Indexed OCR Text

Pages 561-580

٥٦١
كتاب الصيام - باب صيام التطوع وما نهي عن صومه
حقيقة، وإنما صام صورة؛ ذلك أنَّ الصيام الذي يؤجر عليه صاحبه ما نال
صاحبه، من ألم الجوع والظمأ، وفقد المباحات.
أما صائم الدهر: فقد ألفت نفسُه الصيام، واعتادت طبيعته الحرمان،
فصار لا يحس بالصيام ولا بما يسببه من الجوع والظمأ، وبهذا فكأنَّه لم
یصم، فالحدیث إخبار عن حاله.
٢- على كل حال، فهو مذموم في كلا الأمرين؛ لأنَّه خالف أمر رسول الله مَلآ،
ولأنَّه اختار لنفسه قدرًا من العبادة غير القدر الذي اختاره الله ورسوله.
قال ابن العربي ((شارح الترمذي)): إن كان دعاء، فيا ويح من دعا عليه
النبي ◌َّله، وإن كان خبرًا فيا ويح من أخبر عنه النبي وَليّ .
٣- فإن قيل: إنَّ صيام الدهر فضيلة؛ لأنَّ النَّبيَّ ◌َّهِ قال عن صائم الأيام الثلاثة
من كل شهر: ((إنَّ ذلك يعدل صوم الدهر)) [رواه مسلم (١١٦٢)].
قال ابن القيم: هذا التشبيه إنما يقتضي التشبيه به في ثوابه، لو كان
مستحبًّا .
والدليل عليه من نفس الحديث؛ فإنَّه جعل صيام ثلاثة أيام من كل شهر
بمنزلة صيام الدهر؛ إذ الحسنة بعشر أمثالها، وهذا يقتضي أن يحصل له
ثواب من صام ثلاثمائة وستين يومًا، ومعلوم أنَّ هذا حرام قطعًا، وغير
جائز بالاتفاق، فالتشبيه إنما جاء على تقدير إمكانه.
٤- الصيام المستحب هو صيام نبي الله تعالى داود؛ كان يصوم يومًا، ويفطر
يومًا، والمسلم الموفق يراعي الأحوال في عباداته وعاداته، فلا يترك شيئًا
يطغى على شيء، فإنَّ الانهماك في نوع يحرم صاحبها من أشياء ربما تكون
أفضل وأولى مما هو عليه.
٥- جاء في الصحيحين من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص؛ أنَّ النَّبيَّ وَيّد
قال: ((صُم يومًا، وأفطر يومًا؛ فإنَّه أفضل الصيام، ولا أفضل من ذلك))، قال

٥٦٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
ذلك وَّ إرشادًا للأمة إلى مصالحهم، وقصرًا لهم على ما يطيقون الدوام
عليه، فإنَّ أحب العمل إلى الله أدومه.
وفيه نهي لهم عن التعمق والتنطع في العبادات؛ فقد قال تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً
أَبْتَدَعُوهَامَا كَنَبْنَهَا عَلَيْهِمْ﴾ [الحديد: ٢٧].
وقال ◌َله: (( لا رهبانية في الإسلام)).
قال الشيخ: فإنَّ من حق النفس اللطف بها .
واشترط العلماء في فضيلة صوم يوم وفطر يوم، ألا يضعفه الصيام عما هو
أفضل منه، واجبًا أو سنة.
:
* فائدة:
قال أصحابنا: ويكره إفراد رجب بالصوم؛ لأنَّ فيه إحياء لشعائر
الجاهلية .
قال الشيخ: كل حديث يروي في فضل صومه أو الصلاة فيه، فكذب
باتفاق أهل الحديث.

٥٦٣
كتاب الصيام - باب قيام رمضان
باب قيام رمضان
مقدمة
المراد بالقيام هنا: الصلاة الوعود عليها بالغفران.
سميت الصلاة: قيامًا ببعض أركانها، كما تسمى ركوعًا، قال تعالى:
[البقرة]، وتسمى: سجودًا أيضًا، قال الله تعالى:
وَأَزْكَعُواْ مَعَ الْرَّكِعِينَ !
وُقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَلِّمُونَ
[القلم]، وقال رَلي: ((أعنّي على نفسك
٤٣
بكثرة السجود)».
ولعل التسمية جاءت مطابقة لما تمتاز به من كثرة القراءة، وإطالة القيام فيها.
: فضل قيام الليل:
قال تعالى: ﴿كَانُواْ قَلِيلًا مِّنَ الَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ
[الذاريات]، وقال تعالى:
١٧
نَتَجَاقَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾ فَلَا
تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّ أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةٍ أَعْيُنٍ جَزَآءُ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ!
﴾ [السجدة].
وجاء في البخاري (١٠٨٤)، ومسلم (١٩٦٥) عن عبدالله بن عمرو بن
العاص، قال: قال رسول الله صلقال: ((يا عبدالله، لا تكن مثل فلان، كان يقوم
الليل، فترك قيام الليل)).
وجاء في ((سنن الترمذي)) (٢٤٠٩) بسند صحيح عن عبدالله بن سلام، أنَّ
النَّبِيَّ وَّرِ قال: ((أفشُوا السلام، وأطعموا الطعام، وصِلُوا الأرحام، وصَلُّوا
بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام)).

