Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢١ كتاب الصلاة - باب المساجد التي فيها هجاء الأبرياء، أو الغزل المقصود، أو نحو ذلك من الكلام الباطل، أما المنافحة عن دين الله، ورد الباطل بالكلام الحق، ونظم الحِكم والمواعظ، مما له غرض صحیح - فلا مانع منه. فالشعر كلامٌ، قبيحه قبيح، ومليحه مليح، فقد قال في ((شرح الإقناع)): يجب صون المسجد عن إنشاد شعر محرم، ويباح فيه إنشاد الشعر المباح. ٤ - يقاس على الشعر كل كلام، فما كان منه خير ومصلحة للدين، فهو مرغوب فیه، وما لا فائدة منه، أو فيه مضرة، فإنَّ بيوت الله تنزه عن ذلك. ٥- كما أنَّه لا بد من مراعاة عدم إشغال المصلين، والذاكرين، والتالين كتاب الله تعالى، فتراعى حالهم، ولا يشوش عليهم، فإنَّ أصل بناء المساجد لإقامة الصلاة، وذكر الله تعالى. ١٢٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٢٠١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَه: ((مَنْ سَمِعَ رَجُلاً يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي المسْجِدِ، فَلْيَقُلْ: لاَ رَدَّهَا اللهُ عَلَيْكَ؛ فَإِنَّ المسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا)) رَوَاهُ مُسْلِمْ(١). * مفردات الحديث: - ينشد : - بفتح الياء المثناة التحتية، وسكون النون وضم الشين المعجمة- من باب نصر، من: نشد الضالة، إذا طلبها وسأل عنها، وكذا إذا عرَّفها. يقول أهل اللغة: نشدت الدابة إذا طلبتها، وأنشدتها إذا عرفتها، ورواية هذا الحديث: ((ينشد)) - بفتح الياء وضم الشين - إذا طلب، ومثله الرواية الأخرى. - ضالة: كل ما ضلّ، - جمعه ضوال ــ قال في ((المصباح)): ضالة بالهاء، للذكر والأنثى، والجمع: الضوال، ويقال لغير الحيوان: ضائع ولقطة، فالضالة خاصة بالحيوان . - لا ردَّها الله عليك: دعاء عليه بنقيض قصده، وهو نوع من أنواع التعزير. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - أنَّ من سمع من ينشد ضالة في المسجد، فليدْعُ عليه جهرًا، بقوله: لا ردها الله علیك؛ فإنَّ المساجد لم تبن لهذا. ٢- هذا الحكم عامّ؛ سواء كانت حيوانًا، أو متاعًا، أو نقدًا، أو غير ذلك؛ بجامع أنَّ المساجد لم تبن لهذا. ٣- الحديث يدل على تحريم نشدان الضالة في المسجد، ووجوب الدعاء عليه (١) مسلم (٥٦٨). ١٢٣ كتاب الصلاة - باب المساجد بهذا الدعاء، وإعلامه باستحقاقه الدعاء؛ حيث اتَّخذ المسجد لنشدان الضوال، وإشغال المصلين والمتعبدین، بأعمال الدنيا. ٤- ظاهره أنَّه لو خرج عند باب المسجد فنشدها، فإنَّه لا يحرم؛ لأنَّه ليس من المسجد . ٥ - فيه بيان وظيفة المسجد، بأنَّها للصلاة وذكر الله وتلاوة كتابه، والمذاكرة في الخير، ونحو ذلك. ٦ - قال ابن كثير: المساجد أحب البقاع إلى الله تعالى في الأرض، وهي بيوته التي يعبد الله فيها، قال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُمُ﴾ [النور: ٣٦] أمر بتطهيرها من الدنس، واللغو، والأقوال، والأفعال، التي لا تليق بها . ٧- جاء في الطبراني في الكبير (٨/ ١٣٢)، وابن ماجه (٧٥٠) من حديث وائلة؛ أنَّ النَّبِيَّ وَّرِ قال: ((جنبوا مساجدكم مجانينكم، وصبيانكم، ورفع أصواتكم)). لكن قال عبدالحق عن هذا الحديث: إنَّه لا أصل له، وقال ابن حجر: له طرق وأسانيد، كلها واهية. ٨- كما يحرم على صاحب الضالة أن ينشد ضالته في المسجد، فإنَّه يحرم أيضًا على من وجد ضالة، أن ينشد في المسجد صاحبها؛ ذكر ذلك الفقهاء، ومنهم الحنابلة . ١٢٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٢٠٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهُ قَالَ: ((إِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ أَوْ يَبْتَاعُ فِي المَسْجِدِ، فَقُولُوا لَهُ: لاَ أَرْبَحَ اللهُ تِجَارَتَكَ)). رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، والتِّرْ مِذِيُّ وَحَسَّنَهُ(١). * درجة الحديث: الحدیث صحيحٌ. قال الترمذي: حديث حسنٌ غريب، وصحَّحه السيوطي في الجامع الصغير، وصححه الحاكم (٦٥/٢)، ووافقه الذهبي، وقال الألباني: سنده صحيح على شرط مسلم. * مفردات الحديث: - أو يبتاع: أصله من: الباع، وهو ما بين الكفين إذا بسط بهما يمينًا وشمالاً، ولما كان المتبايعان يمدان باعيهما عند البيع، اشتق منه البيع، وابتاع بمعنى: اشترى. - تجارتك: التجارة بالكسر مصدر، سمي به حرفة البيع والشراء. - لا أربح الله تجارتك: أي: لا يجعلها نافعة ناجحة. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - ظاهر الحديث أنَّه يجب على من سمع من يبيع، أو يشتري في المسجد، أن يقول له جهرًا: لا أربح الله تجارتك؛ فإنَّ المساجد لم تبن للبيع والشراء. ٢ - تحريم البيع والشراء في المسجد، وهل ينعقد البيع والشراء مع التحريم، أم لا؟ ذهب الإمام الشافعي، وكثير من العلماء إلى: انعقاده مع التحريم. (١) النسائي في الكبرى (٥٢/٦)، الترمذي (١٣٢١). ١٢٥ كتاب الصلاة - باب المساجد وذهب الإمام أحمد إلى: أنَّه يحرم ولا ينعقد، قال ابن هبيرة: منع صحته وجوازه أحمد، قال في ((الفروع)): والإجارة كالبيع، قال في ((الإقناع)): ويحرم في المسجد البيع والشراء والإجارة، فإن فعل فباطل، ويسن أن يقال لمن باع أو اشترى: لا أربح الله تجارتك، ردعًا له. ٣- المساجد إنما بنيت لطاعة الله وعبادته، فيجب أن تجتنب أحوال الدنيا، قال القرطبي: ومما تصان عنه المساجد، وتنزه عنه: الروائح الكريهة، والأقوال والأفعال السيئة، فذلك من تعظيمها، فإنَّ معنى قوله تعالى: ﴿ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ ... ﴾ [النور: ٣٦] يعني: أمر وقضى أن تبنى وتعلى، وقد جاءت أحاديث كثيرة تحض على بنيان المساجد، ومعنى ((ترفع)): تعظم ويرفع شأنها، وتطهّر من الأنجاس والأقذار، قالت عائشة ((أمرنا رسول الله وَ له أن نتَّخذ المساجد في الدور، وأن تطهر وتطيب))، رواه أحمد(٥٨٥٤). ٤- قال القرطبي: وتصان المساجد عن البيع والشراء وجميع الأشغال؛ لما روى مسلم (٥٦٩) من حديث بريدة؛ أنَّ النَّبيَّ وَّ لما صلى قام رجل فقال: من دعا إلى الجمل الأحمر، فقال النبي وَلو: ((لا وجدت؛ إنما بنيت المساجد لما بنيت له))، وهذا يدل على أنَّ الأصل ألا يعمل في المسجد غير الصلاة، والأذكار، وقراءة القرآن. : ١٢٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٢٠٣ - وَعَنْ حَكِيمٍ بْنِ حِزَامٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((لاَ تُقَامُ الحُدُودُ فِي الْمَسَاجِدِ، وَلاَ يُسْتَقَادُ فِيهَا. