Indexed OCR Text
Pages 221-240
٢٢١ كتاب النكاح تعالى من الطيبات تعبدًا وإقبالاً على الطاعة، وامرأة بتول منقطعة عن الرجال فلا شهوة لھا فیھم. - الولود: كثيرة الولادة ، فإذا لم يتقدم لها زواج؛ فيعرف ذلك منها بقريباتها من أمِّ وجدَّات، وخالات وأخوات، ونحو ذلك. - مكاثر: التكاثر هو التباهي والتفاخر بكثرة الأتباع. * ما يؤخذ من الحديث: ١- الشارع الحكيم يأمر بالزواج، لما فيه من المصالح الكبيرة، والمنافع الكثيرة، والأمر يقتضي الوجوب، وإنما العلماء قالوا: إن كان يخشى على نفسه الوقوع في الفاحشة فيجب عليه النكاح؛ حفظًا لفرجه وغضًّا لبصره، وإن كان لا يخشى فيستحب في حقه، بل هو أفضل من نوافل العبادات، لما يحقق من المصالح الكبيرة الكثيرة . ٢- التبتل والانقطاع عن النساء، وترك النكاح انقطاعًا إلى العبادة منهيٌّ عنه، والنَّهي يقتضي التحريم ، لا سيَّما والنَّهي في هذا شديد؛ لأنَّه مخالفٌ لسنن المرسلين؛ قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ وَحَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَجًا وَذُرِيَّةً﴾ [الرعد: ٣٨] وفيه تعطيل لإرادة الله تعالى الكونية من عمارة هذا الكون. ٣- الدِّين الإسلامي دين السماح واليسر، فهو يكره التنطع والتشدد في الأمور، ويأمر بالتوسط والاعتدال فيها؛ ليؤدي الإنسان جميع الأعمال المطلوبة منه، والتي أعدَّ للقيام بها . وكان التبتل من شريعة النصارى، فنهى النبي وّر أمته عنه؛ ليكثر النسل، ويعظم سواد المسلمين، ويقوم الجهاد ويدوم. ٤- قال تعالى عاتبًا على النصارى غُلوَّهم في العبادة، وتنطعهم في دينهم: ﴿ وَرَهْبَانِيَّةً أَبْتَدَعُوهَا مَا كَنَبْنَهَا عَلَيْهِمْ﴾ [الحديد: ٢٧] أي أنَّها مبتدعة من قِبل أنفسهم لم يشرعها الله لهم، ولم يأمرهم بها، بل ساروا عليها غلوًّا في ٢٢٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام العبادة، وحمَّلوا أنفسهم المشقات في الامتناع من المطعم، والمشرب، والمنكح . ٥- وفي الحديث الترغيب في نكاح المرأة الولود؛ ليكثر نسل المسلمين، ويعظم سَوادهم، ويكونوا قوة في وجه أعداء الله وعدوهم، وليعمروا الأرض، ويخرجوا خيراتها، ويبحثوا عن كنوزها، فيحققوا مراد الله تعالى من عمرانها . ٦- من فوائد كثرة النسل تحقيق مباهاة النبي وَر، ومكاثرته بأمته الأنبياء يوم القيامة، فهي مفخرة كبيرة، ومباهاة عظيمة، فإنَّ الله تبارك وتعالى أنجح رسالته، وأيَّد دعوته، وأظهره على الدين كله، فصارت أمته أكثر الأمم، وأفضل الأمم، وخير الأتباع، قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] والوسط هو الخيار. ٧- الدين الإسلامي دين حركةٍ وعمل، وليس دين عزلةٍ وانقطاع وبُعدٍ عن معترك الحياة، على ألاَّ تطغى أعمال الدنيا على أعمال الآخرة، وعلى أن تكون أعمال الدنيا مقصودًا بها رفعة الإسلام وعزه، والنَّفع المتعدي، فإنَّ الإسلام دينٌ ودولة، وليس يقتصر على العبادات، ثم إنَّ أعمال الدنيا وعاداتها إذا قصد بها الإصلاح، والنفع العام أو الخاص أصبحت عبادات. ٨- فيه دليل على أنَّ المسارعة إلى فعل الخير والتسابق إليه والتنافس فيه لا يعد من الرياء المذموم، ما دام العبد يقصد وجه الله تعالى والدار الآخرة. ٩ - وفيه دليل على استحباب إيثار العبد نفسه بفعل الخيرات، ومحاولة سبق أقرانه في ذلك، قال تعالى: ﴿أُوْلَِّكَ يُسَرِعُونَ فِ الْخَيَرَتِ وَهُمْ لَهَا سَِقُونَ [المؤمنون] وقال تعالى ﴿سَابِقُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَآءِ وَاُلْأَرْضِّ﴾ [الحديد: ٢١]. ٢٢٣ كتاب النكاح = - ١٠- في الحديث حث العلماء والدعاة إلى أنَّه ينبغي لهم أن يستكثروا من المستفيدين من علمهم ودعوتهم، وأعظِمْ بذلك فإنَّ هذا فضلٌ كبير، فقد قال ◌َله: ((لأن يهدي الله بك رجلاً واحدًا خيرٌ لك من حمر النعم)) [متفق عليه]. * نبذة عن تحديد النسل: ظهر في القرن الثامن عشر الميلادي عالم اقتصادي إنجليزي