٥٦٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
وجاء في صحيح مسلم (١٢٥٩) عن أبي هريرة؛ أنَّ النَّبِيَّ وَلّ قال: ((إنَّ
في الليل ساعةً، لا يوافقها عبدٌ مسلمٌ، يسأل الله خيرًا من أمر الدنيا والآخرة، إلاَّ
أعطاه إياه)) .
وجاء في الترمذي (٣٤٧٢)؛ أنَّ النَّبِيَّ وَِّ قال: ((عليكم بقيام الليل؛ فإنَّه
دأب الصالحين قبلكم، وهو قُربة إلى ربكم، ومكفرة للسيئات، ومنهاة عن الإثم)).
والآيات والأحاديث والآثار في فضل قيام الليل، والحث عليه كثيرة
معروفة، ولله الحمد.
* قيام رمضان:
والمراد بالقيام هنا: صلاة التراويح؛ لما أخرجه البخاري (١٨٧٣)
ومسلم (١٢٧٠)، عن عائشة قالت: ((صلَّى النَّبِيِ وَّ ليلة في المسجد في شهر
رمضان، ومعه ناس، ثم صلَّى الثانية، فاجتمع الناس أكثر من الأولى، فلما
كانت الثالثة، أو الرابعة، امتلأ المسجد حتىَّ غصَّ بأهله، فلم يخرج إليهم
رسول الله وَ﴾، فجعل الناس ينادونه، فقال: أما إنَّه لم يَخْفَ عليَّ أمركم،
وللكني خشيت أن تُكتَب عليكم))، زاد البخاري في رواية: ((فتوفي رسول الله
◌َال﴾( والأمر على ذلك)).
وأخرج النسائي (١٥٨٦) من طريق يونس بن يزيد عن الزهري الجزم بأن
الليل التي لم يخرج فيها النبي وَلّ هي الرابعة.
وروى الترمذي (٧٣٤) بإسناد صحيح عن أبي ذرٍّ قال: ((صمنا مع رسول
الله وَلِّ رمضان، فلم يقم بنا شيئًا من الشهر، حتى بقي سبع، فقام بنا، حتى
ذهب ثلث الليل، فلما كان الخامسة، قام بنا حتى ذهب شطر الليل، فقلتُ : یا
رسول الله، لو نفلتنا قيام هذه الليلة، فقال: إنَّ الرجل إذا صلَّى مع الإمام حتى
ينصرف حسبت له قيام ليلة، فلما كان الليلة الثالثة، جمع أهله والناس، فقام بنا
حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح، قال الراوي: قلتُ: وما الفلاح؟ قال: السحور،

٥٦٥
کتاب الصيام - باب قيام رمضان
ثم لم يقم بنا بقية الشهر)).
قال ابن عبدالبر: وهذا كله يدل على أنَّ قيام رمضان جائز أن يضاف إلى
النبيِ وَلّ لحضِّه عليه، وعمله به، وإنَّ عمر - رضي الله عنه - إنَّما أحيا منه ما قد
سنَّ النبي ◌َله.
وقال العراقي في ((طرح التثريب)): استدلَّ بحديث عائشة على أنَّ الأفضل
في قيام رمضان أن يفعل في المسجد في جماعة؛ لكونه و ﴿ فعل ذلك، وإنما
تركه لمعنى قد أمِنَ بوفاته عليه الصلاة والسلام، وهو خشية الافتراض.
وهذا مذهب جمهور علماء المسلمين، ومنهم الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة
والشافعي وأحمد، وصار من الشعائر الظاهرة.
* عدد الركعات:
قال العراقي: لم تبين في هذا الحديث - رضي الله عنها - عدد الركعات
التي صلاها النبي ◌َّ- تلك الليالي في المسجد، وقد قالت عائشة - رضي الله
عنها -: ((ما زاد النبي ◌َّل في رمضان، ولا غيره على إحدى عشرة ركعة)) [رواه
البخاري (١٠٧٩)]، فالظاهر أنَّه كذلك فعل في هذا المحل.
للكن عمر - رضي الله عنه - لما جمع الناس على صلاة التراويح في شهر
رمضان، مقتدين بأبي بن كعب، صلَّى بهم عشرين ركعة غير الوتر، وهو ثلاث
ركعات، وبهذا أخذ الأئمة: أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، والثوري،
والجمهور.
قال ابن عبدالبر: هو قول جمهور العلماء، وهو الاختيار عندنا، وعدوا
ما وقع في زمن عمر - رضي الله عنه - كالإجماع.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إنَّ نفس قيام رمضان لم يؤقِّت فيه النبي وَ ل
عددًا معينًا، بل كان هو لا يزيد على ثلاث عشرة ركعة، لكن يطيل الركعات،
فلما جمعهم عمر- رضي الله عنه - على أبي بن كعب، صلَّى بهم عشرين ركعة،

