Indexed OCR Text
Pages 461-480
٤٦١ كتاب الصيام ٥٤٣ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاس - رَضِيَ اللهُ عنْهُمَا -: ((أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى النَِّّ ◌َّةِ، فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ الْهِلاَلَ، فَقَالَ: أَتَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَأَذِّنْ فِي النَّاسِ يَا بِلَاَلُ؛ أَنْ يَصُومُوا غَدًا)). رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَصَخَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ، وَرَجَّحَ النَّسَائِيُّ إِرْسَالَهُ(١). * درجة الحديث: الحدیث مرسل. أخرجه الحاكم (١٥٤٦)، وقال: هذا حديث صحيح، ووافقه الذهبي. قال الألباني: وفيه نظرٌ، فإن سماك بن حرب - أحد رجال السند - مضطرب الحدیث، وقد رجَّح جماعة من مخرجي الحدیث إرساله. قال الترمذي: حديث ابن عبّاس فيه اختلاف، وأكثر أصحاب ابن سماك يروونه عن عكرمة عن النبي قل﴾. وقال أبوداود: رواه جماعة عن عكرمة مرسلاً، وقال النسائي: إنَّ إرساله أولى بالصواب. * مفردات الحديث: - أعرابيًّا: قال في ((المصباح)): الأعراب: أهل البدو من العرب، الواحد: أعرابي، وهو الذي يرتاد الكلأ، وزاد الأزهري: من نزل البادية، وظعن بظعنهم، فهم أعراب، ومن نزل بلاد الريف واستوطن المدن والقرى فهم عرب. (١) أحمد (١٨٨)، أبوداود (٢٣٤٠)، الترمذي (٦٩١)، النسائي (٢١١٢)، ابن ماجه (١٦٥٢)، ابن خزيمة (١٩٢٣)، ابن حبان (٣٤٤٥). ٤٦٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام - فأذِّن: أمر من: الأذان، والمراد به: الإعلام والإخبار بالصوم غدًا؛ لكونه من رمضان . - أن يصوموا غدًا: ((أن)) مصدرية، والجار والمجرور محذوف، والتقدير: أذَّن فيهم بصوم الغد. * ما يؤخذ من الحدیثین: ١- أنَّ نصاب الشهادة في دخول شهر رمضان یکفي فيها شاهد واحد. قال العلماء: ولو أنثى، لأنَّه من باب الرواية، فيجب صوم رمضان ولو بشهادة الواحدة . قال الترمذي: والعمل عليه عند أكثر أهل العلم. وهو مذهب الشافعي وأحمد. قال النووي: وهو الأصح؛ لأنَّه خبر ديني لا تهمة فيه، وأحوط للعبادة. أما بقية الشهور: فلا يكفي إلاّ شهادة رجلين عدلين؛ لقول ابن عمر وابن عباس: ((كان رسول الله ◌َلاو لا يجيز على شهادة الإفطار، إلاّ شهادة رجلين)» قال الترمذي وغيره: لم يختلف أهل العلم في الإفطار ، إلاّ بشهادة رجلين، وإنما أجزأ الواحد في الصوم؛ احتياطًا للعبادة. ٢ - أنَّه لا بد من تكليف الشاهد؛ بأن يكون بالغًا عاقلاً، فابن عمر والأعرابي مكلفان حين أداء الشهادة برؤية الهلال. ٣- أنَّه لا بد من إسلام الشاهد، ومن ثبوت عدالته، فالإسلام يدل على اعتباره سؤال النبي ◌ّي الأعرابي هل يقر بالشهادتين، وأما العدالة فالصحابة كلهم عدول. ٤- أنَّه يكفي في أداء الشهادة الإخبار، ولا يشترط لفظ الشهادة؛ كالرواية، وسائر الإخبارات. ٥- استحباب ترائي الهلال؛ لما يترتب على رؤيته من أحكام الشعائر الهامة. ٤٦٣ كتاب الصيام ٦- يجب على ولاة أمور المسلمين إشاعة خبر الصوم أو الفطر؛ ليقوم الجميع بما يجب عليهم من صوم أو فطر، وغيرهما من الأحكام المترتبة على ثبوت الرؤية. ٧- قال الشيخ عبدالرحمن السعدي: لا ريب أنَّ كل أمر مهم عمومي يراد إعلانه على وجه السرعة، يسلك فيه طريقٌ يحصل به المقصود، ولم يزل الناس يخبرون عن هذه الأمور بأسرع وسيلة، وكلما تجدد لهم وسيلة أسرع مما قبلها أسرعوا إليها، وأصول الشريعة تدل على هذا؛ ذلك أنَّ كل ما دلَّ على صدق الخبر، فإنَّ الشارع يُقرّه ويقبله، فالشارع لا يرد خبرًا صحيحًا بأي طريقٍ وصل، إذا عُلم هذا الأصل