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُودَاوُدَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ(١). * درجة الحديث: الحديث حسنٌ لغيره. قال المؤلف في ((التلخيص)): لا بأس بإسناده، وصححه السيوطي في الجامع الصغير. والجملة الثانية داخلة في الجملة الأولى، والجملة الأولى لها شاهد من حديث ابن عباس عند الحاكم، فالحديث قوي. * مفردات الحديث: - لا تقام: من الإقامة؛ أي: لا تنفذ ولا تجري. - الحدود: هي العقوبات التي حدَّها الله تعالى، وسيأتي تعريفها في بابها إن شاء الله . - لا يستقاد: من: قاد قودًا، والقود بفتحتين: القصاص قال في ((اللسان)): القود: القصاص، وقتل القاتل بدل القتيل والمعنى : أي: لا يقام القود في المساجد. * مايؤخد من الحديث: ١ - النَّهي عن إقامة الحدود وتنفيذها في المساجد؛ سواء أكان قتلاً، أو قطعًا، أو جلدًا. (١) أحمد (١٥١٥١) أبو داود (٤٤٩٠). ١٢٧ كتاب الصلاة - باب المساجد ٢ - الحكمة في هذا - والله أعلم : - أن إقامة الحدود يحصل فيها لَغَطْ، وارتفاع أصوات، كما أنَّ الحد قد يلوث المسجد بالدم، أو غيره مما يخرُج ممن یقام عليه الحد. ٣- الحديث يدل على تحريم إقامة الحدود في المسجد؛ لأنَّ الَّهي يقتضي التحريم، قال في ((شرح المنتهى)): ويحرم إقامة الحد بمسجد؛ لحديث حكيم بن حزام، ولأنَّه لا يُؤْمَن من حدوث ما يلوث المسجد. فإن أقيم به لم يُعد؛ لحصول الزجر . ١٢٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٢٠٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: ((أُصِيبَ سَعْدٌ يَوْمَ الخَنْدَقِ، فَضَرَبَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ وَ لَّهِ خَيْمَةً فِي المَسْجِدِ؛ لِيَعُودَهُ مِنْ قَرِيْبٍ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). * مفردات الحديث: - الخندق: أخدود أحاطه النبي لي على شمال المدينة، لما حاصرها المشركون، عام خمسة من الهجرة؛ ليمنع العدو من الهجوم المباغت على المدينة وأهلها . - سعد: هو: سعد بن معاذ، سيد قبيلة الأوس من الأنصار، من فضلاء الصحابة، رضي الله عنه. - خيمة: هو كل بيتٍ يقام من أعواد الشجر، أو يتخذ من الصوف، أو القطن، ويقام على أعواد، ويشد بأطناب، جمعه: خيمات وخيام. - ليعوده: ((اللام)) للتعليل، والفعل منصوب بها، وزيارة المريض تسمى: عيادة . * ما يؤخذ من الحديث: ١ - سعد بن معاذ أحد سادات الأنصار، شهد بدرًا وأُحُدًا، وأصيبَ يوم الخندق في أكحله، فأصابه نزيف لم يرقأ، فجعله النبي ◌َِّ يُمَرَّض في خيمة في المسجد؛ ليعوده من قريب، ولتمرضه امرأة، يقال لها: ((رفيدة)) تعالج المرضى، وسأل - رضي الله عنه - ربه ألا يميته، حتى يقر عينه بمعاقبة بني قريظة، الذين خانوا وصاروا مع الأحزاب، فاستجاب الله دعاءه، فلم يمت حتى قُتِلَ رجالُهم، وسُبِيَ نساؤُهم وأطفالُهم. (١) البخاري (٤٦٣)، مسلم (١٧٦٩). ١٢٩ كتاب الصلاة - باب المساجد ٢ - غزوة الخندق في شوال عام خمسة من الهجرة، حاصر المدينة فيها قريش، وبعضُ قبائل نجد، بمؤامرة وتدبير من يهود بني النضير الذين بقي منهم حيي بن أخطب اليهودي النضري، وامتد الحصار خمسة وعشرين يومًا، أما المسلمون فحفروا خندقًا شمال المدينة حين علموا بالمؤامرةٍ وعلموا بزحف عدوهمٍ إليهم: ﴿ وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُواْ خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا هـ [الأحزاب]. ٣- وفي الحديث: دلالة على جواز النوم في المسجد، وبقاء المريض فيه، وإن کان جريحًا . ٤- فيه: تقدير أهل الفضل، والسابقة في الإسلام، وتنزيلهم منازلهم، من الشفقة والعناية والتكرمة . ٥- فيه: هذه الفضيلة لسعد بن معاذ - رضي الله عنه - لمواقفه الكريمة في الإسلام، فقد أسلم بإسلامه قبيلته