Indexed OCR Text
Pages 561-580
٥٦١
كتاب البيوع - باب الوكالة
٨٥٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((بَعَثَ رَسُولُ
اللهِ وَّهِ عُمَرَ عَلَى الصَّدَقَةِ)) الحَديثُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١) ..
٧٦٠ - وَعَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - ((أَنَّ النَّبِيَّ ◌َهَ نَحَرَ ثَلاَثًا
وَسِتِينَ، وَأَمَرَ عَلِيًّا - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنْ يَذْبَحَ البَاقِي)) الحَديثُ رَوَاهُ
مُسْلِمُ(٢).
* مفردات الحديث (٧٦٠):
- نحر: النحر طعن البعير في لبته بالسكين، وهو خاصٌّ بالإبل.
- ثلاثًا وستين: بدنة مما أهدي إلى البيت الحرام، وكانت مائة بدنة.
قال بعضهم: فيه إشارة إلى عمره الشريف.
- يذبح الباقي: أي ینحر باقي البدن، وهي سبع وثلاثون.
قال بعضهم: فيه إشارة إلى خلافته في تلك السنين .
(١) البخاري (١٤٦٨)، مسلم (٩٨٣).
(٢) مسلم (١٢١٨).
٥٦٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٧٦١ - وَعنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عنْهُ - في قِصَّةِ العَسِيفِ،
قَالَ النَّبِيِنَّهِ: ((اعْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَىْ امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا»
الحَديثَ مُتَّفَقٌ عَليْهِ(١) .
* مفردات الحديث:
- العسيف: عسف الطريقَ إذا سلكه على غير قصد، ومنه العسيف وهو الأجير؛
لأنَّه يعسف الطرقات مترددًا في الاشتغال، فالعسيف هنا هو الأجير، وزنًا
ومعنّی .
- اغدُ: فعل أمر، من غدى يغدو غُدُوًّا، من باب قعد، ذهب غُدوة، جمعها
غُدى، وهي ما بين صلاة الصبح وطلوع الشمس.
قال في المصباح: هذا أصله، ثم كثر حتى استعمل في الذهاب
والانطلاق. أي وقت كان.
- أُنَيس: بضم الهمزة، وفتح النون، وسكون الياء، آخره سين مهملة، تصغير
أنس.
وهو أنيس بن الضحاك الأسلمي، من قبيلة أسلم.
- فارجمها: رجمه يرجمه رجمًا، رماه بالحجارة حتى الموت.
قال في المحيط: هذا هو الأصل في معناه، وباقي المعاني متفرعة منه.
* ما يؤخذ من الأحاديث الثلاثة:
١ - الحديث رقم (٧٥٩) يدل على صحة الوكالة في قبض الصدقة ممن هي
عليه .
(١) البخاري (٦٨٥٩)، مسلم (١٦٩٧).
٥٦٣
كتاب البيوع - باب الوكالة
٢- فيه دليل على جواز دفعها إلى الجابي، إذا علموا صِدقه بالولاية على ذلك.
٣- فيه دليل على وجوب اختيار الأمناء في مثل هذه الولايات المالية الهامة،
فمن وكلائه وَحلو عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب.
٤- فيه دليلٌ على مشروعية بعث السعاة والجباة لقبض الزكاة، لأنَّ هذه شعيرةٌ
کبیرة، يستحب إظهارها.
٥- في الحديث رقم (٧٦٠) دليل على صحة التوكيل في ذبح أو نحر الهدايا
والأضاحي ، وتفريق لحومها، وجلودها، وجلالها على المساكين، كما
جاء في بقية الحديث.
٦ - هذه الأحاديث نماذج من الأعمال التي تدخلها النيابة، فتصح فيها الوكالة،
وإلاّ فجزئياتها كثيرة وصورها متعددة، ولكن الذي يميز بين ما تصح الوكالة
فيه، وما لا تصح هذا الضابط، وهو أن يكون العمل مما لا يختص القيام به
صاحبه، بل تدخله النيابة، فإن كانت النيابة لا تدخله بل يختص بصاحبه،
كاليمين، واللعان والنذر، والقَسم بين الزوجات، ونحو ذلك، فلا يصح
التوكيل فيه، وأنَّ للإنسان أن يوكُّل في الأعمال التي يستطيع القيام بها
بنفسه .
٧- وفي الحديث رقم (٧٦١) دليل على جواز التوكيل في إثبات الحدود، وأخذ
إقرار المتّهمين.
