Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢١ كتاب الصلاة - باب اللباس ٤٣٢ - وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: ((رَأَى عَلَيَّ النَّبِيُّ ◌َّ ثَوْبَيّنِ مُعَصْفَرَيْنٍ، فَقَالَ: أُمُّكَ أَمَرَتْكَ بِهَذَا))؟! رَوَاهُ مُسْلِمُ(١). * المفردات: - رَأْىُ عليَّ : - بتشديد الياء -: حرف جر مع ياء المتكلم. - أُمُّك أمرتْكَ: استفهام إنكاري بهمزة محذوفة، تقديره: أأمك أمرتك بهذا؟ !. قاله تغليظًا، وإظهارًا لشدة كراهته. (١) مسلم (٢٠٧٧). ١٢٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٤٣٣ - وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - ((أَنَّهَا أَخْرَجَتْ جُبَّةَ رَسُولِ اللهِ نَِّ، مَكْفُوفَةَ الجَيْبِ وَالكُمَّيْنِ وَالفَرْجَيْنِ بِالدِّبَاجِ)). رَوَاهُ أَبُودَاوُدُ(١). وَأَصْلُهُ فِي مُسْلِمٍ، وَزَادَ: ((كَانَتْ عِنْدَ عَائِشَةَ حَتَّى قُبِضَتْ، فَقَبَضْتُهَا، وَكَانَ الشَِّّ ◌َهِ يَلْبَسُهَا، فَنَحْنُ نَفْسِلُهَا لِلْمَرْضَى يُسْتَشْفَى بِهَا)). وَزَادَ الْبُخَارِيُّ في ((الأَدَبِ المُفْردِ)): ((وَكَانَ يَلْبَسُهَا لِلْوَفْدِ والجُمُعَةِ))(٢). * درجة الحديث: الحدیث صحیح. هذا الحديث قطعة منه في صحيح مسلم، فعن أسماء بنت أبي بكر: أنَّها أخرجت جبة طيالسية سروانية، لها لبنة ديباج، وفرجاها مكفوفان بالديباج، وقالت: ((هذه جبة رسول الله وَل كانت عند عائشة، فلما قبضت قبضتها، وكان النَّبِي ◌َّهِ يلبسها، فنحن نغسلها للمرضىُ يُسْتَشْفَى بها)). * مفردات الحديث: - للوفد :- بفتح الواو وسكون الفاء - مفرده: ((وافد))، وأما جمع الوفد فهو: وفود وأوفاد، والوفد: جماعة كريمة تذهب إلى أمير أو كريم. - جُبة : - بضم الجيم وتشديد الباء الموحدة -: ثوب سابغ واسع الكمين مشقوق المقدّم، يلبس فوق الثياب. (١) أبوداود (٤٠٥٤). (٢) مسلم (٢٠٨٠). ١٢٣ كتاب الصلاة - باب اللباس - مكفوفة: يكف جوانبها ويعطف عليها، والكف يكون في الذيل والفرجين والکمین. - الجيْب: بفتح فسكون، جمعه: أجياب وجيوب، وجيب القميص: هو ما يشق، ويفتح على النحر . - الفرجين: بفتح فسكون -: تثنية ((فرج))، وهو في الأصل: انفتاح في الشيء، ومنه: شق الثوب الذي يكون على الصدر، يبتدىء من عند النحر، وربما ينتهي إلى القدمين، ثم أطلق الفرجان على حافتي الفتحة. - الديباج: هو الثوب الذي سداه ولحمته حرير، معرب من الفارسية، جمعه: ((دبابیج)). * ما يؤخذ من الأحاديث: ١- الحديث رقم (٤٣١): نهى عن لبس القَسِّي والمعصفر، والنهي يقتضي التحريم، والحكمة في ذلك: أنَّ القسِّي نوع من الحرير، وأما المعصفر: فالثوب المصبوغ بالعصفر المعروف. ٢ - وفيه استحباب التجمل للوفود والحفلات، والاجتماعات العامة، ففيه مظهر حَسن للمسلمين . ٣- النهي عن ذلك خاص بالرجال دون النساء، لأنَّ الحدیث مخصص بأحاديث أخر. ٤- المشهور من مذهب الإمام أحمد: أنَّ المعصفر مكروه، وأما جمهور العلماء: فيرون إباحة لبسه؛ لما في البخاري (٥٨٥١)، ومسلم (١١٨٧) من حديث ابن عمر قال: ((رأيتُ رسول الله وَالله يصبغ بالصفرة))، وهي الرواية الثانية عن أحمد، اختارها الموفق، قال في ((الفروع)): وهو أظهر، وكذا في ((الإنصاف)). ٥- أما الحديث رقم (٤٣٢): فيدل على تحريم لبس الثوب المعصفر على الرجال، وأنَّه خاصٌّ بالنساء، وتقدم الخلاف في ذلك. ١٢٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ولا تعارض بين حديث ابن عمر في الصحيحين، وبين هذين الحديثين رقم (٤٣١، ٤٣٢)؛ فإنَّ هذين الحديثين بيّنا حكم الثياب الحُمر المصبوغة بالعصفر . أما حديث ابن عمر: فهو صبغ لحيته بالصفرة، وهذا مستحب. ٦ - أما الحديث