جمیعًا، وهم بنو عبدالأشهل، وله كلام ومقام كريم يوم بدر، حينما استشار النبي ◌َّر الصحابة في القتال، وله حكم فاصل في بني قريظة، ولذا جاء في فضله أحاديث كثيرة، رضي الله عنه. ٦- في الحديث بيان دور المسجد في صدر الإسلام، وأنَّه ليس للصلاة فقط، وإنما تلقى فيه العلوم، وتُعقد فيه الرايات، وتفض فيه الخصومات، وتعقد فیه المشاورات، وتحكم فیه جمیع الأمور. ١٣٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٢٠٥ - وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: ((رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَُّ: يَسْتُرُنِي، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى الحَبَشَةِ، يَلْعَبُونَ فِي المَسْجِدِ ... )) الحديث. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). * مفردات الحديث: - الحبشة: جيل من الناس من السود في أفريقيا، وتسمى بلادهم الآن أثيوبيا، وعاصمتها ((أديس أبابا)) تحدها شمالاً أرتيريا، وشرقًا الصومال، وغربًا السودان، دخلها الإسلام في القرن السابع. - يلعبون: يطلق اللعب على كل ما يلعب به، ورواية مسلم: ((يلعبون في المسجد بحرابهم». * ما يؤخذ من الحديث: ١- الحبشة جُبلُوا على حب اللعب والطرب؛ فالنبي وّل سمح لهم بإقامة غرضهم هذا في المسجد، مراعيًا في ذلك سياسية شرعية هامة، أشار إليها في بعض ألفاظ الحديث، وهي : ( أ) إعلام الطوائف التي لم تدخل في الإسلام - لخوفها من شدته وعنفه - أنَّ الإسلام دين سماح، وانشراح، وسعة، لا سيما من تلك الطوائف، طائفة اليهود، الذين ينأون عنه وينهون عنه؛ ولذا جاء في بعض ألفاظ الحديث أنَّ عمر أنكر عليهم، فقال النبي ◌َّ: ((دعهم؛ لتعلم اليهود أنَّ في ديننا فسحة، وأني بعثتُ بالحنيفية السمحة)). (١) البخاري (٤٥٤)، مسلم (٨٩٢). ١٣١ كتاب الصلاة - باب المساجد (ب) أنَّ لعبهم كان في يوم عيد، والأعياد هي أيام فرح ومسرة، وتوسُّع في المباحات. (ج) أَنَّه لعب رجال فيه خشونة، وحماس، وشجاعة. ٢ - أنَّ لعبهم بحرابهم فيه تدريب على الشجاعة، والبسالة، والقتال، والاستعداد للعدو، وفيه مصلحة شرعية عامة. فسماحة الإسلام ويسره مع تلك المبررات الهادفة، سوَّغت قيام مثل هذا في المسجد النبوي الشريف. ٣- أما رد الخبر بأنه منسوخ، أو بأنَّ اللعب خارج المسجد ونحو ذلك - فتعسفات لا دلیل علیھا ولا سند لها . ولا يعارضه ما أخرجه ابن ماجه (٧٥٠)، والطبراني في الكبير (١٣٢/٨)، والبيهقي (١٠٣/١٠) عن وائلة بن عدي؛ أَنَّ النَّبِيَّ وَّه قال: ((جَنِّوا مساجدكم صبيانكم، ومجانينكم)) فهؤلاء ليسوا بصبيان، ولا بالمجانين، الذين يأتون بما يشغل المصلين وقت الصلاة. وأيضًا هذا الحديث ضعيفٌ جدًّا، قال ابن حجر: له طرق وأسانيد، كلها واهية. وقال عبدالحق: لا أصل له. ٤- في الحديث دليلٌ على أنَّ المرأة تنظر إلى الرجال الأجانب، إذا لم يكن ذلك نظر شهوة . ٥- وفي الحديث بیان يسر الشريعة وسماحتها، وأنَّ نهجها مخالف لما علیه کثیر من المتشددين والمتنطعين، الذين يرون الدين شدةً وجفاءً، وغلطة وعنفًا؛ فقد جاء في صحيح البخاري (٣٩٣١): ((أنَّ النَّبِيَّ وَِّ «دَخَلَ عَلَى عائشة أيام منى، وعندها جاريتان تغنيان بغناء بُعاث، فاضطجع على فراشه وحوَّل وجهه، فدخل أبوبكر، فانتهرهما، فکشف عن وجهه، وقال: يا أبا بكر! دعهما؛ إنَّ لكل قوم عيدًا، وهذا عيدنا)). فهذه سماحة الإسلام