٨- فيه دليل على أنَّ للإمام أن يوكل في إقامة الحدود، سواء كان قادرًا على
إقامتها بنفسه، أو غير قادر.
٩ - فيه دليل على أنَّ التوكيل من الموكل، والقبول من الموكَّل لا يتقيد بصيغة
خاصة، وإنما يثبت ذلك بما دلّ عليه من قول أو فعل؛ لأنَّه لم يذكر ذلك،
ولو كان لازمًا لذكر.
١٠- وفيه دليل على أنَّ الوكالة قد تكون في العبادات إذا كانت مما تدخله
٠
٥٦٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
النيابة، فإنَّ نحر الهدي، وتفريق لحمها عبادة وشعيرة.
١١ - وفيه دليل على أنَّ الاعتراف من أقوىُ الإثبات على ثبوت الحكم، فإنّه
رتب رجمها على اعترافها، وسيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى.
١٢ - وفيه دليل على استحباب الإكثار من الهدي إلى البيت الحرام، فإنَّ النبي
وَالر أهدى إليه مائة بدنة.
١٣- وفيه استحباب تولي المهدي والمضحي نحر هديه أو ذبحه بيده؛ لأنَّه
عبادة يتقرب بفعلها .
١٤ - وفيه حكمة النبي ◌َّله وسياسته الرشيدة، فإنَّ أَنيسًا من أقارب المرأة التي
أقيم عليها الحد، وكون من يتولى ذلك رجل من أهلها أسهل على أهلها
من أن يتولى ذلك إنسان ليس منهم.
١٥ - أنَّ الرجل أو المرأة إذا اعترف أحدهما دون الآخر، لا يسري اعترافه إلاَّ
على المعترف نفسه، فإنَّ النَّبِيَّ وَلِّ لم يكتف باعتراف الزاني على المرأة،
وإنما أقام عليها باعترافها بنفسها .
١٦ - وفيه أنَّ حد الزَّاني المحصَن الرجم بالحجارة حتى الموت.
١٧ - وفيه أنَّه لا يشترط حضور ولي الأمر إقامة الحدود، بل تنفذ، ولو بغیبته،
إذا أُمن الحَيْف.
١٨- وفيه وجوب إقامة الحدود، وأنَّ إقامتها منوطة بولي أمر المسلمين أو
نائبه .
٥٦٥
كتاب البيوع - باب الإقرار
باب الإقرار
مقدمة
الإقرار: يقال قرَّ الشيء في مكانه قرارًا: ثبت وسكن.
وشرعًا: إظهار مكلف مختار ما عليه، أو على موكله، أو موليه، أو
مورثه، باللفظ ، أو الكتابة، بما یمکن صدقه.
وحجية الإقرار ثابتةٌ بالكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿ وَلْيُمْلِلِ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
وأما السنة: فما في البخاري (٦٨٥٩) ومسلم (١٦٩٧) قوله وَلقى: ((واغد يا أنيس
إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها)).
وأما الإجماع: فإنَّ المسلمين أجمعوا على أنَّ الإقرار حجةٌ شرعيةٌ على المِقِر.
وأما القياس: فلأنَّ العاقل لا يقر على نفسه بشيء ضار بنفسه أو ماله، إلاّ إذا
کان صادقًا فيه.
* الإقرار حجة قاصرة:
الإقرار حجة قاصرة على نفس المقر، لا يتعداه إلى غيره، وذلك لأنَّ
المقر لا ولاية له إلاَّ على نفسه، فيسري كلامه عليه دون غيره.
والإقرار إخبار عما في نفس الأمر، لا إنشاء، ولا عذر لمن أقر، فمن أقرَّ
بحق ثم ادَّعى الإكراه لم يقبل منه إلاَّ ببينة، إلاَّ أن تكون هناك دلالة على الإكراه
كقَيد، وحبس، وترسيم عليه، ويكون قرينة على صدقه، والقول قول بيمينه،
لكن إن كان هناك قرائن تدل على قوة التهمة بحقه، فلا ينبغي أن تهمل تلك
القرائن، لا سيَّما إذا تضافرت، وحينئذٍ يجوز أن يُمسَّ بشيءٍ من العذاب ليقر.
٥٦٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٧٦٢ - وَعَنْ أَبِي ذَرِّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ◌َّه :
(قُلِ الحَقَّ وَلَوْ كَانَ مُرَّا)) صَخَّحَهُ ابنُ حِبَّنَ، مِنْ حَديثٍ طَوِيلٍ(١).
