Indexed OCR Text
Pages 221-240
٢٢١ كتاب البيوع - باب شروطه وما نهي عنه أطيب المكاسب لما يشتمل عليه من كونه عمل اليد، ولما فيه من التوكل، ولما فيه من النفع العام للآدمي والدواب والطير. وقال الحافظ ابن حجر: أفضل المكاسب من أموال الكفار بالجهاد، فهو مكسب النبي ◌َيقر، ولما فيه من إعلاء كلمة الله تعالى. وقال الشيخ عبدالرحمن السعدي: اختلف العلماء أي المكاسب الدنيوية أولى، فمنهم من فضَّل الزراعة، ومنهم من فضَّل التجارة، ومنهم من فضَّل العمل باليد من الصنائع والحرف. وأحسن ما يقال في هذا الباب: أنَّ الأفضل لكل أحد ما يناسب حاله، ولا بدَّ في جميع المكاسب من النصح وعدم الغش، والقيام بالواجب من جميع الوجوه. قال ابن مفلح في ((الأداب الشرعية)) ما خلاصته يسن التكسب حتى مع الكفاية، كما يباح كسب الحلال لزيادة المال والجاه، والترفه، والتنعم، والتوسعة على العيال، مع سلامة الدين، والعرض، والمروءة، وبراءة الذمة. ويجب ذلك على من لا قوت له، ولمن تلزمه نفقته، ويقدم الكسب لعياله لقوله وقال: ((كفى بالمرء إثمًا أن يحبس عمن يملك قوته)) [رواه مسلم (٩٩٦)]. قال القاضي: الكسب الذي لا يقصد به التكاثر، وإنما يقصد به التوسل إلى طاعة الله، من صلة الإخوان، أو التعفف عن وجوه الناس، فهو أفضل لما فيه من منفعة غيره ومنفعة نفسه، وهو أفضل من التفرغ النوافل العبادات، لما فيه من منافع الناس، وخيرُ الناس أنفعهم للناس. * فائدة: قال الخطابي: كل ما شككت فيه فالورع اجتنابه؛ لحديث: ((دع ما يريبك ٢٢٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام إلى ما لا يريبك)) [رواه أحمد (١٦٣٠)]. وقال الغزالي: ورع الصديقين: ترك ما يتناول لغير نية القوة على العبادة. وورع المتقين: ترك ما لا شبهة فيه خشية أن يجرّ إلى الحرام. وورع الصالحين: ترك ما يتطرق إليه احتمال التحريم، بشرط أن يكون لذلك الاحتمال موقع، فإن لم یکن له موقع فهو ورع الموسوسین. قال ابن تيمية: الفرق بين الزهد والورع، أنَّ الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة، والورع ترك ما يخاف ضرره في الآخرة. قال ابن القيم: إنَّ هذه العبارة من أحسن ما قيل في الزهد والورع وأجمعها . وقال ابن القيم أيضًا: التحقيق أنَّ النعم إن شغلته عن الله، فالزهد فيها أفضل، وإن لم تشغله عن ذكر الله بل كان شاكرًا فيها، فحاله أفضل، والزهد فيها تجريد القلب عن التعلق بها، والطمأنينة إليها. * قرار المجمع الفقهي بشأن حكم الحقوق المعنوية: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمَّد خاتم النبیین، وعلى آله وصحبه إنَّ مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الخامس بالكويت، من ١ إلى ٦ جمادى الأولى ١٤٠٩ هـ، ١٠ إلى ١٥ كانون الأول ديسمبر ١٩٨٨ م، بعد اطلاعه على البحوث المقدمة من الأعضاء والخبراء، في موضوع الحقوق المعنوية، واستماعه للمناقشات التي دارت حوله. قرّر: أولاً: الاسم التجاري، والعنوان التجاري، والعلامة التجارية، والتأليف، ٢٢٣ كتاب البيوع - باب شروطه وما نهي عنه والاختراع، أو الابتكار، هي حقوق خاصة لأصحابها، أصبح لها في العرف المعاصر قيمة مالية معتبرة؛ لتمول الناس لها، وهذه الحقوق يعتد بها شرعًا، فلا يجوز الاعتداء عليها . ثانيًا: يجوز التصرف في الاسم التجاري، أو العنوان التجاري، أو العلامة التجارية، ونقل أي منها بعوض مالي، إذا انتفى الغرر، والتدليس، والغش، باعتبار أنَّ ذلك أصبح حقًّا ماليًّا . ثالثًا: حقوق التأليف، والاختراع، أو الابتكار مصونة شرعًا، ولأصحابها حق التصرف فيها، ولا يجوز الاعتداء عليها . ٢٢٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٦٦١ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ لّه يَقُولُ عَامَ الفَتْحِ، وَهُوَ بِمَكَّةَ: ((إِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ حرَّمَ بَيِّعَ الخَمْرِ، وَالمَيْتَةِ، وَالخِنْزِيرِ، وَالأَصْنَامِ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَرَأَيْتَ شُحُومَ المَيْئَةِ، فَإِنَّهَا تُطْلَى بِهَا السُّفُنُ، وَتُدْهَنُ بِهَا الجُلُودُ، وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ؟، فَقَالَ: لاَ، هُوَ حَرَامٌ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ عِنْدَ ذَلِكَ: قَاتَلَ اللهُ الْيَّهُودَ، إِنَّ اللهَ تَعَالَىْ لَمَّا حَرَّم عَلَيْهِمْ شُحُومَهَا جَمَلُوهُ، ثُمَّ باعُوهُ، فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ (١) . * مفردات الحديث: - عام الفتح: يعني فتح مكة المكرمة، في شهر رمضان من السنة الثامنة من الهجرة . - حرَّم: قال في فتح الباري: هكذا في الصحيحين بإسناد الفعل إلى ضمير الواحد، وفي بعض طرقه ((إنَّ الله حرَّم)) وفي وجه: ((إنَّ الله ورسوله حرَّما)) والتحقيق جواز الإفراد، إشارةً إلى أنَّ أمر النبي وَلّ ناشىءٌ عن أمر الله، وهو نحو قوله تعالى: ﴿وَاَللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] فالجملة الأولى حذفت لدلالة الثانية عليها . - لا، هو حرام: ((لا)) ناهية، وبعدها فعل محذوف مجزوم، والتقدير: لا تبيعوها، فإنَّ بيعها حرام، وما حَرُمَ بيعه حَرُمَ الانتفاع به . - الخمر: مادة خمر تدل على الستر والتغطية، ومنه خمار المرأة الساتر لرأسها (١) البخاري (٢٢٣٦)، مسلم (١٥٨١). ٢٢٥ کتاب البيوع - باب شروطه وما نھي عنه ووجهها، وتخمير الأواني: تغطيتها، ومن هنا أخذ معنى الخمر للمادة المسكرة، لأنَّها تغطي العقل، وكل ما أسكر فهو خمر من أي نوع من عنب أو تمرٍ، أو شعيرٍ، وهذه المشروبات المستحدثة. - الميتة: ما مات حتف أنفه، أو ذكي ذكاة غير شرعية. - الخنزير: الخنزير حيوان خبيث قذر من الفصيلة الخنزيرية، جمعه خنازير. - الأصنام: ما ينحت من حجارة، أو يصنع من حديد، أو طين، أو خشب، أو أي مادة كانت، لتُعبد من دون الله تعالى، وقد يكون الصنم على صورة إنسان، وقد يكون على صورة حيوان، كعجل بني إسرائيل، أو صورة شيطان یتخیلونه . - أرأيتَ: بمعنى أخبرنا. - تُطْلَى بِهَا السفن: طلى يطليه طليًا: لطخه، والطلاء: القطران وكل ما يطلى به، فطلاء السفن أن تدهن حتى يَزُول عنها الماء، فلا يفسدها. - الشُّفن: بضمتين جمع سفينة يقال: سفن الشيء يسفنه سفنًا قشره، السفينة، المركب البحري سميت بذلك؛ لقشرها وجه الماء. - ويستصبح بها الناس: استصبح الرجل إذا أوقد المصباح واستضاء به، فالاستصباح: الاستضاءة. - فقال: لا، هو حرام: قيل: الضمير يرجع إلى الانتفاع المفهوم من قوله: ((فإنَّها تطلى بها السفن ... )) إلخ، ولكن الراجح أنَّ الضمير يرجع إلى البيع؛ لأنَّ السائل إنَّما سأل عنه، ولأنَّ الكلام مسوق له ويؤيده قوله: ((ثم باعوه)). - قاتل الله اليهود: يقال قتله يقتله قتلاً: أزهق روحه وأماته، قال أهل اللغة: قاتله الله لعنه وعاداه، ولعن الله اليهود لاستعمالهم الحيل. - جملوه: بفتح الجيم والميم، أذابوا الشحم المحرّم عليهم أكله، يقال: جمل الشحم يجمله، من باب نصر، ومنه الجميل، الشحم المذاب، ثم باعوه ٢٢٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ليحتالوا على الانتفاع بالشحوم، والضمير في ((جملوه)) راجع إلى الشحوم على تأويل المذكور. مايؤخذ من الحديث: ١ - جاءت هذه الشريعة الإسلامية