Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١ كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٥- ((وجهت وجهي)) أي: قصدت بعبادتي، فينبغي أن يكون المصلي - حال قوله هذا الذكر - مقبلاً على مولاه، غير ملتفت بقلبه إلى سواه، فيكون على غاية الحضور والإخلاص، وإلاّ كان كاذبًا، وأقبح الكذب أمام من لا تخفى عليه خافية . ٦ ـ ((الذي فطر السموات والأرض)): يعني: أوجدهما وأ بدعهما على غير مثال سابق، ومَن أوجد مثل هذه المبدعات، التي هي غاية في الإبداع والإتقان، حقٌّ له أن تتوجه إليه الوجوه، وأن تعول عليه القلوب، فلا يلتفت إلى غيره، ولا یرجی أحد سواه. ٧- ((حنيفًا)): مائلاً إلى الحق، مستقيمًا عليه. ٨- ((مسلمًا)): مستسلمًا منقادًا لله تعالى، متوجهًا إليه. ٩ - ((وما أنا من المشركين)»: حال مقررة لمضمون الجملة التي قبلها. ١٠ - ((إنَّ صلاتي)): العبادة المعروفة فرائضها ونوافلها . ١١ - ((ونُسكي)): ذبحي، الذي أتقرَّب به إلى الله تعالى. وخصَّ هاتين العبادتين الشَّريفتين؛ لمزيد فضلهما، ودلالتهما على محبّة الله تعالى، وإخلاص الدين له، والتقرب إليه بالقلب واللسان والجوارح، هذا في الصلاة، وببذل ما تحبه النفس من المال في طاعة الله تعالى، وهو الذبح والتقرب إليه بإراقة الدماء. ١٢ - ((محياي ومماتي)): ما آتيه في حياتي من الأعمال، وما يقدره ويجريه الله تعالى عليَّ في مماتي. ١٣- (لله ربِّ العالمين، لا شريك له)) في العبادة، ولا في الملك، ولا في الصفات . ١٤- ((وأنا من المسلمين)) هكذا رواه مسلم (٧٧١)، وأبوداود (٧٦٠)، والترمذي (٣٤٣٥)، والنسائي (٨٩٧)، وابن ماجه (٧٦٠)، وقد رواه ١٦٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام مسلم (٧٧١)، وأبوداود (٧٦٠)، من وجه آخر: ((وأنا أول المسلمين))، فقد كان هو أول المسلمين على الإطلاق، وبالنسبة لغيره فليقتصر على: ((وأنا من المسلمين)) لا غير، إلاَّ أن يقصد لفظ الآية، وحينئذٍ يفوته - إن اقتصر عليها - سنة دعاء الاستفتاح. ١٥ - قوله: ((أنت الملك لا إله إلاَّ أنت)): إثبات الإلهيّة المطلقة لله تعالى- على سبيل الحصر - بعد إثبات الملك. ١٦ - ((أنت ربي وأنا عبدك)): أي: أنت مالكي، وموجدي، ومربيني بأنواع النعم والمنن، وأنا عبدك الذليل الخاضع لأمرك، الملتجىء لفضلك. ١٧ - ((ظلمتُ نفسي)): بالمخالفة، واعترفت بذنبي، وأنت الكريم الذي نطلب منه المغفرة. ١٨ - ((فاغفر لي ذنوبي جميعًا)): أي: حتى الكبائر والتبعات. ١٩- ((لا يغفر الذنوب إلاَّ أنت)): أي: صغائرها وكبائرها، حقيرها وجليلها . ٢٠ - ((اهدني لأحسن الأخلاق)): ارشدني للأخلاق الحسنة الظاهرة والباطنة، والخُلُق الحسن هيئة نفسانية، ينشأ عنها جميل الأفعال، وكمال الأحوال. ٢١ - ((اصرف عني سيئها)) أي: ارفع عني الأخلاق السيئة. ٢٢ - ((لبَّك وسعديك، والخير كله في يديك)) أجيبك مرة بعد أخرى، وأحظى وأسعد بإقامتي على طاعتك، وكل فرد من أفراد الخير هو من طَوْلك وإفضالك. ٢٣ - ((والشر ليس إليك)): الأمور كلها بيد الله تعالى خيرها وشرها، ومعنى هذا أنَّ الشرّ لا یتقرب به إلیك، ولا یصعد إليك، ولا ينسب إليك. ٢٤ - ((تباركت وتعاليت)): تعاظمت وتمجدت، وأدرت البركة على خلقك، والبركة: هي الكثرة والاتساع. ٢٥- ((وتعاليت)): ارتفعت شأنًا وقدرًا، أو تنزهت عمَّا لا يليق بك. ١٦٣ كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٢٦ - ((أستغفرك وأتوب إليك)) أطلب منك المغفرة، وأطلب منك التوبة. ٢٧- ((قال المؤلف: وفي رواية: ((أنَّ ذلك في صلاة الليل))، قال المحدِّث الشيخ عبدالرحمن المباركفوري في كتابه ((تحفة الأحوذي)»: قول المؤلف هذا فيه نظر؛ فإنَّ الحديث مروي في صحيح مسلم في باب صلاة الليل، بل وقع أحدهما ((إذا قام إلى الصلاة المكتوبة))، ومثل ذلك في روايتيْ أبي داود، ووقع في رواية الدارقطني: ((إذا ابتدأ الصلاة المكتوبة، قال: وجهت وجهي .. .