درجة الحديث:
**
قال في التلخيص: روى أحمد، والطبراني، وابن حبان في صحيحه من
حديث عبدالله بن الصامت عن أبي ذر قال: ((أوصاني خليلي وَّ أن أقول الحق
وإن كان مزا)).
قال الهيثمي: رجال الطبراني رجال الصحيح، غير سلام وهو ثقة،
وقال: أحد إسنادي أحمد ثقات. وللحديث شاهد هو :
حديث علي بن أبي طالب: ((قولوا الحق ولو على أنفسكم)) قال في
التلخيص: رويناه في جزء من حديث أبي علي بن شاذان بسنده إلى علي
- رضي الله عنه -، وفيه ضعف وانقطاع، وقد جاء معنى هذا الحديث في عدد
من الآيات الكريمات.
* مفردات الحديث:
- ولو كان مُرًّا: منصوب؛ لأنَّه خبر ((كان)) المحذوف اسمها.
- المر: بضم الميم وتشديد الراء، ضد الحلو، وهو ما تدرك مرارته بحاسة
الذوق، وقد تجاوزوا به المحسوسات إلى المعنويات.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديث ساقه المنذري في الترغيب والترهيب كما يلي: قال أبوذر - رضي
الله عنه: ((أوصاني خليلي رسول الله وَلو أن أقول الحق ولو كان مرًا، وأن لا
(١) ابن حبان (٣٦١).
٥٦٧
كتاب البيوع - باب الإقرار
أخاف في الله لومة لائم، وأن أنظر إلى من هو أسفل مني، وألاّ أنظر إلى من
أعلى مني، وأن أحب المساكين، وأن أدنو منهم، وأن أصِلَ رَحمي وإن
قطعوني وجفوني، وألاَّ أسأل أحدًا شيئًا، وأن أستكثر من لا حول ولا قوّة إلاَّ
بالله، فإنَّها من كنوز الجنة)) .
فهذه وصايا نبوية كريمة، وكل فقرة منها لها أصل من الكتاب أو السنة،
فجمعت في هذا الحديث.
٢- الحديث فيه وجوب الإقرار بالحق، ولو لحق القائل المقر تبعات؛ لأنَّ في
ذلك إظهارًا للحق، وإبراءً للذمة.
وقول الحق هذا شاملٌ لما على المقر نفسه، وشامل أيضًا لما على غيره
من أداء الشهادة وإنكار المنكر.
٣- وفيه دلالة على قبول واعتبار قول القائل، وإقراره على نفسه في جميع
الحقوق، فلو لم یکن لإقراره اعتبار ما أكَّد علیه بالإقرار به.
٤ - وهذا عامٌّ لجميع ما يجب الإقرار به من دم، أو حدٍّ، أو مال، أو أي حقٍّ من
الحقوق، فهو إخبارٌ بما على النفس، ممّا يلزمها التخلص منه.
٥- ولكون الحق يصعب إجراؤه على النفس، وُصِف بالمرارة التي يُكره طعمها
ويصعب استساغتها .
٦ - الإقرار حجَّةٌ قويةٌ؛ لأنَّ العاقل لا يقر على نفسه بما يضره، إلاَّ صادقًا، فإنَّ
النَّبِيَّ ◌ََّ قَبِل من ماعز والغامدية إقرارهما بالزنا، وعاملهما بموجبه في إقامة
الحد عليهما، فلو لم يكن حجة لما أخذها به في الحد، الذي من أخص
صفاته أنَّه يُدرأ بالشبهات.
٧- الإقرار حجة قاصرة على نفس المقر دون غيره، فيقتصر إقراره عليه، ولا
يؤخذ به غيره، لما روى الطبراني (١٠٧٠١) عن ابن عباس: ((أنَّ رجلاً قال:
يا رسول الله! أَقِم عليَّ الحد، فقد أتيتُ أمرًا حرامًا، فقال ◌َّه: انطلقوا به
٥٦٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
فاجلدوه - ولم يكن تزوج - فقال رَّلو: من هي صاحبتك؟ قال: فلانة،
فدعاها فقالت: يا رسول الله! كذَّب عليَّ، والله إني لا أعرفه، فقال ◌َّ: من
شاهدك؟ فقال يا رسول الله! مالي شاهد، فأمر به فُجُلِدَ حدَّ الفرية ثمانين
جلدة)) .
٨- قال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: حديث ((لا عذر لمن أقرّ)» يروى ولا
أدري عن أصله، إلاَّ أنَّ معناه صحيح، وظاهره عند جميع العلماء اعتبار
ذلك الإقرار من المقر بالحق الذي أنشأه.
