Indexed OCR Text

Pages 501-520

٥٠١
كتاب الصلاة - باب المواقيت
فیخصَّص بهما حدیث الباب.
٤- قال فقهاؤنا: وتحصُلُ فضيلة التعجيل في أوَّل الوقت بالتأهُّب، والأخذ
بأسبابها من طهارةٍ وسترة؛ لأنَّ مَنْ فَعَلَ ذلك وأخَذَ بفعل الأسباب لا يُعَدُّ
متوانیًا، بل مهتمًّا بها .
٥- جاء في بعض الأحاديث أنَّ النَّبِيَّ وََّ سُئِلَ أي الأعمال أفضل؟ فقال:
((إيمانٌ بالله عزَّوجل))، وكما وردتْ أحاديث أخر في أنواع البر بأنَّ فعلها هو
أفضل الأعمال.
وأحسنُ جوابٍ على هذا بين شبه هذا التعارض، أنَّهِ وَهُ مِنْ حكمته
يخاطبُ کلَّ واحد على حسب حاله، ویو جِّهه إلى ما هيأه الله له:
فإنْ كَان قويَّ البدن شجاعًا، وَجَّهه إلى الجهاد، وإنْ كان ليس فيه لياقةٌ
لذلك، وجَّهه إلى القيام بأداء الصلوات، وإنْ كان غنيًّا، وجَّهه إلى الصدقة؛
ليعمَلَ كلُّ إنسان بالَّذيَ يحسنه، ويستغلّ مواهبه التي منحه الله إيّاها، فيما
يُصْلِحُ نفسه، وينفع غيره، وكلٌّ ميسَّرٌ لِمَا خُلِقَ له، وهذه من حكمة اختلاف
مواهب الخلق، وميولهم واستعداداتهم، والله أعلم.
٦ - قال ابن الملقِّن: الَّذي قيل في الجمع بين الأحاديث المتعارضة: أنَّها أجوبة
مخصوصة، لسائل مخصوص، بالنسبة إلى حاله أو وقته، أو بالنسبة إلى
عموم ذلك الحال والوقت، أو بالنسبة إلى المخاطبين بذلك.
٧- فيه السؤالُ عن العلم ومراتبه في الأفضلية، وتقديمُ الأهمِّ فالأهمِ في
الأعمال.

٥٠٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١٤٠ - وَعَنْ أَبِي مَحْذُوْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ قَالَ:
((أَوَّلُ الْوَقْتِ رِضْوَانُ اللهِ، وَأَوْسَطُهُ رَحْمَةُ اللهِ، وَآخِرُهُ عَفْوُ اللهِ) أَخْرَجَهُ
الدَّارَقُطْنِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيْفٍ جِدًّا(١)، وَلِلْتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيْثِ ابْنِ عُمَرَ
نَحْوُهُ، دُوْنَ الأَوْسَطِ، وَهُوَ ضَعِيْفٌ أَيْضًا(٢) .
* درجة الحديث:
الحدیث ضعيف جدًّا.
قال في التلخيص: لأنَّه من رواية يعقوب بن الوليد المدني، قال أحمد:
كان من الكذَّابين الكبار، وكذَّبه ابن معين، وتركه النسائي، ونسبه ابن حِبَّان إلى
الوضع .
قال البيهقي: كذَّبه الحفّاظ، ونسبوه إلى الوضع.
قال أحمد: لا أعرف شيئًا يثبت فيه، يعني في هذا الباب.
و کذلك رواية الترمذي من طريق يعقوب المذكور.
وقال ابن الملقِّن: هذا الحديث لا يصح من جميع طرقه .
* مفردات الحديث:
- رضوان الله: بكسر الرَّاء: رضاء الله، منافٍ لسخطه، قال الألوسي: رضا الله
لا يعادله شيء، ويستتبع ما لا يكادُ يَخْطُرُ على بال، فهو أعلى المراتب
الثلاث .
- رحمة الله: تفضّله وإحسانه على عبده، فهي دون مرتبة الرضا.
(١) الدَّارقطني (٢٤٩/١).
(٢) الترمذي (١٧٢).

