Indexed OCR Text
Pages 101-120
١٠١ كتاب الحج - باب الإحرام وما يتعلق به السعودية برقم (١/٣٣١٧) وتاريخ ١٣٨٦/١١/١٢هـ، ومن وزارة الداخلية برقم (١٨٦٧) وتاريخ ١٣٧٨/٣/٨هـ، ومن إمارة المدينة برقم (٤٢٤٨) وتاريخ ١٣٧٨/٣/١٥ هـ، ومن المحكمة الكبرى بالمدينة برقم (١١٣٩)، وتاريخ ١٣٧٨/٣/٢٥ هـ، وهذه الأوامر مرفقة بالمعاملة التي بين يدي اللجنة والواردة أخيرًا إلى سماحة المفتي من رئيس المحكمة الكبرى بالمدينة برقم (٢٠٥٢) وتاريخ ١٣٨٧/٢/٢٦ هـ، وتنص هذه الأوامر على تشكيل لجنة علمية لمعرفة مواضع حدود الحرم المدني ووضع علامات عليها، وقد شكلت اللجنة المذكورة من كل من: فضيلة الشيخ محمَّد الحافظ القاضي بالمحكمة الكبرى بالمدينة رئيسًا، وكل من: السيد محمود أحمد، والسيد عبيد مدني، والشيخ عمار بن عبدالله، والشيخ أبوبكر جابر، والأستاذ أسعد طرابزوني أعضاء. وقد اجتمعت اللجنة فور تشكيلها، وقامت بما عهد إليها؛ غير أنَّه أشكل عليها نقاط وارتأت عرضها على سماحة المفتي الأكبر، وعندما رفعت المعاملة إلى سماحته أمر بأن يكون مع اللجنة مندوب من قبل سماحته ليجتمع باللجنة، ويقفوا جميعًا على حدود الحرم، ويعرفوا مسميّات تلك الحدود، ثمَّ يعود المندوب إلى سماحته، وقد تضمنت النصوص الواردة في هذا تحديد الحرم: باللابتين تارة، وبِعِير وثور تارة، وبالمأزمين تارة، وبالجبلين تارة، وأحاديث اللابتين أكثر من أحاديث الجبلين، والجبلان هما عير وثور. والمأزمان هما الجبلان، فأما عير وثور فخارجان عن الحرم كما هو الأصل في التحديدات، وأما اللابتان فداخلتان في الحرم لما يلي : أ- قصة بني حارثة حين قال لهم النبي ◌ُّله: ((أراكم يا بني حارثة قد خَرَجْتُم من الحرم ثمَّ التفَتَ فقال: بل أنتُمْ فيهِ)) ومنازلهم في سند الحرة الشرقية مما يلي العريض، وحصنهم باقية آثاره حتى الآن، فدل على أنَّ هذه الحرّة من الحرم، وهي محاذية لعير وثور، فكأنَّه ◌َليه لما التفت فرأى عيرًا قال لهم بل ١٠٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام أنتم في الحرم. ب - قصة سعد بن أبي وقاص حينما أخذ سلب الرجل الذي وجده يقطع الشجر في العقيق ، والعقيق ليس حرة، بل هو واد منقطع عن الحرة الغربية، وأبعد منها عن المدينة، ولكن القسم الأعلى منه مسامت لجبل عير من الشمال والغرب . ج - حديث تحريم ما بين حرتيها وجامها، والجمارات الثلاث معروفة، وتقع بعد العقيق وبعد الحرة الغربية كما هو مشاهد. د - أنَّ الحرة الغربية تبدأ من عند باب العنبرية وتمتد غربًا، والحرة الشرقية تبدأ من نهاية شارع أبي ذر بطريق المطار بنحو مائتي متر، فإن لم نقل بأنَّهما داخلتان في الحرم لخرجت جملة كثيرة من منازل المدينة عن الحرم: ولا قائل بهذا من أهل العلم الذين اطّلعنا على كلامهم. هـ - ذكر العلماء مسافة الحرم بريدًا في بريد، واستدلوا بما ورد في هذا، ولا يمكن تطبيق هذه المسافة إلاَّ إذا أدخلنا الحرتين؛ لأنَّ الحرتين قريبتان من الحرم، بخلاف الجبلين فبيعدان جدًّا بالنسبة إلى قرب اللابتين. وقد أخذت الهيئة المساحة من الجهات الأربع من المسجد إلى ((عير)) جنوبًا، ومن المسجد إلى ((ثور)) شمالاً، ومن المسجد إلى الحرّة الغربية عند محاذاة ((عير)) غربًا، ومن المسجد إلى الحرة الشرقية عند محاذاة ((ثور)) شرقًا، فكانت المسافة متقاربة في الجميع، وتبلغ أحد عشر كيلو مترًا تقريبًا بعداد السيارة وإن كانت السيارة لا تسير باتجاه واحد بل تأخذ يمينًا وشمالاً حسب سهولة الخط، ولكن هذا يعطي فكرة تقريبية للمسافة من الجهات الأربع، وهذه المسافة مقاربة الإثني عشر ميلاً الواردة في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عند مسلم قال: ((حرَّم رسول الله بَّ ما بين لابتي المدينة، وجعل اثني، عشر ميلاً حول المدينة حِمى)) وهذا من أدلة من قال بريدًا في بريد؛ لأنَّ البريد ١٠٣ كتاب الحج - باب الإحرام وما يتعلق به أربع فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال. والمسافة التي بين عير وثور من الناحية الشرقية تقدر باثني عشر ميلاً، ومثلها المسافة التي بينهما من الناحية الغربية)). ثم مشت اللجنة على مواضع الحدود لتطبيق ما ناقشوه من النصوص وما فهموه منها و کان ممشاها على ما يلي : ١ - وصلت اللجنة إلى جبل ((ثور)) ويقع خلف أحد من الشمال