رقم (٤٣٣): فيدل على إباحة لبس ما فيه عرض أربع أصابع، فما دونه من الحرير. ٧- ويدل على جواز التبرك بآثار النبي وَل ـ حتى بعد وفاته، ولكنه لا يلحقه أحد في ذلك؛ فلا يجوز التبرك بآثار أحد، مهما سمت منزلته بالعلم والصلاح. ٨- قولها: ((جبة النبي ◌ّل﴾ مکفوفة الگُمِّین والفرجین بالديباج»- فيه دلالة على جواز تحلية هذه الأماكن بالديباج في الجبة والعباءة، ونحو ذلك من ألبسة الرجال. قال شيخ الإسلام: باب الذهب والحرير واحد، فالعباءة التي تعمل بالزري والذهب لا بأس به، لأنَّها تابعة، وليست مستقلة. * فوائد: الأولى: أجمع العلماء على تحريم التشبه بالكفار؛ فإنَّ مخالفتهم أمر مقصود للشارع، وليس من التشبه اتخاذ اللباس الذي يلبسونه ويلبسه المسلمون، وليس خاصًّا بهم؛ فإنَّ هذا لا يعتبر شعارًا خاصًا بهم، ولا يعتبر لابسه مقلدًا، أو متبعًا لهيئاتهم وأزيائهم. الثانية: اختلف العلماء قديمًا وحديثًا في التصوير والصور، ولو عرضنا أدلتهم، لطال البحث، وللكن نلخص منها ما تيسر في الفقرات الآتية: - أجمع العلماء على تحريم الصور المجسمة لذوات الأرواح؛ للنصوص الصحيحة الصريحة في ذلك. - اختلفوا في الصور الشمسية: فذهب بعضهم إلى دخولها في التحريم؛ مستدلاً بعموم النصوص. ١٢٥ كتاب الصلاة - باب اللباس وذهب بعضهم إلى: إباحتها؛ وأنَّها لا تدخل في عموم النصوص، وأنَّه ليس تصويرًا، وإنما هو إمساك للصورة بمواد خاصة، وأنه أشبه بمقابلة المرآة، وبروز صورة الإنسان أمامه، إلاَّ أنَّ هذه حُبسَت، والأخرى زالت. وجمهور العلماء يخصصون من عموم النصوص لعب الأطفال؛ لقصة عائشة، وليتدرب الصغيرات بهن على تربية الأطفال، ولكن على ألا يتوسع في هذه اللعب التي صارت الآن كأنها تماثيل لصور مجسَّمة ذات أرواح. الثالثة : الإسبال : ( أ) جاء في البخاري (٥٧٨٤)، ومسلم (٢٠٨٥): ((من جرَّ ثوبه خيلاء، لم ينظر الله إليه يوم القيامة)). (ب) وجاء في البخاري (٥٧٨٣)، ومسلم: (٢٠٨٥) عن أبي هريرة؛ أنَّ رسول الله وَ ◌ّه قال: ((لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جرَّ إزاره بطرًا)). (ج) وجاء في صحيح مسلم عن أبي ذرٍّ - رضي الله عنه - عن النبي ◌َّ- قال: ((ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم ... )) وذكر منهم: ((المسبل إزاره)). (د) وروى أبوداود(٤٠٤٨) بإسناد حسن عن جابر بن سليم قال: قال رسول الله وَلِّ ((إِيَّاك وإسبال الإزار؛ فإنَّها من المخيلة، وإنَّ الله لا يحب المخيلة)). (هـ) وجاء في البخاري (٣٤٦٥) عن ابن عمر: ((أن أبابكر الصديق قال: يا رسول الله، إن إزاري يسترخي، إلاّ أن أتعاهده، فقال له رسول الله وقال : إنك لست ممن یفعله خیلاء)). (و) وجاء في البخاري (٥٧٨٧) عن أبي هريرة عن النبي وقّيّ قال: ((ما أسفل من الكعبين من الإزار، ففي النار)). هذه غالبية الأحاديث الواردة في الإسبال. وإذا تأملها القارىء وجد أنَّ بعضها مطلقٌ، وبعضها مقيَّدٌ بقصد الخيلاء، ١٢٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام والقاعدة الأصولية هي ((حمل المطلق على المقيد))، فيكون الذي لم يُرِد الخيلاء غير داخل في الوعيد، الذي يقتضي تحريم الإسبال، ولذا قال الإمام النووي في ((شرح مسلم)) ما يأتي: وأما قوله ◌َله: ((المسبل إزاره)) فمعناه: المرخي له، الجارّ له خيلاء، وهذا يخصص عموم المسبل إزاره، ويدل على أنَّ المراد بالوعيد: من جره خيلاء، وقد رخّص النبي وَلّ في ذلك لأبي بكر الصديق - رضي الله عنه - قال: ((لستَ منهم))؛ إذ كان جره لغير الخيلاء. وظواهر الأحاديث في تقييده بالجر خيلاء - تدل على أنَّ التحريم مخصوص بالخيلاء، وهكذا نص الشافعي على هذا الفرق كما ذكرنا . وأما القدر