قلتُ: قال السخاوي في ((المقاصد الحسنة)) عن هذا الحديث: قال
شيخنا - يعني ابن حجر: ((لا أصل له، ولیس معناه علی إطلاقه صحیحًا)).
٩ - قالت ندوة رؤساء المحاكم: إذا أقرَّ المتَّهم حال الامتحان بالحبس والضرب
أو التهديد، إن وجد ما يصدق هذا الإقرار من وجود السرقة بعينها عنده، أو
دلَّ على مكانها، وكيفية أخذها من حرز مثلها، فإنه لم يُقبل منه بل يؤاخذ
بإقراره، أما إذا لم يظهر صدق ذلك الإقرار، وكان إقراره نتيجة تعذيب
وإكراه، فإنَّه لا يعتبر مثل هذا الإقرار.
١٠ - قال شيخ الإسلام: الحقوق قسمان :
- حقوق الله .
- حقوق الآدمیین.
فأما حقوق الله، فإنَّ من شروط إقامتها البقاء على إقراره إلى تمام
الحد، فإن رجع عن إقرارہ کفَّ عنه.
وبهذا قال الأئمة الأربعة، والثوري، وإسحاق.
وأما حقوق الآدميين، فهي مبنيّةٌ على المشاحة، فإذا أقرَّ المكلف
مختارًا، فلا يُقْبل رجوعه، ولا ادعاؤه غلطًا، أو نسيانًا بعد الإقرار، الذي
يعتبر من أقوى الإثبات؛ ولهذا تلزم غرامة المسروق من أقرَّ ولو مرَّة
٥٦٩
كتاب البيوع - باب الإقرار
واحدة .
١١- قال الشيخ تقي الدين: وأما ضرب المتَّهم إذا عرف أنَّ المال عنده، وقد
كتمه ليقر بمكانه، فهذا لا ريب فيه، كما يضرب ليؤدي ما عليه من المال
الذي يقدر على وفائه، كما جاء في الصحيح من قصة عم حيي بن أخطب
الذي عُذِّب حتى أخرج المال المخفي.
١٢ - قوله: ((قل الحق ولو كان مُرًّا)) أنَّ الله تعالى بكرمه ورحمته لا يؤاخذ على
ما تهواه النفوس، ولو كان أمرًا مخالفًا للحق والعدل، ما دام أنَّه مضمر
ذلك في نفسه، لم يتابع هواه وشهوته، وإنما عصى نفسه وألزمها الحق،
بل إنَّه بهذه المجاهدة مأجور مثاب.
٥٧٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
باب العارية
مقدمة
العارية: بتشديد الياء على المشهور، ويجوز تخفيفها.
جمعها: عواري بالتشديد والتخفيف، يقال عاره الشيء، وأعاره إيّاه.
سميت عارية: من العُري، وهو التجرد؛ لتجردها من العِوض.
وشرعًا: هي إباحة نفْع عين تبقى بعد استيفائها، ليردها على مالكها.
وتنعقد بكل لفظ أو فعل يدل عليها، وهي مشروعةٌ بالكتاب، والسنة،
والإجماع.
[الماعون: ٧].
قال تعالى: ﴿ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ
وتدخل في قوله تعالى: ﴿عَلَى الْبِّ وَالنَّقْوَىَّ وَلَا﴾ [المائدة: ٢].
واستعار ◌َّه من صفوان بن أمية أدراعًا، [رواه أبوداود (٣٥٦٢)].
قال الوزير وغيره: ((اتَّفقوا على أنَّها جائزة، وقُربة مندوب إليها، وأنَّ
للمعیر ثوابًا .
قال الموفق: ((الإعارة مستحبٌ بإجماع المسلمين)).
وقال الشيخ تقي الدين: ((تجب مع غنى المالك للّآية، وهو قولٌ لأحمد)).
﴾ [الماعون]
٧
قال الشيخ عبدالرحمن السعدي في تفسيره ﴿ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ!
أي يمنعون إعطاء الشيء الذي لا يضر إعطاؤه على وجه العارية، كالإناء والفأس،
ونحو ذلك مما جرت العادة ببذله والسماح به، ففيه الحث على فعل المعروف،
وبذل الأموال الخفيفة؛ لأنَّ الله لام من لم يفعل ذلك، والله سبحانه أعلم.
٥٧١
كتاب البيوع - باب العارية
٧٦٣ - عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((عَلىَ اليَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيهِ)) رَوَاهُ أَحْمَدُ
والأَرْبَعةُ، وَصَخَّحَهُ الحَاكِمُ(١).