الشرقي، طلعت فوقه ووجدته كما وصفه العلماء، جبل صغير بالنسبة إلى جبل أحد، والجبال التي حوله بتدوير، وليس بمستطيل، لونه يقرب إلى الحمرة، خلف أحد من الشمال الشرقي، وبينه وبين أحد مقدار خمسين مترًا تقريبًا . ٢- ثم انتقلت اللجنة إلى ((اللابة الشرقية)) ووجدت حرَّة ذات حجارة سوداء نخرة كأَنَّها أُحرقت بالنار، وتنقطع هذه الحرّة في بعض المواضع خصوصًا في جهتها الشمالية، وتمتد في مواضع ولاسيَّما جهتها الجنوبية، فكأنَّها حرار متعددة، وهذه الحرَّة تسمى ((حرة واقم)) ويفضلها عن ((أَحد)) الشرقي وسفح جبل وغيره، وتشمل منازل بني حارثة وبني ظفر وبني عبد الأشهل وبني معاوية، كما تشمل منطقة العريض وما حولها من المصانع والبساتين وبعاث المسمى الآن بـ((المبعوث)) إلى العوالي وقربان ومنازل بني قريظة وبني النضير، ولم يكن الحد في هذه الحرة واضحًا كوضوحه من جهة الجبلين: عیر، وثور، لهذا مشت اللجنة وسط الحرة في موضع متوسط بين عیر وثور، ووقفت هناك لتحقق لها المسافة بين الجبلين وتتمكن من أخذ مقاسها . ٣- ثم انتقلت اللجنة إلى طرف ((عير)) من هذه الناحية أعني الناحية الجنوبية الشرقية، ووقفت قريبًا من الجبل مما يلي سد بطحان، وعرفت مقياس مسافته لجبل ثور مع متوسط اللابة الشرقية، وتقرَّر أن تبدأ من طرف عير الجنوبي الشرقي مدخلة مد بطحان ومذينيب، وتنقاد ببئر متواصلة مع وسط الحرة بعد كل ثلاثة كيلوات بِتَر كبيرة ملونة يكتب عليها حد الحرم إلى أن ١٠٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام تصل جبل ثور من الشمال الشرقي مخرجة جبل وغيره، ومدخلة جیمع جبل أُحد والخزان الذي حوله، والمصانع وماحولها من البساتين ومنطقة العريض والعوالي وقربان إلى امتداد سد بطحان حتى يحاذي طرف عير من الشرق. ٤- ثم انتقلت الهيئة إلى طرف ((عير)) من الناحية الجنوبية الغربية مما يلي ذا الحليفة؛ لأنَّ عيرًا جبل كبير مستطيل، فقربت الهيئة من طرفه، ووقفت على ربوة بسفحه، وتطلعت إلى ما حوله وما يحاذيه من اللابة الغربية والشمالية الغربية . ٥- انتقلت اللجنة إلى ((الحرة الغربية)) وهي أقرب إلى المدينة من الحرة الشرقية، فالغربية تبدأ من عند باب العنبرية كما مرَّ، وهي من جنس الشرقية في كونها تنقطع في مواضع ولاسيَّما في جهتها الشمالية، كما هو مشاهد عند مسجد القبلتين حيث يوجد هناك فضاء واسع فيه المزارع والرمال والسباخ وتتخللها الطرق والعيون والأودية إلى أحد والجرف وما حوله، وتمتد الحرة من الناحية الجنوبية إلى أن تدنو من شرقي عير قريبًا من طرف الحرة الشرقية من ناحية قباء، ويفصل بينها وبين الحرّة الشرقية بساتين قباء وقربان، والعوالي ووادي مهزور، ومذينيب وجفاف، وبطحان والرانونة. وقد مضت اللجنة من ((عير)) إلى ((أحد) لنصل منه إلى ((ثور)) وسلكت في أثناء ممشاها مع الطريق الجديد الموضوع للأجانب ومن لا يريد دخول المدينة ويسمى بالتحويلة ويبدأ من نهاية البيداء آخر الخط الآتي من جدة قبل أن يصل إلى ذي الحليفة ثم يتجه شمالاً تاركًا المدينة على ميمنه، ورأت اللجنة هذا الطريق في أثنائه مسامتًا لما بين عير وثور من هذه الناحية، إلاَّ أنَّه قد تجاوزها من أوله وآخره، فقررت اللجنة أن توضع البدأ [لعلَّه البتر] من طرف عير الغربي متَّجهة إلى الغرب ثم إلى الشمال الغربي فتدخل ذا الحليفة والعقيق وسد عروة والجماوات الثلاث، وبنايات الجامعة ١٠٥ كتاب الحج - باب الإحرام وما يتعلق به الإسلامية والقصور الملكية والجرف، وبئر رومة وما حولها من البساتين إلى أُحد، كل هذه داخلة في حدود الحرم، فإذا وصلت إلى ما سامتها من التحويلة، صارت التحويلة هي الحد، فتوضع البئر على جانبها الشرقي، وتستمر البئر مع هذه التحويلة حتى تحاذي ثور خلف أحد من الشمال الشرقي، وحينئذٍ تأخذ البتر ذات اليمين صوب الجنوب لتلتقي بالبئر التي مرَّ ذكرها في الحرَّة الشرقية، وتترك التحويلة لأنَّها تستمر شرقًا حتى تصل شارع المطار، وبهذا تصبح حدود الحرم تابعة من جميع جهاتها سواءٌ حدد من عير إلى ثور، أو باللابتين، أو باثني عشر ميلاً وفي بريد في بريد كما سبق إيضاح ذُلك وأخذ مسافته. ونظرًا لأنَّ هذه أعمال هندسية، وتحتاج إلى مهندس فني، فينبغي تعميد بلدية المدينة بههذا؛ ليقوم مهندسوها بمسحها مسحًا فنيًّا، مع وضع العلامات اللازمة على ضوء