اسمه ((مالتس)) اشتهر بنظريته في تحديد النسل، خشية من نمو السكان وزيادته تزيد بكثير على نسبة زيادة المواد الغذائية، فيحل بالعالم مجاعة، وأن توازن السكان مع قدر ما يتوقع إنتاجه من المواد الغذائية، أمان من كارثة المجاعة. وما زالت هذه النظرية تتسع وتروج حتى أخذ بها مبدأ اقتصاديًّا كثير من الدول. ثم إنَّ هذه النظرية دخلت علينا نحن المسلمين من أعداء الإسلام، الذين يكيدون للإسلام، ويريدون أن يقلِّلوا من عدده، ويضعفوا من كيانه، فراقت لكثير من أتباع الغربيين، فأخذوا بها معجَبين بآراء أصحاب العقول القاصرة، والأنظار القريبة، ومعرضين عما جاء من لدن حكيم خيبر، هو الذي خلق الخلق وتكفَّل برزقهم، فقال تعالى: ﴿﴿ وَمَا مِن دَابَةٍ فِ اُلْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] وقال تعالى: ﴿وَبَرَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَتَهَا﴾ [فصلت: ١٠] وقال تعالى عاتبًا على الكفار الجفاة الجهلة: ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ أَوْلَدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَقٍّ ◌َّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ [الإسراء: ٣١]. والنصوص في هذا الباب كثيرة . وخشية من وقوع بعض البسطاء بهذه الفكرة الضالة، فإنَّ مجلس هيئة كبار العلماء أصدر فيها قرارًا . وكذلك أصدر فيها مجلس المجمع الفقهي بمكة التابع لرابطة العالم الإسلامي . ٢٢٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام * قرار هيئة كبار العلماء بشأن تحديد النسل: رقم (٤٢) وتاريخ ١٤/ ١٣٩٦/٤هـ: الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده محمَّد، وعلى آله وصحبه، وبعد : ففي الدورة الثامنة لمجلس هيئة كبار العلماء، المنعقدة في النصف الأول من شهر ربيع الآخر عام: ١٣٩٦هـ، بَحَثَ المَجلس موضوع منع الحمل، وتحديد النسل وتنظيمه، بناءً على ما تقرر في الدورة السابعة للمجلس المنعقدة في النصف الأول من شهر شعبان عام: ١٣٩٥هـ، من إدراج موضوعها في جدول أعمال الدورة الثامنة، وقد اطّلع المجلس على البحث المعد في ذلك مِن قِبل اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء، وبعد تداول الرأي، والمناقشة بين الأعضاء، والاستماع إلى وجهات النظر، قرَّر المجلس ما يلي: - نظرًا إلى أنَّ الشريعة الإسلامية ترغب في انتشار النَّسل، وتكثيره، وتعتبر النسل نعمةٌ كبرى، ومنَّةً عظيمة منَّ الله بها على عباده، فقد تضافرت بذلك النصوص الشرعية، من كتاب الله وسنة رسوله وَ لة، ممّا أوردته اللجنة الدائمة للبحوث العلمية، والإفتاء في بحثها المعد للهيئة، والمقدم لها . ونظرًا إلى أنَّ القول بتحديد النسل، أو منع الحمل، مصادمٌ للفطرة الإنسانية، التي فطر الله الخلق عليها، وللشريعة الإسلامية التي ارتضاها الرب تعالى لعباده، ونظرًا إلى أنَّ دعاة القول بتحديد النسل أو منع الحمل فئة تهدف بدعوتها إلى الكيد للمسلمين بصفة عامة، وللأمة العربية المسلمة بصفة خاصة، حتى تكون لديهم القدرة على استعمار البلاد واستعباد أهلها، وحيث إنَّ في الأخذ بذلك ضربًا من أعمال الجاهلية، وسوءَ ظنٍّ بالله تعالى، وإضعافًا للكيان الإسلامي، المتكون من كثرة اللَّبِنَات البشرية وترابطها . لذلك كلِّه فإنَّ المجلس يقرر بأنه لا يجوز تحديد النسل مطلقًا، ولا يجوز ٢٢٥ كتاب النكاح منع الحمل إذا كان القصد منه خشية الإملاق؛ لأنَّ الله تعالى هو الرزّاق ذو القوَّة المتين، وما من دابَّة في الأرض إلاّ على الله رزقها . أما إذا كان منع الحمل لضرورة محقَّقة ككون المرأة لا تلد ولادة عادية، وتضطر معها إلى إجراء عملية جراحية لإخراج الولد، أو كان تأخيره لفترة ما، لمصلحةٍ يراها الزوجان، فإنَّه لا مانع حينئذٍ من منع الحمل، أو تأخيره، عملاً بما جاء في الأحاديث الصحيحة، وما روي عن جمع الصحابة - رضوان الله عليهم - من جواز العزل، وتمشيًا مع ما