إلخ)). وقال الشوكاني في ((النيل)): وأخرجه ابن حبان وزاد: ((إذا قام إلى الصلاة المكتوبة))، ولذلك رواه الشافعي وقيّده أيضًا بالمكتوبة، فالقول بأنَّ هذا الدعاء مخصوص بصلاة التطوع، ولا يكون مشروعًا في المكتوبة -باطل جدًّا. اهـ كلامه. ١٦٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٢١٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((كَانَ رَسُولُ الله ﴿وَ إِذَا كَبَّرَ الصَّلاَةِ، سَكَتَ هُنَيَّهَةً قَبْلَ أَنْ يَقْرَأَ، فسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: أَقُولُ: «اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيِِّي وَبَيِّنَ خَطَايَايَ، كَمَا بَعَدْتَ بَيِّنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ، كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالمَاءِ وَالثَّلْجِ والبرَدِ» مُتَفَقٌ عَلَيْهِ (١). * مفردات الحدیث: - هنيهة: قال في: ((القاموس)): الهنو - بالكسر -: الوقت، وهنيهة تصغير: هنية، ويراد بها: السكتة اللَّطيفة. - خطايا: جمع: ((خطيئة))، وأصله: خطائي، بهمزة مكسورة بعد المد، يليها ياء متحركة هي لام الكلمة، ثم فتحت الهمزة في الجمع، وقلبت ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصار ((خطاً)) فكرهوا اجتماع ألفين بينهما همزة، فقلبت ياءً فصارت ((خطايا)). - نقّني: بتشديد القاف، وهو أمر من نقَّى: ينقي تنقية، وهو مجاز عن إزالة الذنوب، ومحو أثرها. - كما باعدت: ((ما)) مصدرية، تقديره: كإبعادك بين المشرق والمغرب، ووجهه أنَّ التقاء المشرق والمغرب لما كان مستحيلاً، شبه أن يكون اقترابه من الذنوب، كاقتراب المشرق والمغرب. - الأبيض: خصَّ الثوب الأبيض بالذكر؛ لأنَّ الدنس يظهر فيه، زيادة على ما (١) البخاري (٧٤٤)، مسلم (٥٩٨). ١٦٥ كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة يظهر في سائر الألوان. - الدَّنس : - بفتح الدال والنون - هو الدرن والوسخ. - البَرَد : - بفتح الباء والراء - حب الغمام. قال الخطابي: ذِكر الثلج والبرد تأكيد، وليس المراد بالغسل هنا على ظاهره، وإنَّما هو استعارة بديعة للطهارة العظيمة من الذنوب. قال شيخ الإسلام: إنَّ الغسل بالماء الحار أبلغ في الإزالة، ولكن جيء هنا بالثلج والبرد؛ ليناسب حرارة الذنوب التي يراد إزالتها . * ما يؤخذ من الحديث: ١ - استحباب الاستفتاح، ومكانه بعد تكبيرة الإحرام، وقبل التعوذ والقراءة، وهي السكتة اللطيفة التي أسرَّ بها النبي وَلّ . ٢ - أنَّ صفة الاستفتاح الإسرار به، إلاَّ إذا كان هناك حاجة إلى الجهر به؛ ليعلمه من خلفه من المصلین، کما فعله عمر رضي الله عنه . ٣- أدب أهل العلم في حسن تلقينه، فالمتعلم يسأل، والمعلم يجيب في المسائل التي هم في حاجة إليها، وهم مشتغلون بالعمل بها، لا بأغلوطات المسائل الصورية . ٤- سکتات الإمام ۔ عند فقهائنا الحنابلة - ثلاث: الأولى: قبل الفاتحة في الركعة الأولى. الثانية: بعد الفاتحة بقدرها، وهو مذهب الشافعي. قال ابن القيم عن السكتة الثانية: إنَّها لأجل قراءة المأموم، فعلى هذا ينبغي تطويلها، بقدر قراءة المأموم الفاتحة. والرواية الثانية عن الإمام أحمد: لا يسكت، وفاقًا لأبي حنيفة ومالك، وهو المفتى به، والمعتمد في كتب المذهب. ١٦٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام الثالثة: سكتة يسيرة بعد القراءة كلها وقبل الركوع؛ ليرد إليه نفسه. قال شيخ الإسلام: إنَّ الأئمة الثلاثة: أبا حنيفة ومالكًا وأحمد، وجماهير العلماء لم يستحبوا أن يسكت الإمام ليقرأ المأموم، فهي عندهم غير واجبة ولا مستحبة، بل منهيٌّ عنها، والسكتتان اللتان جاءت بهما السنة: الأولى: بعد تكبيرة الاستفتاح. الثانية: سكتة لطيفة بعد القراءة؛ للفصل، لا تسع لقراءة الفاتحة. ﴾ فهي من جنس السكتات وأما السكتة التي عند قوله: ﴿ وَلَ الضَّالِّينَ التي عند رؤوس الآي، ومثل هذا يسمى سكوتًا. ٥- «اللّهمَّ باعد بيني وبين خطاياي، كما باعدت بين المشرق والمغرب»: معناه: إنَّه كما لا يجتمع المشرق والمغرب، لا يجتمع الداعي وخطاياه، فالمراد بههذه المباعدة: إما محو الخطايا السابقة، وترك المؤاخذة بها، وإما المنع من الوقوع فيها، والعصمة منها، بالنسبة للّآتية. ٦- «اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس»: معناه: أزل عني الخطايا، وامحها عني كهذه التنقية، فإنَّ النقاء أظهر ما يكون في الثوب الأبيض، من غيره من الألوان. ٧- «اللّهمّ اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد» الماء الساخن أبلغ في إزالة الأدران والأوساخ من الثلج والبرد، ولذا كثر تلمس العلماء سببًا لهذا التعبير؛ وأحسن ما قيل فيه ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - قال: لما كانت الذنوب لها حرارة ووهج، وهي سبب لحرارة العذاب، ناسب أن تغسل بما يبردها ويطفىء حرارتها، وهو الثلج والماء والبرد. ١٦٧ كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة * فائدة: قال ابن الملقن في ((شرح العمدة)): ترقى وَلّ في هذ الدعاء، فطلب: (أ) ما يليق بالعبودة، وهو المباعدة. (ب) ثم ترقى فطلب التنقية . (ج) ثم ترقى فطلب الغسل؛ فإنه أبلغ منهما. ١٦٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٢١٦ - وَعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: ((سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُّكَ وَتَعَالَىْ جَدُكَ، وَلاَ إِلهَ إِلَّ غَيْرُكَ)). رواه مسلمٌ بِسَنَدٍ مُنْقَطِعٍ، والدَّار قُطْنِيُّ مَوْصُولاً وهُوَ مَوْقُوفٌ (١). وَنَحْوُهُ عَنْ أَبِيَ سَعِيْدِ الخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا عِنْدَ الخَمْسَةِ، وَفِيهِ: وَكَانَ يَقُولُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ: ((أَعُوذُ بِالله السَّمِيعِ العَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ؛ مِنْ هَمْزِهِ وَنَفْخِهِ وَنَفْثِهِ»(٢). * درجة الحديث: الحديث صحيح؛ حيث رواه مسلم بسند منقطع، والدار قطني موصولاً، وهو موقوف. قال ابن القيم في ((الهدي)): قد صحَّ أنَّ عمر کان یستفتح به، ویجهر به، ويعلمه الناس، وهو بهذا في حكم المرفوع، كما أنَّ الدارقطني رواه موصولاً، وقد صححه الحاكم والذهبي، وصحَّ رفع الحديث من عدة طرق، فالحديث صحيح . وأما حديث أبي سعيد: فقال الترمذي: إنَّه أشهر حديث في الباب، وقال ابن خزيمة: لا نعلم في استفتاح ((سبحانك اللَّهمَّ وبحمدك)) خبرًا ثابتًا عند أهل المعرفة بالحديث، وأحسن أسانيده حديث أبي سعيد. وللحدیث شاهد من حديث جبير بن مطعم، صححه ابن حبان، وشاهد (١) مسلم (٣٩٩)، الدار قطني (٢٩٩/١). (٢) أحمد (٥٠/٣)، الترمذي (٢٤٢)، أبوداود (٧٧٥)، النسائي (١٣٢/٢)، ابن ماجه (٨٠٤). ١٦٩ كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة من حديث ابن مسعود. * مفردات الحديث: - سبحانك: منصوب على المصدر، وحُذف فعله، وهو ((أَسَبِّح))، وهو