درجة الحديث:
الحديث معلول؛ لعنعنة فيما بين الحسن، وسمرة.
قال في ((التلخيص)): رواه أحمد، والنسائي، وابن ماجه، والحاكم من
حديث الحسن عن سمرة، والحسن مختلف في سماعه من سمرة.
قال الترمذي: ((حدیث حسنٌ صحیح)).
وقال الحاكم: ((صحيح الإسناد على شرط البخاري)) ذلك إذا صرَّح
بالتحديث من سمرة، أما وهو لم يصرح به بل عنعنه فليس الحديث إذًا بصحيح
الإسناد، وبهذا أعلَّه الحافظ في ((التلخيص)).
* مفردات الحديث:
- على اليد: اسم للجارحة، ولكن المراد منها هنا: أن تكون يدًا حقيقة، أو يدًا
معنوية، كالاستيلاء على حق الغير بغير حق.
- ما أخذَت: ((ما)) موصولة مبتدأ، و ((على اليد)) خبره، والضمير الراجع
محذوف، أي ما أخذته اليد ضمان على صاحبها، وأسند إلى اليد؛ لأنَّها هي
المتصرفة .
أحمد (٨/٥)، أبوداود (٣٥٦١)، الترمذي (١٢٦٦)، النسائي في الكبرى (٤١١/٣)، ابن
ماجه (٢٤٠٠)، الحاكم (٤٧/٢).
٥٧٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٧٦٤ - وَعنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ الله عنه - قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ
وَلَّه: «أَدِّ الأَمَانَةَ إِلى مَنِ اثْمَنَكَ، ولاَ تَخُنْ مَن خَانَكَ)) رَوَاهُ أَبُودَاوُدَ
والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وصَخَّحَهُ الحَاكِمُ، وَاسْتَنْكَرَهُ أَبُو حَاتِمِ الرَّازِيُّ،
وَأَخْرَجَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الحُفَّاظِ، وَهُوَ شَامِلٌ لِلعَارِيَّةَ(١).
* درجة الحديث:
الحدیث حسن.
قال في التلخيص: رواه أبوداود، والترمذي، والحاكم من حديث أبي
هريرة، وتفرَّد به طلق بن غنام عن شريك، واستشهد له الحاكم بحديث أبي
التياح عن أنس، وللكن فيه أيوب بن سويد مختلف فيه.
قال الشافعي: هذا الحديث ليس ثابتًا، وقال ابن الجوزي: لا يصح من
جميع طرقه، ونقل عن الإمام أحمد أنَّه قال: هذا حديثٌ باطل، لا أعرفه من
وجهٍ یصح.
أما الشيخ ناصر الدين الألباني فقال: الحديث صحيح، فقد روي عن
جماعة من الصحابة منهم أبوهريرة وأنس ورجل سمع النبي وَله .
وجملة القول: إنَّ الحديث بمجموع طرقه ثابت، وما نقل عن بعض
المتقدمین من أنَّه ليس بثابت فذلك باعتبار ما وقع له من طريق، لا بمجموع ما
وصل منها إلينا، والله أعلم.
* مفردات الحديث:
- أدّ الأمانة: أعط الأمانة.
(١) أبوداود (٣٥٣٥)، الترمذي (١٢٦٤).
٥٧٣
كتاب البيوع - باب العارية
الأمانة لغةً: الوفاء.
وشرعًا: كل عين للغير في يد الشخص باختيار صاحبها .
- لا تخُنْ: ((لا)) ناهية، والفعل بعدها مجزوم، والخيانة: عدم الوفاء بالأمانة،
بأن لم يؤدها، أو لم يؤد بعضها، وتقدم معناها قريبًا .
٥٧٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٧٦٥ - وَعَنْ يَعْلِىُ بِنِ أُميَّةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ لِي رَسُولُ
اللهِ وَ: ((إِذَا أَتَتْكَ رُسُلِي فَأَعْطِهِمْ ثَلاَئِينَ دِرْعًا، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ!
أَعَارِيَةٌ مُضْمُونَةٌ أَوْ عَارِيَةٌ مُؤَدَّةٌ؟ قَالَ: بَلْ عَارِيَةٌ مُؤَذَّاةٌ)) رَوَاهُ أَحْمَدُ
وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَصَخَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ(١).
* درجة الحديث:
الحدیث صحیح بمجموع طرقه.
قال في التلخيص : رواه أبوداود من حديث صفوان بن أمية .