صرح به بعض الفقهاء من جواز شرب الدواء لإلقاء النطفة قبل الأربعين، بل قد يتعيَّن منع الحمل في حال ثبوت الضرورة المحققة، وقد توقف الشيخ عبدالله بن غديان في حكم الاستثناء ، وصلى الله على محمَّد وعلى آله وصحبه وسلم . هيئة كبار العلماء * قرار مجلس المجمع الفقهي الإسلامي بشأن تحديد النسل: الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه . وبعد : فقد نظر مجلس المجمع الفقهي الإسلامي في موضوع تحديد النسل، أو ما يسمى تضليلاً بـ((تنظيم النسل))، وبعد المناقشة، وتبادل الآراء في ذلك، قرَّر المجلس بالإجماع ما يلي : نظرًا إلى أنَّ الشريعة الإسلامية تحض على تكثير نسل المسلمين وانتشاره، وتعتبر النسل نعمة كبرى، ومنة عظيمة منَّ الله بها على عباده، وقد تضافرت بذلك النصوص الشرعية من كتاب الله عزَّوجل، وسنة رسوله وَّل، ودلَّت على أنَّ القول بتحديد النسل، أو منع الحمل يصادم الفطرة الإنسانية التي فطر الله الناس عليها، وللشريعة الإسلامية التي ارتضاها الله تعالى لعباده، ونظرًا ٢٢٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام إلى أنَّ دعاة القول بتحديد النسل، أو منع الحمل فئة تهدف بدعوتها إلى الكيد للمسلمين؛ لتقليل عددهم بصفة عامة، وللأمة العربية المسلمة، والشعوب المستضعفة بصفة خاصة، حتى تكون لهم القدرة على استعمار البلاد واستعباد أهلها، والتمتع بثروات البلاد الإسلامية، وحيث إنَّ في الأخذ بذلك ضربًا من أعمال الجاهلية وسوء ظن بالله تعالى، وإضعافًا للكيان الإسلامي المتكون من كثرة اللَّبِنَات البشرية، وترابطها. لَذلك كله فإنَّ مجلس المجمع الفقهي الإسلامي يقرر بالإجماع أنَّه لا يجوز تحديد النسل مطلقًا، ولا يجوز منع الحمل إذا كان القصد من ذلك خشية الإملاق؛ لأنَّ الله تعالى هو الرزاق ذو القوَّة المتين، وما من دابة في الأرض إلاَّ على الله رزقها، أو كان ذلك لأسباب أخرى غير معتبرة شرعًا . أما تعاطي أسباب منع الحمل، أو تأخيره في حالاتٍ قهريةٍ؛ لضررٍ محقَّقٍ، ككون المرأة لا تلد ولادةً عاديةً، وتضطر معها إلى إجراء عملية جراحية؛ لإخراج الجنين، فإنَّه لا مانع من ذلك شرعًا، وهكذا إذا كان تأخيره لأسبابٍ أخرىُ شرعيَّةٍ أو صحيّةٍ، يُقرِّرها طبيبٌ مسلمٌ ثقةٌ، بل قد يتعيَّن منع الحمل في حالة ثبوت الضرر المحقّق على أمه، إذا كان يخشى على حياتها منه بتقرير ممن يوثق به من الأطباء المسلمين . أما الدعوة إلى تحديد النسل، أو منع الحمل بصفة عامة، فلا تجوز شرعًا؛ للأسباب المتقدم ذكرها، وأشد من ذلك في الإثم إلزام الشعوب بذلك، وفرضه عليها، في الوقت الذي تُنفق فيه الأموال الضخمة على سباق التسلح العالمي للسيطرة والتدمير، بدلاً من إنفاقه في التنمية الاقتصادية والتعمير . مجلس المجمع الفقهي الإسلامي ٢٢٧ كتاب النكاح * قرار المجمع الفقهي الإسلامي حول التلقيح الاصطناعي وأطفال الأنابيب: الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمَّد وَّ. وبعد : فإنَّ مجلس المجمع الفقهي الإسلامي قد نظر في الدراسة التي قدمها عضو المجلس مصطفى أحمد الزرقاء، حول التلقيح الاصطناعي، وأطفال الأنابيب، الأمر الذي شغل النَّاس، وكان من أبرز قضايا الساعة في العالم، واستعرض المجلس ما تحقَّق في هذا المجال من إنجازات طبية، توصَّل إليها العلم والتقنية في العصر الحاضر؛ لإنجاب الأطفال من بني الإنسان، والتغلب على أسباب العقم المختلفة المانعة من الاستيلاد. وقد تبيَّن للمجلس من تلك الدراسة الوافية المشار إليها أنَّ التلقيح الاصطناعي بغية الاستيلاد - بغير الطريق الطبيعي، وهو الاتصال الجنسي المباشر بين الرجل والمرأة - يتم بأحد طريقين أساسيين. ١- طريق التلقيح الداخلي، وذلك بحقن نطفة الرجل في الموقع المناسب من بطن المرأة . ٢ - وطريق التلقيح الخارجي بين نطفة الرجل، وبويضة المرأة في أنبوب اختبار، في المختبرات الطبية، ثم زرع البويضة الملقحة ((اللقيحة)) في