فإنَّه متى ثبت بطريق شرعي خبر الصوم والفطر وجب قبوله، والاستفاضة في الأخبار من جملة الطرق الشرعية خبر الصوم والفطر وجب قبوله، والاستفاضة في الأخبار من جملة الطرق الشرعية التي تفيد صدق مخبرها، ومن المعلوم أنَّ الاستفاضة الحاصلة في زمن المدافع والبرقيات ووسائل الإعلام أبلغ من الاستفاضة المفيدة للعلم، والعادة المطردة والعرف المستقر في بث الأخبار من الأمور الرسمية، لا تبقي شگًا في صدق الخبر. ٤٦٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٥٤٤ - وَعَنْ حَفْصَةَ أُمِّ المُؤْمِنِيْنَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - أَنَّ النَّبِيَّ وَلِّ قَالَ: ((مَنْ لَمْ يُبيِّتِ الصِّيَامَ قَبْلَ الفَجْرِ، فَلاَ صِيَامَ لَهُ)). رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَمَالَ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ إِلَى تَرْجِيحِ وَقْفِهِ، وَصَحَّحَهُ مَرْفُوعًا ابنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ. وَلِلْدَّارَ قُطْنِيِّ: ((لاَ صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يَفْرِضْهُ مِنَ اللَّيْلِ))(١). درجة الحديث: * الحدیث صحیح. أخرجه أبوداود والدارقطني والطحاوي والبيهقي من طريق عبدالله بن وهب بسنده إلى حفصة، وأخرجه الإمام أحمد من طريق حسن بن موسى، ورجاله كلهم رجال الشیخین غیر ابن لهيعة، وهو صحيح الحدیث إذا روى عنه أحد العبادلة الثلاثة، كهذا الحديث. أما من حيث الرفع والوقف: فقد رجَّح بعض العلماء، وقفه ومنهم: البخاري وأبوداود والنسائي والترمذي وأبوحاتم والبيهقي، وبعضهم حكم له بالرفع، ومنهم: ابن حزم والخطابي وعبدالحق وابن الجوزي والشوكاني، وقال البيهقي والدار قطني: رواته ثقات، وقواه ابن حزم، وصححه الحاكم. * مفردات الحديث: - من لم يبيت الصيام: بيَّت فلان الأمر؛ أي: دبره بليل، والمراد هنا: من لم یبیت الصيام الواجب، وذلك بنية الصيام من الليل، فلا صيام له. (١) أحمد (٢٥٢٥٢)، أبوداود (٢٤٥٤)، الترمذي (٧٣٠)، النسائي (٢٣٣١)، ابن ماجه (١٧٠٠)، ابن خزيمة (١٩٣٣)، الدار قطني (١٧٢/٢). ٤٦٥ كتاب الصيام ٥٤٥ _ وعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: (دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ◌ِ ذَاتَ يَوْمٍ، فَقَالَ: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟ قُلْنَا: لاَ، قَالَ: فَإِنِّي إِذَنْ صَائِمٌ، ثُمَّ أَتَانً يَوْمًا آخرَ، فَقُلْنَا: أُهْدِيَ لَنَ حَيْسٌ، فَقَالَ: أَرِينِهِ، فَلَقَدْ أَصْبَحْتُ صَائِمًا، فَأَكَلَ)). رَوَاهُ مُسْلِمُ(١). * مفردات الحديث: - فإني صائم: يعني: ما استقبلتُ من يومي هذا. - حَيْسًا : - بفتح الحاء المهملة وسكون الياء المثناة التحتية ثم سين مهملة ــ هو طعام يُصنع من التمر والأقط والسمن، تخلط وتعجن. - أرينيه: أمر من: الرؤية، والنون للوقاية، والياء بعدها ضمير المتكلم، وهو المفعول الأول، والمفعول الثاني ضمير الغائب. ما يؤخذ من الحديثين: ١ - يدل الحديث رقم (٥٤٤): على أنَّ الصيام لا بد له من نية؛ كما جاء في البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧) عن النبي وَلِّ: ((إنَّما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرىء ما نوى)) قال في ((الشرح الكبير)): وذلك بإجماع العلماء. ٢ - قال في ((شرح الإقناع)): والنية محلها القلب، فمن خطر بباله أنَّه صائم غدًا، فقد نوى، ويكفي الأكل والشرب بنية الصوم، فلا يصح الصيام بنية من النهار. ٣- ((فلا صيام له)): نفي للوجود الشرعي؛ فإنَّ الصيام لا بد أن يشمل النهار كله، ومن لم ينو إلاّ بعد