ما ذكرنا، ويكون ذلك بإشراف الشيخ محمَّد الحافظ . ولا يفوتني أن نذكر هنا تتميمًا للفائدة أنَّ حرم المدينة يخالف حرم مكة في ثلاثة أشياء. أولاً: أنَّ صيده وقطع شجره لا جزاء فيه بخلاف حرم مكة. ثانيًا: أنَّ من أدخل صيدًا من خارج الحرم جاز له إمساكه وذبحه بدليل قوله وَلَّ : ((يا أبا عُمَير ما فعل النُّغَير)) وهذا بخلاف حرم مكة. ثالثًا: جواز قطع ما تدعو حاجة الفلاحين إليه من آلات الحرث والرحل کالمساند وغیرها. هذا ما جرى دراسته وتحريره بعد كمال التحري وبذل الجهد، والله من وراء القصد، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلى الله على نبيِّنا محمَّد وآله وصحبه وسلَّم أجمعين. هيئة تحديد حدود المدينة المنورة ١٠٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام * ما يؤخذ من الحديثين: ١ - أنَّ الذي حرم مكة المكرمة هو النبي إبراهيم الخليل وَلّر، كما أنَّ الذي حرَّم المدينة المنورة هو النبي وَلغيره، وقد جاء في البخاري (١٨٩)، ومسلم (١٣٥٣)، ((أنَّ هذا البلد مكة، حرَّمه الله يوم خلق السموات والأرض)»، ومعناه أنَّ تحريم مكة قديم وشريعة سالفة مستمرة، ليس مما أُحدث، أما ما جاء في الرواية الأخرى: أنَّ إبراهيم عليه السلام هو الذي حرَّم مكَّة، فهو من حيث إنَّه هو الذي بلغ تحريمها فإنَّ الحاكم بالشرائع هو الله تعالى، والأنبياء يبلغونها، فإنَّه كما يضاف التحريم إلى الله من حيث إنَّه هو الحاكم بها، فإنَّها تضاف أيضًا إلى الرسول، حيث إنَّه هو المبلغ عن الله تعالى. ٢- معنى تحريم المدينتين هو أنَّهما بلدتان آمنتان، فلا يقطع الشجر في حرمهما، ولا يقتل الصيد، ولا ينفر فيه. ٣- أنَّ إبراهيم عليه الصلاة والسلام دعا لأهل مكة بالبركة، وسعة الرزق، كما قال تعالى حكاية عنه: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَهِعُ رَبِّ﴾ [البقرة: ١٢٦]. ٤ - أنَّ النَّبِيَّ ◌َيّه دعا لأهل المدينة بالبركة وسعة الرزق، كدعوة إبراهيم لأهل مكة، بل دعا أن تكون البركة في المدينة ضعفي بركة مكة. ٥ - أنَّ حرم المدينة يحده من الناحية الجنوبية جبل عير، ومن الجهة الشمالية جبل ثور، کما نص الحديث. ٦ - أما حد الحرم الشرقي والغربي في المدينة فهما الحرتان الشرقية والغربية، لما جاء في البخاري (١٨٦٩) ومسلم (١٣٧٢) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: ((حرَّم رسول الله وَّ ما بين لابتي المدينة، وجعل اثني عشر ميلاً حمی)). وجمهور العلماء قالوا بتحريم الحرم المدني، عملاً بالنصوص الصحيحة الآتية، ومنهم الأئمة مالك والشافعي وأحمد، بخلاف أبي حنيفة فلا يرى ١٠٧ كتاب الحج - باب الإحرام وما يتعلق به تحريمه من ناحية الصيد، وقطع الشجر، ولا مدفع عنده للنصوص الصحيحة الآتي بعضها. ٧- جاءت نصوص كثيرة في تحريم قتل الصيد، وقطع الشجر في الحرم المدني منها: ما رواه مسلم (١٣٦٢) عن جابر قال: قال رسول الله وَ ل: ((إنَّي حرَّمت المدينة ما بين لابتيها، لا يقطع عَضَاها، ولا يصاد صيدها)). وله أيضًا من حديث أبي شريح (١٣٥٤) ((ولا يخبط فيها شجر إلاّ العلف))، وتحريم النبي ◌ّل﴿ المدينة لتعظيمها وتقديسها، وللكن تحريم حرم المدينة لا يأخذ كل أحكام حرم مكة. ٨- ذكر العلماء فروقًا بين الحرم المكي والحرم المدني ترجع إلى أنَّ العقاب والجزاء في الحرم المدني أخف من الحرم المكي. منها: أنَّ ذبح الصيد أو قتله في الحرم المدني، يحِلّ أكله، بخلاف المكي فيعتبر ميتة محرَّمة، ومنها: أنَّه لا جزاء في الصيد في الحرم المدني ... ، بخلاف المكي ففي قتله الجزاء، ومنها أخذ ما تدعو الحاجة إليه من شجرها كالقنب وآلة الحرث كلها، لما جاء في مسند أحمد من حديث جابر أنَّ النَّبِيَّ وَّ لما حرم المدينة، قالوا يا رسول الله إنَّا أصحاب عمل وأصحاب نضح، فرخِّص لنا فقال ((القائمتان والوساد، والعارضة والمسند، وأما غير ذلك فلا يعضد)) ولقوله عليه الصلاة والسلام في حديث أبي شريح: ((ولا يخبط فيها شجر إلاَّ لعلف)) [رواه مسلم (١٣٥٤)]. * فائدة: آثار إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام بمكة المكرمة كثيرة، فهو: أولاً: أول من أسس مكة وسکنها، بوضعه ابنه وزوجته هاجر فيها . ثانيًا: دعا لأهلها بسعة الرزق، وأن يكون البلد مثابة للناس وأمناً. ثالثًا: هو الذي أعلن تحريمها، وعظمتها