علم للتسبيح، والعلم لا يضاف إلاّ إذا نكر، ومعناه: التنزيه عن النقائص. - وبحمدك: الواو للحال أو لعطف الجملة؛ سواء قلنا: إضافة الحمد إلى الفاعل، والمراد من ((الحمد)) - حنيئد ــ لازمه، أو إلى المفعول، ويكون معناه : سبحتُ متلبسًا بحمدي لك. ومعنى ((وبحمدك)): أي: أنَّ ما قمت به من التسبيح، هو بتوفيقك وهدایتك، لا بحولي وقوتي. - تعالى: تعاظم، وارتفع، وتنزه عمَّا لا يليق بجلاله. - جدّك: بفتح الجيم وتشديد الدال، أي عظمتك وجلالك وسلطانك. - الرجيم: أي: المرجوم بالطرد، واللعن عن رحمة الله تعالى. - همْزه: هو الجنون والصرع، الذي يعتري الإنسان. - نَفْخه: بوسوسته بتعظيم نفسه، وتحقير غيره عنده، فيزدريه، ويتعاظم عليه. - نفْثه: قال ابن القيم: النفث: فعل السحر، والنَّفاثات هي: الأرواح والأنفس، لأنَّ تأثير السحر إنَّما هو من جهة الأنفس الخبيثة، والأرواح الشريرة، فإذا تكيف نفس الساحر بالخبث، والشر الذي يريده بالمسحور، نفخ في تلك العقد نفخًا معه ريق، فيخرج من نَفْسِه الخبيثة نَفَسٌ ممازجٌ للشر والأذى، مقترن بالريق الممازج لذلك، فيقع بإذن الله الكوني القدري، لا الأمري الشرعي. * ما يؤخذ من الحديث: ١- هذا أحد أنواع استفتاحات الصلاة، قال ابن القيم: صحَّ أنَّ عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - کان یستفتح به، ویجهر به؛ ليعلمه الناس، فهو ١٧٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام في حكم المرفوع، قال الألباني: إسناده صحيح. ٢ - سبحانك اللّهمَّ: أنزهك عمّا لا يليق بك، وبجلالك يا رب، وما تستحقه من التنزيه عن النقص والعيب، ونصب ((سبحانك)) على المصدر؛ أي: سبحتك تسبيحًا، فوضع ((سبحانك)) موضع التسبيح. ٣- وبحمدك: هذا الجار والمجرور إما متَّصل بفعل مقدر، وتكون الباء للسببية، أو صفة لمصدر محذوف، والمعنى: أحمدك ــ يا رب ــ وأثني عليك بما تستحقه، من المحامد والثناء. ٤- تبارك اسمك: کثر وکمل واتسع، وکثرت بركاته. ٥- تعالی جدّك تعاظم شأنك، وارتفع قدرك. ٦- لا إله إلاَّ غيرك: لا معبود بحق سواك، فأنت المستحق للعبادة، وحدك لا شريك لك، بما وصفت به نفسك من الصفات الحميدة، وبما أسديته من النعم الجسيمة . ٧- قال الإمام أحمد: أنا أذهب إلى هذا الاستفتاح، فلولا أنَّ النبيَّ وَّ كان يقوله في الفريضة ما فعل ذلك عمر، وأقرّه المسلمون. قال المجد وغيره: اختاره أبوبكر وابن مسعود، واختيارُ هؤلاء وجهر عمر به يدل على أنَّه الأفضل، وأنَّه الذي كان النبي ◌َّر يداوم عليه غالبًا . ٨- يجوز الاستفتاح بكل ما ورد وثبت، قال شيخ الإسلام: الاستفتاحات الثابتة كلها سائغة باتِّفاق المسلمين، ولم يكن وّ يداوم على استفتاح واحد قطعًا، والأفضل أن يأتي بالعبادات المتنوعة على وجوه متنوعة، كل نوع منها على حدته، ولا يستحب الجمع بينها . ٩- الاستعاذة بالله تعالى في الصلاة سنة مندوب إليها، عند الجمهور، قال النووي: اعلم أنَّ التعوذ بعد دعاء الاستفتاح سنة، وهو مقدمة للقراءة، قال [النحل] ومعناها تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ فَأَسْتَعِدْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ ١٧١ كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة عند جماهير العلماء: إذا أردت القراءة فاستعذ بالله. قال الشيخ تقي الدين: التعوذ عند أول كل قراءة من الشيطان الرجيم. ١٠ - ((أعوذ بالله)): معناه: ألجأ إلى الله تعالى، وأعتصم به. ١١ - اللَّفظ المختار للتعوذ: ((أعوذ بالله من الشيطان الرجيم))، وجاء ((أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم))، ولا