المستحب فيما ينزل إليه طرف القميص والإزار -: فنصف الساقين، والجائز بلا كراهة إلى الكعبين، فما نزل عن الكعبين فهو ممنوع، فإن کان للخیلاء فهو ممنوع منع تحریم، وإلاّ فمنع تنزیه. وأما الأحاديث المطلقة: بأنَّ ما تحت الكعبين ففي النار، فالمراد بها: ما كان للخيلاء، لأنَّه مطلق فوجب حمله عى المقيد. اهـ كلام النووي، والله أعلم. وبعضهم: لا يرون حمل مطلق أحاديث الإسبال على مقيدها، وإنما جعلوا هذا من باب اختلاف السبب والحكم في الدليلين، وإذن فلا يُحْمل أحدهما على الآخر؛ ذلك أنَّ الوعيد فيمن جرَّ ثوبه خيلاء، هو أنَّ الله لا ينظر إليه، نظرَ رحمةٍ وعطفٍ. وأما الوعيد فيمن أنزل ثوبه عن كعبيه أنَّ النار لهما وحدهما، فالعقوبة الأولى عامة، والعقوبة الثانية جزئية، وكذلك السبب مختلف فيهما، فأحدهما: جر إزاره خيلاء، والثاني: أنزله إلى أسفل من كعبه بلا خيلاء. وهذا القول أحوط، وأما القول الأول فهو أصح من حيث الدليل، وأجود من حيث التأصيل، والله أعلم. ١٢٧ كتاب الجنائز كتاب الجنائز مقدّمة الجنائز: جمع: ((جنازة))، بفتح الجيم وكسرها، والكسر أفصح ـ: اسم للنعش عليه الميت، فإن لم يكن عليه ميت فلا يقال: نعش، ولا جنازة، وإنما يقال: سرير، وهي مشتقة من ((جَنِز)) بكسر النون: إذا ستر؛ قاله ابن فارس. وللميت أحكام ذكر هنا منها الصلاة، وما يسبقها من تغسيل وتكفين، ثم ما بعدها من دفنٍ وتعزيةٍ، وذكرت هنا لمناسبة الصلاة المعروفة . والموتُ ليس فناء، وإنما هو انتقال الروح من عالم إلى عالم آخر، فهو مفارقة الروح للبدن، والروح باقٍ لا يفنى عند أهل السنة؛ قال تعالى: ﴿اَللَّهُ يَتَوَنَّى اُلْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢] أي: عند موت أجساده. قال شيخ الإسلام: استفاضت الآثار بمعرفة الميت بأحوال أهله وأصحابه في الدنيا، وأنَّ ذلك يعرض عليه، ويُسر بما كان حسنًا، ويتألم بما كان قبيحًا، وجاءت الآثار بتلاقيهم وتساؤلهم إذا شاء الله، كما يجتمعون في الدنيا مع تفاوت منازلهم، والقصد أنَّ الأرواح باقية في حياة برزخية، الله أعلم بکیفیتها ونوعها . والمستحب لكل إنسان ذكر الموت، والاستعداد له؛ لما روى الترمذي (٢٣٠٧) والنسائي (١٨٢٤)؛ أنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ قال: ((أكثروا ذِكرَ هاذم اللذات))، والهاذم: القاطع. ١٢٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام والاستعداد للموت يكون بالتوبة من المعاصي، والخروج من المظالم ، والإقبال على الله بالطاعات. وتسن عيادة المريض؛ لما في البخاري (١٢٤٠) ومسلم (٢١٦٢) من حديث أبي هريرة؛ أنَّ النَّبِيَّ وَّ قالَ: ((حق المسلم على المسلم ستُّ: إذا رأيته فسلّم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتَّعْه)). وإذا عاده، رقاه، وأفضلها: ما رواه البخاري (٥٧٤٢) عن أنس قال: كانت رقية النبي وَ ﴾: ((اللَّهمَّ رب الناس، مذهب الباس، اشفِ أنت الشافي، شفاءً لا يغادر سقمًا))، وسورة الفاتحة قال عنها ◌َّير في الحديث الذي رواه البخاري (٢٢٧٦): ((وما يدريك أنَّها رقية))، وينفس له في الأجل، ويُدخل على قلبه السرور، ولا يطيل عنده الجلوس، ولا بأس أن يخبر المريض عن حال مرضه، ولو لغير طبيب، إذا لم تكن شكوى ، ويسن الصبر، ويجب منه ما يمنع من محرم . ويستحب للمريض حسن الظن بالله تعالى؛ لما روى مسلم (٢٨٧٧) عن جابر؛ أنَّ رسول الله وَّله قال: ((لا يموتن أحدكم، إلاَّ وهو يحسن الظن بالله تعالى)). وفي الصحيح: «أنا عند حُسن ظنِّ عبدي بي)). ويباح التداوي بمباحٍ؛ لما في صحيح البخاري (٥٦٧٨) من حديث أبي هريرة؛ أَنَّ النَّبِيَّ وَله قال: ((ما نزل داءٌ، إلاَّ وأنزل الله له