عن أمر الله تعالى. ١٠٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام رابعًا: هو الذي بنى البيت الحرام، ووضع قواعده، وساعده ابنه إسماعيل. خامسًا : هو الذي نادی الناس ليحجوه. سادسًا: هو الذي أقام شعائر الحج، فهي من مآثره. سابعًا: هو الذي أعلن فيها التوحيد، وعبادة الله وحده. ثامناً: هو أول من حدد الحرم بتعليم من جبريل . ١٠٩ كتاب الحج - باب صفة الحج ودخول مكة باب صفة الحج ودخول مكة مقدمة صفة الحج بيان ما شرع فيه من أقوال وأفعال، وفيها حديث جابر الطويل الذي رواه مسلم، فإنه وصف حجة النبي ◌َّ من حين خرج من المدينة حاجًا إلى أن عاد إليها من حجته وَّر، وسيكون بيان الحج وصفته بذكر ما ساقه المؤلف من هذا الحديث الشريف، وشرحه إن شاء الله تعالى. وأما مكة المكرّمة التي شرفها الله تعالى ببيته الحرام والبقاع المقدسة، فهي البلد الحرام الذي جعله الله تعالى مبعثًا لخاتم أنبيائه، ومهبطًا لآخر رسالاته، تلك الرسالة العامة الشاملة الثابتة الباقية، لما جعل الله تعالى فيها من مقومات البقاء، وعناصر الخلود، مما يكفل لها هذا البقاء الأبدي والشمول الذي لا ينتهي، فكان مصدرها من أم القرى، التي صارت بهذه الرسالة عاصمة الدنيا، وقبلة المسلمين. قال الأستاذ حسين كمال الدين أحمد: إنَّ مكة المكرمة في الإسقاط المساحي المكي هي مركز العالم كله، ولقد أصبح من البديهي أنَّ الأرض كروية، وأنَّ الكرة الأرضية تدور حول نفسها دورة منتظمة، ولابد من محور ثابت داخل هذه الكرة يحدد النقطتين الثابتتين القطب الشمالي والقطب الجنوبي، والخط الدائري هو خط الاستواء. وعندما تمَّ توقيع حدود القارات السبع على خريطة الإسقاط، وجدنا أنَّ الحدود الخارجية لهذه القارات يجمعها محيط دائرة واحدة، مركزها عند مكة المكرمة، أي أنَّ مكة المكرمة تعتبر مركزًا وسطًا للأرض اليابسة على سطح الكرة الأرضية، فهذا الإسقاط المكي الجديد يعطي مكة المكرمة مركزًا خاصًّا بين أماكن العالم، ولله في خلقه أسرار. ١١٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٦٢٠ - عَنْ جَابِرِ بْن عَبْدِ اللهِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - ((أَنَّ رَسُولَ الله رَّ حَجَّ، فَخَرَجْنَا مَعَهُ حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا ذَا الخُلَيْفَةِ، فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ، فَقَال: اغْتَسِلِي، وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ، وَأَخْرِمِي، وَصَلَّى رَسُولُ الله وَّةِ فِي المَسْجِدِ، ثُمَّ رَكِبَ القَصْوَاءَ، حَتَّى إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ عَلَىُ البَيِّدَاءِ أَهلَّ بِالتَّوْحِيدِ: لَبِيَّكَ اللَّهُمَّ لَبِّكَ، لَبَّكَ لاَ شَرِيْكَ لَكَ لَبَيِّكَ، إِنَّ الحَمْدَ وَالنَّعْمَةَ لَكَ والمُلْكُ، لاَ شَرِيْكَ لَكَ، حَتَّى إِذَا أَنتَيْنَا البَيْتَ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ، فَرَمَلَ ثَلاَثًا، وَمَشَىْ أَرْبَعًا، ثُمَّ أَتَى مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ فَصلَّى، وَرَجَعَ إِلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ خَرَجَ مِن الْبَابِ إِلَى الصَّفَا، إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللَّهِ ﴾ أَبْدَأُ بمَا فَلَمَّا دَنَا مِنَ الصَفَا قَرأ : بَدَأَ اللهُ بِهِ، فَرَقَى الصَّفَا حَتَّى رَأَى البَيْتَ، فَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، فَوَخَدَ اللهُ وَكَبََّهُ، وَقَالَ: لاَ إِلهَ إِلَّ اللهُ وَحْدَهُ، لاَ شَرِيْكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، لاَ إِلهَ إلاَّ اللهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ، ثُمَّ دَعَا بَيَّنَ ذِلِك، ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ نَزَلَ إِلَى المَرْوَةِ، حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الوَادِي سَعَىْ، حَتَّى إِذَا صَعِدَتَا مَشَىْ إِلَى المَرْوَةِ، فَفَعَلَ عَلى المَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَىُ الصَّفَا ... وَذَكَرَ الحَدِيثَ، وفَيْهِ: فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوا إِلَى مِنَّى، وَرَكِبَ النَّبِيُّ بِهِ، فَصلَّى بِهَا الظُّهْرَ، وَالعَصْرَ، وَالمَغْرِبَ، وَالعِشَاءَ، وَالفَجْرَ، ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلاً حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، فَأَجَازَ حَتَّى كتاب الحج - باب صفة الحج ودخول مكة = ١١١ عَرَفَةَ، فَوَجَدَ القُبَّ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ، فَنَزَلَ بِهَا، حَتَّى إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالقَصْوَاءِ، فَرُحِلَتْ لَّهُ، فَأَتِى بَطْنَ الوَادِي، فَخَطَب النَّاسَ، ثُمَّ أَذَنَ، ثُمَّ أَقَامَ، فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ، فَصَلَّى العَصْرَ، وَلَمْ يُصَلِّ بيََّهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ رَكِبَ حَتَّى أَتَى المَوْقِفَ، فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ القَصْوَاءَ إِلَى الصَّخَرَاتِ، وَجعَلَ حَبْلَ المُشَاةِ بَيِّنَ يَدَيْهِ، وَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلاً، حَتَّى إِذَا غَابَ القُرْصُ، وَدَفعَ، وَقَدْ شَتَقَ لِلْقَصْوَاءِ الزِّمَامَ، حَتَّى إِنَّ رَأْسَهَا لَيُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِهِ، وَيَقُولُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى: أَيُّهَا النَّاسُ: السّكِينَةَ السَّكِينَةَ، وَكُلَّمَا أَتَىْ حَبْلاً مِنَ الحِبالِ أَرْخَىْ لَهَا قَلِيلاً حَتَّى تَصْعَدَ، حَتَّى أَتَى المِزْدَلِفَةَ، فَصَلَّى بِهَا المَغْرِبَ وَالعِشَاءَ، بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنٍ، وَلَمْ يُسَبِّعْ بَيَّهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى طَلَّعَ الفَجْرُ، وَصَلَّى الفَجْرَ حَتَّى تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، ثُمَّ رَكِبَ حَتَّى أَتِى المَشْعَرَ الحَرَامَ، فَاسْتَقْبلَ القِبْلَةَ، فَدَعَاهُ، وَكَبَرَهُ، وَهَلَّلَهُ، وَوَخَدَهُ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا، فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَتَّى أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ، فَحَرَّكَ قَلِيلاً، ثُمَّ سَلَكَ الطَّرِيْقَ الوُسْطَى الَّتِي تَخْرُجُ عَلى الجَمْرَةِ الكُبْرِى، حَتَّى أَتَى الجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ، فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا، كُلُّ حَصَاةٍ مِثْلُ حَصَىُ الخَذْفِ، رَمَى مِنْ بَطْنِ الوَادِي، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى المَنْحَرِ، فَنَحَرَ، ثُمَّ رَكِبَ ١١٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام رَسُولُ اللهِ، فَأَفَاضَ إِلَى البَيْتِ، فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ مُطَوَّلاً(١). * مفردات الحديث: - أسماء بنت عُميس: بضم العين وفتح الميم بعدها ياء ثم سين مهملة، الخثعمية كانت تحت جعفر بن أبي طالب، وأولاده منها، فقتل شهيدًا بغزوة مؤتة فتزوَّجها أبوبكر الصديق، فولدت له محمَّدًا في الميقات، وبعد وفاة أبي بكر تزوجها علي بن أبي طالب. - استثفري: بسين مهملة فمثناة فوقية ثم ثاؤ ثم فاء ثم راء، واستثفار المرأة أن تشد على وسطها شيئًا ثم تأخذ خرقة عريضة، تجعلها في محل الدم، وتشدها من ورائها وقدامها، ليمنع الخارج، وفي معناها الحفائض الآن. - القصواء: بفتح القاف وسكون الصاد ثم واو وألف ممدودة، قال في النهاية : القصواء: الناقة التي قُطع طرف أذنها، وناقة النبي وَلّه لم تكن مقطوعة الأذن، قال محمَّد بن إبراهيم التيمي: إنَّ القصواء والعَضْبَاء والجَدْعَاء، اسم لناقة للنبي وّل﴿ل واحدة، وهي التي هاجر عليها النَّبي ◌َّ، وهي التي سُبِقت، فشقَّ ذلك على الصحابة . - البيداء: بفتح الباء بعدها ياء مثناة ثم دال مهملة ثم ألف ممدودة، هي الفلاة، جمعها بيْد. - أهلَّ بالتوحيد: رفع صوته بالتلبية، التي تشمل على توحيد الله تعالى بألوهيته، وربوبيته، وأسمائه وصفاته، فكل أنواع التوحيد الثلاثة تشتمل عليها التلبية، وفيه تعريض لما كان يفعله أهل الجاهلية من انضمام قولهم: ((إلاَّ شريكًا هو (١) مسلم (١٢١٨). ١١٣ كتاب الحج - باب صفة الحج ودخول مكة