٥٠٣
كتاب الصلاة - باب المواقيت
- عفو الله: معناه: محو الذنب، ولا يكون المحو إلاّ من تقصير، والتقصير هنا
بالنسبة لِسَبْقِ مَنْ أدَّى الصلاةَ في أوَّل وقتها .
قال الإمام الشافعي: رضوانُ الله أحبُّ إلينا من عفوه، فالعفو يشبه أنْ
یکون للمقصِّرین.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - استحبابُ أداء الصلاة المفروضة في أوّل وقتها؛ طلبًا لرضوان الله تعالى.
٢ - إِنْ لمْ يكنْ ذلك فلتؤدّ في وسطه؛ لنيل رحمة الله تعالى.
٣- أمَّا أداؤها في آخر الوقت، ففيه تكاسُلٌ وتثاقُلٌ عن الطاعة، فمن أخَّرها إلى
آخر وقتها، فإنَّ الله تعالی یعفو عنه، ویسامحه علی تکاسُلِهِ وعدم مبادرته.
٤ - أنَّ أفضل الثلاثة رضوان الله، ثمَّ رحمة الله، ثمَّ عفو الله، والعفوَ لا يكون إلاَّ
بعد شيءٍ من التقصير .
٥- فضيلةُ النشاطِ في العبادة، والمبادرةِ إليها، والإتيانِ إليها برغبة؛ قال تعالى:
﴿يَيَحِى خُذِ الْكِتَبَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢]، وقال تعالى: ﴿خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَكُمْ
بِقُوَّةٍ﴾ [الأعراف: ١٧١]، وذم المنافقين بقوله: ﴿وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلَوةِ قَامُواْ
﴾ [النساء].
١٤٢
كَُالَى يُرَآءُ ونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا

٥٠٤
-(
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١٤١ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ وَله
قَالَ: ((لاَ صَلاَةَ بَعْدَ الفَجْرِ إِلاَّ سَجْدَتَيْنٍ)) أَخْرَجَهُ الْخَمْسَةُ إِلَّ النَّسَائِيَّ.
وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ: ((لاَ صَلَاةَ بَعْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ إِلَّ رَكْعَتَّيٍ
الفَجْرِ))(١)، وَمِثْلُهُ لِلدَّارَ قُطْنِيِّ عَنِ ابْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ(٢) .
* درجة الحديث:
الحدیث ضعيفٌ؛ کما مال لذلك ابن حجر، ومنهم من صحّحه.
فقد أخرجه الإمام أحمد، وأبوداود، والترمذي، والدَّار قطني، والبيهقي
من عدَّة طرقٍ، كلُّها عن قدامة بن موسى بسنده إلى ابن عمر .
قال الترمذي: غریبٌ لا نعرفه إلاَّ من حدیث قدامة بن موسى، عن محمد
ابن الحصين، وقُدَامَةُ ثقةٌ احتَجَّ به مسلم، ووثَّقه ابن معين، وأبوزرعة، وغيرهما،
ولكن شيخه - وهو محمَّد بن الحصين - مجهول، ويعضُدُ الحديثَ شواهدُهُ،
ممَّا روي عن أبي هريرة، وعبدالله بن عمرو بن العاص، وغيرهم.
قال ابن الملقِّن: أعلَّه ابن القطَّان بما ليس بعلَّة.
قال الألباني: الحديثُ صحيحٌ بالنظر إلى مجموع طرقه، التي خلت من
متهم، أو راوٍ واهٍ جدًّا.
لکن کلام ابن حجر في التلخیص الحبیر یفید ضعفه، وینظر کذلك نصب
الراية .
(١) أحمد (٤٧٤٢)، أبوداود (١٢٧٨)، الترمذي (٤١٩)، عبدالرزاق (٥٣/٣)، ولم يروه ابن
ماجة .
(٢) الدارقطني (٤١٩/١).