وأخرجه أحمد، والنسائي، والحاكم، وأورد له شاهدًا من حديث ابن
عباس ولفظه: ((بل عارية مؤداة)) ورواه البيهقي من حدیث جعفر بن محمد، عن
أمية بن صفوان مرسلاً، ورواه الحاکم من حديث جابر.
وأعلَّه ابن حزم وابن القطان، زاد ابن حزم: إنَّ أحسن ما فيها حديث
يعلى بن أمية، يعني الذي رواه أبوداود.
وفي الباب عن ابن عمر عند البزار، وهو ضعيف، وعن أنس عند
الطبراني، وهو ضعيف.
قلتُ: وقد لخّص الألباني طرق هذا الحديث ورتَّبها فقال: فالحديث
مضطرب الإسناد؛ للکن له شاهدان.
الأول: عن جابر بن عبدالله أخرجه الحاكم، وقال صحيح الإسناد ووافقه
الذَّهبي.
الثاني: عن ابن عباس، قال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذَّهبي.
(١) أحمد (٢٢٢/٤)، أبوداود (٣٥٦٦)، النسائي في الكبرى (٤٠٩/٣)، ابن حبان (١١٧٣).
٥٧٥
كتاب البيوع - باب العارية
قلتُ: كلا فإن فيه إسحاق بن عبدالواحد القرشي، قال أبوعلي الحافظ :
متروك الحديث، وقال الذّهبي : بل واهٍ متروك.
الثالث: رواية جعفر بن محمَّد عن أبيه أخرجه البيهقي.
وبالجملة فالحديث صحيح بمجموع هذه الطرق الثلاث.
* مفردات الحديث:
- دِرِعًا: بكسر الدال وسكون الراء آخره عين، هو قميصٌ من حلقات من الحديد
متشابكة، يلبس للوقاية من السلاح.
- مضمونة: ضمن يضمن ضمنًا وضمانًا كفل، فهو ضامن وضمين، فالضمان
الكفالة، أو هو أعم منها، هكذا قال اللغويون !!
أما الفقهاء فقالوا: الضمان: التزام من يصح تبرعه ما وجب على غيره من
مال، مع بقائه في ذمَّة الغير.
أما الكفالة: التزام رشيد إحضار من عليه حق مالي لغريمه.
ومعنى مضمونة : تضمن إن تلفت بقيمتها .
- العارية المؤداة: بالهمزة من أدى دينه إذا قضاه، والاسم الأداء، وهو أداء
الأمانة منك إذا طلبها صاحبها، فهي التي يجب أداؤها مع بقاء عينها، فهي
الأمانة المردودة نفسها، فإن تلفت لم تضمن بالقيمة .
- العارية: بتشديد الياء وتخفيفها تجمع على عواري، اختلف في اشتقاقها
وأحسنها أنَّها مأخوذةٌ من العري، وهو التجرد؛ لتجردها من العوض.
٥٧٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٧٦٦ - وَعَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - ((أَنَّ النَّبِيَّ ◌َلُ
اسْتَعَارَ مِنْهُ دُرُوعًا يَوْمَ حُنَيْنٍ، فَقَالَ: أَغَصْبٌ يَا مُحَمَّدُ؟ قَالَ: بَلْ
عَارِيَةٌ مَضْمُونَةٌ)) رَوَاهُ أَبُودَاوُدَ وَأَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ، وَصَخَّحَهُ الحَاكِمُ(١)
وَأَخْرَجَ لَهُ شَاهِدًا ضَعِيفًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (٢).
* درجة الحديث:
الحدیث حسن.
وتقدم الكلام عليه في الحديث الذي قبله، فقد نقلنا كلام الحافظ عنه من
التلخيص في أول بحث الحديث الأول، وقد صحَّحه الحاكم، ووافقه الذّهبي،
وللحديث شواهد.
قال البيهقي: وإن كان بعضها مرسلاً فإنَّه يقوى بشواهده.
ما يؤخذ من الأحاديث:
١ - هذه الأحاديث من الأصول التي جاءت في بيان أصل حكم العارية، وأنَّها
إباحة منافع العین مع بقائها، بلا عوض.
٢ - أنَّ العارية مشروعة، فهي إما مستحبة كما هو قول الجمهور، أو واجبة كما
هو قول بعضهم، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية الذي يوجبها على الغني.
[الماعون].
قال تعالى عن مانعي الماعون: ﴿ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ
وهو يشمل كل ما جرت العادة بإعارته من الأواني ونحوها.
٣- وجوب أداء جميع الأمانات على أصحابها، ومنها العارية؛ لقوله تعالى:
(١) أحمد (٤٠١/٣)، أبوداود (٣٥٦٢)، السنائي في الكبرى (٤١٠/٣).