٥٦٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
ثم يوترون بثلاث، وكان يخفف القراءة بقدر ما زاد من الركعات؛ لأنَّ ذُلك
أخف على المأمومين من تطويل الركعة الواحدة، فحينئذ فله أن يصلي عشرين
ركعة، كما هو المشهور في مذهب أحمد والشافعي، وله أن يصليها ستًّا
وثلاثين، كما هو مذهب مالك، وله أن يصليها إحدى عشرة، فيكون تكثير
الركعات أو تقليلها بحسب طول القيام أو تقصيره، والأفضل أن يكون بحسب
اختلاف حال المصلين، فإن كان منهم احتمال لطول القيام بعشر ركعات وثلاث
بعدها، فهو أفضل، وإن كانوا لا يحتملونه، فالقيام بعشرين هو الأفضل.
وهو الذي يعمل به أكثر المسلمين، وعليه العمل في الحرمين الشريفين،
ولا يكره شيء من ذلك.
وقال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: ذهب أكثر أهل العلم كالأئمة:
أبي حنيفة والشافعي وأحمد إلى أنَّ صلاة التراويح عشرون ركعة؛ لأنَّ عمر
جمع الناس على أبي بن كعب، فكان يصلي بهم عشرين ركعة، وكان هذا
بحضور الصحابة، فكان كالإجماع، وعليه عمل الناس، فلا ينبغي الإنكار
عليهم، بل يتركون على ما هم عليه. والله الموفق.

٥٦٧
كتاب الصيام - باب قيام رمضان
٥٨١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَه
قَالَ: ((مَنْ قَامَ رَمَضَانَ؛ إِيْمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)).
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
* مفردات الحديث:
- من: اسم شرط جازم، و((قام)) فعل الشرط، وجوابه ((غُفِرَ لَهُ)).
- إيمانًا : منصوب على أنَّه حال، بمعنى: أنَّه حال قيامه مؤمنا بالله تعالى، ومصدقًا
بوعده، ومؤمنًا بفضل هذه الليالي، وعظيم أجر العمل بها عند الله تعالى.
- احتساباً: منصوب على أنَّه حال، بمعنى: محتسبا الثواب عند الله تعالى،
فالحسبة بالكسر هي: الأجر، الذي يرجوه العبد القائم عند الله تعالى.
قال العلماء: ويبعد أن يكون ((إيمانًا واحتسابًا))؛ مفعولين من أجله، أو
تمییزًا .
- غُفِرَ لَهُ: من: الغفر وهو الستر، ومنه: المِغفر؛ وهو الخوذة التي تستر
الرأس، ومغفرة الله لعبده: إلباسه إياه العفو، وستر ذنوبه.
- مِنْ ذنبه: متعلق بقوله: ((تقدم))، ويجوز أن تكون بيانية لما تقدم.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - معنى قيام رمضان هو إحياء ليله بالعبادة والصلاة، ففيه مشروعية صلاة الليل
في رمضان، وثبتت صلاتها جماعة في المسجد عن النبي ◌َّ، ثم أجمع
عليها الصحابة - رضي الله عنهم - في خلافة عمر بن الخطاب - رضي الله
عنه - ثم عمل بها المسلمون بعد ذلك قاطبة، فقاموا بصلاة التراويح.
(١) البخاري (٢٠٠٩)، مسلم (٧٥٩).