لك تملكه، وما ملك)). - لَبَيَّكَ: أصله ألبَّ بالمكان إذا لزمه، نصب على المصدر، فهو من المصادر التي يجب حذف فعلها لكونه وقع مثنى، ولذلك يجب حذف فعله قياسًا؛ لأنَّ العرب لما ثنوه للتأکید کأنّهم ذکروه مرّتین. فمعنى لبَيك: إجابة لك بعد إجابة، وإقامة على طاعتك دائمة، والمراد بالتثنية التأكيد والتكثير . - إنَّ الحمد: بفتح الهمزة وكسرها، فالكسر على الابتداء، والفتح على المصدرية، قال ثعلب: الاختيار الكسر فهو أجود من الفتح؛ لأنَّ الذي يكسر يذهب إلى أنَّ الحمد والنعمة لله على كل حال، وأما الذي يفتح فيذهب إلى أنَّه معنى لبيك؛ لأنَّ الحمد لك، أي لبَيك لهذا السبب. - والنعمة: بكسر النون هي المسرة واليد البيضاء بالعطاء، والأشهر في إعرابها الفتح معطوف على الحمد اسم ((إنَّ))، والخبر محذوف، والجار والمجرور ((لك)) يتعلَّق بالخبر المحذوف، ويجوز الرفع على الابتداء. - الركن: هو الركن الشرقي من الكعبة المشرفة، الذي فيه الحجر الأسود، والذي يمسح منه الحجر الأسود. - فرمل: الرَّمل هو الإسراع في المشي والهرولة، مع هز المنكب، وذلك في الثلاثة الأشواط الأُوَل من طواف القدوم. - مقام إبراهيم: هو الحَجَر الذي كان يقوم عليه إبراهيم أثناء بنائه البيت هو وإسماعيل، وهو الآن في حاشية المطاف، تجاه باب الكعبة المشرفة . - رقى: قال في المصباح ما خلاصته: رقيت في السلم أرقى رقيًا، من باب تعب، ورقيت الجمل علوته، وأما رقيته أرقيه من باب رمى: عوذته بالله، والاسم الرقیا على وزن فعلى، والجمع رُقّی. - الصفا: مقصور، جمع صفاة، وهو الحجر الضخم الصلد الأملس، وهكذا ١١٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام هذا المشعر، وهو أصل جبل أبي قيس، وهو من الشعائر المقدسة، قال تعالى: ﴿﴿ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللَّهِ﴾ الآية [البقرة: ١٥٨]. - المروة: جمعها مرو هي الحجارة البيض الرقاق البراقة في الشمس، وهكذا صفة المروة التي هي أحد المشاعر المقدسة، قال تعالى: ﴿﴿ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]. - شعائر الله: الشعائر جمع شعيرة وهي أعلام الإسلام، والشعائر هنا هي أعلام الحج، ليقوم الحاج بتعظيمها، والطواف بهما. - أنجز: نجز الوعد نجزًا - من باب قتل - تعجل، ويتعدى بالهمزة وبالحرف، فيقال: أنجزته ونجزت به إذا عجلته، وقد تحقق هذا الوعد بنصر الله لنبيه، حين هزم الأحزاب وحده. - وعده: وعد يستعمل في الخير والشر، فيقال: وعده خيرًا وبالخير، وشرًا وبالشر، وقد أسقطوا لفظي: الخير والشر، وقالوا: في الخير: وعده وعدًا ، وفي الشر: وعده وعيدًا، فالمصدر هو الذي يفرق بينهما، فالوعد للخير والوعيد للشر. - نصر عبده: ينصره نصرًا، أعانه وقواه، والمعنى: نصر الله نبيه محمَّدًا وَّل على أعدائه، حتى صارت له الغلبة عليهم، وفتح البلاد. - هزَم: يهزم هزمًا - من باب ضرب - كسره وفلّه، فالاسم الهزيمة، والجمع هزمات . - الأحزاب: الأحزاب: هم تلك القبائل الذين تحزبوا، وتجمعوا وحاصروا المدينة، فهزمهم الله تعالى وحده من غير قتال الآدميين، قال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَحُنُودًا لَّمْ تَرَوَّهَا﴾ [الأحزاب: ٩]، وقال تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُواْ خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ اَلْقِتَالُ وَ كَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا ٢٥ [الأحزاب]. كتاب الحج - باب صفة الحج ودخول مكة = ١١٥ - انصبَّت قدماه: في بطن الوادي: نصب ينصب نصابًا، انحدر فهو مستعار من انصباب الماء في بطن الوادي، فالانصباب الانحدار. - بطن الوادي: ما خفي منه، وانخفض. - سعى: يسعى سعيًا، السعي يطلق في لسان العرب على الإسراع، والعَدْو الشديد، ويطلق على الكسب للخير أو الشر، فإن كان يعدى بـ((إلى)) فالمراد منه الجري، وإن كان المراد به العمل والكسب فيعدى باللام، قال تعالى: ( وَسَعَى لَا سَعْيَهَا﴾ [الإسراء: ١٩] أي عمل لها، وأما قوله تعالى: ﴿فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ﴾ [الجمعة: ٩] فيعتبر بمعنى المضي، ولذا فإنَّ قراءة عمر وابنه وابن مسعود: ((فامضوا))، والمراد بالسعي هنا العَدو الشديد، وقت شعيرة السعي في بطن الوادي، والآن مكان العدْو هو ما بين