رحم المرأة . ولا بد في الطريقين من انكشاف المرأة على من يقوم بتنفيذ العملية. وقد تبيَّن لمجلس المجمع من تلك الدراسة المقدمة إليه في الموضوع، وممّا أظهرته المذاكرة والمناقشة، أنَّ الأساليب والوسائل التي يجري بها التلقيح الاصطناعي بطريقيه: الداخلي والخارجي؛ لأجل الاستيلاد، هي سبعة أساليب بحسب الأحوال المختلفة، للتلقيح الداخلي فيها أسلوبان، وللخارجي خمسة من الناحية الواقعية، بقطع النظر عن حلها أو حرمتها شرعًا، وهي ٢٢٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام الأساليب التالية: في التلقيح الاصطناعي الداخلي : الأسلوب الأول : أن تؤخذ النطفة الذكرية من رجلٍ متزوج، وتحقن في الموقع المناسب داخل مهبل زوجته، أو رحمها، حتى تلتقي النطفة التقاء طبيعيًّا بالبويضة التي يفرزها مبيض زوجته، ويقع التلقيح بينهما، ثم العلوق في جدار الرحم بإذن الله، كما في حالة الجماع، وهذا الأسلوب يلجأ إليه إذا كان في الزوج قصور؛ لسبب مانع من إيصال مائه في المواقعة، إلى الموضع المناسب. الأسلوب الثاني : أن تؤخذ نطفة من رجل، وتحقن في الموقع المناسب من زوجة رجل آخر، حتى يقع التلقيح داخليًّا، ثم العلوق في الرحم، كما في الأسلوب الأول، ويلجأ إلى هذا الأسلوب حين يكون الزوج عقيمًا لا بذرة في مائه، فيأخذون النطفة الذكرية من غيره. في طريق التلقيح الخارجي : الأسلوب الثالث: أن تؤخذ نطفة من زوج، وبويضة من مبيض زوجته، فتوضعا في أنبوب اختبار طبي، بشروط فيزيائية معيَّنة، حتى تلقح نطفة الزوج بويضة زوجته في وعاء الاختبار، ثم بعد أن تأخذ اللقيحة بالانقسام والتكاثر تنقل في الوقت المناسب من أنبوب الاختبار إلى رحم الزوجة نفسها صاحبة البويضة، لتعلق في جداره، وتنمو، وتتخلق ككل جنين، ثم في نهاية مدة الحمل الطبيعية تلده الزوجة طفلاً أو طفلة، وهذا هو طفل الأنبوب الذي حققه الإنجاز العلمي الذي يسَّره الله، وولد به إلى اليوم عدد من الأولاد ذكورًا وإناثًا وتوائم، تناقلت أخبارها الصحف العالمية، ووسائل الإعلام المختلفة، ويلجأ إلى هذا ٢٢٩ كتاب النكاح الأسلوب الثالث عندما تكون الزوجة عقيمًا بسبب انسداد القناة التي تصل بين مبيضها، ورحمها ((قناة فالوب)). الأسلوب الرابع : أنْ يجري تلقيح خارجي في أنبوب الاختبار بين نطفة مأخوذة من زوج، وبويضة مأخوذة من مبيض امرأة، ليست زوجته - يسمونها متبرعة - ثم تزرع اللقيحة في رحم زوجته . ويلجأون إلى هذا الأسلوب عندما يكون مبيض الزوجة مستأصلاً أو معطلاً، وللكن رحمها سليم، قابل لعلوق اللقيحة فيه . الأسلوب الخامس : أن يجري تلقيح خارجي في أنبوب اختبار بين نطفة رجل، وبويضة من امرأة ليس زوجة له - يسمونهما متبرعين - ثم تزرع اللقيحة في رحم امرأة أخرى متزوجة، ويلجأون إلى ذلك حينما تكون المرأة المتزوجة التي زرعت اللقيحة فيها عقيمًا، بسبب تعطل مبيضها، لكن رحمها سليم، وزوجها أيضًا عقيم، ویریدان ولدًا. الأسلوب السادس : أن يجري تلقيح خارجي في وعاء الاختبار بين بذرتي زوجين، ثم تزرع اللقيحة في رحم امرأة تتطوع بحملها . ويلجأون إلى ذلك حين تكون الزوجة غير قادرة على الحمل؛ لسبب في رحمها، ولكن مبيضها سليم منتج، أو تكون غير راغبة في الحمل ترفُّهًا، فتتطوع امرأة أخرى بالحمل عنها . الأسلوب السابع : هو السادس نفسه، إذا كانت المتطوعة بالحمل هي زوجة ثانية للزوج صاحب النطفة، فتتطوع لها ضرَّتها، لحمل اللقيحة عنها، وهذا الأسلوب لا ٢٣٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام يجري في البلاد الأجنبية التي يمنع نظامها تعدد الزوجات، بل في البلاد التي تبيح هذا التعدد . هذه هي أساليب التلقيح الاصطناعي، الذي حقّقه العلم؛ لمعالجة أسباب عدم الحمل . وقد نظر مجلس المجمع فيما نشر وأذيع، أنَّه يتم فعلا تطبيقه في أوربا وأمريكا، من استخدام هذه الإنجازات لأغراض مختلفة، منها تجاري، ومنها ما يجري تحت عنوان: ((تحسين النوع