بأس به، لكن المشهور المختار الأول. ١٢ - ((من الشيطان)) المتمرد العاتي، من شياطين الجن والإنس. ١٣- ((الرجيم)) المرجوم المطرود، والمبعد عن رحمة الله، فلا تسلطه علي بمايضرني، في ديني ودنياي، ولا يصدني عن فعل ما ينفعني، في أمر ديني ودنياي، فمن استعاذ بالله تعالى، فقد أوى إلى ركن شديد، واعتصم بحول الله وقوته، من عدوه الذي يريد قطعه عن ربه، وإسقاطه في مهاوي الشر والهلاك. ١٤ - من هَمْزه: نوع من الجنون والصرع يعتري الإنسان، فإذا أفاق عاد إليه عقله. ١٥ - نفثه: هو السحر المذموم، وقال ابن القيم عند قوله تعالى: ﴿ وَمِن شَرّ · [الفلق] هو شر السحر، فإنَّ النفاثات في العقد اُلتَّقَّشَتِ فِى الْعُقَدِ ٤ هنَّ السواحر، اللاتي يعقدن الخيوط، وينفثن على كل عقدة، حتى ينعقد ما يردن من السحر . والنفث: هو النفخ مع ريق، وهو دون التفل، فهو مرتبة بين النفخ والتفل. ١٦ - نَفْخه: الكِبْر؛ لأنَّه ينفخ في الإنسان بوسوسته، فيعظم في عين نفسه، ويحقر غيره عنده، فتزداد عظمته وكبريائه. ١٧٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٢١٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِىَ الله عَنْهَا - قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّ يَسْتَفْعُ الصَّلاَةَ بِالتَّكْبِيرِ، والقِرَاءَةَ بِ ﴿ اَلْحَمْدُ لِلَّهِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾، وَكَانَ إِذَا رَكَعَ لَمْ يُشْخِصْ رَأْسَهُ ولَمْ يُصَوِّبَةُ، وَلكِنْ بَيْنَ ذُلِكَ، وَكَانَ إِذَا رَفَعَ مِنَ الرُّكُوعِ لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَائِمًا، وإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ لَمْ يَسْجُدَ حَتَّى يَسْتَوَيَ جَالِسًا، وَكَانَ يَقُولُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ التَّحْيَّةَ، وَكَانَ يَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَيَنْصِبُ الْيُمْنَىُ، وَكَانَ يَنْهَىُ عنْ عُقْبَةِ الشَّيْطَانِ، وَيَنْهَىْ أَنْ يَفْتَرِشَ الرَّجُلُ ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ السَّبْعِ، وَكَانَ يَخْتِمُ الصَّلاَةَ بِالتَّسْلِيمِ)). أخرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَلَهُ عِلٌَّ(١). * درجة الحديث: الحديث صحيحٌ عند مسلم، أمَّا العلة التي أشار إليها المؤلف الحافظ : فإنَّ مسلمًا أخرجه من رواية أبي الجوزاء عن عائشة، وأبوالجوزاء لم يسمع من عائشة، ففيه انقطاعٌ، كما أنَّه أَعِلَّ بأنَّ مسلمًا - رحمه الله - أخرجه من طريق الأوزاعي مكاتبة لا سماعًا. * مفردات الحديث: - القراءة: معطوفة على الصلاة. - لم يُشْخِص: بضم الياء وسكون الشين المعجمة، وكسر الخاء المعجمة ثم صاد مهملة؛ من: شخصت كذا؛ أي: رفعته، فالشاخص من كل شيء: المرتفع، والمراد: لم یرفع رأسه. (١) مسلم (٤٩٨). ١٧٣ كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة - لم يصوِّبه: بضم الياء وفتح الصاد المهملة وكسر الواو المشددة، أصله من : التصويب؛ أي: لم يخفضه خفضًا أنزل من مستوى ظهره. - بين: ظرف، بمعنى الوسط، فإن أضيفت إلى ظرف الزمان، كانت ظرف زمان، وإن أُضيفت إلى ظرف المكان، كانت ظرف مكان. - عُقْبة الشيطان: بضم العين وسكون القاف، فسَّره أبوعبيد بالإقعاء المنهي عنه؛ بأن يلصق أليتيه في الأرض، وينصب ساقيه وفخذيه. - يفرش: بضم الراء وكسرها، والضم أشهر. - افتراش السّبُعُ: السبع - بفتح السين المهملة، وضم الباء التحتية الموحدة ثم عين -: واحد السباع المفترسة، وافتراش السبع: هو أن يبسط الساجد ذراعيه