٥٦٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٢ - جزاء القيام في شهر رمضان هو غفران الذنوب، وتكفير السيئات، لكن
تقدم أنَّ هذا مقيد بتكفير الذنوب الصغائر المتعلقة بحق الله تعالى، وإطلاق
الذنب يشمل الكبائر والصغائر، لكن جزم إمام الحرمين بأنَّه يختص
بالصغائر، ونسبه القاضي عياض لأهل السنة.
قال النووي: إن لم يوجد صغائر، يرجى أن تخفف الكبائر .
٣- قبول صلاة الليل وترتب تكفير السيئات بها مشروطٌ به أمران:
أحدهما: أنَّ الذي حمل القائم على القيام هو الإيمان والتصديق بثواب الله
تعالى.
الثاني: احتساب العمل عند الله تعالى، والإخلاص فيه لوجه الله تعالى، فإن
فقد العمل هذين الشرطين الهامين، ودخله الرياء والمباهاة، فإنَّه باطل
مردود على صاحبه، ونال به صاحبه الملامة والعذاب.
٤- حكى الكرماني الاتفاق على أنَّ المراد بقيام الليل: صلاة التراويح، ويحصل
هذا الفضل بما يصدق عليه القيام.
٥- الحديث دليل على فضيلة قيام رمضان، وتأكد استحبابه، وتأكد صلاة
التراويح جماعة في المسجد.
قال شيخ الإسلام وغيره: كان الصحابة يفعلونها فى المسجد أوزاعًا في
جماعات متفرقة في عهد النبي پڼ، وعلى علم منه بذلك، وإقراره لهم،
فقد دلَّت الأخبار على أنَّ فعل التراويح جماعة أفضل من الانفراد، وذلك
بإجماع الصحابة وأهل الأمصار، وهو قول جمهور العلماء.
٦- قال شيخ الإسلام: الصلاة التي لا تسن لها الجماعة الراتبة كقيام الليل،
والسنن الرواتب، وصلاة الضحى، وتحية المسجد، ونحو ذلك، فتجوز
جماعة أحيانًا، وأما اتخاذ ذلك سنة راتبة فهو بدعة مكروهة.

٥٦٩
كتاب الصيام - باب قيام رمضان
٥٨٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: ((كَانَ رَسُولُ
اللهِ نَّهِ إِذَا دَخَلَ العَشْرُ - أَي: العَشْرُ الأَخِيْرَةُ مِنَ رَمَضَانَ - شَدَّ مِثْزَرَهُ،
وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
* مفردات الحديث:
- مئزره :- بكسر الميم وسكون الهمز- هو الإزار، ويقال: شد للأمر مئزره: تهيّأ
له وتشمر، وهو كناية عن الجد والتشمير في العبادة.
وعن الثوري: أنَّه من ألطف الكنايات عن اعتزال النساء.
وقال بعضهم: هو كناية عن التشمير للعبادة، واعتزال النساء معًا، ولكن
قد تقرر عند علماء البيان أنَّ الكناية لا تنافي إرادة الحقيقة، فلا يبعد أنَّه ◌َآلآل قد
شدَّ مئزره ظاهرًا، وتفرغ للعبادة، واشتغل بها عن غيرها.
- وأحيا ليله: يُحمل على أحد وجهين:
أحدهما: راجع إلى العابد، فاشتغاله بالعبادة عن النوم الذي هو بمنزلة
الموت إحياء لنفسه .
والثاني: أنَّه راجع إلى نفس الليل، فإنَّ ليله لما صار بمنزلة نهاره في القيام
فيه، كأنه أحياءه بالطاعة والعبادة.
* ما يؤخذ من الحديث:
١- الليالي العشر الأخيرة من شهر رمضان هي أفضل ليالي العام كله؛ لما
خصت به من المزايا العظيمة، والفضائل الجسيمة، التي أهمها ليلة القدر.
قال شيخ الإسلام: الليالي العشر الأواخر من رمضان أفضل من ليالي ذي
(١) رواه البخاري (٢٠٢٤)، مسلم (١١٧٤).

٥٧٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
الحجة، فهي الليالي التي كان رسول الله وَل يحييها كلها، وفيها ليلة القدر
خير من ألف شهر .
٢ - كان النبي ◌َّ من شدة اهتمامه بههذه الليالي المباركة، يعتكف في المسجد،
ويعتزل الناس، ويعتزل نساءه، تفرغًا للعبادة، وإقبالاً على الله.
٣- الحديث دليل على شدة الإقبال على الطاعة في تلك العشر، والانصراف عن
كل ما يقطع العلاقة بالله تعالى.
٤- قوله: ((إذا دخل العشر، شدّ مئزره)) دليل على الاهتمام، والإقبال على
العبادة .
واختلف العلماء في تفسير ((شدَّ المئزر)) على قولين:
أحدهما: أنَّ هذا كناية عن التشمير للعبادة، والإقبال عليها، والجد
فيها .
الثاني: أنَّ هذا كناية عن اعتزال النساء في هذه العشر، ويبعد المعنى
الأخير: ما روي عن علي - رضي الله عنه - بلفظ: ((فشدَّ مئزرك، واعتزل
النساء)»، فإنَّ العطف يقتضي المغايرة، فهذا غير هذا.
٥- قوله: ((وأيقظَ أهله)) أي: للصلاة والعبادة؛ لئلا تفوتهم فضيلة هذه المواسم
المباركات، وهذا من كمال نصحه لهم، فينبغي لقَيِّم البيت أن ينشط أهله،
ويرغبهم في العبادة، لا سيّما في المواسم الفاضلة.
٦ - العشر الأخير: هي خاتمة الشهر، والأعمال إنما تكون بالخواتيم، ولعلَّ
هذا من أسرار الجد والاجتهاد فيها .
خلاف العلماء:
قال العيني ما خلاصته: المشهور من مذاهب العلماء في هذا الحديث
وشبهه كحديث غفران الخطايا بالوضوء، وبصوم يوم عرفة، ويوم عاشوراء - أنَّ
المراد به: الصغائر فقط؛ كما في حديث الوضوء ما لم تؤت كبيرة.