البشري))، ومنها ما يتم لتلبية الرغبة في الأمومة، لدى نساء غير متزوجات، أو نساء متزوجات لا يحملن؛ لسبب فيهن، أو في أزواجهنَّ، وما أنشيء لتلك الأغراض المختلفة من مصارف النطف الإنسانية التي تحفظ فيها نطف الرجال، بصورة تقنية تجعلها قابلة للتلقيح بها إلى مدة طويلة ، وتؤخذ من رجال معينين أو غير معيّنين، تبرعًا أو لقاء عوض، إلى آخر ما يقال: إنه واقع اليوم في بعض بلاد العالم المتمِّدن. النظر الشرعي بمنظار الشريعة الإسلامية: هذا، وإنَّ مجلس المجمع الفقهي الإسلامي بعد النظر فيما تجمع لديه من معلوماتٍ موثقة، ممَّا كُتِب ونشر في هذا الشأن، وتطبيق قواعد الشريعة الإسلامية ومقاصدها، لمعرفة حكم هذه الأساليب المعروضة، وما تستلزمه، قد انتهى إلى القرار التفصيلي التالي : أولاً: أحكام عامة : (أ ) أنَّ انكشاف المرأة المسلمة على غير من يحل شرعًا بينها وبينه الاتصال الجنسي، لا يجوز بحالٍ من الأحوال، إلاَّ لغرضٍ مشروع، يعتبره الشرع مبيحًا لهذا الانكشاف. (ب) أنَّ احتياج المرأة إلى العلاج من مرض يؤذيها، أو من حالةٍ غير طبيعية في جسمها، تسبب لها إزعاجًا، يعتبر ذلك غرضًا مشروعًا يبيح لها ٢٣١ كتاب النكاح الانكشاف على غير زوجها لهذا العلاج، وعندئذٍ يتقيَّد ذلك الانكشاف بقدر الضرورة . (ج) كلما كان انكشاف المرأة على غير من يحل بينها وبينه الاتصال الجنسي مباحًا؛ لغرض مشروع، يجب أن يكون المعالج امرأة مسلمة إن أمكن ذلك، وإلاّ فامرأة غير مسلمة، وإلاّ فطبيب مسلم ثقة، وإلاّ فغير مسلم بههذا الترتيب . ولا تجوز الخلوة بين المعالج والمرأة التي يعالج، إلاَّ بحضور زوجها، أو امرأة أخرى . ثانيًا : حكم التلقيح الاصطناعي : ١ - أنَّ حاجة المرأة المتزوجة التي لا تحمل، وحاجة زوجها إلى الولد تعتبر غرضًا مشروعًا يبيح معالجتها بالطريقة المباحة من طرق التلقيح الاصطناعي. ٢- أنَّ الأسلوب الأول : - الذي تؤخذ فيه النطفة الذكرية من رجل متزوج، ثمَّ تحقن في رحم زوجته نفسها في طريقة التلقيح الداخلي - هو أسلوب جائز شرعًا بالشروط العامة الآنفة الذكر، وذلك بعد أن تثبت حاجة المرأة إلى هذه العملية لأجل الحمل. ٣- أنَّ الأسلوب الثالث - الذي تؤخذ فيه البذرتان الذكرية والأنثوية من رجل وامرأة، زوجين أحدهما للآخر، ويتم تلقيحها خارجيًّا في أنبوب اختبار، ثم تزرع اللقيحة في رحم الزوجة نفسها صاحبة البويضة - هو أسلوب مقبول مبدئيًّا في ذاته بالنظر الشرعي، لكنه غير سليم تمامًا من موجبات الشك فيما يستلزمه، ويحيط به من ملابسات، فينبغي أن لا يلجأ إليه، إلاَّ في حالات الضرورة القصوى، وبعد أن تتوفر الشرائط العامة الآنفة الذكر. ٤ - أنَّ الأسلوب السابع - الذي تؤخذ فيه النطفة والبويضة من زوجين ٢٣٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام وبعد تلقيحهما في وعاء الاختبار، تزرع اللقيحة في رحم الزوجة الأخرى للزوج نفسه، حيث تتطوع بمحض اختيارها بهذا الحمل عن ضرَّتها المنزوعة الرحم - يظهر لمجلس المجمع أنَّه جائز عند الحاجة، وبالشروط العامة المذكورة. ٥- وفي حالات الجواز الثلاث يقرر المجمع أنَّ نسب المولود يثبت من الزوجين مصدر البذرتين، ويتبع الميراث، والحقوق الأخرى ثبوت النسب، فحين يثبت نسب المولود من الرجل، أو المرأة يثبت الإرث وغيره من الأحكام بین الولد، ومن التحق نسبه به . أما الزوجة المتطوعة بالحمل عن ضرَّتها - في الأسلوب السابع المذكور- فتكون في حكم الأم الرضاعية للمولود؛ لأنَّه اكتسب من جسمها وعضويتها أكثر ممَّا يكتسب الرضيع من مرضعته في نصاب الرضاع الذي يحرم به ما يحرم من النسب . ٦- أما الأساليب الأربعة الأخرى من أساليب التلقيح الاصطناعي في الطريقين الداخلي والخارجي مما سبق بيانه، فجميعها محرَّمة في الشرع الإسلامي، لا مجال لإباحة شيء منها؛ لأنَّ البذرتين الذكرية والأنثوية فيها ليستا من زوجين، أو لأنَّ المتطوعة بالحمل هي أجنبية عن الزوجين مصدر البذرتين. هذا، ونظرًا