العَلَمَيْنِ الأخضرين، اللذين هما علامة على ضفتي الوادي. - يوم التروية: بفتح المثناة الفوقية فراء، هو اليوم الثامن من ذي الحجة، سمي بذلك، لأنَّهم كانوا يتروون فيه الماء ليوم عرفة، ذلك أنَّه لم يكن فيه حينذاك ماء . - فأجاز: جاز المكان يجوزه جوزاً وجوازًا: سار فيه، وأجازه بالألف قطعه ومعناه هنا: جاوز المزدلفة، ولم يقف بها بل توجه إلى عرفات. - عرفة: هي مشْعر حلال، فهي خارج حدود الحرم لأنَّها واقعة في الحل وحدودها كالآتي: الحد الشمالي: ملتقى وادي وصیق بوادي عرنة . الحد الجنوبي: ما بعد مسجد نمرة جنوبًا بنحو كيلو ونصف. الحد الغربي: هو وادي عرنة، ويمتد هذا الحد من ملتقى وادي وصيق حتى يحاذي جبل نمرة. الحد الشرقي: هي الجبال المحيطة المقوسة على ميدان عرفات من الثنية التي ١١٦) توضيح الأحكام من بلوغ المرام ينفذ معها طريق الطائف، وتستمر سلسلة تلك الجبال شمالاً حتى تنتهي سفوحها عند ملتقى وصيق بعرنة . قال العيني: وأما عرفة فإنَّها تطلق على الزمان، وهو اليوم التاسع من ذي الحجة، وعلى المكان وهو الموضع المعروف. حتى أتى عرفة: نقول فيه ما قاله النووي: المراد قارب عرفات، فإنَّ نمرة ليست من عرفات. - القُبة: بضم القاف وتشديد الباء الموحدة التحتية ثم تاء التأنيث، هي الخيمة الصغيرة . قال ابن الأثير: القبة من الخيام بيت صغير مستدير، والجمع قِبَب وقِباب. - ضُرِبت له: ضرب القبة نصبها، وإقامتها على أوتاد مضروبة في الأرض. - نَمِرة: بفتح النون و کسر الميم فراء فتاء تأنیث جبلان، صغیران هما منتهى حد الحرم من الجهة الشرقية، فهما محاذيان لأنصاب الحرم، فنمرة تكون على يمين الخارج من المأزمين والأنصاب عن يساره، ووادي عرنة يفصل بين نمرة وبين عرفات. - بطن الوادي: أي وادي عرنة الذي فيه مقدمة مسجد نمرة، ووادي عرنة ليس من موقف عرفات بل هو حدها الغربي كما تقدم. - الصخرات: هي صخرات ملتصقة بالأرض تقع خلف جبل عرفات، فهي عنه شرقًا، فالواقف عندها يستقبل جبل الرحمة، والقبلة معًا، وهو موقف النبي /﴾، وهو موقف الولاة بعده حتى الآن. - حبل المشاة: الأصح أنَّها بالحاء المهملة وبعدها باء موحدة ثم لام، وهو الطريق الذي يسلكه المشاة، ويكون هذا الحبل أمام الواقف على الصخرات وبین یدیه . - المشاة: بضم الشين، جمع ماش. ١١٧ كتاب الحج - باب صفة الحج ودخول مكة - الصفرة: بضم الصاد وسكون الفاء، لونٌ دون الحمرة، وهو شعاع الشمس بعد مغيبها . - حتى غربت الشمس حتى غاب القرص: قال النووي: ((هكذا في جميع النسخ، ويحتمل أن يكون قوله ((حتى غاب القرص)) بيانًا لقوله غربت الشمس وذهبت الصفرة، فإنَّ هذه تطلق مجازًا على مغيب معظم القرص، فأزال ذُلك الاحتمال، بقوله حتى غاب القرص. وقال القاضي عياض: ولعلَّ الصواب؛ حين غاب القرص، ويحتمل الأول ويكون الكلام على ظاهره، وجاء بقوله: حتى غاب القرص لدفع توهم المجاز. - دفع: يقال دفع السيل من الجبل إذا انصب منه، الدفع هنا المراد به: الإفاضة من عرفة إلى مزدلفة . - شنقَ: بفتح الشين المعجمة والنون الفوقية الموحدة مخففة ثم قاف مثناة، ضمَّ وضیَّق. - الزِّمَام: بكسر الزاي المعجمة، هو الخيط الذي يشد إلى الحلقة التي في أنف البعیر، لیقاد به، ويمنع به. - مورِك: بفتح الميم وكسر الراء الموضع من الرحْل، يجعل عليه الراكب رجله، وتسميها العامة ((میرکة)). - رَحْله: بالحاء المهملة ما يوضع على ظهر البعير للركوب، ويسمى الكُور بضم الکاف وسکون الواو، وهي لغة فصحى. - السكينة السكينة: مرتين، الأولى منصوبة بفعل محذوف على الإغراء، أي الزموا السكينة، والسكينة الثانية توكيد لها، والسكنية في السير من السكون ضد الحر کة، أي كونوا مطمئنين خاشعين . - حَبْلاً: بالحاء المهملة وإسكان الباء، وهو التل اللطيف من الرمل الضخم. ١١٨) توضيح الأحكام من بلوغ المرام - حتى تصعد: بفتح التاء المثناة الفوقية وضمها، فإنَّه يقال: صعدت الجبال وأصعد إذا ارتفعت في جبل أو غيره، فالإصعاد السير في مستوى من الأرض والصعود الارتفاع على الجبال والسطوح والسلالم والدرج، ومنه: ﴿كَأَنَّمَا يَصَّغَّدُ فِ السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥]. - المزدلفة: مأخوذ من الازدلاف، وهو التقرب، فالحاج يتقرَّب بها من عرفة إلى منى، أما حدودها فهي : الحد الشرقي: من مفيض المأزمين