٥٧١
كتاب الصيام - باب قيام رمضان
قال النووي: في التخصيص نظر، لكن أجمعوا على أنَّ الكبائر لا تسقط
إلاّ بالتوبة أو بالحد.
فائدة:
نلخص خصائص هذه العشرة المباركات بهذه الفقرات بدون أدلتها،
فهي معروفة وقريبة، ولله الحمد.
أولاً: كان ◌َلّ يجتهد فيها بالعمل أكثر من غيرها، والاجتهاد فيها لا
يختص بعبادة خاصة، بل يشمل الاجتهاد في جميع أنواع العبادة، من صلاةٍ،
وتلاوةٍ، وذکرٍ، وصدقةٍ، وغيرها.
ثانيًا: كان ◌َّله يوقظ فيها أهله للصلاة والذكر؛ حرصًا على اغتنام هذه
المواسم الطيبات، فإنَّها غنيمة، لا ينبغي للمؤمن العاقل أن يفوتها ويهملها،
فتذهب علیه سدی .
ثالثًا: كان يعتكف في هذه العشر؛ ليتمتع بهذه الخلوة بالله تعالى،
ويسعد بلذيذ مناجاته، ويبتعد عن كل ما يشغله، ويقطعه عن هذه الخلوة بربه
تعالى.
رابعًا: أرجى ما تكون ليلة القدر في هده العشرة المباركات، لذا كان
ليلها أفضل ليالي العام، فينبغي تلمسها في هذه الليالي، عسى أن يوفق لها
المؤمن، فيحصل له الخير الوفير، فهي ((ليلة مباركة))، وهي ((خير من ألف
شهر)) .
والقصد أنَّ هذه الليالي المباركات التي هي الختام المسك لصوم
الشهر، ليالٍ عظيمةٍ، وفوائدها وعوائدها جسيمة، ولا يفرط فيها إلاَّ المحروم
من الخير، ممن سفه نفسه، وأكبر من ذلك أن يقضيها بالمجالس المحرمة
والاجتماعات الآثمة، نسأل الله تعالى السلامة.

٥٧٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
الإعتكاف
ـاب
مقدمة
الاعتكاف لغة: لزوم الشيء، وحبس النفس عليه، ومنه قوله تعالى:
﴿ وَأَنْظُرْ إِلَ إِلَهِكَ الَّذِى ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾ [طه: ٩٧] أي: الذي أقمت ودمت
على عبادته.
وشرعًا: المقام في المسجد من شخص مخصوص، على صفة
مخصوصة، لطاعة الله تعالى.
والاعتكاف سنة وقُربة: بالكتاب، والسنة، والإجماع.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَشِرُوهُنَ وَأَنْتُمْ عَلَكِفُونَ فِى الْمَسَجِدِ﴾
[البقرة: ١٨٧]، وقال تعالى: ﴿وَعَهِدْنَآ إِلَى إِبْرَهِمَ وَإِسْمَعِيلَ أَن طَهِرَا بَيْتِىَ لِلَّهِفِينَ
[البقرة: ١٢٥]، واستفاضت السنة النبوية في فعله
وَالْعَكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ
وَ له والترغيب فيه، وإقراره.
وأجمع العلماء على مشروعيته، وأجمعوا على أنَّه مستحب وليس
بواجب.
قال الإمام أحمد: لا أعلم عن أحد من أهل العلم خلافًا أنَّه مسنون، وقد
اتَّفق العلماء على أنَّه مسنون كل وقت، وللكنه في رمضان، وفي عَشْرِه الأخيرة
آكد.
* حكمته:
قال ابن القيم: لما كان صلاح القلب، واستقامته على طريق سيره إلى الله