شفاءً)). وإذا كان المريض في حالٍ خطرة يُذكَّر بالتوبة، وقضاء الديون، والوصية فيما يجب عليه بيانه، ويكون ذلك بلطف، ولا يشعر معه بالخوف من دنو أجله . فإذا حضره الموت، سُنَّ لمن حضره تلقينه الشهادتين بلطف، وتوجيهه ١٢٩ كتاب الجنائز إلى القبلة، فإذا مات غُمضت عيناه، وليِّنت مفاصله، وَأَسْرِعَ في تجهيزه، ما لم یکن في تأخيره مصلحة. قال ابن القيم: كان هدي النبي ◌ّ في الجنائز أكمل هدي، فهو مشتمل على إقامة العبودية لله تعالى على أكمل الأحوال، وعلى الإحسان إلى الميت، ومعاملته بما ينفعه في قبره ويوم معاده، من عيادة وتلقين وتطهير، وتجهيز إلى الله تعالى على أحسن أحواله، وأفضلها، فيقفون صفوفًا على جنازته، ويُثْنون عليه، ويصلون على نبيه وَله، ويسألون للميت المغفرة والرحمة، ثم يقفون على قبره يسألون له التثبيت، ثم الزيارة إلى قبره والدعاء، كما يتعاهد الحي صاحبه في الدنيا بالإحسان إلى أهله وغير ذلك. * قرار المجمع الفقهي بشأن حكم التداوي والعلاج الطبي: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمَّد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه. قرار رقم (٦٧) بشأن العلاج الطبي : إنَّ مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السابع بجدة في المملكة العربية السعوية من (٧ إلى ١٢ ذي القعدة ١٤١٢ هـ الموافق ٩ - ١٤ مایو ١٩٩٢ م). بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع: ((العلاج الطبي))، وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله. قرر: أولاً: التداوي : الأصل في حكم التداوي أنَّه مشروع؛ لما ورد في شأنه في القرآن الكريم والسنة القولية، والعملية، ولما فيه من ((حفظ النفس))، الذي هو أحد المقاصد ١٣٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام الكلية من التشريع . وتختلف أحكام التداوي باختلاف الأحوال والأشخاص: فيكون واجبًا على الشخص؛ إذا كان تركه يفضي إلى تلف نفسه، أو أحد أعضائه، أو عجزه، أو كان المرض ينتقل ضرره إلى غيره؛ كالأمراض المعدية . ویکون مندوبًا؛ إذا کان ترکه يؤدي إلى ضعف البدن، ولا يترتب عليه ما سبق في الحالة الأولى. ويكون مباحًا؛ إذا لم يندرج في الحالتين السابقتين. ویکون مکروهًا؛ إذا كان في فعل يخاف منه حدوث مضاعفات أشد من العلة المراد إزالتها . ثانيًا: علاج الحالات الميئوس منها: (أ) مما تقتضيه عقيدة المسلم أنَّ المرض والشفاء بيد الله عزَّ وجل، وأنَّ التداوي والعلاج أخذ بالأسباب التي أودعها الله تعالى في الكون، وأنه لا يجوز اليأس من روح الله أو القنوط من رحمته، بل ينبغي بقاء الأمل في الشفاء بإذن الله، وعلى الأطباء وذوي المرضى تقوية معنويات المريض، والدأب على رعايته، وتخفيف آلامه النفسية والبدنية بصرف النظر عن توقع الشفاء أو عدمه. (ب) أنَّ ما يعتبر حالةً ميئوسًا من علاجها هو بحسب تقدير الأطباء، وإمكانات الطب المتاحة في كل زمان ومكان، وتبعًا لظروف المرضى. ثالثًا : إذن المريض: (أ) يشترط إذن المريض للعلاج إذا كان من أهل الأهلية، فإذا كان عدیم الأهلية، أو ناقصها - اعتبر إذن وليه، حسب ترتيب الولاية الشرعية، ووفقًا لأحكامها التي تحصر تصرف الولي فيما فيه منفعة المولى عليه، ومصلحته ورفع الأذى عنه، على أنَّه لا يعتبر بتصرف الولي في عدم الإذن، إذا كان واضح ١٣١ كتاب الجنائز الضرر بالمولى عليه، وينتقل الحق إلى غيره من الأولياء، ثم إلى ولي الأمر. (ب) لولي الأمر الإلزام بالتداوي في بعض الأحوال؛ كالأمراض المعدية، والتحصينات الوقائية . (ج) في حالات الإسعاف التي تتعرض فيها حياة المصاب للخطر، لا يتوقف العلاج على الإذن . (د) لابد في إجراء الأبحاث الطبية