٥٠٥
كتاب الصلاة - باب المواقيت
* مفردات الحديث:
- لا صلاة: كلمة ((لا)) نافية، ولكنَّه نَفْيٌ بمعنى النَّهْي، والتقدير: لا تصلُّوا.
- سجدتين: أي: ركعتين كاملتين، وهذا من إطلاقه الجزء وإرادة الكل؛ كما
فسَّرتها الرواية الثانية.
* ما يؤخذ من الحديث:
١- النفي المتضمِّن للنهي عن الصلاة النَّافلة بعد طلوع الفجر، إلاَّ ركعتي
الفجر، وهما راتبة صلاة الفجر .
٢ - جواز ركعتَي الفجر بعد طلوع الفجر، وأنَّهما في وقتهما، وهذا الحديث
معارَضٌ بما هو أصُ منه؛ وهو ما جاء في البخاري (١٩٩٥)، ومسلم
(٨٢٧) من حديث أبي سعيد الخدري؛ أنَّ النَّبِي وَّهِ قال: ((لا صَلاَةً بَعْدَ
صلاةِ الفجر حتَّى تَطْلُعَ الشمس)) .
وَبِمَا روى البخاري (٥٨١) أنَّ النَّبِي وَِّ «نَهَى عن الصلاة بعد صلاة
الصبح حتَّى تَطْلُعَ الشمس)) .
قال المجد في المنتقى: وهذه النصوصُ الصحيحةُ تدُلُّ على أنَّ النَّهي
في الفجر لا يتعلَّق بطلوعه.
٣- يحتمل أنَّ المؤلِّفَ أورَدَ هذا الحديث لبيان جوازٍ قضاء ركعتي الفجر، بعد
أداءِ فَرْضِها في وقت النَّهي.

٥٠٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١٤٢ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: صَلَّى رَسُوْلُ
اللهِ وَ﴿ِ الْعَصْرَ، ثُمَّ دَخَلَ بَيْتِي فَصَلَّى رَكْعَتَيْنٍ، فَسَأَلْتُّهُ؟ فَقَالَ:
((شُغِلْتُ عَنْ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ، فَصَلَّيْتُهُمَا الآنَ، فَقُلْتُ: أَفَنَقْضِيْهِمَا
إِذَا فَاتَتَا؟ قَالَ: لاَ)) أَخْرَجَهُ أَحْمَهُ (١).
وَلَأَبِي دَاوُدَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُا - بِمَعْنَاهُ(٢).
: درجة الحديث:
الحدیث صحیح.
حديثُ أمِّ سَلَمة رواه أحمد، والنسائي (٥٧٩) والسراج، من طريق أبي
سلمة بن عبدالرحمن، عن أمّ سلمة، قالت: ((دخل عليَّ رسولُ الله ◌َيَ فصلَّى
بعد العصر ركعتَيْن، فقلت: ما هذه الصلاة؟ فما كُنْتَ تصلِّيها، فقال: قَدِمَ وفد
بني تميم، فشغلوني عن ركعتين، كنت أركعها بعد الظهر)).
إسناده صحيح، وأصله في الصحيحين، إلاَّ قولها: ((أفنقضيهما ... ))؛
فقد ضعَّفها البيهقي، وابن حجر في الفتح، وصحَّحها ابن حبان، وقال ابن
رجب في شرح البخاري : إسنادها جید، و کذلك قال ابن باز.
* مفردات الحديث:
- شغلت: مبني للمجهول، وهو من باب نفع، والمصدر: الشُّغْل بضم الشين،
وأمَّا الغين، فيجوز ضمها وسكونها، وشغلت عن كذا أُلْهِيتُ عنه، قال ابن
(١) أحمد (٣١٥/٦).
(٢) أبوداود (١٢٨٠).

٥٠٧
كتاب الصلاة - باب المواقيت
فارس: ولا يكادون يقولون: ((اشْتَغَلَ)) بالبناء للفاعل، وهو جائز.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - يدلُّ الحديث على أنَّ النَّبِيِوَ لَّ شُغِلَ عن الرَّاتبة التي بعد الظهر، فصلاَّها بعد
صلاة العصر قضاءً.
٢ - أم سلمة - رضي الله عنها - سألته هل نفعلُ ذلك، بأنْ نقضي هاتين الركعتين
هذا الوقت إذا فاتتا؟ فنفى ذلك، وقال: لا تقضوهما في هذا الوقت.
٣- دلَّ هذا الحديث على أنَّ قضاءَ راتبة الظهر - التي بعدها - بعد صلاة العصر
من خصائصِهِ وَ لَّ، فَمَهَاقُّهُ كثيرة وكبيرة، والله تعالى أعطاه ذلك لتكميل ثوابِهِ
وأعماله، ما لم يُعْطَ غيره مِنْ نوافل العبادات، وهي كالوصالِ، ووجوب
صلاة الليل، ممَّا هو مذکورٌ في كتب الخصائص.

٥٠٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
باب الأذان والإقامة
مقدمة
الأذان لغةً: مِنْ أَذَّن يؤذِّنُ تأذينًا وأذانًا، فالأذان: اسم المصدر القياسي،
وهو لغةً: الإعلام؛ قال تعالى: ﴿ وَأَذَنٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾﴾ [التوبة: ٣] أي: إعلامُ
منهما إلى النَّاس.
والأذان شرعًا: إعلامٌ بدخول وقت الصلاة، بألفاظٍ مخصوصة.
والإقامة شرعًا: إعلامٌ بالقيام إلى الصلاة، بذكرٍ مخصوص.
الأدلة على مشروعيتهما:
وهما مشروعان بالكتاب، والسنَّة، وإجماع الأُمّة: قال تعالى: ﴿وَإِذَا
نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَوْةِ﴾ [المائدة: ٨٥]، وفيما رواه مسلم (٣٨٧) وغيره من حديث
معاوية أنَّ النَّبِيِّه قال: ((المؤذِّنون أطولُ النَّاس أعناقًا يوم القيامة)).
قال ابن رشد: والأمر بالأذان منقولٌ بالتواتر، والعلمُ به حاصلٌ ضرورة،
وأجمعتِ الأمَّة على مشروعيته.
حكمهما: وهما: فرض كفاية، فليس لأهل مدينةٍ، ولا قريةٍ، أنْ
يَدَعُوهما؛ لأنَّهما من الشعائر الظاهرة.
قال الشيخ تقي الدِّين: هما فرضا كفاية، وكثيرٌ من العلماء يُطْلِقُ السُّنَّة
على ما يثابُ عليه شرعًا، ويعاقب تاركه شرعًا؛ فالنِّراعُ إذًا لفظي.
وفرض الكفاية: هو ما يَلْزَمُ جميعَ المسلمين إقامتُهُ، وإذا قام به من
يكفي، سقطت الفرضيّة عن الجميع، وإلاّ أثموا.
والأذان: جامعٌ لعقيدة الإيمان؛ فأوَّله: إثبات الذَّات والإجلال والتعظيم

٥٠٩
كتاب الصلاة - باب الأذان والإقامة
لله تعالى، ثمَّ إثباتُ الوحدانية له، ونَفْيُ ضدِّها من الشرك بالله تعالى، ثمَّ إثباتُ
رسالة محمَّد ◌َّه، ثمَّ دعوةٌ إلى الصلاة، الَّتي هي عمودُ الإسلامِ، ثمَّ دعوةٌ إلى
الفلاح، الَّذي هو الفوزُ والبقاء في النَّعيمِ المقيم، ثمَّ التذكيرُ بإقامة الصلاة.
فهذه المعاني العظيمةُ الجليلة محتوياتُ الأذان والإقامة.
ويجب الأذانُ والإقامةُ على الرِّجَال؛ لما روى البيهقيُّ (٤٠٨/١) وضعَّفه
عن أسماء بنت يزيدَ أنَّ النَّبيَّ نَّهِ قَالَ: ((ليس على النِّساءِ أَذَانٌ وَلاَ إِقَامَةٌ».
وصَحَّ عن ابن عمر موقوفًا عند البيهقي (٤٠٨/١)، كما قال ابن الملقِّن
في ((خلاصة البدر)) (١٠٦/١).
قال الوزير: أجمعوا على أنَّهما لا يُشْرَعان لهنَّ ولا يسنَّان، ويجبان
- على الصحيح - حضرًا وسفرًا؛ فلم يكن وَّهِ يَدَعُهُمَا حضرًا ولا سفرًا.
قال النووي: لا يشرعان لغير المكتوباتِ الخمس عند جمهور العلماء من
السلف والخلف.
جمل الأذان: والأذان المختارُ خمسَ عشرةَ جملةً.
قال الشيخ: مذهبُ أهلِ الحديث هو تسويغُ كلِّ ما ثبت عن النَّبِي ◌ِِّ،
ولا یکرهون شيئًا من ذلك.
حكم استبدال الأذان بالإسطوانات:
قال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: إنَّنا ننكر استبدالَ الأذان
بالإسطوانات؛ فإنَّ ذلك يفتح على النَّاس بابَ التلاعُبِ بالدِّين.
ولا بأس باستعمال رافع الصوتَ في الأذان وخُطْبةِ الجمعة والعيدين
ونحو ذلك؛ ليحصُلَ به إسماعُ الأذان في مسافاتٍ بعيدة.
وليس هذا من البدع؛ فإنَّ البدعة هي الطريقة المحدثة في الدِّين، مضاهاةً
للشريعة، والميكروفون لا يقصد باستعماله إلاَّ رَفْعُ الصوت فقطْ، فهو وسيلةُ
تبليغٍ، وهي ترجعُ إلى العادات، والله أعلم.