الفجر فإنَّ جزءًا من يوم لم يَنْوِهِ . (١) مسلم (١١٥٤). ٤٦٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٤- أنَّ تبييت النية بأن تكون في الليل هو خاص بالصوم الواجب، وهو صوم رمضان أداءً وقضاءً، وصوم الكفارة والنذر. ٥- أما صوم التطوع: فيصح بنية من النهار، كما في الحديث رقم (٥٤٥)، فإنَّه لا يجب تبييت نية الصيام من الليل، وإنما يكفي بنية من النهار في أي جزء منه، حتى ولو بعد الزوال. قال في ((شرح الإقناع)): ويصح صوم نفلٍ بنيةٍ من النهار، قبل الزوال أو بعده؛ لحديث عائشة . ٦ - أنَّه يحكم بالصوم الشرعي المثاب عليه من وقت النية؛ لأنَّ ما قبله لم يوجد فيه قصد القُربة، فلا يقع عبادة. لكن يشترط ألا يكون أتى بمفطر بعد الفجر، وقبل النية، فإن أتى بمفطر، فلا يجزئه الصوم، بلا خلاف بين أهل العلم. ٧- يجوز تبييت نية الصوم واجبًا، أو تطوعًا من أي جزء من الليل، ولو أتى بعد النية بمنافٍ للصوم، ما دام أنَّ الفجر لم يطلع. ٨- قال في ((شرح الإقناع)): ويجب تعيين النية لما يصومه من رمضان، أو من قضائه، أو نذره، أو كفارة؛ لحديث: ((إنما الأعمال بالنيات))؛ لأنَّ النية تميز العبادات بعضها عن بعض، فالتعيين مقصود في نفسه . ٩ - الحديث رقم (٥٤٥): يدل على أنَّه لا يجب إتمام صوم التطوع، بل يجوز قطعه والإفطار، إلاَّ أنَّه يستحب الإتمام. قال في ((شرح الإقناع)): ومن دخل في تطوع غير حج وعمرة، استحب له إتمامه؛ لأنَّ تكميل العبادة هو المطلوب، ولم يجب عليه إتمام لحديث عائشة، ولكن يكره قطعه بلا عذر؛ لما فيه من تفويت الأجر، وإن أفسده فلا قضاء عليه، وكذا لا تلزم الصدقة، ولا القراءة، ولا الأذكار بالشروع فيها، عند الأئمة الأربعة، وإذا قطع العبادة النافلة، فهل يثاب على الجزء ٤٦٧ كتاب الصيام الذي قطعه؟ فيه خلاف، رجّح الشيخ تقي الدين أنَّه يثاب على ما فعله. ١٠ - قوله: ((إني صائم)) يحمل على الحقيقة الشرعية؛ وهو الصيام الشرعي؛ لأنَّه جاء بخطاب الشارع. ويحسن أن نلاحظ أنَّ الحقائق ثلاث: لغوية، وشرعية، وعرفية، فلو فرضنا معنًى من المعاني له لفظ لغوي، ولفظ شرعي، ولفظ عرفي، فإن جاء بلفظ أهل اللغة حملناه على معناه عندهم، وإن جاء بلفظ الشرع حملناه على المعنى الشرعي، وإن جاء بلسان العامة حملناه على المعنى العرفي. وهذا التقسيم يفيد في: الأوقاف، والوصايا، والوثائق، والإقرارات، والعقود، ونحو ذلك. ١١- على صائم النفل مراعاة المصلحة في إمضاء صومه أو فطره، فإن حقق فطره مصلحةً أفطر، كما أفطر بي ليه لما وجد من الأكل ما يعينه على طاعة الله تعالى، وإن لم يوجد مصلحة فالأفضل إتمام صومه. قال في ((شرح الإقناع)): وإن حضر المدعو إلى وليمة ونحوها، وهو صائم صومًا واجبًا لم يفطر، وإن كان تطوعًا فإن كان في ترك الأكل كسر قلب الداعي، استُحب له أن يفطر؛ لأنَّ في أكله إدخال السرور على قلب أخيه المسلم، وإن لم يكن في تركه الأكل كسر قلب الداعي، كان إتمام الصوم أولى من الفطر. قال الشيخ: وهو أعدل الأقوال. * خلاف العلماء: اختلف العلماء: هل يكفي لصوم شهر رمضان نية واحدة في أوله، أو لا بد لكل صوم يوم من نية خاصة مستقلة؟ فذهب المالكية إلى: أنَّه یجزىء صوم شهر رمضان بنيةٍ واحدةٍ تكون في أول الشهر، وكذا في صيام متتابع مثل كفارة جماع في رمضان، وكفارة قتل ٤٦٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام وظهارٍ، ما لم يقطعه بسفرٍ، أو مرضٍ، أو يكون على حالة يجوز له الفطر، كحيض ونفاس ونحو ذلك، فيلزمه استئناف النية، وهو رواية عن الإمام أحمد، اختارها من أصحابه جماعة: منهم أبوالوفاء بن عقيل. واستدلوا على ذلك: بما في الصحيحين: ((إنما الأعمال بالنيات))، وهذا قد نوی جمیع الشهر، ورمضان بمنزلة عبادة واحدة. وذهب الجمهور إلى: أنَّ كل يوم عبادة مستقلة بذاتها يحتاج إلى نية خاصة بها . وتظهر النتيجة فيما لو نام مكلف في رمضان، أو صيام كفارة، وذلك قبل الغروب إلى ما بعد الصبح، فعلى القول الأول يصح صومه، وعلى الثاني لا يصح؛ لأنَّه لم يبيت نية الصوم الواجب من الليل، والقول الأول أرجح. واختلفوا: هل تعيين نية الصوم واجب، أم يكفي نية الصوم المطلق؟ فذهب الجمهور - ومنهم الأئمة الثلاثة: مالك، والشافعي، وأحمد -: إلى وجوب تعيين النية لما يصوم له: من أداء رمضان، أو قضائه، ومن النذر، والكفارة، والتطوع، فإن لم يعين النية لم يصح صومه؛ لحديث: ((إنما الأعمال بالنيات))، والنية شرعت لتمييز العادة عن العبادة، وتمييز العبادات بعضها عن بعض . قال الشيخ تقي الدين: وتحقيق المسألة أنَّ النيّة تتبع العلم، فإذا علم أنَّ غدًا من رمضان، فلا بد من التعيين، وإن كان لا يعلم أنَّ غدًا من رمضان، فلا یجب علیه التعیین. وذهب الحنفية إلى التفصيل: فالصيام الثابت في الذمة كقضاء رمضان، والكفارات، والنذر المطلق، ونحو ذلك - فهذا يشترط فيه تعيين النية. والنوع الآخر - وهو ما يتعلق بعينه، وهو صوم رمضان أداءً، والنذر المعين زمانه، والنفل المقيد، ونحو ذلك - فهذا لا يشترط تعيينه بالنية، بل ٤٦٩ كتاب الصيام يكفي مطلق نية الصيام. قال الشيخ: تعيين النية لشهر رمضان فيه ثلاثة أقوال في مذهب أحمد: أحدها: ألا يجزئه الصيام إلاَّ أن ينوي رمضان، وهو مذهب الشافعي. الثاني: يجزئه، وهو مذهب أبي حنيفة. الثالث: يجزئه بنية مطلقة. وتحقيق المسألة أنَّ النيّة تتبع العلم، فإن علم أنَّ غدًا من رمضان فلا بد من التعيين، وإن كان لا يعلم فلا يجب التعيين . ٤٧٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٥٤٦ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ الله مَّ قَالَ: ((لاَ يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ، مَا عَجَّلُوا الفِطْرَ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١). ٥٤٧ - وَلِلْتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ قَالَ: ((قَالَ اللهُ عَزَّوَجَلَّ: أَحَبُّ عِبَادِي إِلَيَّ أَعْجَلُهُمْ فِطْرًا))(٢). * درجة الحديث: الحدیث حسن. قال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على الترمذي: ((أحب عبادي إليَّ أعجلهم فطرًا)): لم يخرجه من أصحاب الكتب الستة سوى الترمذي. قال محرره عفا الله عنه: زيادة الترمذي هذه ساقها المصنف هنا، وذكرها في ((التلخيص))، ولم يعقب عليها بشيء، مما يدل على قبولها عنده، ومعناها موافق الأحاديث الصحيحة في هذا الباب. وهذا الحديث في سنده مرة بن عبدالرحمن المغازي، قال الإمام أحمد: إنَّه منكر الحديث، وقال ابن عدي: لا بأس به، ووثقه ابن حبان، وقال الحافظ : صدوق، وله مناکیر. وقد حسَّنه الترمذي، وصححه ابن خزيمة وابن حبَّان. * مفردات الحديث: - لا يزال: من: زال يزول زوالاً، يتعدى بالهمزة والتضعيف، وزال من أخوات (١) البخاري (١٩٥٧)، مسلم (١٠٩٨). (٢) الترمذي (٧٠٠). ٤٧١ كتاب الصيام كان، ويشترط لها أن يتقدمها نفي أو نهي، والمراد بها: ملازمة المسند للمسند إليه، فإذا قلتُ: ما زال خليل واقفًا، فالمعنى أنَّه ملازم للوقوف. - ما عجلوا: ((ما)) هنا حرفية مصدرية ظرفية، ومعناها: مدة تعجيلهم الفطر. * ما يؤخذ من الحديثين: ١ - استحباب تعجيل الفطر، وقد اتَّفق العلماء على استحباب تعجيل الفطر، إذا تحقق غروب الشمس برؤيةٍ، أو بخبر ثقةٍ، أو غلب على ظنه الغروب. ٢- أنَّ تعجيل الفطر دليل على بقاء الخير عند من عجَّله، وزوال