(٢) الحاكم (٤٧/٢).
٥٧٧
كتاب البيوع - باب العارية
﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّواْ الْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨].
ولقوله ◌َيهِ: ((على اليد ما أخذت حتى تؤديه)) [رَواهُ أَبُودَاوُدَ (٣٥٦١)].
٤- الأمانة هي كل عين بيدك برضا صاحبها، فهي أمانة سواء كانت عارية، أو
عينًا مؤجرة، أو ودیعة، أو عينًا، في يد وکیل عليها، أو غير ذلك.
ولها أحكام مفصّلةٌ ستأتي إن شاء الله تعالى في باب الوديعة .
٥- وجوب ضمان العارية إذا تلفت بتعدٍّ أو تفريط، بإجماع العلماء.
٦ - إذا تلف بعض أجزائها فيما استعيرت له، فلا ضمان بالإجماع.
٧- التعدي: هو فعل ما لا يجوز، والتفريط: ترك ما يجب من الحفظ.
٨- أما إذا تلف بدون تعدٍّ ولا تفريط، وبغير ما استعيرت له، ففيها خلاف،
سنذكره قریبًا إن شاء اللهتعالى.
٩ - وجوب حفظ الأمانة، ومنها العارية، وعدم التعدي والتفريط فيها .
وهذا مأخوذ من الحديث رقم (٧٦٤)، كما أنَّه مأخوذ من قوله تعالی:
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ الْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨].
والدليل من الآية: أنَّ الأداء لا يمكن إلاَّ بحفظها، فهو من لازمه.
١٠ - تحريم الخيانة فيها، وإن كان صاحبها قد خان مَن عنده الأمانة، ومنهم
المستعير، لقوله: (ولا تخن من خانك)) وهناك مسألةٌ تسمى ((مسألة الظفر))
سيأتي الخلاف فيها إن شاء الله .
١١ - جواز عارية السلاح ما لم يكن إعارته لكفارٍ يتقوون به على المسلمين، أو
بغاة، وقطاع طريق، يستعينون به على إخافة المسلمين وترويعهم، وكذلك
لا يجوز بيعه، أو إعارته زمن فتنة بين المسلمين.
١٢- العارية مضمونة مطلقًا عند بعض العلماء، وغير مضمونة إلاَّ بالتعدي
والتفريط عند آخرين، وسيأتي تحقيق الخلاف إن شاء الله تعالى.
١٣ - الحديث رقم (٧٦٥) ذكر العارية المضمونة، والعارية المؤداة.
٥٧٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
والفرق بينهما أنَّ المضمونة هي التي تضمن إن تلفت، وأما المؤداة
فهي التي لا يجب أداؤها، إلاَّ مع بقاء عينها، فإن تلفت لم تضمن بالقيمة،
وسیأتي خلافها إن شاء الله تعالى.
١٤ - استعار النبي وَل من صفوان بن أمية أدرعة وهو كافر، وهذا لا يعارض
الحديث الآخر: ((ارجع فلن أستعين بمشرك)).
لأنَّ المنهي عنه هو الاستعانة بذواتهم التي يخشى منها الخيانة، لا سيّما في
مأزق الحرب.
أمَّا المعاملات المالية: من بيع، وشراءٍ، وإجارةٍ، واستعارةٍ، فلا تدخل
فيها .
١٥ - عدل النَّبِيِ وَّهِ وصفْحه وحِلمه، وإلاَّ فصفوان لا يزال حين استعار الأدراع
منه على الشرك، وهو ممَّن استولى عليه عنوة، ومع هذا عفَّ عن
الاستيلاء على أدراعه، وأخبره أنَّها عارية مضمونة إن تلفت، ولذا فإنَّه لما
ضاع بعضها أراد النبي ◌َ ﴾ أن يضمنها لصفوان، ولكن صفوان قد أسلم
فتركها برضاه.
١٦ - فقهاء الحنابلة يجعلون مؤنة الدابة المعارة على المالك، للكن قال شيخ
الإسلام: قياس المذهب أنَّها تجب على المستعير، قلتُ: ووجه القياس
وجوب أداء العارية، ولا يمكن أداؤها إلاَّ بمؤنتها.
قال الشيخ عبدالرحمن السعدي: الصواب أنَّ مؤنة الدابة المستعارة
على من استعارها، وهذا هو العرف الجاري.
١٧ - جواز التوكيل في الاستعارة، وقبضها من المعير.