في الأرض، فيشابه السبع في هيئة إقعائه، وافتراش ذراعيه. - التحية: يعني: التشهد الأول المعروف. - يختم الصلاة: ختم الشيء: أتمه وبلغ آخره، والمراد هنا: أتم الصلاة وأكملها . - التسليم: يعني: السلام عليكم ، ورحمة الله. * ما يؤخذ من الحديث: ١- هذا الحديث فيه بيان صفة صلاة النبي وَ له، وقد قال وَ ئية: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). [رواه البخاري]. ٢- تُسْتَفْتَحُ الصلاة بتكبيرة الإحرام، فيجب على الإمام والمأموم، والمنفرد أن يكبر بلفظ ((الله أكبر))، فلا يجزىء غيرها، قال ◌َّيه: ((تحريمها التكبير)). [رواه أحمد وأبوداود وغيرهما]، فلا تنعقد الصلاة بدونها. ٣- تُستفتح القراءة بـ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ مما يدل على أنَّ البسملة ليست من الفاتحة، وهذا مذهب الأئمة الثلاثة: أبي حنيفة ومالك وأحمد وغيرهم، وحجتهم هذا الحديث. ١٧٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٤- كان ◌َّ إذا ركع لم يُشْخِص رأسه؛ بأن يرفعه عن مساواة ظهره. ٥- ولم يصوِّه؛ بأن يخفضه، فينزل به عن مساواة ظهره، ولكن بين ذلك، فيجعله كما روى ابن ماجه عن وابصة بن معبد قال: ((رأيت النبيَّ وَلم يصلي، و کان إذا رکع سوَّی ظهره، حتى لو صُبَّ عليه الماء لاستقر)). ٦ - كان ◌َّ إذا رفع من الركوع، لم يسجد حتى يستوي قائمًا، وكان يقول: ((لا تجزىء صلاة لا يقيم فيها الرجل صُلبه في الركوع والسجود)). [رواه الخمسة، وقال الترمذي: حسن صحيح]، والعمل على هذا عند أهل العلم، من أصحاب النبي ◌ُّ من بعده. ٧- إذا رفع من السجود، لم يسجد حتى يستوي جالسًا، وكان يأمر بهذا، كما تقدم في قوله: ((لا تُجْزىء صلاة لا يقيم فيها الرجل صلبه، في الركوع والسجود)). ٨- كان ◌َّ له يجلس بعد كل ركعتين، فيقرأ في جلسته: ((التحيات لله))، وهو التشهد الذي ورد فيه، وأحسنه ما جاء في الصحيحين عن ابن مسعود قال: التفت إلينا النبي وَّ فقال: ((إذا صلى أحدكم، فليقل: التَّحيَّات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيُّها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا، وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأشهد أنَّ محمَّدًا عبده ورسوله)) وسيأتي شرحه إن شاء الله تعالى في حديث رقم (٢٥٠). ٩- وكان ◌َل في جلوسه بين السجدتين، وللتشهد الأول من الصلاة ذات التشهدين، يفرش رجله اليسرى ويجلس عليها، وينصب اليمنى، ويوجه أصابعه إلى القبلة. ١٠ - وكان ◌َاله ينهى عن عُقْبة الشيطان؛ وذلك بأن ينصب ساقيه وفخذيه، ويضع أليتيه بينهما على الأرض، فهذا هو إقعاء الكلب، الذي يحض الشيطان على مشابهته؛ ليذهب ببهاء الصلاة وهيئتها الجميلة. كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة = ١٧٥ ١١- وكان ينهى ﴿ عن أن يفترش المصلي ذراعيه؛ بأن يضعهما على الأرض، لما في هذه الهيئة من مشابهة للسبع المؤذي المفترس، حينما يبسط ذراعيه على الأرض، إما مُسْتَجْدِيًا للّكلين، وإما متربصًا متوثبًا بالغافلين. ١٢ - وكان وهو يختم الصلاة بالتسليم؛ بأن يقول ناويًا الحاضرين من المصلين والملائكة المقربين: ((السَّلام عليكم ورحمة الله)) مرَّة عن يمينه، وأخرى عن يساره؛ ليعم الحاضرين بهذا الدعاء الكريم المناسب. والسلام هو ختام الصلاة؛ لما روى أحمد وأبو داود أنَّ النبيَّ وَّه قال: ((وختامها التسليم)). ١٣ - أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - روت هذه الصفة الكاملة من صلاة النبي ◌َّير؛ لتعلم أمته أن يصلوا مثل هذه الصلاة، عملاً بقوله وَله: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). [رواه