وأحكامه. ١٣٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٦- أما استغلال هذه النصوص الشريفة وأمثالها، واستغلال سماحة الإسلام لإفشاء الأغاني المحرمة، والمجالس الخليعة، والأصوات الفاتنة الرقيقة الرخيمة، والمناظر المخجلة - فهذا لا يجوز؛ فهذا شيء، وهذا شيء آخر، والإسلام وسط بين الغالي والجافي، والله الهادي إلى سواء السبيل. ١٣٣ كتاب الصلاة - باب المساجد ٢٠٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - ((أَنَّ وَلِيدَةً سَوْدَاءَ كَانَ لَهَا خِبَاءٌ فِي المَسْجِدِ، فَكَانَتْ تَأْتِينِي، فَتَحَدَّثُ عِنْدِي ... )) الحَديث. مُتَّفَقٌ علَيْهِ (١). : * مفردات الحديث: - وليدة: الأمة الصبية إلى أن تبلغ، جمعها: ولائد. - خِباء : - بكسر الخاء المعجمة ثم موحدة تحتية فهمزة ممدودة -: الخيمة تكون من وبر أو صوف، وقد تكون من شعر، جمعها أخبية، مثل كساء وأكسية، وتكون على عمودين أو ثلاثة، وما فوق ذلك فهو بيت. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - هذه الوليدة السوداء كانت لحي من العرب، فأعتقوها، فجاءت إلى النبي وَّ ر فأسلمت، فكان لها خباء في المسجد النبوي، فكانت تأتي إلى عائشة فتتحدث عندها . ٢- الحديث يدل على جواز الإقامة، والمنام في المسجد حتى من النساء، لا سيما لمن لم يكن له مأوى يقيم فيه، كما كان أهل الصُّفة ملازمين صفة في مسجده ◌َآجل . ٣ - جواز ضرب الخباء والخيمة في المسجد، للمقيم فيه والمعتكف، إذا لم يضيق على المصلين، فإن ضيَّق أزيل؛ لأنَّ حاجتهم العامة إلى العبادة مقدمة على حاجته الخاصة. ٤- أصحاب الصفة - وهو مكان مظلَّل في المسجد النبوي - هم طائفة من فقراء (١) البخاري (٤٣٩)، ولم يروه مسلم. ١٣٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام الصحابة منقطعين للعبادة، وفي نفس الأمر مستعدون للجهاد، ونصر دين الله وإعلاء كلمته، فهم حين يحصل النفير، أو الأمور الهامة للإسلام والمسلمين في مقدمة الصفوف، ولم ينقطعوا فيها، ويهملوا أمر المسلمين، كما يتذرع بذلك جهَّال المتصوفة إلى الانقطاع في الزوايا، والخلوات؛ ليتركوا الجهاد وأمور المسلمين، التي ورد الشرع بالقيام بها . فالإسلام دين الفتوة والنشاط والحركة، وليس دين المسكنة، والانزواء، والانطواء، فالمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، فالانزواء والانطواء، والبعد عن أحوال المسلمين، ومهام أمورهم سلبية لا يرضاها الإسلام. ١٣٥ كتاب الصلاة - باب المساجد ٢٠٧ - وَعَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((البُصَاقُ فِي المَسْجِدِ خَطِيئَةٌ، وَكَفَّارَتُهَا دَفْتُهَا)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). * مفردات الحديث: - البصاق: بضم الباء، وفيه ثلاث لغات: بالزاي والصاد والسين، والأوليان مشهوران، والبصاق: هو ماء الفم إذا خرج منه، وما دام فيه فهو ريق. - خطيئة: بوزن فعيلة، بالهمزة، ويجوز قلبها ياءً، والخطيئة: هي الإثم. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - البصاق - ومثله المخاط ـ في المسجد من الخطايا والذنوب؛ لأنَّ هذا يدل على أنَّ من فعل ذلك، فإنَّه لا يعظم المسجد، والله تعالى يقول: ﴿ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهٍ﴾ [الحج: ٣٠]. ٢ - يعارض هذا الحديث ما تقدم من حديث أنس في الصحيحين: ((فليبصق عن یساره تحت قدمه)). ووجه الجمع بينهما ما قاله الإمام النووي: هما عمومان، لكن الإذن في البصق إذا لم يكن في المسجد، ويبقى عموم الخطيئة إذا كان في المسجد، من دون تخصیص . ٣- المراد بالبصاق هنا: إذا وقع خطأ من غير إرادة، فهو خطيئة معفو عن إثمها، ويؤيد هذا التقييد: ما جاء في البخاري (٤١٤)، ومسلم (٥٤٨): ((من أنَّه رأى نخامة في جدار المسجد، فشق علیه، فقام فحكه بیده)). وفي رواية النسائي (٢/ ٥٢): ((فغضب حتى احمرّ وجهه، فقامت امرأة من (١) البخاري (٤١٥)، ومسلم (٥٥٢). ١٣٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام الأنصار فحكتها، وجعلت مكانها خلوقًا، فقال ◌َله: ما أحسن هذا!)). ٤ - الممكن أن يقال: البصاق في المسجد خطيئة، عام خُصَّ منه المصلي حال الصلاة؛ لأنَّه مكفوف عن الحركة، ويبقى البصاق لمن في المسجد، وهو لا يصلي على الأصل في النهي المقتضي للتأثيم، الذي لا يحتمل منه إلاَّ بدفنها، وإنَّ قرينة حكة النخامة من جدار المسجد، ثم سياق الحديث - لتؤكد أنَّ المقصود ترخيص البصاق للمصلي، إذا كان تحت قدمه اليسرى في مسجد أو غيره، وهو ظاهر، والله أعلم. ٥- وجوب العناية بالمساجد وتنظيفها واحترامها، قال تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ ... ﴾ [الحج: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿فِ بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ ... ﴾ [النور: ٣٦]، وقالت عائشة: ((إِنَّ رسول الله وَ ل أمر ببناء المساجد في الدور، وأن تُنظف وتُطيب» . ١٣٧ كتاب الصلاة - باب المساجد ٢٠٨ - وَعَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َّهِ: ((لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ، حَتَّى يَتَبَاهَى النَّاسُ فِي المَسَاجِدِ)). أَخْرَجَهُ الخَمْسَةُ إِلَّ التِّرْمِذِيَّ، وصَخَحَهُ ابنُ خُزَيْمَةَ(١). * درجة الحديث: الحديث صحيحٌ. صححه السيوطي في ((الجامع الصغير))، ولم يتعقبه المناوي. وقال في ((بلوغ الأماني)): أخرجه الأربعة، وأورده البخاري تعليقًا عن أنسٍ، وصحَّحه ابن خزيمة، وابن حبان، وأخرجه أبوداود من طريق أبي قلابة بسند صحيح. * مفردات الحديث: - يتباهى: أي: يتفاخرون بالبناء المزخرف، فيقول بعضهم: مسجدي أحسن من مسجدك، علوًا وزينةً وزخرفةً. * ما يؤخذ من الحديث: ١- التباهي بالمساجد هو التفاخر بحسن بنائها وزخرفتها وتزويقها وعلوها وارتفاعها وارتفاع سقوفها؛ بأن يقول الرجل للآخر: مسجدي أحسن من مسجدك، وبنائي أحسن من بنائك في مسجدك. وقد تكون المباهاة بالفعل دون القول، كأن يبالغ كل واحد في تزيين مسجده، ورفع بنائه، وغير ذلك؛ ليكون أبهى من الآخر، فالواجب ترك (١) أحمد (١٣٤/٣)، أبوداود (٤٤٩)، النسائي (٦٨٩)، ابن ماجه (٧٣٩)، ابن خزيمة (٢٨٢/٢). ١٣٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام الغلو فيها، والتزين، ويكتفي بقوة إنشائه وبساطته. ٢ - هذه الظاهرة من علامات الساعة، التي لا تقوم إلاَّ على تغير أحوال الناس، ونقص دينهم، وضعف إيمانهم، حينما تكون أعمالهم ليست الله تعالى، وإنما للرياء، والسمعة، والتباهي، والتفاخر. ٣- دلَّ الحديث على تحريم هذا الأمر، وأنه عمل غير مقبول؛ لأنَّه لم يُعمل لله، وقد قال تعالى في الحديث القدسي: ((من عمل عملاً أشرك معي فيه غیري، تر كته وشر که)). [رواه مسلم(٢١٨٥)]. قال الشيخ تقي الدين: ولا يظن المرائي أنَّه يكتفي بحبوط عمله، لا له ولا عليه، بل هو مستحق للذم