من موافقة الشخص التام الأهلية بصورة خالية من شائبة الإكراه (كالمساجين)، أو الإغراء المادي (كالمساكين)، ويجب ألا يترتب على إجراء الأبحاث الطبية على عديمي الأهلية، أو ناقصيها، ولو بموافقة الأولياء. والله أعلم. * قرار المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي بشأن ضوابط كشف العورة أثناء علاج المريض: الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، سيدنا ونبينا محمّد وعلى آله وصحبه وسلم ، أما بعد: فإنَّ مجلس المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي في دورته الرابعة عشرة المنعقدة بمكة المكرمة، والتي بدأت يوم السبت (٢٠ من شعبان ١٤١٥ هـ ١٩٩٥/١/٢١م) قد نظر في هذا الموضوع، وأصدر القرار التالي: ١- الأصل الشرعي أنَّه لا يجوز كشف عورة المرأة للرجل، ولا العكس، ولا كشف عورة المرأة للمرأة، ولا عورة الرجل للرجل . ٢- يؤكد المجمع على ما صدر من مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي بقراره رقم: (٨٥/١٢/٨٥ في ١ - ١٤١٤/١/٧ هـ) وهذا، نصه: ((الأصل أنه إذا توفرت طبيبة مسلمة متخصصة، يجب أن تقوم بالكشف على المريضة، وإذا لم يتوافر ذلك، فتقوم بذلك طبيبة غير ١٣٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام مسلمة، فإن لم يتوافر ذلك يقوم به طبيب مسلم، وإن لم يتوافر طبيب مسلم، يمكن أن يقوم مقامه طبيب غير مسلم، على أن يطلع من جسم المرأة على قدر الحاجة في تشخيص المرض ومداواته، وألا يزيد عن ذلك، وأن يغض الطرف قدر استطاعته، وأن تتم معالجة الطبيب للمرأة هذه بحضور محرم، أو زوج، أو امرأة ثقة، خشية الخلوة)) انتهى. ٣- وفي جمع الأحوال المذكورة، لا يجوز أن يشترك مع الطبيب إلاّ من دعت الحاجة الطبية الملحة لمشاركته، ويجب عليه كتمان الأسرار إن وجدت. ٤- يجب على المسؤولين في الصحة والمستشفيات حفظ عوارت المسلمين والمسلمات، من خلال وضع لوائح وأنظمة خاصة تحقق هذا الهدف، وتعاقب كل من لا يحترم أخلاق المسلمين، وترتيب ما يلزم لستر العورة، وعدم كشفها أثناء العمليات إلاَّ بقدر الحاجة من خلال اللباس المناسب شرعًا. ٥- ويوصي المجمع بما يلي : ( أ) أن يقوم المسؤولون عن الصحة بتعديل السياسة الصحية فكرًا ومنهجًا وتطبيقًا، بما يتَّفق مع ديننا الإسلامي الحنيف وقواعده الأخلاقية السامية، وأن يولوا عنايتهم الكاملة لدفع الحرج عن المسلمين، وحفظ كرامتهم وصيانة أعراضهم. (ب) العمل على وجود موجه شرعي في كل مستشفى للإرشاد والتوجيه للمرضى . وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، والحمد لله رب العالمين. ١٣٣ كتاب الجنائز ٤٣٤ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَّه: ((أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ المَوْتِ)) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَصَخَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ(١). درجة الحديث: الحديث صحيح. أخرجه النسائي، والترمذي، وابن ماجه (٤٢٥٨)، وابن حبان، والحاكم (٣٥٧/٤)، والضياء المقدسي (٧٦/٥)، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وصححه ابن حبان، وابن السكن، وابن طاهر، وأعلَّه الدار قطني بالإرسال. وله شواهد كثيرة منها: ١ - حديث ابن عمر ورجاله موثوقون غير القاسم، فأورده ابن أبي حاتم، ولم یذکر فیه جرحًا ولا تعدیلاً. ٢- حديث أنس مرفوعًا، به أخرجه أبونعيم والخطيب والضياء المقدسي، وسنده صحيح على شرط مسلم. ٣- حديث عمر مرفوعًا به، أخرجه أبونعيم ورجاله ثقات غير عبدالمالك بن یزید، فقال الذهبي: لا يُدری من هو . * مفردات الحديث: -هاذم: مجرور؛ لأنَّه مضاف إليه. هاذم: تقرأ بالذال