٥١٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١٤٣ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِرَبِّهِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ:
((طَافَ بِي وَأَنَا نَائِمٌ رَجُلٌ فَقَالَ: تَقُوْلُ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرٌ، فَذَكَرَ الأَذَانَ
بِتَرْبِيعِ التَّكْبِيرِ، بِغَيْرِ تَرْجِيْعِ، وَالإِقَامَةَ فُرَادَىُ، إِلَّ((قَدْ قَامَتِ الصَّلاَةُ»،
قَالَ: فَلَمَّا أَصْبَحْتُ أَتَيْتُ رَسُوْلَ اللهِنَّةِ، فَقَالَ: ((إِنَّهَا لَرُؤْيَا حَقٍّ .. ))
الْحَدِيثَ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُودَاوُدَ، وَصَخَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ.
وَزَادَ أَحْمَدُ في آخِرِهِ قِصَّةَ قَوْلَ بِلَلِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - فِي أَذَانِ
الفَجْرِ: ((الصَّلاَةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ).
وَلَاِبْنِ خُزَيْمَةَ عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((مِنَ الشُّنَّةٍ إِذَا
قَالَ المُؤَذِّنُ في الفَجْرِ: حَيَّ عَلَى الفَلاَحِ، قَالَ: الصَّلاَةُ خَيْرٌ من النَّوْم)) (١).
* درجة الحديث:
الحدیث صحیح.
رواه الإمام أحمد، وأبوداود، والدارمي (٢٨٦/١)، وابن الجارود
(٤٩/٢)، والدَّار قطني (٢٤١/١)، والبيهقي (٤١٥/١).
وسنده حسن.
وقد صحَّحه جماعةٌ من الأئمة؛ كالبخاري والنووي والذّهبي وغيرهم.
وأمَّا زيادة أحمد: فقال سعيد بن المسيب: ((أَدْخِلَتْ هذه الكلمةُ في
التأذين لصلاة الفجر)).
(١) أحمد (٤٣/٤)، أبوداود (٤٩٩)، الترمذي (١٨٩)، ابن خزيمة (٣٧١/١).

٥١١
كتاب الصلاة - باب الأذان والإقامة
قال في سبل السلام: ((وصحّح الزيادةَ ابنُ خزيمة وابنُ السكن)).
قال ابن حزم: ((وإسنادُهُ صحيح، والأحاديثُ لم تَرِدْ بإثباتها إلاّ في صلاة
الصبح)).
قال ابن عبدالبر: ((روى قصَّةَ عبدالله بن زيد هذه جماعةٌ من الصحابة
بألفاظٍ مختلفة، ومعانٍ متقاربة؛ فالأسانيدُ في ذلك متواترةٌ من وجوهِ حسان)).
وقال ابن رشد: ((إنَّها منقولةٌ بالتواتر، وإنَّ العلم بها حاصلٌ بالضرورة)).
* مفردات الحديث:
۔ طاف پِي: طَافَ يَطِيفُ طَيْفًا، من باب باع.
قال في المصباح: ((أصله الواو فهو يَطُوفُ؛ لكن قُلِبَتْ واوه ياءً؛ إمَّا
للتخفيفِ، وإمَّا لغة؛ فالطائف: ما ألَمَّ بالإنسان)).
وقال في المحيط: ((طاف بالشيء: دَارَ حوله، وطاف الخيالُ: جاء في
النوم)).
- بتربيع التكبير: تکریره أربع مرَّاتٍ.
- ترجيع: رجَّع - بالتشديد - المؤذِّنُ في أذانه تَرْجِيعًا، بمعنى: أنْ يأتيَ بكلِّ من
الشَّهادتينِ مرَّتَيْنِ خافِضًا بهما صوتَهُ، ومرَّتين رافعًا بهما صوته.
- الإِقَامَة: يُقال: قام يقوم قومًا وقيامًا، ويتعدَّى بالهمزة، فيُقال: أقام الصلاة
إقامة: نادی لها .
- رُؤيا: يقال: رأى يَرَى رؤية.
قال في المحيط: ((الرؤيا كالرؤية، غير أنَّها مختصَّةٌ بما يكونُ في النوم،
فرقًا بينهما، فالرؤيا: ما رأيته في منامك، جمعها رُؤَى)).
- حي: بتشديد الياء، بمعنى: هَلُمَّ وأَقْبِلْ، وهو اسم فعلٍ بمعنى الأمر، مبنيٌّ على
الفتح، فقول المؤذِّنين: ((حي على الصلاة)) يعني هلم وأقبل إلى الصلاة.
- فرادى: قال في المصباح: ((فرادى: جمع فرد على غير قياس))، ومعناه: لا

