أين هذا مع ما يفعله الناس اليوم من المغالاة في المهور، والتفاخر بما يدفعون إلى المرأة وأوليائها، سواء أكان الزوج غنيًا أم فقيرًا، فهو يريد أن لا ينقص عن غيره في هذا المجال؛ إنَّ هذا السرف، وذلك التبذير، وتلك (١) مسلم (١٤٢٦). ٢٣٩٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام المفاخرة والمباهاة، هي التي جعلت الشباب عاطلاً بلا زواج، فمن عصمه الله فهو مكبوت، ومن اتَّبع شهواته وملذاته اندفع في الرذيلة، وهذا الفعل الشنيع هو الذي ملأ البيوت من الشابات العوانس، اللاتي يشتكين الوحدة، ويَخَفْنَ من المستقبل المظلم، حينما لا يخلفن أولادًا يكونون لهنَّ في مستقبلهن وكبر سنهنَّ، إنَّ هذا الأمر لا تكفي فيه المواعظ والنصائح والتوجيه، فلابد من حدٍّ يحده، وعملٍ جاد يردُّه إلى الصواب، وإلاّ ضاع الأمر، وحلَّت المشكلات والصعاب. ٥- الحديث فيه أصل مشروعية الصداق في النكاح، وأنه لا بد منه، سواء سمِّ في العقد أو لم يسم، فإن سمي فهو على ما اتَّفق عليه الزوجان، وإن لم يسم فللزوجة مهر المثل. ٦- الصداق لم يُقصد على أنَّه عوض فقط، وإنما قصد على أنه نِحلة وهدية، يُكرِمُ بها الرجل زوجته عند دخوله عليها، ومقابلته لها ؛ جبرًا لخاطرها، وإشعارًا بقدرها، ولو كان القصد به مجرَّد العوض لما قنع بتخفيفه؛ لأنَّه مسوق لأغلى ما تملكه المرأة، ولا بد من العدالة في المعاوضات. ٧- أنَّ الأثمان هي قِيَم الأشياء من صداق، وثمن مبيع، وأجرة منفعة، وقيمة متلف، وغير ذلك، فهي الأصل، وغيرها عروض. * قرار مجلس هيئة كبار العلماء في مسألة غلاء المهور، رقم: (٩٤) وتاريخ ٦/ ١١/ ١٤٠٢ هـ: الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على عبدالله ورسوله نبينا محمَّد، وعلى آله وصحابته أجمعين . فإنَّ مجلس هيئة كبار العلماء في دورته العشرين المنعقدة بمدينة الطائف ، ابتداء من الخامس والعشرين من شهر شوال، وحتى السادس من شهر ذي القعدة عام: ١٤٠٢ هـ، نظر في ظاهرة غلاء المهور، وما ينبغي أن يُتَّخذ ٣٩٩ كتاب النكاح - باب الصداق بشأنها؛ بناءً على كتاب صاحب السمو الملكي نائب رئيس مجلس الوزراء، الموجّه لسماحة الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، برقم (١٦٩٤٧) وتاريخ ١٤٠٢/٧/١٦هـ، المتضمن رغبة سموه في إحالة الموضوع إلى مجلس هيئة كبار العلماء لدراسته، وإصدار توصية بشأنه، فاستعرض المقترحات والحلول التي جاءت فيه، وبعد الدراسة وتداول الآراء في الموضوع رأي المجلس ما يلي: أولاً: يؤكد المجلس ما أصدره بقراره رقم (٥٢) في الأمور التالية: ١ - منع الغناء الذي أحدث في حفلات الزواج، بما يصحبه من آلات اللَّهو، وما يُستأجر له من مغنيين، ومغنيات بآلات عالية الصوت؛ لأنَّ ذلك منكر محرَّم یجب منعه، ومعاقبة فاعله. ٢ - منع اختلاط الرجال بالنساء في حفلات الزواج وغيرها، ومنع دخول الزوج على زوجته بين النساء السافرات، ومعاقبة من يحصل عندهم ذلك، من زوج وأولياء لزوجة، معاقبة تزجر عن مثل هذا المنكر. ٣- منع الإسراف وتجاوز الحد في ولائم الزواج، وتحذير الناس من ذلك ؛ بواسطة مأذوني عقود الأنكحة، وفي وسائل الإعلام، وأن يرغُّب الناس في تخفيف المهور، ويُذم لهم الإسراف فيها على منابر المساجد، وفي مجالس العلم، وفي برامج التوعية التي تبث في أجهزة الإعلام. ٤- يرى المجلس الحث على تقليل المهور، والترغيب في ذلك على منابر المساجد، وفي وسائل الإعلام، وذكر الأمثلة التي تكون قدوةً حسنةً في تسهيل الزواج؛ إذْ وجد من الناس من يرد بعض ما يدفع إليه من مهر، أو اقتصر على حق متواضع لما في القدوة الحسنة من التأثير. ٥ - يرى المجلس أنَّ من أنجح الوسائل في القضاء على السرف والإسراف، أن يبدأ بذلك قادة النَّاس من الأمراء، والعلماء، وغيرهم من وجهاء الناس ، ٤٠٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام وأعيانهم، وذوي الثراء فيهم، وما لم يمتنع هؤلاء من الإسراف وإظهار البذخ والتبذير، فإنَّ عامة الناس لا يمتنعون؛ لأنَّهم تبعٌ لرؤسائهم، وأعيان مجتمعهم . ثانيًا: يرى المجلس بالإضافة إلى ما سبق أن تمنع الدولة - وفَّقها الله - إقامة حفلات الزواج في الفنادق ودور الأفراح لما يحصل في كثيرٍ منها من منكرات، ولما في إقامتها فيها من السَّرف، وإنفاق الأموال الطائلة، التي تزيد على المهور نفسها في بعض الأحيان، ولما لها من الأثر الكبير في ارتفاع تكاليف الزواج. ويؤكِّد المجلس مرَّةً أخرى دعوته للقادة، والعلماء، والوجهاء، أن يُسهم كلٌّ منهم بنصيبه في حل هذه المشكلة، ويكون قدوة حسنة في أمور الزواج، وليعلموا أنَّ لهم من الله أجرًا عظيمًا إذا هم صدقوا في ذلك، وسنوا سنة حسنة في عباده، كما أنَّ عليهم الإثم والعقاب، إذا خالفوا هدي رسول الله وَّةٍ، وكانوا قدوة سيئة؛ فقد قال ◌َ: ((من سنَّ في الإسلام سنة سيئة، كان عليه وزرها، ووزر من عمل بها، إلى يوم القيامة)). ثالثًا: أما ما يتعلَّق باتفاق بعض القبائل على مهور محدَّدة، وطرق معيَّنة، فإنَّ المجلس - ما عدا واحدًا من أعضائه - رأى ما يلي: ( أ) الموافقة على ما تترضى عليه كل قبيلة في تحديد المهور، على أن یکون ما اتّفق علیه مناسبًا لحال تلك القبيلة، بأن لا یکون فیه مغالاة، وأن یکون ما تمَّ الإنفاق عليه ساريًا على أفراد تلك القبيلة. (ب) يعتبر ما تراضى عليه كل قبيلة حدًّا أعلى للمهر بالنسبة لتلك القبيلة، فمن أراد ممن تراضوا أن يزوج موليته بأقل من هذا برضاها، فله ذلك، بل یشکر علیه. (ج) من زاد عن الحدِّ الذي تراضت عليه تلك القبيلة، نَظر فضيلة