الغربي. الحد الغربي: وادي مُحسِّر. الحد الشمالي : جبل ثَبِير. الحد الجنوبي: جبال المريخيات. فما بين هذه الحدود الأربعة من شعاب، ووهادٍ، وروابٍ، وسهولٍ كلها مزدلفة، وتسمىُ جَمْعًا؛ لاجتماع الناس فيها ليلة يوم النحر. - لم يسبح بينهما: أي لم يصلِّ نافلة بين صلاتي المغرب والعشاء. - المشعر الحرام: هو جبل صغير في المزدلفة، يسمَّى قُزَح بضم القاف وفتح الزاي آخره حاء مهملة، وقد أزيل وجعل مكانه المسجد الكبير الموجود الآن في مزدلفة . - أسفر جدًا: بكسر الجيم، أي إسفارًا بالغًا، والضمير في أسفر يعود إلى الفجر المذكور. - مُحَسِّر: بضم الميم وفتح الحاء المهملة ثم سين مهملة وآخره راء، هو وادٍ يقع بين مزدلفة ومنى، وليس من واحد منهما، وإنما هو برزخ حاجز بينهما، وروافده جبل ثبير الأثبرة، ومنتهاه ملتقاه بسيل مزدلفة، ثم يتَّجهان حتى يجتمعا بوادي عرنة المتجه غربًا إلى البحر الأحمر في جنوب جده . - حرّك: أي حث دابته، واستخرج جريها . ١١٩ كتاب الحج - باب صفة الحج ودخول مكة - الطريق الوسطى: هي الطريق القاصدة إلى الجمرات. - الجمرة: جمعها جمار، والجمَار عند العرب الحجارة الصغار، وبه سميت جمار منى، وسيأتي الحديث عنها إن شاء الله تعالى. - حصى الخذْف: بفتح الخاء المعجمة ثم ذال معجمة ساكنة ففاء موحّدة، وقدر الحصاة مثل حبة الباقلاء، أوالفول. والخذف: هو الرمي بالحصى بالأصابع، وذلك بأن يجعل الحصاة بين سبابتيه ويرمي بها، قال ابن الأثير: ويستعمل في الرمي والضرب. - نَحر: النحر هو الطعن بالسكين، أو الحربة في الوهدة، التي بين أصل العنق والصدر، والنحر للإبل خاصة. - فأفاض إلى البيت: قال في الفائق: الإفاضة في الأصل الصب، فالمراد بها الدفع بكثرة، تشبيهًا لها بفيض الماء الكثير، والمعنى هنا: دفع من منى إلى الكعبة المشرفة لطواف الإفاضة. ما يؤخذ من الحديث: * قال الإمام النووي في شرحه على مسلم: ((حديث جابر حديث عظيم مشتمل على جُمل من الفوائد، ونفائس من مهمات القواعد، وهو من أفراد مسلم، لم يروه البخاري في صحيحه، ورواه أبوداود كرواية مسلم، قال القاضي: وقد تكلّم الناس على ما فيه من الفقه وأكثروا، وصنَّ فیه ابن المنذر جزءًا كبيرًا، وخرَّج من الفقه مائة ونيفًا وخمسين نوعًا، ولو تقصى لزيد على هذا القدر قریب منه) اهـ. وقال شارح البلوغ: ((وليعلم أنَّ الأصل في كل ما ثبت أنَّه فعله وَّ في حجه الوجوب، وذلك لأمرين : أحدهما: أنَّ أفعاله في الحج بيان للحج الذي أمر الله به، والأفعال في بيان الوجوب محمولة على الوجوب. ١٢٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام الثاني: قوله وَالر: ((خذوا عنِّي مناسككم)) فمن ادَّعى عدم وجوب شيء من أفعاله في الحج فعلیه الدلیل)) اهـ. وهذه جمل من فوائده، ونفائسه: ١- أنَّ الحُليفة هي ميقات أهل المدينة، ومن أتى عليها من غير أهلها. ٢- استحباب اغتسال الحائض والنفساء للإحرام، فغيرهما يكون أولى بذلك. ٣- استحباب استثفار الحائض والنفساء في حالة الإحرام، ويقوم مقامها الحفائظ المستعملة الآن . ٤- صحة إحرام الحائض والنفساء، فإذا طرأ الحيض والنفاس بعد الإحرام، فجواز المضي فيه من باب أولى. ٥ - إذا كان الإحرام وقت فريضة أو بعد نافلة لها سبب، كسنة الوضوء، استحب أن يكون الإحرام بعد تلك الصلاة، وإن لم يكن شيء من ذلك، فبعض العلماء يرى استحباب ركعتين قبل الإحرام، ومنهم الحنابلة، ومنهم من لا يرى مشروعية ذلك؛ لأنَّه لا دليل عليه، والعبادات توقيفية، وهذا اختيار شیخ الإسلام ابن تيمية، وهو أولى. ٦- الإهلال بالتلبية حينما يستقل المحرم مركوبه، وتقدَّم أنَّ النَّبِيَّ وَلَهُ أهلَّ بالإحرام بالمسجد بعد انصرافه من الصلاة، ولعلَّ جابرًا من الذين لم يسمعوا إهلاله إلاَّ بعد استوائه على ناقته فحدَّث بما سمع ورأى. ٧- تسمية التلبية توحيدًا لاشتمالها عليه، ففيها أنواع التوحيد الثلاثة، فتوحيد الإلهية في ((لبيك لا شريك لك لبيك)) فهو الاستقامة على عبوديته وحده، وتوحيد الربوبية في إثبات ((أنَّ النعمة لك والملك لا شريك لك)) وتوحيد الأسماء والصفات في إثبات ((الحمد)) المتضمن إثبات صفاته تعالى الكاملة. ٨- الإشارة إلى إهلاله وم له بالتوحيد مخالفة لتلبية المشركين الشركية. ٩ - أنَّ تحيّة المسجد البدء بالطواف في البيت، فأول شيء بدأ به وَله الطواف.