لما في التلقيح الاصطناعي بوجهٍ عامٍ من ملابسات حتى في الصور الجائزة شرعًا، ومن احتمال اختلاط النطف، أو اللقائح في أوعية الاختبار، ولا سيَّما إذا كثرت ممارسته، وشاعت فإنَّ مجلس المجمع ينصح الحريصين على دينهم أن لا يلجأوا إلى ممارسته إلاَّ في حالة الضرورة القصوى، وبمنتهى الاحتياط والحذر من اختلاط النطف أو اللقائح. هذا ما ظهر لمجلس المجمع في هذه القضية ذات الحساسية الدينية القوية من قضايا الساعة، ويرجو من الله أن يكون صوابًا . والله سبحانه أعلم، وهو الهادي إلى سواء السبيل، وولي التوفيق. ٢٣٣ كتاب النكاح ٨٣٩ - وَعنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - عنِ النَّبِّ بَ قَالَ: (ُنْكَحُ المَرْأَةُ لأَرْبَعِ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَلِجَمَالِهَا، وَلِدِيْنِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَت يَّدَاكَ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مَعَ بَقِيَّةِ السَّبْعَةِ(١). * مفردات الحديث: - تُنكح المرأة: مبني للمجهول، فهو مضموم بتاء المضارع، والمراد يُرغبُ في نكاحها، ويعقد عليها . - تُنكح: نكَحَ من باب ضرب، وأصل المادة الانضمام والاختلاط، واختلف أهل اللغة، فقال بعضهم: هو حقيقةٌ في العقد، مجازٌ في الوطء، وقال بعضهم: بالعكس، وقال بعضهم: حقيقة فيهما، وهو الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية . ولذا لا يعرف هذا من هذا إلاَّ بالقرينة، فإن قيل: نكح بنت فلان، فالمراد العقد، وإن قيل: نكح امرأته، فالمراد الوطء، أما صاحب المصباح فيقول: النكاح مجاز فيهما، لأنَّ أصله الانضمام، ولكن الحقيقة هي الأصل، وقال العلماء: إنَّه لم يأت في القرآن لفظ النكاح بمعنى الوطء إلاّ في قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٣٠]. - تُنكح المرأة لأربع: الفعل مبني للمجهول، والمرأة نائب فاعل مرفوع. - لأربع: أي: يرغب في نكاحها لأربع خصال. - حسَبها: بفتح الحاء والسين المهملتين، العز والشرف للمرأة، أو لأهلها وأقاربها، و((لمالها)) تكون بدلاً من ((أربع))، بإعادة العامل، وقد جاءت اللام (١) البخاري (٥٠٩٠)، مسلم (١٤٦٦)، أبوداود (٢٠٤٧)، النسائي (٦٨/٦)، ابن ماجه. (١٨٥٨)، أحمد (٤٢٨/٢)، ولم يروه الترمذي. ٢٣٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام مكررة في الخصال الأربع في رواية مسلم، وليس في صحيح البخاري اللام في ((جمالها))، وتكريرها مؤذِن بأنَّ كل واحدةٍ منهنَّ مستقلة في الغرض. - فاظفر بذات الدِّين: جزاء شرط محذوف، أي: إذا تحقق ما فصلت لك تفصيلاً بيًِّا، فاظفر بذات الدين، ومعنى الظفر: تمكّنْ من ذات الدين، وفز بالحصول عليها، واغلب غيرَك بالسبق إليها . - تَرِبَتْ يَداك: أي التصقت يداك بالتراب من الفقر، وهذه الكلمة خارجة مخرج ما يعتاده الناس في المخاطبات، لا أنَّه وَّ قصد بها الدعاء. قال في المصباح: قوله: (تربت يداك)) كلمة جاءت في كلام العرب على صورة الدعاء، ولا يراد بها الدعاء، بل يراد بها الحث والتحريض. كما يقصد بها أيضًا المعاتبة والإنكار، والتعجب وتعظيم الأمر، والمراد بها هنا : الحث . * ما يؤخذ من الحديث: ١ - يخبر النبي ◌َّ أنَّ الذي يدعو الرِّجال إلى اختيار المرأة زوجةً هو أحد أربعة أمور: ( أ ) فبعض الرجال يريد في المرأة الحَسَب، والشرف الباقي لها، ولآبائها، فالحسب هو الأفعال الجميلة للرجل ولآبائه. (ب) وبعض الرجال يرغب في المال والثراء، فنظرته مادِّيةٌ بحتة . (ج) وبعض الرجال يطلب الجمال، ويهيم في الحسن الظاهري، ولا ينظر إلى ما سواه . (د) وبعض الرجال يبحث عن الدين والتقى، فهو مقصده ومراده، وهذه الصفة الأخيرة هي التي حثَّ عليها النبي ◌ِّر بقوله: ((فاظفر بذات الدِّين تربت يداك)) كلمة يؤتى بها للحث على الشيء، والأخذ به، وعدم التفريط فيه، واللائق بذوي المروءة، وأرباب الصلاح، أن يكون الدِّين هو