والعقاب. ٤- في الحديث أنَّ نقص الإيمان، وضعف الدين، والإقبال على زهرة الحياة الدنيا من أمارات الساعة وعلاماتها، وأنَّ على المرء الفَطِن الكَيِّس ألا تغره هذه المظاهر، ولا تخدعه تلك الزينات، فإنَّما هي زائلة، ولا ينفع إلاَّ الباقيات الصالحات. ٥- فيه: أنَّ المسلم قد يقوم بالعمل الذي صورته الصلاح، ويظن أنَّه قام بعمل خيري، وللكنه لم يَخْتَطْ لنفسه، فيدخل عليه الشيطان من جانب آخر، فينخدع فيبطل أصل عمله، فعلى العامل لوجه الله أن يحتاط لدينه، ولذا قال اُلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِی تعالى في حق مثل هؤلاء: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِلْأَخْسَرِنَ أَعْمَلًا اْخَيَّةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ()﴾ [الكهف]. ٦ - فيه: إثبات قيام الساعة وإثبات المعاد، وهو معلوم من الدين بالضرورة، ولله الحمد . ١٣٩ كتاب الصلاة - باب المساجد ٢٠٩ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَا أُمِرْتُ بِتَشْبِيدِ المَسَاجِدِ)). أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ أبنُ حِبَّانَ(١). : درجة الحديث: الحديث صحيحٌ. قال الحافظ: اختلف في وصله وإرساله، وقال الشوكاني: صححه ابن حبان، ورجاله رجال الصحيح. * مفردات الحديث: - بتشييد المساجد: يقال: شاد البناء يشيده: طَلَاه بالشيد - بالكسر - والشيد : كل ما طلي به البناء من حص أو نُورَةٍ أو رخام أو دهان، وتشييد البناء أيضًا بإعلائه وتطویله، ورفع سقوفه. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - قال ◌َ له: ((ما أمرت بتشييد المساجد)) قال ابن عباس: لتزخرف كما زخرفت اليهود والنصارى معابدهم. وهذا الإدراج عن ابن عباس مهم، له حكم الأخبار النبوية؛ فإنَّ فيه من أنباء الغيب، فلا يكون بالرأي، وقد وقع هذا الأمر. ٢- دلَّ ظاهر الحديث على تحريم الزخرفة والتزويق في المساجد؛ لأنَّه من عمل اليهود والنصارى، والتشبه بهم محرَّم، فمن تشبه بقوم فهو مثلهم. ٣- زخرفة المساجد ليست من السنة، بل من البدع، على ما فيه من الإسراف في (١) أبوداود (٤٤٨)، ابن حبان (١٦١٥). ١٤٠) توضيح الأحكام من بلوغ المرام النفقة، وهو محرَّم، مع ما في ذلك من إشغال القلوب، وإذهاب الخشوع الذي هو روح العبادة. ٤- قوله عليه الصلاة والسلام: ((ما أمرت)) استفيد منه أنَّه لا يحسن ذلك، وأنّه لو كان حسنًا وقُربة لأمر الله تعالى به، فالمساجد في الإسلام ما أكثَّت من البرد والحر، وأذرت من المطر، وما زاد فهو مشغلة للقلب، ومضيعة للمال . ٥ - قال في ((شرح الإقناع)): ويكره أن يزخرف المسجد بنقش، وصبغ، وكتابة، وغير ذلك، مما يلهي المصلي عن صلاته. ٦- كان مسجد النبي وَ ﴿ باللَّبِن، وسقفه بالجريد، وعُمُده خشب النخيل، ولم يزد فيه أبوبكر - رضي الله عنه - ولما نخرت خشبه وجريده زمن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، أعاده على بنائه الأول، وزاد فيه، ولما كان في عهد عثمان - رضي الله عنه - زاد فيه زيادة كبيرة، وبنى جدرانه بالأحجار والجص، وجعل عُمُده من الحجارة، وسقفه الساج، فأدخل فيه ما يفيد القوة، ولا يقتضي الزخرفة . قال ابن بطال: وهذا يدل على أنَّ السنة في بنيان المساجد هو ترك الغلو في تحسينها، فقد كان عمر مع كثرة الفتوحات في أيامه، وكثرة المال عنده، لم يغير المسجد، كما كان عليه، وكذلك في زمن عثمان زاده، ولم يزخرفه.