٥٧٣
كتاب الصيام - باب الاعتكاف
تعالى، متوقفًا على جمعيته، بإقباله بالكلية على الله تعالى، فإن شَعث القلب لا
يلمه إلاّ الإقبال على الله تعالى، وكان فضول الطعام والشراب، وفضول مخالطة
الأنام، وفضول الكلام، وفضول المنام، مما يزيده شعثًا، ويشتته في كل وادٍ،
ويقطعه عن سيره إلى الله تعالى، أو يضعفه، ويعوقه، ويوقفه، اقتضت رحمة
العزيز الرحيم بعباده أن شرع لهم من الصوم ما يُذْهب فضول الطعام والشراب،
واستفراغ القلب من أخلاط الشهوات المعوقة له عن سيره إلى الله تعالى،
وشرعيته بقدر المصلحة؛ بحيث ينتفع به العبد في دنياه وأخراه، ولا يقطعه عن
مصالحه العاجلة والآجلة، وشرع لهم الاعتكاف الذي مقصوده وروحه عكوف
القلب على الله تعالى وجمعيته عليه، والخلوة والانقطاع والانشغال به وحده
سبحانه وتعالى، ويصير ذكره وحبه والإقبال عليه في محل عموم القلب،
وخطراته، فيستولي عليه بدلها، ويصير الهم به كله، والخطرات كلها بذكره،
والفكرة في تحصيل مراضيه منه، فيصير أنسه بالله، بدلاً من أنسه بالخلق،
وبعده بذلك، لأنسه به يوم الوحشة في القبور، حين لا أنيس له سواه، فهذا
مقصود الاعتكاف الأعظم.
وذكر الاعتكاف بعد الصيام لمناسبتين :
الأولى: أنَّ جملة الكلام على الصیام یتناول صيام شهر رمضان، وهو
الشهر الذي يتأكد استحباب الاعتكاف فيه؛ لما يرجى فيه من ليلة القدر.
الثانية: اتفاق العلماء على مشروعية الصيام مع الاعتكاف؛ لأنَّ تمام قطع
العلائق عن الدنيا يكون بالصيام، والبعد عن الشهوات والعادات.
واشترط الحنفية والمالكية لصحة الاعتكاف الصيام، ولكن رأى غيرهم
من العلماء أنَّه لا دليل لهم، إلاَّ أنَّ النَّبيَّ وَّ لم يعتكف إلاَّ صائمًا، والفعل
المجرد لا يكون دالاً على الشرطية. وقد اعتكف في شوال ولم ينقل أنَّه صام
أيام اعتكافه.

٥٧٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
وجاء في البخاري (٦٢٠٣) ومسلم (٣١٢٨) أنَّ عمر بن الخطاب - رضي
الله عنه - قال: قلتُ: يَا رَسُولَ الله، إني نذرتُ في الجاهلية أن أعتكف ليلة في
المسجد الحرام، قال: ((أوف بنذرك))، والليل ليس وقتًا للصيام، والله أعلم.

٥٧٥
كتاب الصيام - باب الاعتكاف
٥٨٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا -: ((أَنَّ النَّبيَّ ◌َلِ كَانَ
يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ، حَتَّى تَوقَّاهُ اللهُ عَزَّ وَجلَّ، ثُمَّ
اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
* مفردات الحديث:
ـ يعتكف: الاعتكاف هو: حبس النفس في المسجد لله تعالى، وعكف على
الشيء يعكف عكوفًا: إذا واظب عليه ولازمه، ومنه قوله تعالى: ﴿يَعَكُفُونَ عَ
أَصْنَاءٍ لَّهُمْ﴾ [الأعراف: ١٣٨] أي: يقيمون عليها، فيلازمونها.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - كان النبي ◌َلّ يعتكف العشر الأواخر من رمضان؛ طلبًا لليلة القدر، لما
قوي ظنه أنَّها في تلك العشر المباركات، واستمرّ يعتكفهن كل سنة حتى
توفاه الله تعالى، ثم اعتكف أزواجه من بعده.
فيشرع الاعتكاف؛ لأنَّه سنة مؤكدة، فعلها النبي ◌َّهِ، وأقرَّ عليها.
٢- فائدة الاعتكاف وثمرته هي قطع المعتكف علائقه عن الدنيا وما فيها،
والخلوة بربه، والتلذذ بمناجاته، وجمعية نفسه وخواطره وأفكاره عليه،
وعلى عبادته.
٣- الاعتكاف سنة باقية لم تنسخ؛ إذ اعتكف أزواج النبي وَ لر بعده.
٤- كان لا يعتكف شهر رمضان كله، فكان آخر الأمر منه أن اقتصر على العشر
الأواخر من رمضان؛ لما يرجى فيهن من ليلة القدر.
٥- إنَّ شرط الاعتكاف أن يكون في مسجد تقام فيه الجماعة؛ لقوله تعالى:
(١) البخاري (٢٠٢٥)، مسلم (١١٧٢).