المعجمة؛ فيكون معناها: قاطع اللذات، وتقرأ بالدال المهملة؛ فيكون معناها مزيل اللذات ، والمعنيان متقاربان. - الموت: يجوز فيه ثلاثة أوجه: الرفع والنصب والجر. (١) الترمذي (٢٣٠٧)، النسائي (١٨٢٤)، ابن حبان (٢٦١/٦). ١٣٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام فأما الرفع فعلى تقدير: خبر مبتدأ محذوف، وأما النصب فعلى تقدير: أعني: الموت، وأما الجر فهو عطف بيان، ولعلَّ الأخير أقربها . * ما يؤخذ من الحديث: ١ - معناه: أنَّ الموت يزيل لذات الحياة الدنيا، فيقطعها عن الإنسان بسبب الموت. ٢ - ذكر الموت أعظم واعظٍ للإنسان، وأكبر مذكِّر له عن طول الأمل، والاغترار بالحياة، والرکون إليها . ٣- لا ينبغي للإنسان أن يغفل عن ذكر الموت، الذي هو أعظم واعظ؛ فإن ذكره الموت يحثه على الطاعات، والاستعداد لما بعده. ٤ - جاء في بعض الأحاديث: ((لا تذكرونه في كثيرٍ إلاّ قلَّله، ولا قليل إلاّ كثَّره))، ففي كثرة ذكر الموت قصر الأمل وانتظار الأجل. ٥- الإنسان في هذه الحياة الدنيا: إما أن يكون في ضيق أو سعة، نعمة أو نقمة، فهو محتاج إلى ذكر الموت في كلا الحالتين، فإنَّ ذكره في نعمة لم يغفل، وإن ذكره في نقمة لم يجزع. وسئل ابن مسعود - رضي الله عنه - أي الناس أكيس؟ فقال: أكثرهم للموت ذكرًا، وأحسنهم لما بعده استعدادًا، أولئك الأكياس. ٦ - قال عمر بن عبدالعزيز - رحمه الله تعالى -: الدنيا سريعة الفناء، قريبة الانقضاء، تعِدُ بالبقاء ثم تخلف في الوفاء، وتنظر إليها فتراها ساكنة مستقرة، وهي سائرة سيرًا عنيفًا، ومرتحلة ارتحالاً سريعًا، ولكن الناظر قد لا یحس بحر کتھا فیطمئن إليها، وإنما یحس عند انقضائها . ٧- قال شيخ الإسلام: لا يستحب للمسلم أن يخط قبره قبل أن يموت؛ فإنَّ النَّبيَّ ﴿ ل﴾ لم يفعل ذلك هو ولا أصحابه، والعبد لا يدري متى يموت، ولا أين يموت. وإذا كان مقصود العبد الاستعداد للموت، فهذا يكون بالعمل الصالح، فيسن الإكثار من ذكره، والاستعداد له، والتوبة قبل نزوله. ١٣٥ كتاب الجنائز - ٤٣٥ - وَعَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله وَّ: ((لاَ يَتَمَنَّنَّ أَحَدُكُمُ المَوْتَ لِضُرِّ نَزَلَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ لاَبُّدَّ مُتَمَنًا، فَلْقُلِ: اللَّهُمَّ، أَحْيِي مَا كَانَتِ الحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوقَّنِي مَا كَانَتِ الوَفَاةُ خَيْرًا لِي)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). * مفردات الحديث: - لا يتمنين: ((لا)) ناهية، والفعل مبني على الفتح؛ لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة في محل جزم. يتمنين: يقال: تمنى الرجل الشيء تمنيًا: أراده برغبة، مأخوذ من: المُنَي، وهو القدر؛ لأنَّ صاحبه يقدر حصوله. فالتمني يطلق في اللغة على: طلب حصول الشيء، على سبيل المحبة. - لِضُرّ: بضم الضاد، ويجوز فتحها، والضر: ما هو كائن من سوء حالٍ، أو فقرٍ، أو شدةٍ في بدن. - لابد: أي: لا فرار ولا محالة متمنيًا، فليفوض الأمر إلى الله، وليقُل الدعاء الوارد. - أحيني: بهمزة قطع؛ أي: أبقني حيًّا. * ما يؤخذ من الحديث: ١- یکره تمني الموت عند الوقوع في محنة دنیویة، أو خوف من عدوٍّ، أو مرض نزل به، أو فاقة حلت به، أو نحو ذلك من مشاق الدنیا. ٢- الحكمة في هذا: أنَّه منافٍ للصبر الذي أُمرنا به، ووُعدنا عليه الأجر العظيم، (١) البخاري (٥٦٧١)، مسلم (٢٦٨٠). ١٣٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ولأنَّه يدل على الجزع، وعدم الثبات والاحتساب على قضاء الله تعالى. ٣- إن كان غير صابر، ولابد من الدعاء، فليقل: ((اللّهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني ما كانت الوفاة خيرًا لي))، هذا هو الرخصة؛ ذلك أنَّ الدنيا دار ممر، والأخرى هي المقر، فلا يعلم المبتلى في بدنه، أو ماله، أو جاهه، أو غير ذلك، أنَّ ذلك خيرٌ له في أُخْراه، إذا صبر واحتسب. ٤- أما إذا كان الخوف من الفتنة في الدين، فإنَّه لا بأس من تمني الموت، فقد قالت مريم عليها السلام: ﴿يَلَيْتَنِ مِتُ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًّا مَّنسِيًّا ٢٣ [مریم]. فهي قد تمنت الموت، لا جزءًا من وجع الولادة، وإنما تمنت الموت خوفًا من الفضيحة، حينما ينكر قومها أمرها، ويظنون بها الشر، ثم يقعون في ذمها وعرضها. وكذا جاء في الحديث: ((وإذا أردتَ بعبادك فتنة، فاقبضني إليك غير مفتون)) [رواه الترمذي (٣٢٤٧) وصححه]. فتمني الموت في الفتنة في الدين جائز، وليس مما يتناوله الحديث. ٥- مناسبة هذا الدعاء لمن أراد تمني الموت أن يفوض الأمر إلى الله تعالى، فهو جلَّ وعلا الذي يعلم مصالح العبد، وما هو أولى به في الحياة، أو الموت . ٦- يدل الحديث وأمثاله على وجوب الصبر، وحكاه شيخ الإسلام إجماعًا، وقال: إنَّ الثواب على المصائب معلق على الصبر عليها، وأما الرضا فمنزلة فوق الصبر، فإنّه يوجب رضا الله عزَّوجل. والصبر حبس النفس عن الجزع، وحبس اللسان عن التشكي، وحبس الجوارح عن لطم الخدود، وشق الجيوب ونحوها. والشكوى إلى الله تعالى لا تنافي الصبر، وهي مطلوبة شرعًا، مندوب ١٣٧ كتاب الجنائز إليها إجماعًا، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اُسْتَكَانُوْ لِرَبِهِمْ وَمَا [المؤمنون: ٧٦]. ٧٦ يَنَضَرَّعُونَ قال ابن كثير: ((ابتليناهم بالمصائب والشدائد)). وقال تعالى: ﴿ فَلَوْلَا إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنعام: ٤٣] ومن شكا إلى الناس: وهو في شكواه راضٍ بقضاء الله، لم يكن ذلك جزعًا، وجاز؛ لقوله ◌َّ: ((أجدُني مغمومًا))، وقوله: ((وارأساه))، وقوله: ((أُوْعَكَ كَمَا يُوعَك رجلان منكم))؛ ونحو ذلك مما يدل على إباحة إظهار مثل هذا القول عندما يلحق الإنسان من المصائب، وإذا كانت مما يمكن كتمانه، فكتمانه من الأعمال الخفية لله تعالى. ٧- في البخاري (٦٥٠٧)، ومسلم (٢٦٨٣): ((مَنْ أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه)). قال الإمام أحمد: يكون خوف العبد ورجاؤه واحدًا، فأيهما غلب على صاحبه، هلك. قال الشيخ: هذا هو العدل؛ لأنَّ من غلب عليه الخوف، أوقعه في نوع من اليأس، ومن غلب عليه الرجاء، أوقعه في نوع من الأمن من مكر الله، فالرجاء بحسب ترجيحه رحمة الله، وأما الخوف فيكون بالنظر إلى تفريطه. ٨- ظهر في هذه العصور الحديثة ظاهرة الانتحار، وهي قتل الإنسان نفسه لنكبة تصيبه من نكبات الحياة، إما من قلَّة ذات يده، وإما رغبة دنيوية فاتته، ومحنة نزلت به، أو طول مرض معه، فيتملكه الجزع ويطير صوابه، فيقتل نفسه بغرقٍ، أو حرقٍ، أو إلقاء نفسه من شاهقٍ، أو يلقي نفسه أمام قطار، أو غير ذلك، إنَّ مضار هذه الظاهرة الشنيعة خطيرة جدًّا من: مخالفة للشرع، ومخالفة للطبع، وهذه بعض محاذيرها : أولاً: إنَّها مخالفة لشريعة الله - تعالى - بأوضح نصوصه الكريمة، قال ١٣٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ١) وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا ٢٩ تعالى: ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ! [النساء]، ولما جاء ٣٠ وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيًّا البخاري (٦١٠٥)، ومسلم (١١٠) عن ثابت بن الضحاك قال: قال رسول الله ◌َلقه: ((من قتل نفسه بشيء، عُذُّب به يوم القيامة)). وفي صحيح البخاري (٣٠٧٤): ((أَنَّ رسول