المحمَّدية بكل ما فيه صلاح البشر، وحذَّرت من كل ما فيه مضرة تعود على الأديان، والأبدان، والعقول، والأعراض، والأموال. ٢ - تحريم الخمر، عمله، وبيعه، وشربه، وكل وسيلة تعين عليه، والخمر: كل ما أسكر وغطّى العقل من أي نوع يكون، سواء كان سائلاً أو جامدًا. ٣- إذا كان الخمر حرامًا تناوله، وبيعه، وترويجه، فما كان أشد منه مفسدة وضررًا أشد حرمة، وأكبر إثمًا وهي المخدرات: التي أفسدت الأخلاق، وأضعفت العقول، وأذهبت الأموال، وأضاعت الأديان، وهدمت الصحة. ٤- تحريم أكل الميتة، والانتفاع بها: بلحمها، أو شحمها، أو دمها، أو عصبها، وكل ما تسير إليه الحياة من أجزائها، وحرمت لقذراتها ونجاستها، ومضرتها على الأبدان والصحة. ٥- استثنى جمهور العلماء من الميتة: الشعر، والوبر، والصوف، والريش، إذا لم تتبعها أصولها؛ لأنَّه ليس لها صلة بمادة الميتة، فلا يكتسب من خبثها ونجاستها؛ فهذه الأشياء لا تحلها الحياة، فلا يصدق عليها اسم الميتة وتقدم في باب الآنية الكلام على جلد الميتة، وخلاف العلماء فيه. ٦ - تحريم الخنزير أكله وبيعه وملامسته، لأنَّه خبيث رجس، فضرره على الدين بالنجاسة والدياثة، وضرره على العقل بذهاب الغيرة الواجبة، وضرره على البدن بالأمراض، وكل هذه المضار حقائق صدقتها الاكتشافات العلمية . ٧- مما يلحق بالأصنام في التحريم الصور الخليعة، التي تظهر في المجلات، والصحف، والأفلام الماجنة، التي تعود على الأخلاق بالفساد، وتسبب ٢٢٧ كتاب البيوع - باب شروطه وما نهي عنه فتنة الشباب والشابات، لما تحركه من الغرائز الجنسية، ومن الأصنام: الصليب الذي هو شعار النصارى، ومن الأصنام، تماثيل الزعماء التي تنصب بالميادين والشوارع العامة، ففيها فتنة وغلو، يجر إلى الشرك بالله تعالى. ٨- أنَّ المحرمات المعدودة في الحديث ما هي إلاّ نماذج لأنواع الخبائث التي يعود ضررها على الضروريات الخمس وهي: الدين، والنفس، والعِرض، والعقل، والمال. ولتحريمها حِكَمٌ وعللٌ، فَعِلَّةُ تحريم بيع الميتة والخمر والخنزير: النجاسة، فتتعدى إلى كل نجاسة، والعلة في منع بيع الأصنام، البعد عن طاعة الله، فكل ما ألهى وشغل عن طاعة الله فهو حرام، ومن ذلك التماثيل والصور المجسمة، وآلات اللهو والطرب. ٩- جواز استعمال النجاسة على وجه لا يتعدى، فقد أقرَّهم وَّ على دهن الجلود، وطلي السفن بها، فإنَّ الضمير في قوله وَّل: ((لا، هو حرام)) راجع إلى البيع . قال ابن القيم في الهدي: ينبغي أن يعلم أنَّ باب الانتفاع أوسع من باب البيع، فليس كل ما حرم بيعه حرم الانتفاع به، إذ لا تلازم بينهما، فلا يؤخذ تحريم الانتفاع من تحريم البيع . أما ابن حجر في فتح الباري فقال: قوله: ((لا هو حرام)) حمله الجمهور على الانتفاع، فقالوا يحرم الانتفاع بالميتة إلاَّ ما خصه الدليل، وهو الجلد المدبوغ. كما أنَّه المشهور من مذهب أحمد. قال في شرح الاقناع ((ولا يصح بيع الأدهان النجسة العين، من شحوم الميتة وغيرها، ولايحل الانتفاع بها، استصباحًا ولا غيره، لحديث جابر)). ١٠ - أنَّ التحايل على محارم الله هو عمل اليهود فقد صب عليهم غضبه ولعنته، فقال تعالى: ﴿فَيِمَا نَقْضِهِم مِيثَقَهُمْ لَعَنَّهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَسِيَةٌ ٢٢٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام يُحرّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَوَاضِعِهِ، وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ، وَلَا نَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ﴾ [المائدة: ١٣]. ١١ - تحريم الحِيّل على استحلال المحرمات، أو ترك الواجبات، وأنَّها