٥٧٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
﴿ وَأَنْتُمْ عَلَكِفُونَ فِى الْمَسَجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، ولئلا يفضي اعتكافه إلى ترك
الجماعة، أو إلى تكرار الخروج من معتكفه إليها كثيرًا، وهذا منافٍ
للاعتكاف.
٦- أفعال النبي وله تقسم إلى أنواع خمسة:
الأول: ما فعله على مقتضى الطبيعة البشرية؛ كالنوم والأكل والشرب،
فهذا لا حكم له، وإنما يدخله العنصر الديني إذا قصد به الفاعل التقوي
على طاعة الله تعالى، أو فعله على هيئة مشروعية، كالنوم على الجنب
الأيمن، والأكل باليمين؛ احتسابًا للأجر عند الله.
الثاني: ما فعله عادة لا عبادة؛ كلبس العمامة والإزار والرداء، وكنوع من
الأكل ونحو ذلك، فهذا الاتباع فيه أن يلبس الإنسان ما يلبس أبناء جنسه
وأهل بلده، وليس من الاقتداء أن يلبس الإنسان ما كان يلبسه النبي وَليد ،
فالقدوة هنا عدم المخالفة، لا ذلك النوع الخاص.
الثالث: ما فعله على سبيل التعبد، فإذا ظهر لنا فيه قصد العبادة،
فيستحب لنا اتباعه في ذلك؛ لأنَّ أفعال النبي ◌َّهِ المجردة لا تدل على
الوجوب، على الراجح.
الرابع: ما كان مترددًا بين العبادة والعادة، كالتحصيب بعد ليالي منى،
وصفة دخول مكة، ودخول المسجد، فبعض العلماء یری أنَّه فعل ذلك على
وجه العبادة، وبعضهم يرى أنَّها جاءت على سبيل العادة؛ لأنَّها أسمح
لطريقه .
الخامس: ما فعله النبي وَ لّ بيانًا لحكم مجمل؛ كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ
الصَّلَوةَ﴾، فكان ◌َل ليه يقول: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) [رواه البخاري].

٥٧٧
كتاب الصيام - باب الاعتكاف
٥٨٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: ((كَانَ النَّبِيُّ ◌َالمول
إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ، صَلَّى الفَجْرَ، ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١).
* مفردات الحديث:
- معتكفه: ظرف مكان؛ أي: مكان اعتكافه.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - فيه مشروعية الاعتكاف واستحبابه، وأنَّه من فعل النبي وَّل وسنته.
٢- أنَّ وقت دخول المعتكف؛ أي: مكان اعتكافه يكون بعد صلاة الصبح.
٣- فيه دليل أنَّه لا بأس من احتجاز مكان للاعتكاف بخيمة، أو خصفة، أو
حُجْرَة، أو نحو ذلك؛ لما أخرج الشيخان عن عائشة ((أنَّ النَّبِيَّ وَِّ كان إذا
أراد أن يعتكف، أمر بضرب خبائه، فضُرِبَ))، وإباحة هذا المكان
المحجوز بشرط ألاَّ يحصل به ضيق عن المصلين.
-
(١) البخاري (٢٠٣٣)، مسلم (١١٧٣).

٥٧٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٥٨٥ - وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: ((إِنْ كَانَ رَسُولُ
اللهِ وَِّ لَيُدْخِلُ عَلَيَّ رَأْسَهُ - وَهُوَ فِي المَسْجِدِ - فَأُرَجِّلُهُ، وَكَانَ لاَ
يَدْخُلُ البَيْتَ إِلاَّ لِحَاجَةٍ، إِذَا كَانَ مُعْتَكِفًا)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ
لِلْبُخَارِيِّ(١).
* مفردات الحديث:
- ليدخل: ((اللام)) حرف ابتداء جاءت للتوكيد، وفي دخولها على الفعل
المضارع تخليصه للحال، كهذا الحديث.
- ليدخل على رأسه وهو في المسجد: ذلك أنَّ بيته وَّهِ مجاور للمسجد.
- أُرجِّله: أمشط شعر رأسه، وأسويه وأزينه.
* مايؤخذ من الحديث:
١ - خروج المعتكف من مسجده الذي اعتكف فيه بلا حاجة - أمر يفسد اعتكافه
ويبطله، ويجوز أن يخرج لما لابد له منه، كإتيانٍ بمأكل ومشربٍ؛ لعدم من
يأتيه بهما، وكقيءٍ وبولٍ، وغائطٍ، وطهارةٍ واجبةٍ، ونحو ذلك.
٢- لذا فإنَّ النَّبِيَّ وَلَّهُ لا يخرج من المسجد من أجل ترجيل رأسه، وإنما يقربه
من عائشة ترجله، وهي في بيتها، وهو في مسجده، لأنّها حائض لا تدخل
المسجد .
٣- فيه دليل على أنَّ خروج بعض البدن لا يعتبر خروجًا ممنوعًا، بل لا يزال
صاحبه في المسجد.
٤- أنَّ لمس المرأة بدون شهوة لا يفسد الاعتكاف، وأنَّ ملامسة الحائض
(١) البخاري (٢٠٢٩)، مسلم (٢٩٧).