البخاري]. ١٧٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٢١٨ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِي اللهُ عَنْهُمَا - ((أَنَّ النَّبِيَّ ◌َهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبِيٍّ إِذَا افْتَحَ الصَّلاَةَ، وَإِذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ)). مُتَّفَقٌ عَليهِ (١). وَفِي حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ: ((يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذَي بِهِمَا مَنْكِبَيَّهِ، ثُمَّ يُكَبُِّ))(٢) . وَلمُسلمٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - نَحْوُ حَدِيث ابْنِ عُمَرَ، لَكِنْ قَالَ: ((حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا فُرُوعَ أُذُنَيْهِ))(٣). درجة الحديث: حديث أبي حميد صحيحٌ، فأصلُه عند البخاري، وقد صححه ابن خزيمة وابن حبان وابن القيم. وأعله الطحاوي بأنَّ محمَّد بن عمرو لم يَلْقَ أباقتادة، فقد رواه عطاف بن خالد عن محمَّد بن عمرو قال: حدثني رجل أنَّه وجد عشرة من أصحاب النبي وَله. قال الحافظ: والتحقيق عندي: أنَّ محمّد بن عمرو الذي رواه عطاف بن خالد عنه، هو محمَّد بن عمرو بن علقمة الليثي، وهو لم يَلْقَ أباقتادة، ولا قارب ذلك، إنَّما يروي عن أبي سلمة، وغيره من كبار التابعين. وأما محمّد بن عمرو الذي رواه عبدالحميد بن جعفر عنه، فهو محمّد بن عمرو بن عطاء تابعي كبير، جزم البخاري بأنّه سمع من أبي حميد وغيره، (١) البخاري (٧٣٥)، مسلم (٣٩٠). (٢) أبوداود(٧٣٠). (٣) مسلم (٣٩١). ١٧٧ كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة وأخرج الحديث من طريقه، وللحديث طرق عن أبي حميد سمي في بعضها من العشرة: محمَّد بن مسلمة، وأبوأسيد، وسهل بن سعد، وهذه رواية ابن ماجه من حدیث عباس بن سهل بن سعد عن أبيه . * مفردات الحدیث: - حذو: بفتح الحاء المهملة وسكون الذال المعجمة؛ أي: إزاء ومقابل منكبيه. - منكبيه: تثنية ((منكب))، وجمعه: ((مناكب))، وهو مجتمع رأس العضد والكتف، مذکر. - فروع أذنيه: عوالي أذنيه. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - استحباب رفع اليدين حتى تحاذي المنكبين، عند افتتاح الصلاة بتكبيرة الإحرام، وكذلك عند تكبيرة الركوع، وعند رفع رأسه من الركوع، فهذه ثلاثة مواضع يستحب فيها رفع اليدين حذو المنكبين . ٢- قال محمد بن نصر المروزي: أجمع علماء الأمصار على ذلك، إلاَّ أهل الكوفة فقد خالفت الحنفية فيما عدا الرفع عند تكبيرة الإحرام، مستدلین بما أخرجه أبوداود عن ابن مسعود؛ بأنَّه رأى النبي ◌ّ ((يرفع يديه عند الافتتاح، ثم لا یعود)). والجواب: أنَّ الرفع في غير تكبيرة الإحرام قد ثبت، والمثبت مقدم على النافي، وحديث ابن مسعود لم يثبت، كما قال الشافعي، وعلى فرض ثبوته، فإن تركه له يكون مبينًا لجوازه. وقد نقل البخاري عن الحسن البصري، وحميد بن هلال؛ أنَّ الرفع هو عمل الصحابة، ولذا قال علي بن المديني: حقٌّ على المسلمين أن يرفعوا أیدیهم عند الركوع، والرفع منه. قال شيخ الإسلام: رفع الأيدي عند الركوع والرفع منه، بمثل رفعهما ١٧٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام عند الاستفتاح - مشروع باتفاق المسلمين. قلت: تقدم خلاف أهل الكوفة. قال شيخ الإسلام: هم معذرون قبل أن تبلغهم سنة رسول الله وقله . ٣- الرواية الأخرى: ((أن يرفع يديه حتى يحاذي بهما فروع أذنيه))، وأحسن جمع بين الروايتين أن يحمل على التوسع، واختلاف الأحوال، فالوجهان سنة. ٤- قال في ((شرح