الله بَّه قال عن الرجل الذي آلمته الجراح، فقتل نفسه، فقال ◌َّير: هو من أهل النار)). ثانيًا: إنَّ من قتل نفسه فليس بمؤمن؛ لأنَّ صفة المؤمن إن أصابته سرّاء شکر، وإن أصابته ضرّاء صبر . ثالثًا: إنَّ هذا دليل على الجُبْن والسلبية، وعدم التحمل، ومجابهة الأمور ومعالجتها، والخروج منها، والتغلب عليها . رابعًا: إنَّ هذا دليل على ضعف العقل، وضعف الإيمان؛ ذلك أنَّه يريد بالموت الراحة مما هو فيه، وهو بقتله نفسه، انتقل من عذاب نفسي إلى عذاب أعظم مما هو في الحياة؛ كالمستجير من الرمضاء بالنار، نسأل الله السلامة. قال الأستاذ أحد عساف في كتابه: ((الحلال والحرام)): وخلاصة القول: إنَّ الانتحار وَهنٌّ في الإرادة، وضررٌ في العزيمة، وضعفٌ في الإيمان؛ لذلك کان جزاء فاعله النار. فعلى المؤمن أن يصبر على البلاء مهما اشتد به؛ فإنَّ مع العسر يسرا، ولكل شدَّة فرج، وعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة. خامسًا: أشار النبي ◌َله إلى المعنى الذي من أجله ينهى عن تمني الموت، وهو انقطاع الأعمال الصالحة بالموت، ففي الحياة زيادة الأجور بزيادة الأعمال، ولو لم يكن إلاَّ استمرار الإيمان، فأي عمل أعظم منه، ولذا جاء في البخاري عن أبي هريرة عن النبي ◌َِّ أنَّه قال: ((لا يتمنين أحدكم الموت: إما محسناً، فلعله يزداد، وإما مسيئًا، فلعله أن يستعتب)). ١٣٩ كتاب الجنائز ٤٣٦ - وَعَنْ بُرَيْدَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ وَلَ قَالَ: ((المُؤْمِنُ يَمُوتُ بِعَرَقِ الجَبِيْنِ)). رَوَاهُ الثَّلاثَةُ، وَصَخَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ(١). * درجة الحديث: الحدیث حسن. أخرجه أحمد (٢٢٥٣٨)، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، عن بريدة، ورمز له السيوطي بالحُسن. قال الحاكم: صحيح على شرطهما، وأقرَّه الذهبي. وقال البيهقي : رجال أحمد رجال الصحيح. وقال الهيثمي: رجاله ثقات، فهم رجال الصحيح. * مفردات الحديث: - بعَرَق: بفتح العين والراء بعدهما قاف مثناة، والعَرَق: ما رشح من مسام الجلد من غدد خاصة، وفي الحديث أحد معنيين: أنَّه كناية عن الكد في طلب الرزق الحلال، وإما أن يراد به: شدة النزع عند الموت. - الجَبين : - بفتح الجيم وكسر الباء الموحدة -: هو ما فوق الصدغ عن يمين الجبهة أو شمالها، وهما جبينان، وجمعه: أَجْبُن وَأَجْبُنَة وجُبُن. * ما يؤخذ من الحديث: الحدیث یحتمل أحد معنیین : ١ - مكابدة الإنسان ما في هذه الحياة من الشدائد والمشاق، فالإنسان لا يزال في مكابدة الدنيا ومقاساة شدائدها، حتى الموت، والمؤمن يكابدها بطرق (١) الترمذي (٩٨٢)، النسائي (٦/٤)، ابن ماجه (١٤٥٢). ١٤٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام الحلال والسبل المشروعة، فيتحرى الحلال وصحة العقود، ويحترز عن الشبهات، فيكون غالبًا رزقُه مقتدرًا عليه بقدر كفايته، فيموت وهو لم ينعم بعيش هنيء، وطعام لين، وإنما يموت وجبينه يتفصد عرقًا من تعب الحياة؛ ﴾ [البلد]. ٤ قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنِسَنَ فِىِ كَبَدٍ ٢- أنَّ المؤمن يكابد من شدة النزع وسياق الموت ما يكفِّر الله به ما بقي من ذنوبه؛ ولذا جاء في الحديث أنَّ النَّبِي وَّ قال: ((إنَّ العبد الصالح ليعالج الموت وسكراته)). وروى ابن أبي الدنيا بسنده عن عائشة قالت: ((حضرت موت أبي، فأصابته غشية))، وقال ◌َله وهو في سياق الموت: ((إنَّ للموت سَكَرَات)) [رواه البخاري (٤١٨٤)]. فالمؤمن یموت و جبنه یقطر من شدة النزع؛ لیمحص الله ذنوبه عند آخر مرحلة من مراحل الحياة، وأول منزلة من مراحل الآخرة، ليخرج من هذه الحياة نقيًّا خالصًا.