٥١٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
تكرير في شيءٍ من ألفاظها، إلاّ ((قد قامت الصلاة))؛ فإنَّها المقصودة من
الإقامة .
ما يؤخذ من الحديث:
١- استشار النَّبِيُّ وَّهَ أصحابه بوسيلةٍ يعلمون بها دخول وقت الصلاة
المفروضة، فتفرَّقوا قبل أنْ يَصِلُوا إلى حَلِّ.
٢ - رأى عبدالله بن زيد في منامه رجلاً يَحْمِلُ ناقوسًا، فقال: أتبيعُ النَّاقوس؟
فقال الهاتف: وما تصنع به؟ قال: ندعو به إلى الصلاة، قال: أفلا أدلك
على ما هو خير؟ قَالَ: بلى، قال: تقول: الله أكبر، الله أكبر ... إلى آخر
الأذان، فأخبر به النَّبِيَّ وَله، فقال: ((إنَّها لرؤيا حقِّ))، وأمر بالعمل بها.
٣- دلَّ الحديثُ على مشروعيّة الأذان لدعاء الغائبين إلى الصلاة في المساجد.
٤- مشروعيَّةُ الشفع في الأذان، بأنْ يأتيَ بِجُمَلِهِ مَثْنَى، أو رُبَاعَ، كالتكبير في
أوَّله، ويكون بخمسَ عشرةَ جملةً، كلُّها مشفوعةٌ إلاَّ الجملةَ الأخيرة؛ فهذا
أذان عبدالله بن زيد المختار.
٥- مشروعية إفراد الإقامة إلاَّ التكبيرَ في أوَّلها، و((قد قامت الصلاة))، فهي
مشفوعة، وظاهر الحديث: إفراد التكبير في أوَّله، ولكن جمهور العلماء
على أنَّ التكبير في أوَّلها مرَّتان .
٦ - الأفضلُ تركُ الترجيع، الَّذي هو الإتيانُ بالشهادتين بصوتٍ منخفضٍ، ثمَّ
إعادَتُهُمَا بصوتٍ عال.
٧- استحبابُ أنْ يقولَ المؤذِّن في صلاة الصبح، بعد ((حي على الفلاح)):
((الصلاة خيرٌ من النوم)) مرّتين.
٨- مناسبةُ هذه الجملة لهذا الوقت؛ لأنَّ النَّاس غالبًا في منامهم، فيحتاجون إلى
هذا التذکیر.
٩ - الحكمةُ في تكرير الأذان، وإفرادِ الإقامة: هي أنَّ الأذان لإعلام الغائبين؛

٥١٣
كتاب الصلاة - باب الأذان والإقامة
فاحتيج إلى التكرير ورفع الصوت، وأنْ يكونَ على مرتَفَع؛ بخلاف الإقامة:
فإنَّها لإعلام الحاضرين، وإنَّما كرِّرت ((قد قامت الصلاة))؛ لأنَّها مقصود
الإقامة .
١٠ - قال ابن الملقُّن: ذكر العلماء في حكمة الأذان أربعة أشياء:
( أ) إظهارُ شعار الإسلام.
(ب) كلمةُ التوحید.
(ج) الإعلامُ بدخول وقت الصلاة، ومكانها.
(د) الدعاءُ إلى الجماعة.
١١ - ذكر العلماءُ أغلاطَ المؤذِّنين، التي منها:
(أ) مَدُّ الهمزة في ((أشهد))؛ ليخرج إلى الاستفهام.
(ب) مَدُّ الباء من ((أكبر))؛ فينقلب المعنى إلى جمع (كَبَر)) وهو الطبل.
(ج) الوقف على ((إله))، ويبتدىء ((إلاَّ الله)).
(د) إدغام الدَّال في الرَّاء، من ((محمدًا رسول الله)).
(هـ) أنْ لا ينطق بالهاء من ((الصلاة))، فيبقى دعاء إلى النَّار.
(و) الوقوفُ على آخرِ الكلمة بحركة.