١٨ - حسن أدب الإسلام، وأنَّه دين السلام والوئام، فإنه يمنع من الخيانة حتى
مع من خان، فلم يبح مقابلته بمثل عمله من الخيانة، وإنما يدعو الإسلام
إلى الصبر والمسالمة، فالإسلام يبيح للمظلوم أن يقتص بقدر حقه؛ لأنَّه
٥٧٩
كتاب البيوع - باب العارية
عدلٌ، فيقول: ﴿ وَجَزَّوْاْ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠].
وللكنه يدعو المظلوم إلى أفضل من القصاص، فيقول تعالى: ﴿فَمَنْ
عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُؤُ عَلَى اللهِ﴾ [الشورى: ٤٠].
وقال: ﴿ وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ !
[الشورى] .
٤٣
١٩ - قال الشيخ محمَّد بن عبدالوهاب: في مسألة الظفر.
- إن كان سبب الحق ظاهرًا لا يحتاج لبينة، كالنكاح، والقرابة، وحق
الضيف جاز الأخذ بالمعروف، كما أذن لهند زوجة أبي سفيان.
- وإن كان سبب الحق خفيًّا، وينسب الآخذ إلى خيانة أمانته، لم يكن له
الأخذ، لئلا يعرض نفسه للتهمة والخيانة، ولعلَّ هذا القول أرجح الأقوال
وبه تجتمع الأدلة .
قال ابن القيم: وهذا القول أصح الأقوال، وأسدها، وأوفقها
للشريعة، وبه تجتمع الأحاديث.
أما شارح البلوغ فذكر تعليلاً آخر، فقال: مسألة الظفر الأقوال فيها كما
يلي:
أحدها: أنَّ من له حق، فليس له الأخذ من حق من عنده له الحق، إذا
ظفر بماله، سواء كان من جنس ما عليه، أو من غير جنسه، وهو مذهب
الشافعي؛ لقوله {آل﴾: (ولا تخن من خانك)).
الثاني: يجوز له الأخذ، إذا كان من جنسه، لا من غيره؛ لظاهر قوله
تعالى: ﴿فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَاعُوقِبْتُمبِهٌِ﴾ [النحل: ١٢٦].
وقوله: ﴿وَجَزَّؤُاْ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠].
الثالث: لا يجوز ذلك إلاَّ بحكم حاكم؛ لظاهر النَّھي.
الرابع: يجب عليه أن يأخذ بقدر حقه، سواء كان من نوع ما هو له، أو
من غيره، ويبيعه ويستوفي حقه، فإن فضل ما هو له رده؛ لقوله تعالى:
٥٨٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
وَالْخُرُمَثُ قِصَاصُ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وقوله: ﴿فَمَنِ اُعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَأَعْتَدُواْ عَلَيْهِ
بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤].
وقال عليه الصلاة والسلام لهند: ((خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف))
[رواه البخاري].
وقوله ◌َله: ((انصر أخاك ظالما أو مظلومًا» [رواه البخاري]، فهو يريد
أن یبرئه، فهو مأجور.
* اختلاف العلماء:
اختلف العلماء في ضمان العارية إذا تلفت عند المستعير إلى ثلاثة
أقوال:
أحدها: أنَّ المستعير يضمنها على كل حال، سواء شرط عليه الضمان، أو لم
يشترط عليه .
هذا هو المشهور عند أحمد والشافعي.
قال في ((الإنصاف)): هذا المذهب بلا ريب، وعليه جماهير الأصحاب؛
لقوله ◌َّ: ((على اليد ما أخذت حتى تؤديه)) [رواه أبوداود (٣٥٦١)].
الثاني: أنَّها لا تُضمن بحالٍ كسائر الأمانات، وهو المشهور عند مالك.
الثالث: لا تضمن إلاَّ إذا شرط ضمانها، اختاره جماعةٌ من أصحاب
الإمام أحمد، منهم العكبري، وصاحب الفائق، وذُكِر للإمام أحمد ذلك،
فقال: ((المسلمون على شروطهم)) [رواه الترمذي (١٣٥٢)].
الرابع: أنَّها لا تضمن إلاَّ بالتَّعدي أو التفريط فيها، كسائر الأمانات.
وهذا مذهب أبي حنيفة، والأوزاعي، والثوري، وهو قول الحسن،
والنَّخعي، والشَّعبي، وعمر بن عبدالعزيز، واختاره شيخ الإسلام، وابن القيم،
وشيخنا عبدالرحمن السعدي.
روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنَّ النَّبِيَّ وَّ قال: ((ليس على