الخير عمن أخَّرِه. ٣- الخير المشار إليه هو اتباع السنة، ولا شكَّ أنَّه سبب خيري الدنيا والآخرة؛ ففي سنن أبي داود: ((لا يزال الدين ظاهرًا، ما عجّل الناس الفطر؛ لأنَّ اليهود والنصارى يؤخرون الإفطار إلى اشتباك النجوم)) ونحوه في الصحيحين، فالشارع الحكيم يطلب من المسلمين ألا يشابهوا أهل الكتاب في عباداتهم، فتعجيل الفطر شعار يفرق بين صيام أهل الإسلام وأهل الكتاب، وبين سوء المخالفة، وحسن الاتباع والاقتداء. ٤- هذا الحديث من المعجزات النبوية؛ فإنَّ تأخير الإفطار هو طريقة بعض الفرق الضالة . ٥- قال ابن عبدالبر وغيره: أحاديث تعجيل الفطور، وتأخير السحور صحيحة متواترة، وأجمع العلماء على أنَّ تعجيل الفطر، وتأخير السحور، سنة متبعة، حكاه الوزير ابن هبيرة، وجزم به الشيخ تقي الدين. ٦ - قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِعُواْ الْضِّيَامَ إِلَى أَلَيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فهذا يقتضي أنَّ الإفطار عند غروب الشمس، فقد أجمعوا على أنَّ الصوم ينقضي ويتم بتمام الغروب، وأنَّ السنة أن يفطر إذا تحقق الغروب، وأنَّ له الفطر بغلبة الظن اتفاقًا، وذلك إقامة للظن مقام اليقين. ٤٧٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام قال الشيخ تقي الدين: ومع الغيم المطبق لا يمكن اليقين إلاّ بعد أن يذهب وقت طويل من الليل، ويفوت تعجيل الفطر، فعليه لا يستحب التعجيل مع الغيم إلى أن يتيقن الغروب، وكره الفطر مع الشك في غروب الشمس، ولا يكره السحور مع الشك في طلوع الفجر، إلاَّ الجماع. ٧- الأكل ونحوه مع الشك في طلوع الفجر جائز، والإفطار مع الشك في الشمس لا يجوز، وهو مبني على قاعدة شرعية عظيمة هي أنَّ: ((الأصل بقاء ما كان على ما كان))؛ ففي السحور الأصل بقاء الليل، وفي الفطر بالأصل بقاء النهار. ٨- فيه إثبات صفة المحبة لله تعالى إثباتًا حقيقيًّا يليق بجلاله، وأنَّ هذه المحبة الربانية تتفاوت، فأحبهم إليه أكثرهم لشرعه اتباعًا، ولأمره امتثالاً، قال تعالى: ﴿قُلٌ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَتَِّعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]. ٩ - الطوائف في المحبة ثلاث: (أ ) المعطلة: يقولون: إنَّ الله لا يُحَبُّ، وهؤلاء نفاة صفات الرب جلَّ وعلا . (ب) الأشاعرة: يقولون: إنَّ الله يحبه خلقُه، ولكنه لا يُحب؛ لأنَّ إثبات المحبة له هو إثبات ميله إلى ما نفعه، أو عما يضره، والله منزَّه عن هذا، وهذا قول باطلٌ؛ لأنَّ هؤلاء شبهوا الله تعالى بخلقه، ثم عطلوه من صفاته . (ج) أهل السنة والجماعة: يقولون إنَّ الله يُحِب ويُحب، كما جاءت النصوص بذلك، ولكن محبته لشيءٍ من الأشياء هي محبة لائقة بجلاله، ليست ﴾ [الشورى] . ١١ كمحبة المخلوقين، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ : ٤٧٣ : كتاب الصيام ٥٤٨ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((تَسَخَّرُوا؛ فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). * مفردات الحديث: - السحور - بفتح السين المهملة -: اسم للطعام الذي يُسحر به، وروي بالضم فهو مصدر، أي التسحر؛ أي: اسم للفعل نفسه، وأكثر ما يروى بالفتح، وهو مشتق من: السَّحر، وهو ما قبيل الفجر. - بركة : - بفتحتين -: هي كثرة الخير، ومن معانيها: النَّماء والزيادة، والتبريك الدعاء بالبركة، وسميت بركة الماء؛ لكثرة مائها، والبركة في الفعل والطعام. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - زاد الإمام أحمد (١٠٦٤٦) من حديث أبي سعيد: ((فلا تدعوه، ولو أن يتجرَّع أحدكم جرعة من ماء؛ فإنَّ الله وملائكته يصلون على المتسحرين)). ٢ - ظاهر الحديث وجوب السحور، ولكن صرفه عن الوجوب إلى الندب هو ما ثبت من مواصلته وَلّ، وقد نقل ابن المنذر الإجماع على أنَّ التسحر مندوب، ولیس بواجب . ٣- البركة الحاصلة من السحور ما فيه من امتثال الأمر الشرعي، فطاعة الله تعالى هي امتثال أمره، واجتناب نهيه. ومن بركته: أنَّ الأكل للتقوي على الصيام، وطاعة لله تعالى، وعبادته، ومن بركته أنَّ السحور يعطي الصائم قوة لا يَملُّ معها الصيام، بخلاف من لا يتسحر، فإنَّه يجد مشقة تثقل عليه الصيام والعبادة، ومن بركة السحور أنَّه (١) البخاري (١٩٢٣)، مسلم (١٠٩٥). ٤٧٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام يكون سببًا للانتباه من النوم في وقت السحر، الذي هو وقت الاستغفار والدعاء، وفيه ينزل الرب جلَّ وعلا إلى السماء الدنيا، ينادي عباده ليسألوه مطالبهم ورغباتهم. ومن بركة السحور صلاة الفجر مع الجماعة، وفي وقتها الفاضل، ولذا تجد المصلين في صلاة الفجر في رمضان أكثر منهم في غيره من الشهور؛ لأنَّهم قاموا من أجل السحور. ٤- ينبغي للمسلم ألا يقوم بأموره العادية مجردة عن النية الصالحة، بل يمرن نفسه على أن تكون أعماله العادية عبادات لله تعالى، وذلك باستحضار إرادة هذه المعاني السامية لتصبح كل تصرفاته عبادة لله تعالى، ومادة ((خير» و((بركة)) تعود عليه بالثواب والأجر، أسأل الله أن يوفقنا والمسلمين لكل ما یقرب من رضاه، آمین، وصلى الله على نبينا محمَّد. ٥- في السحور من مخالفة أهل الكتاب؛ فقد جاء في صحيح مسلم (١٠٩٦) من حديث عبدالله بن عمرو قال: قال رسول الله وَّ: ((إنَّ فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر)). والشارع يريد ألا يكون لنا مشابهة بالكفار، لا في العبادات، ولا في العادات، لكن إن تشبه المسلم بالكفار بعباداتهم، فهذا قد يؤدي إلى الشرك والكفر، وإن كان في العادات باستحسان أفعالهم وعاداتهم، فهذا قد يؤول إلى التشبه بهم في الأمور الباطنة، ويكون منه الهلاك. ٦ - قوله: ((فإنَّ في السحور بركة)» دليل على أنَّ البركة تكون في المخلوقات؛ وذلك بحسب ما وهبه الله تعالى من القدرة، والمؤهلات، والمنفعة، فقد يكون في الإنسان بركة إما: بعلمه، وإما ببدنه، وإما بخُلقه، وإما بماله، وإما بجاهه، فيحصل منه خير ينتفع به غيره، والممنوع من التبرك في المخلوقين أن تكون بجسمه، فيتبرك بالظاهر من فضلاته، وثيابه، ٤٧٥ كتاب الصيام وشعوره، ونحو ذلك، فهذا لا يكون إلاَّ في حق النبي وَّر، ومن عداه ممنوع منه . : فائدة: أحاديث الأمر بالتسحر، والحض عليه، وتأخيره، وتعجيل الفطر، متواترة، حكاها الطحاوي وغيره. ولا یجب السحور، حكاه ابن المنذر وغيره إجماعًا . وقال ابن عبدالبر: أحاديث تعجيل الفطور، وتأخير السحور صحيحة متواترة . وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِّقُواْ الْصِيَامَ إِلَى الَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] يقتضي الإفطار عند غروب الشمس حكمًا شرعيًا . ويدل عليه: ما جاء في البخاري (١٨٥٣)، ومسلم (١١٠٠) من حديث عمر أنَّ النَّبِيَّ وَّه قال: ((إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا، وغابت الشمس - فقد أفطر الصائم)) ولكن سيأتي قريبا إن شاء الله أنَّ معنى الآية والحديث، أنَّه قد دخل وقت الإفطار، لا أنَّه حصل الإفطار بالفعل. ٤٧٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٥٤٩ - وَعَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ الضَّبِّيِّ - رَضِيَ اللهُ عنْهُ - عَنِ النَّبِّ وَ قَالَ: ((إِذَا أَفْطَرَ أَحَدُكُمْ، فَلْطِرْ عَلَى تَمْرٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، فَلْيُفْطِرْ عَلَىْ مَاءٍ؛ فَإِنَّهُ طَهُورٌ)). رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَصَخَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةً، وَابْنُ حِبَّانَ وَالحَاكِمُ(١). * درجة الحديث: الحدیث حسن . في هذا الباب ثلاثة أحاديث: أحدها: هذا الحديث الذي معنا، وقد علمنا من أخرجه من كلام المصنف . الثاني: حديث أنس مرفوعًا، بلفظ: ((كان يحب أن يفطر على ثلاث تمرات، أو شيء لم تصبه النار)) . أخرجه العقيلي في الضعفاء؛ والضياء المقدسي (١٣١/٥). الثالث: حديث أنس: ((كان رسول الله وَله يفطر على رطبات قبل أن يصلي، فإن لم يجد، فعلى تمرات، فإن لم يجد تمرات، حسا حسوات من ماء)) رواه أبوداود (٢٠٠٩) والترمذي (٦٣٢) وقال: حسن غريب، وهذا أصح الأحاديث الثلاثة، فهو حديث حسن، فقد حسَّنه الترمذي، وصححه أبوحاتم والحاكم، ووافقه الذهبي. (١) أحمد (١٥٦٣٧)، أبوداود (٢٣٥٥)، الترمذي (٦٥٨)، النسائي في الكبرى (٢٥٤/٢)، ابن ماجه (١٦٩٩)، ابن خزيمة (٢٧٨/٣)، ابن حبان (٣٥١٤)، الحاكم (١٥٧٥). ٤٧٧ كتاب الصيام : ما يؤخذ من الحديث: ١ - جاء الحديث من رواية الترمذي (٦٣٢) وأبوداود (٢٠٠٩) عن أنس قال: ((كان رسول الله وَالله يفطر على رطبات، فإن لم يجد، فعلى تمرات، فإن لم یجد، حسا حسوات من ماء)). ٢ - وفيه الحديث استحباب الإفطار على رطب، فإن لم يجد فتمر، فإن لم يجد فماء . ٣- قال ابن القيم في ((الطب النبوي): وهذا من كمال شفقته وَ له على أمته ونصحه، فإنَّ التمر مقوٍّ للكبد ملين للطبع، وهو من أكثر الثمار تغذية للبدن، وأكله على الريق يقتل الدود، فهو فاكهة، وغذاء، ودواء، وحلوى. وقال الدكتور صبري القباني: التمر غني بعدد من أنواع السكر، فهو يتحلل رأسًا إلى الدم فالعضلات؛ ليهبها القوة. وقد أثبت الطب الحديث صحة سنة الرسول الأعظم في الصيام والإفطار، فالصائم يستنفد السكر المكتنز في خلايا جسمه، وهبوط نسبة السكر في الدم عن حدها المعتاد، هو الذي يسبب ما يشعر به الصائم من ضعف وكسل، وروغان في البصر، لذا كان من الضروري أن نمد أجسامنا بمقدار وافر من السكر ساعة الإفطار، لتعود إليه قواه سريعًا . ٤- قال محرره عفا الله عنه: فمثل هذا الحديث من الإعجاز العلمي، الذي اكتشف في كثير من نصوص الكتاب العزيز، والسنة المطهرة، مما يثلج قلب المؤمن، بأنَّ تنزیل من حکیم خبیر . ٥- قوله: ((فإن لم يجد، فليفطر على ماء -: فإنَّه طهور)) الطهور هنا المراد به - والله أعلم -: أنَّ الماء مطهر للمعدة والأمعاء، وهذا الآن حقيقة علمية طبية، فإنَّ الأطباء ينصحون، ويوصون بشرب الماء على الفراغ، ويقولون: إنَّه يغسل المعدة والأمعاء، ويعدل طبيعة الإنسان. ٤٧٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٥٥٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((نَهَىْ رَسُولُ الله صَلى الله عَنِ الوِصَالِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِيْنَ: فَإِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ وسيا اللهِ؟ قال: وَأَيُّكُمْ مِثْلِي؛ إِنِّي أَبِيْتُ يُطْعِمُنِي رَبِي وَيَسْقِيْنِي، فَلَمَّا أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا عَنِ الوِصَالِ وَاصَلَ بِهِمْ يَوْمًا، ثُمَّ يَوْمًا، ثُمَّ رَأَوُا الهِلاَلَ، فَقَالَ: لَوْ تَأَخَّرَ الهِلاَلُ لَزِدْتُكُمْ، كَالمُنَكِّلٍ لَهُمْ حَينَ أَبَوْا أَنْ يَنْهُوا)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). * مفردات الحديث: - الوصال :- بكسر الواو وفتح الصاد المهملة - مأخوذ من: الوصل، والمراد هنا: مواصلة الصيام اليومين فأكثر، من