لا تغير حقائق الأشياء، ولو سميت بغير أسمائها، أو غيرت بعض صفاتها . ١٢ - تحذير هذه الأمة مما أقدم عليه اليهود من فعل المحارم بالحيل، لئلا يُصِبها ما أصابهم من غضب الله، ولعنته، وأليم عقابه. قال الخطابي: في هذا الحديث بطلان كل حيلة يحتال بها المتوسل إلى المحرّم، فإنَّه لا یتغیّر حکمه بتغیر هيئته، وتبدیل اسمه . ١٣- قال ابن القيم: لعن الله اليهود لما أكلوا ثمن ما حرم عليهم أكله، ولم يعصمهم التوسل إلى ذلك بصورة البيع، وأيضًا فإنَّ اليهود لم ينفعهم إزالة اسم الشحوم عنها بإذابتها، فإنَّها بعد الإذابة يفارقها الاسم ، وتنتقل إلى اسم الودك، فلما تحيلوا على استحلالها بإزالة الاسم لم ينفعهم ذلك. وقال في معالم السنن: الوسيلة إلى الحرام حرام في الكتاب والسنة والفطرة والمعقول، فإنَّ الله سبحانه مسَخَ اليهود قِردة وخنازير، لما توسلوا إلى البيع الحرام بالوسيلة التي ظنوها مباحة، فإنَّ الطريق متى أفضت إلى الحرام، فإنَّ الشريعة لا تأتي بإباحتها أصلاً لأنَّ إباحتها وتحريم الغاية جمع بين متناقضين، فلا نتصور أن يباح شيء ويحرم ما يُفضي إليه، بل لا بد من تحريمها، أو إباحتها، والثاني: باطل قطعًا، ويتعيَّن الأول . ١٤- يدل الحديث على القاعدة المشهورة: ((إذا رجحت المفسدة على المصلحة فالمقدم هو درء المفسدة)) فإنَّ المصلحة بشحوم الميتة ألغيت؛ نظرًا إلى مفسدة الانتفاع بالميتة . ٢٢٩ كتاب البيوع - باب شروطه وما نهي عنه ٦٦٢ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللهُ عنْهُ - قَالَ: ((سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: إِذَا اخْتَلَفَ المُتَبَايِعَانِ، وَلَيْسَ بَيَّنَهُمَا بِيّةٌ، فَالقَوْلُ مَا يَقُولُ رَبُّ السِّلعَةِ، أَوْ يَتَتَارَ كَانِ)) رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَصَخَّحَهُ الحَاكِمُ(١). درجة الحديث: الحدیث ضعیف وللکن تقوی بطر قه. فقد أخرجه أحمد، والنسائي، والدارقطني، والبيهقي، وصححه ابن السكن والحاكم، ورواه الشافعي منقطعًا بين عون بن عبدالله بن عتبة بن مسعود وبين عبدالله بن مسعود، لكن جاء موصولاً، فرواه محمَّد بن عبدالرحمن بن أبي ليلى عن القاسم بن عبدالرحمن عن أبيه عن جده مرفوعًا. قال الألباني: الحديث قوي بمجموع طرقه . * مفردات الحديث: - بيّة: يقال: بان يبين بيانًا وتبيانًا: اتَّضح وظهر، فالبينة ما أبان الحق وأظهره، من قرار وشهود وغيرهما . - رب السلعة: أي صاحبها، والمراد به البائع . - السلعة: بكسر السين المهملة وسكون اللام، هي البضاعة والمتاع الذي يتجر به، جمعها سلع . - يتتاركان: يتفق البائع والمشتري على فسخ البيع. (١) أبوداود (٣٥١١)، النسائي (٣٠٢/٧)، الترمذي (١٢٧٠)، ابن ماجه (٢١٨٦)، أحمد (٤٦٦/١). ٢٣٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام * ما يؤخذ من الحديث: ١ - يدل الحديث على أنَّه إذا حصل خلاف بين البائع والمشتري، وليس لدى أحدهما بيِّنة، فإنَّ القول هو قول البائع، مع يمينه . فإنَّ القاعدة الشرعية: أنَّ من كان القول قوله فعليه اليمين. ٢- يطبق في هذا مارواه البيهقي، وبعضه في الصحيحين، من حديث أنس أنَّ النَّبِيَّ وَّه قال: ((البيّة على المدعي واليمين على من المنكر)) وعند هذا الحديث جمع شيخنا عبدالرحمن السعدي - رحمه الله - خلاف البائع والمشتري في صور، هذه خلاصتها : ١- إذا اختلف البائع والمشتري في قدر الثمن، ولا بينة، تحالفا، وصفة التحالف أن يحلف البائع ما بعته بكذا، وإنما بعته بكذا، ثم يحلف المشتري ما اشتريته بكذا وإنما اشتريته بكذا، ثم لكل منهما فسخ البيع . ٢- إذا اختلفا في صفة الثمن أخذ نقد البلد، إن وافق قول أحدهما. ٣- إذا اختلفا في عين المبيع أو قدره يتحالفان، ويفسخ العقد. ٤- إذا اختلفا في شرطٍ، أو رهنٍ، أو ضمينٍ، فقول من ينفيه؛ لأنَّ الأصل عدمه . ٥- إذا دعى أحدهما فساد العقد، وادَّعى الآخر صحته، فالأصل سلامة العقد، والقول قول مدعي الصحة، وعلى المدعي البيِّنة. ٦- إذا بيع بصفةٍ أو رُؤيةٍ سابقة فادَّعى المشتري تغير الصفة، وأنكر البائع، فالقول قول المشتري، لأنَّ الأصل عدم لزوم الثمن على المشتري. ٧- إذا اختلفا عند من حدث العيب مع الاحتمال، فالقول قول البائع على الصحيح، وعلى هذا القول عمل الناس. ٢٣١) كتاب البيوع - باب شروطه وما نهي عنه ٦٦٣ - وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - ((أَنَّ رَسُولَ اللهِّهِ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ، وَمَهْرِ البَغِيِّ، وَحُلْوَانِ الكَاهِنِ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). * مفردات الحديث: - الكلب: بفتح فسكون، حيوان معروف، والأنثى كلبة، والجمع كلاب، والكلب مشهور بشدة الرياضة والوفاء. قال علماء الأحياء: الكلب حيوان أهلي من الفصيلة الكلبية ورتبة اللواحم، ومنه سلالات كثيرة. - مهر البغي: المهر هو العوض الذي يقدم في النكاح، ويسمى ما يدفع للزانية تجوزًا؛ لكونه على صورته. - البَيِّي: بفتح الموحدة وكسرة الغين وتشديد الياء، هي الزانية، أصله بغوي على وزن فعيل بمعنى فاعله، اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياءً، وأدغمت الياء في الياء، فصار بغي، ضم الغين، فأبدلت الضمة كسرة لأجل الياء، وتجمع البغي على بغايا. فالبغاء: بكسر الباء ممدودًا هو الطلب، وكثُر استعماله في الزنا، فيقال: بغت المرأة تبغي بغاء: إذا زنت، فهي بغي فعولٌ بمعنى فاعلة، نسأل الله العافية . - حُلْوَان الكاهن: بضم الحاء المهملة مصدر حلوته حلوانًا إذا أعطيته، شبه بالشيء الحلو من حيث إنه يؤخذ سهلاً بلا مشقة، فهو ما يأخذه الكاهن على (١) البخاري (٢٢٣٧)، مسلم (١٥٦٧). ٢٣٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام كهانته، أما الكاهن فهو الذي يدعي علم الغيب، وهو شامل للعرَّاف، والمنجِّم، وضرَّاب الحصى، وقاريء الكف، وغيرهم من الدجالين والمشعوذين. قال ابن الأثير: الكاهن الذي يخبر بالغيب المستقبل، والعرَّاف الذي يخبر بما خفي، فبعضهم زعم: أنَّ له تابعًا من الجن يلقي إليه الأخبار، وبعضهم يزعم: أنَّه: يعرف الأمور بمقدمات وأسباب، يستدل بها على مواقعها من كلام من يسأله، أو فعله، أو حاله، ومنهم من يدَّعي أنه يستدرك الأمور بفهم أُعطیه . ما يؤخذ من الحديث: ١ - قال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْنَكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢] فهو تبارك وتعالى أحلَّ الطيبات وحرَّم الخبائث، فالمكاسِب الخبيثة حرَّمها، فكان مما حرَّم ما جاء في هذا الحديث الشريف. ٦ ٢- الكلب أنجس الحيوانات وأقذرها، فنجاسته لا يطهّرها إلاَّ التراب، مع تكرير الغسل سبعًا، فنهى عن اقتنائه، وبيعه، واتخاذه، ما لم تشتد الحاجة إليه، لحراسة الغنم، أو الزرع، أو يتّخذ للصيد فيباح اقتناؤه، أما النَّهي عن ثمنه فهو یحتمل أحد أمرین: أحدهما: أنَّ النَّهي عن ثمنه؛ لأنّه حرام، وهذا يقول به من يرى بطلان بيعه، وتحريم ثمنه، وهم جمهور العلماء، ومنهم الأئمة الثلاثة، سواء جاز اقتناؤه، أو لا . أما الإمام أبو حنيفة فيرى صحة بيعه، وإباحة ثمنه، والنَّهي عنه إنَّما هو لدناءته، لا لتحريمه، والراجح هو القول الأول. ٣- سيأتي في حديث أبي الزبير عند مسلم زيادة للنسائي ((إلاّ كلب صيد)) وبعض العلماء قيد إطلاق الحديث بها، والجمهور اعتبروها شاذةً وأخذوا بعموم الحديث . ٢٣٣ کتاب البيوع - باب شروطه وما نهي عنه ٤- الزنا من أعظم المعاصي، وأفحش المنكرات، فما يؤخذ عليه من أجرٍ فهو خبيث حرام، سواء كانت الزانية حرةً، أو أمةً. ٥- ادعاء علم الغيب الذي استأثر الله تعالى به ذنب عظيم، وإثم كبير، وذلك بمثل ما يدعيه الكهان، والعرَّافون، والمنجمون، وأصحاب الشعوذة من أنَّهم يعلمون المغيبات، من الأمور المستقبلة، والأشياء الخفية، لاسيما إذا جعلت هذه الدعاوي الباطلة وسيلة لسلب أموال الناس بالباطل. ٦ - أنَّ ما يندر من صدق هذه الدعوى الغيبية لا تكون إلاَّ بإخبار الشياطين لهم، والشياطين لا يخبرونهم إلاَّ إذا خدموهم وأطاعوهم بالكفر بالله تعالى، وما دونه من المعاصي، کما قال تعالى عنهم: أُسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَآَ﴾ [الأنعام: ١٢٨]. ٧- الإتيان إلى هؤلاء الدجالين معصية قد تصل إلى الكفر عند تصديقهم بما يقولون، ففي الحديث ((من أتى عزَّافًا فصدَّقه بما يقول، فقد كفر بما أُنزل على محمَّد)) [رواه أحمد (٩١٧١)]. ٨- فالحديث ينهى عن الأمور التي تمس الضروريات الخمس: الدين، والنفس، والعقل، والعِرض، والمال، فيكون النَّهي فيها أشد، وعنها آكد، والنَّهي يقتضي التحريم. ٩- الإسلام دين صدق فلا يقر الدجالين والمشعوذين، ودين طهارة ونزاهة فلا يرضى كسب المال بالطرق الوسخة والفاحشة المنكرة، ودین جد فلا يرضى أخذ أموال الناس إلاّ بطرقٍ نافعةٍ يستفيد منها الطرفان، أما المنافع المحرَّمة فلا يعترف بها، ولا يجعل لها ثمنًا، ولا وزنًا . ١٠ - إذا كانت هذه الأمور منكرة فالعقود التي توصل إليها محرَّمة باطلة، وما ترتب عليها من كسب فهو حرام، فنهي الشارع يقتضي التحريم والفساد. ١١- جاء في بعض روايات الحديث: ((وثمن الدم))، والدم المسفوح، ومنه ٢٣٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام المسحوب من بدن الصحيح للمريض، فبيعه حرام، ولكن إذا اضطر إليه للمريض، أو للعمليات، فدفع العوض فيه جائز من أجل الضرورة، والإثم إنما هو على الآخذ، وليس على الباذل للعوض لحاجةٍ أو ضرورة إثمٌّ، وقد أصدر في هذا مجلس كبار العلماء قرارًا، ذكروا فيه هذا التفصيل في حکمه . ٢٣٥ كتاب البيوع - باب شروطه وما نهي عنه ٦٦٤ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِالله - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - ((أَنَّهُ كَانَ عَلَى جَمَلٍ لَهُ قَدْ أَعْيَا، فَأَرَادَ أَنْ يُسَيَِّهُ، قَالَ: فَلَحِقَنِي النَّبِيُّ ◌َرِ، فَدَعَا لِي وَضَرَبَةٌ، فَسَارَ سَيْرًا لَمْ يَسِرْ مِثْلَهُ، فَقَال: بِعْنيهِ بِأُوْقِيَّةٍ؟ قُلْتُ: لاَ، ثُمَّ قَالَ: بِعْنِهِ، فَبِعْتُهُ بِأُوْقِيَّةٍ، وَاشْتَرَطْتُ حُمْلاَنَّهُ إِلَىْ أَهْلِي، فَلَمَّا بَلَغْتُ أَتَيُْ بِالجَمَلِ، فَقَدَنِي ثَمَنَّهُ، ثُمَّ رَجَعْتُ فَأَرْسَلَ فِي أَفَرِي، فَقَال: أَثِّرَانِي مَاكَسْتُكَ؛ لآخذَ جَمَلَكَ؟ خُذْ جَمَلَكَ وَدَرَاهِمَكَ، فَهُوَ لَكَ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا السِّيَاقُ لِمِسُلِمٍ (١). * مفردات الحديث: - جمل: قال الفراء: الجمل زوج الناقة، ويجمع على جمال وأجمال وجمالات. - أعيا: بفتح الهمزة وسكون العين، أي كلَّ وعجز عن السير والذهاب إلى مقصده، يقال: أعيى فهو معي، وأعياه الله كلاهما بالهمزة، لازمًا ومتعديًا، ولا يقال: عياء. - أن يسيِّه: بضم الياء وفتح السين وتشديد الياء، من باب التفعيل، أي أراد أن یتر کە رغبة عنه، فيطلقه ليذهب حيث شاء. - أُوقيّة: بضم الهمزة وكسر القاف وتشديد الياء، وجاء في رواية البخاري ((وقية)) بدون الهمزة، قال العيني: وليست بِلْغَةٍ عالية. والأوقية: أربعون درهمًا إسلاميًّا، والدرهم نصف مثقال وخُمُس مثقال، والمثقال أربعة غرامات ورُبع غرام. (١) البخاري (٢٨٦١)، مسلم (١٢٢١/٣). ٢٣٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام - قُلتُ لا: قال العيني: ثبت أنَّ جابرًا قال: لا أبيع، بل أهبه لك. - حُملانه: بضم الحاء المهملة، أي أشترط أن يكون لي حق الحمل عليه إلى المدينة . - نقدني ثمنه: أعطاني الثمن نقدًا معجلاً. - أثري: بفتحتين، أو بكسر فسكون، أي بعث من يطلبني ويأتي بي إليه. - أثّراني: بضم التاء، بمعنى تظنني كلّمتك، لأجل نقص الثمن، لأخذ جملك، والاستفهام للإنكار، أي أتظنني وتحسبني . - ماكستك: يقال: ماكسه مماكسةً: شاخّه؛ لأجل انقاص الثمن. * ما يؤخذ من الحديث: ١- من حسن القيادة، والرفق برفقة السفر أن يكون قائدهم، وأميرهم في ساقتهم، فيكون في مؤخرة الجيش، أو القافلة، انتظارًا للعاجزين، ورِفقًا بالمنقطعین . ٢- رحمة النبي ورأفته، فإنَّه لما رأى جابرًا في هذه الحال أعانه بالدعاء والضربة المباركة لجَمَله الهزيل، فسار بإذن الله تعالى سيرًا صار أمام رفقته. ٣- هذه الضربة منه وَّيُ معجزة ظاهرة ناطقة بأنَّه رسول الله حقًّا، حينما مسَّ هذا الجمل المهزول العاجز المتخلف، فيسير على أثر هذه الضربة هذا السَّير الحسن، ويلحق بالجيش. ٤ - جواز البيع والشراء من الإمام لرعيته. ٥- أنَّ مماكسة النبي ◌َّ في البيع، والامتناع من البيع عليه لأجل الزيادة في الثمن، أو عدم الرغبة في البيع، لا يعد معصية ومخالفة لأمره بَّله، فإنَّ مثل هذه الأمور ليست على وجه العبادة والإلزام، وإنما هي عقود مباحة، ترجع إلى العادات، فيكون فيها خيار الطرفين، وأيضًا في الرواية الأخرى عند الإمام أحمد(١٤٤٩٥)، قال: ((لا أبيع، بل أهبه لك)). ٢٣٧ کتاب البيوع - باب شروطه وما نهي عنه ٦ - أخذ ابن رجب من هذا الحديث قاعدة عامة هي: أنَّه يجوز للإنسان نقل الملك في شيء، واستثناء نفعه المعلوم مدَّة معلومة. ٧- أن لم يكن المستثنى معلومًا فإنَّ العقد لا يصح، فإنَّ استثناء المجهول من المعلوم يصيِّر المعلوم مجهولاً، وهذا يعم الإجارة، والهبة، والوقف، والوصية . ٨- جواز عقد البيع، ولو لم يحصل قبض الثمن، ولا المبيع، ما لم يكن ذلك مما يجري فيه الربا، أو يكون رأس مال سلَمَ، أو المبيع في الذمة، فلا بد من القبض في المجلس. ٩- كرم النبي وَليل، وسماحته عند البيع والشراء. ١٠ - تطييب خاطر أصحابه، وممازحتهم بالحق والصدق. ١١ - جواز ترك الدابة رغبة عنها، إذا كان عندها ما تقتات منه. ١٢ - مشروعية عمل الأسباب حتى للنتائج الخارقة للعادة، التي تقع من الأنبياء والصالحين، كقصة مريم في هزها النخلة، وضرب جمل جابر ليسير سيرًا ما کان یسیره حال قوته ونشاطه . ١٣ - أنَّ تسليم المبيع من عُهدة البائع . ١٤ - جواز البيع الصوري إذا كان يتوصل بعقده على مصلحة، ولا يترتب عليه مضرة، ولا مفسدة . ١٥ - قوله: ((فهو لك)) ليس إنشاء وتمليكًا، وإنما إخبارًا عما في نفس الأمر وحقيقته . ١٦ - جواز أخذ الهدية إذا لم يستشرف لها الإنسان، ولم يسألها، لا سيَّما من ولاة الأمور. خلاف العلماء: اختلف العلماء هل يجوز للبائع أن يشترط نفعًا معلومًا في المبيع، ٢٣٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام كسكنى الدار المباعة شهرًا؟ وهل يجوز - أيضًا - للمشتري أن يشترط على البائع نفعًا معلومًا في المبيع، كأن يشترط عليه حمل ما اشتراه إلى موضع معين، أو خياطة الثوب المبيع، ونحو ذلك؟ ذهب الأئمة الثلاثة إلى المنع، لِما رواه أبوداود (٣٤٠٥) والترمذي (١٢٩٠) عن جابر ((أنَّ النَّبِيَّ ◌َ لهنهى عن الثنيا إلاَّ أن تُعلم)). وذهب الإمام أحمد إلى جواز شرطٍ واحدٍ فقط، وإن جَمَع بين شرطين بطل البيع، ووافقه إسحاق، والأوزاعي، وابن المنذر. وعن الإمام أحمد رواية أخرى، أنَّ البيع صحيح مع الشروط العائدة البائع أو المشتري، من منافع معلومة في المبيع والثمن، أو عائدة للمشتري لو كثرت. واختار هذه الرواية شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وشيخنا عبدالرحمن السعدي - رحمهم الله تعالى -. قال شيخ الإسلام: الأصل في العقود والشروط الصحة والجواز، ولا يحرم منها ويبطل إلاَّ ما دلَّ الشرع على تحريمه وإبطاله. وقال ابن القيم: كل شرط لم يخالف كتاب الله تعالى فهو لازم. وقال الشيخ عبدالرحمن السعدي: الشرطان اللذان باجتماعهما تترتب مفسدة شرعية هي مسائل العينة . وأدلة هؤلاء المحققين هي : ١ - حديث جابر الذي معنا في الباب. ٢ - ((نهى عن الثنيا إلاَّ أن تعلم))، وهذه شروط واستثناءات معلومة. ٣- قال ◌َّ: ((المسلمون على شروطهم، إلاَّ شرطًا أحلَّ حرامًا، أو حرَّم حلالاً))، وغير ذلك من النصوص الشرعية والاعتبارات المرعية. ٢٣٩ كتاب البيوع - باب شروطه وما نهي عنه ٦٦٥ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ - رَضِيَ اللهُ عنْهُمَا - قَالَ: ((أَعْتَقَ رَجُلٌ مِنَّا عَبدًا لَهُ عَنْ دُبٍ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ، فَدَعَا بِهِ النَّيُّ ◌َهـ فَبَاعَهُ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). * مفردات الحديث: - عن دبر: بضم الدال المهملة وضم الباء الموحدة، هو نقيض القُبُل من كل شيء، والمراد هنا أنَّه أعتقه وعلَّق عتقه بموت السيد، فهذا يسمى مدبَّرًا، کما سيأتي إن شاء الله بيانه . * ما يؤخذ من الحديث: ١ - التدبير هو عتق الرقيق بعد موت المعتِق، بأن يقول السيد لرقيقه: أنتَ حر بعد موتي، سمي بذلك؛ لأنَّ العتق دُبُر الحيَاة. ٢- في الحديث جواز التدبير وصحته، وهذا حكم متَّفق عليه عند العلماء. ٣- أنَّ الرقيق المدبّر يعتق من ثلث مال المتوفى، لا من رأس مال التركة، لأنَّ حكمه حكم الوصية؛ لأنَّ كلاً منهما لا ينفذ إلاّ بعد الموت، وهذا مذهب جمهور العلماء. ٤- جواز بيع المدبر، فعند الإمامين: الشافعي وأحمد جواز بيعه مطلقًا عند الحاجة وعدمها لأنَّه لما جاز في صورة من صور البيع جاز في كل صوره، ولأنَّه شبيه بالوصية التي يجوز الرجوع عنها، ما دام الموصي في حال الحياة، وبعضهم قيد جواز بيع المدبر بالحاجة فقط؛ عملاً بهذا الحديث. ٥- الواجب على من ليس عنده سعة في الرزق أن يجعل ذلك لنفسه ولمن (١) البخاري (٢١٤١)، مسلم (٩٩٧). ٢٤٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام يعول، فهم أولى من نوافل الصدقات. وفي الحديث: ((كفى بالمرء إثمًا أن يضيّع من يعول)) [رواه مسلم]. أما من وسَّع الله عليه فليحرص على اغتنام الفرص، فليس له من ماله إلاَّ ما قدمه لآخراه: ﴿مِنْهُ وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ وَأَفْرِضُواْ اللَّهَ قَرْضَا حَسَنَّا وَمَا نُقَدُِّواْ لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ [المدثر: ٢٠] ٦ - البداءة بالأهم في الأعمال، وتقديم الواجبات على المستحبات. ٧- كل عمل يُقدم عليه الإنسان وهو مخالف للشرع فهو باطلٌ لاغ؛ لقوله وَّ: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)) [رواه مسلم]. فالأعمال التي ليست على وفق ما شرع الله من العبادات، وما أباح من المعاملات فهي باطلة.