٥٧٩
كتاب الصيام - باب الاعتكاف
للمعتكف وغيره جائزة، فبدنها طاهرٌ، وعرقها طاهرٌ، ولم ينجس إلاَّ مكان
الحيض وهو الفرج.
٥- أنَّ الاعتكاف لا يمنع من ترجيل الشعر وإصلاحه وغسله، وأنواع التنظيف
في البدن والثياب.
٦ - أنَّ الحائض لا يجوز أن تمكث في المسجد؛ لئلا تلوثه، ولحدثها الأكبر،
الذي لا يخففه الوضوء.
٧- الإسلام موقفه من الحائض موقف الطهارة والنظافة، وموقف الاحترام
والتقدير، فهو يعتبر مكان الحيض وهو الفرج أذّى وقذر، قال تعالى:
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذَّى﴾ [البقرة: ٢٢٢].
لأنه نفس المخْرَج، ولقُربه من الأذى والنجس، ولهذا تنزه عن عمل
النصارى الذين لا يتحاشون عن جماعها وهي حائض.
والإسلام يعتبر بدن الحائض طاهرًا نظيفًا، ويعتبر الحائض محترمة
مكرمة، وبهذا يرفض شدة اليهود ومشقتهم التي ليس لها أساس، فالإسلام
وسط، وخيار بين الملتين الشاطحتين.
** خلاف العلماء:
اختلف العلماء في لمس الرجل المرأة بدون حائل، وبدون شهوة، هل
ينقض الوضوء، أو لا؟
فذهب الإمام الشافعي وأتباعه إلى أنَّه ينقض؛ محتجين بقوله تعالى:
﴿ أَوْ لَمَسُْمُ النِّسَاءُ﴾ [النساء: ٤٣] فإنَّه حقيقة في المس.
وذهب الأئمة الثلاثة إلى أنَّه: لا ينقض؛ محتجين بما في البخاري
(٤٨٥) ومسلم (٧٩٣) عن عائشة قالت: ((كان رسول الله وَير ليصلي، وإني
لمعترضة بين يديه اعتراض الجنازة، فإذا أراد أن يسجد، غمزني، فقبضت
رِجلي))، وبما رواه مسلم (٧٥١) والنسائي (١٦٩) قالت: ((فقدت النبي ◌َّ-

٥٨٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
ذات ليلة، فجعلت أطلبه، فوقعت يدي على قدميه، وهما منصوبتان، وهو
ساجد)).
وممن ذهب إلى هذا القول: علقمة، وأبوعبيد، والنخعي، والحكم،
والشعبي، وحماد، والثوري، وإسحاق، وأبو حنيفة، وأصحابه.
أما الاستدلال بالآية على النقص فغیر ورادٍ.
قال ابن رشد في ((بداية المجتهد)): سبب اختلافهم في هذه المسألة
اشتراك اسم المس في كلام العرب، فإنَّ العرب تطلقه على اللمس باليد مرةً،
وتكني به عن الجماع مرةً، كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ لَمَسُْمُ النِّسَاءُ﴾ [النساء: ٤٣].
وقد احتجَّ من أوجب الوضوء من اللمس باليد: بأنَّ اللمس حقيقةً يطلق
على المس باليد، ويطلق على الجماع مجازًا، وأنَّه إذا تردد اللفظ بين الحقيقة
والمجاز، فالأولى أن يُحمل على الحقيقة، حتى يدل دليلٌ على المجاز.
وللکن لأولئك أن يقولوا: إنَّ المجاز إذا كثر استعماله، کان أدل على
المجاز منه على الحقيقة، كالحال في اسم الغائط، الذي هو أدل على الحدث
- الذي هو المجاز - منه على المطمئن من الأرض، الذي هو فيه حقيقة، والذي
أعتقده أنَّ اللمس وإن كان دلالته على المعنيين بالسواء، أو قريبًا من السواء، أنه
أظهر عندي في الجماع، وإن كان مجازًا؛ لأنَّ الله تعالى قد كنى عن المباشرة،
والمس عن الجماع، وهما في معنى اللمس. اهـ.
قال الشيخ أحمد شاكر: وهذا الذي قاله ابن رشد تحقيق دقيق، وبحث
واضح نفيس.
قلتُ: جاء في سنن أبي داود (١٥٣)، والترمذي (٧٩)، وابن ماجه (٤٩٥) من
حديث عروة عن عائشة: ((أَنَّ النَّبِيَّ ◌َل ◌َ قبَّلَ امرأة من نسائه، وخرج إلى الصلاة،
ولم يتوضأ)، وهو حديثٌ مشهورٌ، وبناءً عليه ذهب طائفة من السلف والخلف
إلى أنَّ القُبلة ونحوها - وإن كانت لشهوة - لا تنقض الوضوء.