مطمح ٢٣٥ كتاب النكاح نظرهم فيما يأتون ويذرون، لا سيّما فيما يدوم أمره، ويعظم خطره، فلذلك اختاره النبي ◌َّيِّ بآكد وجهٍ وأبلغه، فأمر بالظفر الذي هو غاية البغية ومنتهى الاختيار. ٢ - وفي الحديث ما يدل على استحباب صحبة الأخيار، ومجالستهم، للاقتباس من فضلهم، وحسن القدوة بهم، والتخلق بأخلاقهم، والتأدب بآدابهم، والابتعاد عن الشر وأهله. قال تعالى حكاية عن موسى عليه السلام: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ [الكهف: ٦٦]، وقال تعالى: ﴿وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم 11 رُشْدًا بِالْغَدَوَةِ وَالْعَشِ يُرِيدُونَ وَجْهَةٌ، وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ [الكهف: ٢٨]. وجاء في الصحيحين من حديث أبي موسى أنَّ النَّبيَّ نَّ قال: ((إنما مَثَلَ الجليس الصالح، وجليس السوء، كحامل المسك، ونافخ الكير، فحامل المسك: إمّا أن يحذِيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه رائحةً طيبة، ونافخ الكير: إما أن يُحرِق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحا منتنة)). والنصوص في هذا المعنى كثيرة وظاهرة. ٣- قال النووي: معناه أنَّ الناس يقصدون في العادة من المرأة هذه الخصال الأربع، فاحرص أنتَ على ذات الدِّين، واظفر بها، واحرص على صحبتها . ٤- قال الرافعي في الأماني: يرغب في النكاح لفوائد دينية ودنيوية، ومن الدواعي القوية إليه الجمال، وقد نهى عن تزوج المرأة الحسناء، وليس المراد النَّهي عن رعاية الجمال على الإطلاق، ألا ترى أنَّه قد أمر بنظر المخطوبة، ولكن النَّهي محمولٌ على ما إذا كان القصد مجرَّد الحسن، واكتفى به عن سائر الخصال. ٥- ومن الدواعي الغالبة المال، وهو غادٍ ورائحٌ، فلا يوثق بدوام الألفة، لا سيَّما إذا قلَّ، وقد قيل: عظّمك عند استغلالك، واستقلَّك عند إقلالك. ٢٣٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٦ - وأما إذا كان الداعي الدين، فهو الحبل المتين، الذي لا ينفصم، فكان عقْده أدوم، وعاقبته أحمد . ٧- جاء في معنى الحديث ما أخرجه ابن ماجه والبزار والبيهقي من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص أنَّ النَّبِيَّ وَّه قال: ((لا تنكحوا النساء لحسنهنَّ، فلعله يرديهن، ولا لمالهنَّ فلعلَّه يطغيهن، وانكحوهن الدِّين، ولأمةٌ سوداء خرقاء ذات دين أفضل)) . قال ابن كثير: فيه الإفريقي ضعيف، ولكن قال الشيخ أحمد شاكر: إسناده صحيح، والإفريقي الذي في إسناده ثقة، وقد أخطأ من ضعَّفه. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنُ خَيْرٌ مِّنِ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُواْ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهٌِ وَيُبَيْنُ ءَايَتِهِ، لِلنَّاسِ [البقرة: ٢٢١]. ٢٢١) لَعَلَّهُمْ يَتَذَّكَّرُونَ فههذه المقارنة يقصد بها فضل صاحب الدين والخلق. ٨- في الحديث أنَّ الإنسان لا ينبغي له أن يكون الناس هم قدوته، ولا أن تكون أعمالهم هي المرغوبة عنده، فالنبي ◌َّ ذكر في هذا الحديث أنَّ ثلاثة أصناف من الناس مخطئون في اختيارهم لصفات الزوجة، وأنَّ صنفًا واحدًا هو المصيب. ٩- وفيه أنه ينبغي للإنسان أن ينظر في أموره لمستَقْبلها، وألاَّ تكون النظرة : الحاضرة العاجلة هي هدفه، فإنَّ الزوجة الصالحة في دينها هي التي تحفظه في نفسها، وتحفظه في بيته، وتحفظه في ماله، وهي القرين الصالح الأمين. ١٠ - فيه أنَّ الرجل لا يحرم عليه إذا كان من رغبته في الزوجة الحسب والجمال والمال مع الدين، وإنما يعاب عليه إن أهمل أهم صفات الزوجة، وهي الدین. ٢٣٧ كتاب النكاح ١١- النبي ◌َّ﴾ أخبر بما يفعله النَّاس في العادة، فإنَّهم يقصدون هذه الخصال الأربع، ويؤخرون ((ذات الدين)) فأمر ◌َّ أن يقدَّم ما يؤخرون فقال: فاظفر أنت أيُّها المسترشد بذات الدين، وفُزْ بها. روي أنَّ رجلاً جاء إلى الحسن البصري، وقال له: إنَّ لي بنتًا أحبها، وقد خطبها الكثير، فمن تشير عليَّ أن أزوجها له؟ قال: زوِّجها رجلاً يخاف الله، فإنَّه إن أحبَّها أكرمها، وإن أبغضها لم يظلمها . ١٢ - في الحديث أنَّ الإتيان بالكلمات التي ظاهرها الدعاء، أو مدلولها الذم والتقبيح، مما هو جارٍ على ألسنة العرب، أو على ألسنة الناس، أنه لا إثم على قائلها إذا لم يقصد حقيقتها، وإنما ساقها كما يسوقها الناس مثل: ((تربت يداك))، و((ثكلتك أمك))، ومثل: ((ويل أمه مِسعر حرب)) ونحو ذلك. ٢٣٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٨٤٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ وَلِ كَان إذا رِقَّأْ إِنْسَانًا إذَا تَزوَّجَ قَالَ: «بَارَكَ اللهُ لَكَ، وَبَارَكَ عَلَيْكَ، وَجَمَعَ بَيْنَكُمَا فِي خَيْرِ)) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ، وصَحَحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ(١). ** درجة الحديث: الحديث حسن . قال الترمذي: حديث حسن صحيح. رواه أحمد، وابن أبي شيبة، والنسائي، وابن ماجه، والدارمي، والبيهقي، ورجاله ثقات، وقد روي من طریقین : إحداهما: عن الحسن البصري عن عقيل بن أبي طالب بالعنعنة، فليس فيه تصريح بالسماع، فهو في حكم المنقطع . الثانية: رواه الإمام أحمد عن عقيل من طريق أخرى، فالحديث قوي باجتماع هذين الطريقين، وقد صحَّحه الترمذي، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، ووافقه الذَّهبي، وابن دقيق العيد. ** مفردات الحديث: - رَفَّأْ إنسانًا: بفتح الراء، وتشديد الفاء، يجوز فيه الهمز، وعدمه. الرفاء: الموافقة، وحسن العشرة، وهو من رَفَأْ الثوب، أي أصلحه. والمعنى : دعا له بالتوفيق، وحسن العشرة، وهنَّاء بزواجه. (١) أحمد (٣٨١/٢)، أبوداود (٢١٣٠)، الترمذي (١٠٩١)، النسائي في عمل اليوم والليلة (٢٥٩)، ابن ماجه (١٩٠٥). .---- ٢٣٩ كتاب النكاح - بارك: يقال: بارك الله لك، وفيك، وعليك: جعلك مباركًا، ووضع فيك البركة، والبركة : الخير والزيادة، حسيّة أو معنوية، والبركة أيضًا: ثبوت الخير الإلهي، وداومه في الشيء. * ما يؤخذ من الحديث: ١- عقد النكاح صفقة هامة جدًّا، هذا العقد بحتاج من أصحابه إلى النصح الخالص، والدعاء الصالح. وعاقبة هذا العقد مجهولة خطرة، فهي إما من أكبر السعادات، وإما من أخسر الصفقات. ٢- لذا كان وَلّ إذا دعا لإنسان قد تزوج دعا له بههذه الدعوات الطيبات الكريمات، أن تحل فيه بركة الله، وأن تنزل عليه، وأن يجمع الله بينه وبين زوجته في خیر . ٣- والخير كلمةٌ جامعةٌ لمعاني السعادة، من العشرة الحسنة، والرَّغد في العيش، وحصول الأولاد الصالحين . ٤- فيستحب لمن حضر عقد النكاح أن يدعو للمتزوج بهذا الدعاء، وهذا أفضل من دعاء الجاهلية: ((بالرفاء والبنين))، فإنَّه دعاء قاصر، قليل البركة، ولا يكفي ما تعارفه الناس الآن من قولهم للمتزوج أو الخاطب: ((مبروك))، ونحوه، فالأفضل أن يكون بهذه الصيغة النبوية الكريمة، فإنَّها جامعةٌ لمعاني الخير والسعادة. ٥- أما المتزوج فالسنة في حقِّه ما رواه أبوداود، والنسائي، وابن ماجه، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أنَّ النَّبيَّ وَّ قال: ((إذا أفاد أحدكم امرأة، فليأخذ بناصيتها، وليقل: اللهم إني أسألك خيرها، وخير ما جُبلت عليه، وأعوذ بك من شرِّها، وشرِّ ما جُبلت عليه)) ومعنى أفاد ، أي: استفاد. ٦ - استحباب دعاء المسلمين بعضهم لبعض، لا سيَّما عند المناسبات، أو عند ٢٤٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام الأزمات، وفائدة الدعاء أنَّه وسيلةٌ قويةٌ لحصول المطلوب، إذا توفَّرت شروطه، وانتفت موانعه. ٧- روى الإمام أحمد، وأبوداود، والنسائي، وغيرهم، من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أنَّ النَّبِيَّ نَّه قال: ((إذا دخلْت على أهلك فصلِّ ركعتين، ثم خُذ برأس أهلك، ثم قُل: اللَّهمَّ بارك في أهلي، وبارك لأهلي فيَّ، وارزقني منهم)) .