غير إفطار بالليل. - المنكِّل - بضم الميم وفتح النون ثم كاف مشددة ــ: المعاقب لهم بما يردعهم عن مثل صنیعھم . * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الشريعة الإسلامية سمحة ميسرة، لا عنت فيها ولا مشقة، ومشرعها الحكيم الرحيم يكره الغلو، في الزيادة على المشروع، ولما فيه من تعذيب النفس، فلا يكلف الله نفسًا إلاَّ وسعها. ٢- التيسير في العبادة والتسهيل أبقى للعمل، وأبعد عن السأم، وأقرب إلى العدل، فالمسلم لربه عليه حق، ولنفسه عليه حق، ولأهله عليه حق، والعدل إعطاء كل ذي حق حقَّه . (١) البخاري (١٩٦٥)، مسلم (١١٠٣). ٤٧٩ كتاب الصيام ٣- يدل الحديث على تحريم الوصال بالصيام اليوم واليومين. ٤- جوازه للقادر عليه إلى السحر، وتركه أولى لتفويته فضيلة تعجيل الفطر عند تحقق الغروب. ٥- رحمة الشارع الحكيم الرحيم بالأمة؛ إذْ حرَّم عليهم ما يضرهم، ويُضعف قواهم. ٦ - الحكمة - والله أعلم - في النهي عن الوصال: هو ما يحصل به من الضعف والسآمة، والعجز عن المواظبة على كثير من وظائف الطاعات، والقيام بحقوقها . ٧- النَّهي عن الغلو في الدين؛ فإنَّ الشريعة المحمَّدية هي الشريعة السمحة المقسطة . ٨- أنَّ التكاليف الشرعية شرعت بقدر طاقة الإنسان، فهي مقدرة من الرب الحكيم العليم. ٩ - أنَّ الوصال من خصائص النبي وَّر وحده؛ لأنَّه الذي يقدر عليه، بلا كلفة ولا مشقة، ولا يلحقه في هذا المقام أحد؛ لأنَّ له مناجاة واتصالاً لا يصل إليهما غيره. ١٠ - أنَّ غروب الشمس وقت للإفطار، ولا يحصل به الإفطار، وإلاّ لما كان للوصال معنى إذا أفطر بغروب الشمس، وأما معنى الحديث الذي في البخاري (١٨٥٣) ومسلم (١١٠٠): ((إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا - فقد أفطر الصائم))؛ فإن المراد به: أنَّه دخل في وقت الإفطار، ويؤيده رواية البخاري: ((فقد حل الإفطار))، ولو كان المراد به أنَّه أفطر فعلاً، لما صار معنًى لاستحباب تعجيل الفطر، وكراهية الوصال. ١١ - يدل الحديث على أنَّ ما ثبت في حق النبي ◌ِّ، فهو ثابت في حق أمته إلاَّ ما خصَّه الدليل، ووجهه من الحديث قول الصحابة: ((فإنَّك تواصل)) لما ٤٨٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام نهاهم عن الوصال . ١٢ - أنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ خصائص ليست لأمته، وقد صنَّفَ فيها العلماء كتبًا، أوسعها ((الخصائص الكبرى)) للسيوطي . * خلاف العلماء: اختلف العلماء في الطعام والشراب المذكورين في الحديث على قولين: أحدهما: أنَّه طعام وشراب حسيٌّ؛ تمسُّكًا بلفظ الحديث. الثاني: أنَّه ما يفيض على قلبه وَله من لذيذ المناجاة والمعارف، فإنَّ توارد هذه المعاني الجليلة على القلب تشغله عن الطعام والشراب، فيستغني عنهما . ولو كان طعامًا حسيًّا لم يكن مواصلاً، ولم يقل وَله: (لست كهيئتكم)). وهذا أرجح القولين، وقد بسط القول فيه ابن القيم في ((زاد المعاد)). واختلفوا في حكم الوصال على ثلاثة أقوال: محرم، ومكروه، وجائز مع القدرة. فذهب إلى جوازه: عبدالله بن الزبير، وبعض السلف، ومنهم عبدالرحمن ابن أبي ليلى، وإبراهيم النخعي، وأبو الجوزاء. وذهب إلى تحريمه: الأئمة الثلاثة. وذهب الإمام أحمد إلى التفصيل في ذلك: فهو جائز إلى السحر، مع أنَّ الأولى تركه، ومكروه أكثر من يوم وليلة. استدل المجیزون: بأنّه پڼ واصل بأصحابه یومین، فهو تقریر لهم علیه، فإذا لم يُرِد المواصل التشبه بأهل الكتاب وأهل البدع، ولا رغب عن السنة في تعجيل الفطر، لم يُمنع من الوصال. واستدل المحرمون: بأنَّ النَّهي يقتضي التحريم. وأما مواصلته بأصحابه: فلم يقصد التقرير، وإنما قصد التنكيل، كما هو