٥١٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١٤٤ - وَعَنْ أَبِي مَحْذُوْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - ((أَنَّ النَّبِيَّ
صا الله
وسام
عَلَّمَهُ الأَذَانَ فَذَكَرَ فِيْهِ التَّرْجِيْعَ)) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَلَكِنْ ذَكَرَ التَّكْبِيرَ
فِي أَوَّلِهِ مَرَّتَيْنِ فَقَطْ، وَرَوَاهُ الخَمْسَةُ فَذَكَرُوْهُ مُرَبَّعًا (١).
* درجة الحديث:
الحديث شاذٌّ بذكر التكبير في أوَّل الأذان مرّتین.
فقد رواه الإمام أحمد وأصحاب السنن الأربعة أربع تكبيرات.
قال ابن عبدالبر: ((التكبير أربع مرَّات في أوَّل الأذان هو المحفوظُ من
رواية الثقات، من حديث أبي محذورة، ومن حديث عبدالله بن زيد)).
قال في التلخيص: حديث عبدالله بن زيد بتربيع التكبير في أوَّله هي قصَّة
مشهورة، رواه أبوداود، وصحَّحه ابن خزيمة وابن حبَّان.
والتربيع عمل أهل مكّة، وهي مَجْمَع المسلمين في المواسم، ولم ينكر
ذلك أحد من الصحابة .
قال النووي: يقولُ المؤذِّن کلَّ تکبیرتین، بنَفَسٍ واحد.
* مفردات الحديث:
- فيه الترجيع: رجَّعت الكلام وغيره، أي: ردَّدته، والترجيعُ في الأذان، معناه:
ترديد الشهادتين مرَّتين، الأُولَى بخفض الصوتِ، والثانية برفعه.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - أنَّ أبا محذورة هو أحدُ مؤذِّنِي رسولِ الله وَّةٍ لأهل مكَّة المشرّفة.
٢ - مشروعيةُ تعليم الأذان للجاهل به.
(١) ابن خزيمة (٣٨٦).

٥١٥
كتاب الصلاة - باب الأذان والإقامة
٣- الترجيعُ وَرَدَ في حديث أذانِ أبي محذورة، ولم يَرِدْ في أذانَيْ بلال وعبدالله
ابن أم مكتوم، وفي مثل هذا يستحبُّ أنْ يؤتَى به أحيانًا، ففي ذلك إعمالُ
السنَّة كلِّها .
و
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: مذهبُ أهل الحديث وَمَنْ وافقهم هو تسويغَ
كلِّ ما يثبُتُ عن النَّبِي وََّ، فلا يكرهون شيئًا من ذلك إذا تنوَّعت صفته؛
كالأذان، والإقامة، والتشهُّدات، والقراءات، فمِنْ تمام اتباع السُّنَّة أنْ يفعل
هذا تارة، وهذا تارة، فهذا أصل للإمام أحمد مستمرٌّ في جميع صفات
العبادات أقوالها وأفعالها .
٤ - استحبابُ أنْ يكون المؤذِّن حسَنَ الصوت، جميل الأداء.
٥ - مشروعية الترجيع، وذلك بالإتيانِ بالشهادتَيْن خافضًا بهما صوته، ثمَّ
إعادتهما بصوتٍ مرتفع.
٦ - التكبيرُ مرَّتان في أوَّلِ الأذان في أذان أبي محذورة، أمَّا في أذان بلال فأربع،
وهو الَّذي تلقَّاه عبدالله بن زيد في منامه.
٧- يختلف أذان أبي محذورة عن أذان بلال، بعدد جُمَلِهِ .
٨- أبو محذورة من بني جُمَح من قريش، كان بعد الفتح مع صِبْيَانِ مَّة،
يحكون الأذانَ استهزاءً، فسمعه النَّبِيُّ وَل ◌ِ فأعجبه صوته، فدعاه وعلَّمه
الأذان، فكان مؤذِّنَ أهل مكَّة، وبلالٌ مؤذِّنَ أهلِ المدينة .