الإقناع)): ويكون رفع اليدين مع ابتداء الركوع استحبابًا؛ لقوله في الحديث: «وإذا کبر للرکوع». ٥- والرفع في المواطن كلها من مستحبات الصلاة، قال ابن القيم: روى رفع اليدين عنه - في هذه المواطن الثلاثة - نحو ثلاثين صحابيًّا، واتَّفق على روایتها العشرة، ولم یثبت عنه خلاف ذلك. وقال في ((شرح الإقناع)): ((رفع اليدين في موضعه من تمام الصلاة وسننها، فمن رفع یدیه في موضعه، فهو أتم صلاة ممن لم يرفع يديه؛ للأخبار)). ٦ - اختلفت آراء العلماء في الحكمة في رفع اليدين، فقالوا في تكبيرة الإحرام: رفع حجاب الغفلة عن الله، والدخول عليه، وفي غيرها: إعظامًا لله. وقال بعضهم: إنَّها استسلام وانقياد؛ كالأسير المستسلم. وقال بعضهم: زينة للصلاة، ویروی هذا عن ابن عمر، وعلى كلِّ فهو اتباع لسنة ثابتة عن رسول الله وقلتله . * فائدة: ورد موضع رابع يشرع رفع اليدين فيه؛ وذلك حينما يقوم من التشهد الأول في الصلاة ذات التشهدين، فقد جاء في صحيح البخاري (٧٣٦)، من حديث ابن عمر قال: كان رسول الله ور: «إذا قام من الركعتين، رفع يديه حتى يحاذي بهما منکبیه، كما كان يصنع عند افتتاح الصلاة)). كما جاء أيضًا في سنن أبي داود (٧٢١)، والترمذي (٢١٨)، وابن حبان ١٧٩ كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة (١٨٧/٥)، من حديث أبي حميد الساعدي في عشرة من أصحاب النبي وَّ، في صفة صلاة النبي وَّ، رووا أنَّه إذا قام من الركعتين كبر، ورفع يديه حتى يحاذي بهما منکبیه . قال الخطابي: هوحديث صحيح، وقد قال به جماعة من أهل الحديث، والقول به لازم على أصل قبول الزيادات، والزيادة من الثقة مقبولة. وقال ابن دقيق في ((شرح العمدة)): ثبت الرفع عند القيام من الركعتين. وقال البيهقي: هو مذهب الشافعي؛ لقوله: إذا صحَّ الحديث فهو مذهبي، ولذلك حكاه النووي عن نص الشافعي، وقال: إنَّه في الصحيح، وأطنب في ذلك في ((شرح المهذب)). وقال شيخ الإسلام: رفع اليدين في هذا الموضع مندوب إليه عند محققي العلماء العاملين بالسنة، وقد ثبتت في الصحاح والسنن، ولا معارض لها ولا مقاوم، واختاره الشيخ وجده وصاحب ((الفائق))، واستظهره في (الفروع)) و((المبدع))، وصوَّبه في ((الإنصاف))، وهو أصح الروايتين عن أحمد. ١٨٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٢١٩ - وَعَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ وَِّ فَوَضَعَ يَدَهُ اليُمْنَىَ عَلَىْ بَدِهِ اليُسْرَىُ، عَلَى صَدْرِهِ)). أخرجه ابن خُزَيْمَةً(١). درجة الحديث: الحديث صحيح، رواه أحمد (١٨٣٧٥)، ورواه مسلم (٤٠١)، بدون ((على صدره)) وله طريق أخرى عند أحمد وأبي داود والنسائي في ((الكبرى)) (٣١٠/١)، والدارمي (٣١٢/١)، وابن الجارود، والبيهقي (٢٨/٢)، بإسناد صحيح على شرط مسلم، وصححه ابن خزيمة وابن حبان، والنووي في ((المجموع))، وابن القيم في ((زاد المعاد)). * مفردات الحديث: - يده: إذا أطلقت اليد، فالمراد بها: الكف، قال تعالى: ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَأَقْطَهُوَ أْ أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] فالمراد باليد هنا: الكف. - صدره: بفتح فسكون، والصدر لغة: مقدم كل شيء، ومنه: صدر الإنسان، وهو الجزء الممتد من أسفل العنق إلى فضاء الجوف. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الحديث يدل على مشروعية وضع اليد اليمنى على اليد اليسرى، على صدره في الصلاة، أثناء القيام للقراءة. ٢- وهو من مستحبات الصلاة وفضائلها، وليس بواجب فيها . ٣- وضع اليد على الأخرى وضمها على الصدر، هي وقفة الخاضع الخاشع (١) ابن خزيمة (٢٤٣/١).