٥١٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١٤٥ - وَعَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((أُمِرَ بِلَاَلٌ أَنْ يَشْفَعَ
الأَذَانَ وَيُوتِرَ الإِقَامَةَ إِلَّ الإِقَامَةَ، يَعْنِي: إِلَّ قَدْ قَامَتِ الصَّلاَةُ)) مُتَّفَقٌ
عَلَيْهِ، ولَمْ يَذْكُرْ مُسْلِمٌ الإِسْتِثْنَاءَ.
وَلِلنَّائِيِّ: ((أَمَرَ النَّبِيُّ ◌َّ بِلاَلاً))(١).
* مفردات الحديث:
- أُمِرَ بلال: بضم الهمزة على صيغة المجهول، والرَّاجحُ عند الأصوليين: أنَّ
الآمر هو الرَّسُولُ وَّهِ، قال الكرماني: الصوابُ أنَّه مرفوع.
- يشفع: يُقال: شفَعَ العددَ يشفعُهُ شَفْعًا، أي: صيَّره شفعًا، أي: زوجًا،
والمعنى: أضافَ إلى الواحد آخر، وإلى الركعة أخرَى؛ فصار شفعًا.
- يوتر: يُقال: أوتَرَ يُوتِرُ إيتارًا: جعل الشفع وترًا، وأوتر الإقامةَ: جعَلَ جملها
وترًا، والوتر الفَرْد.
- يوتر الإقامة إلاَّ الإقامة: المراد من ((الإقامة)) الأولى: جميعُ جملِ الإقامة،
والمراد من ((الإقامة)) الثانية: جملة ((قد قامت الصلاة)).
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديثُ مرفوعٌ إلى النَّبِي ◌َّ؛ فهذا التعبير عن الصحابة في حكم الرفع؛
لأنَّ الآمر والنَّاهي هو النبي ◌ِّ .
٢ - استحبابُ شَفْع جميع الأذان، وذلك لأجلِ أنْ تكرَّر جُمَلُهُ، فيسمعها
البعيدون؛ لإعلامهم بدخول وقت الصلاة.
(١) البخاري (٦٠٥)، مسلم (٣٧٨)، النسائي (٣/٢).

٥١٧
كتاب الصلاة - باب الأذان والإقامة
٣- استحبابُ وِتْرِ الإقامة، والإتيانِ بجملها مفردةً؛ لأنَّها لإعلام الحاضرين
بإقامة الصلاة؛ فلا تحتاجُ إلى التكرير.
٤- استحبابُ تكرير ((قد قامت الصلاة)) في الإقامة؛ لأنَّها المقصودُ من الإقامة؛
فصار لهذه الجملة مزيدُ عناية واهتمام.
٥- يؤخذُ من الحديث استحبابُ تكرير الأشياء الهامّة على النَّاس، إذا لم
يسمعوها في الأول؛ ليعوها ويستوعبوها، سواءٌ في الخُطَبِ، أو الدرس، أو
غير ذلك مِنْ مواطن الإرشاد والتعليم.
فقد جاء في صحيح البخاري من حديث أنسٍ قال: ((كان رسول الله وَ له
يعيدُ الكلمةَ ثلاثًا؛ لِتُعْقَلَ عنه)).
٦ - أحسنُ استدلالٍ على جواز تفاوت جُمَلِ الأذان - ما بين أذانِ بلالٍ وأذانِ أبي
محذورة - هو أنَّ هذا الأذانَ ينادَى به كلَّ يوم خمس مرَّاتٍ على أعلى مكانٍ،
ويجيبُ المؤذِّنَ المسلمون كلُّهم، زمن الصحابة، ثمَّ التابعين، ومع هذا لم
يذكر اختلاف بينهم في جواز الأمرين.

٥١٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١٤٦ - وعَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((رَأَيْتُ بِلاَلاً
يُؤَذِّنُ وَأَتَتَبَّعُ فَاهُ هَهُنَا وَهَهُنَا وَإِصْبَعَاهُ فِي أُذُنَيْهِ)) رَوَاهُ أَحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ
وَصَحَّحَهُ.
وَلَاِبْنِ مَاجَهْ: ((وَجَعَلَ إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ).
وَلِأَبِي دَاوُدَ: ((لَوَى عُنْقَهُ لَمَّا بَلَغَ حَيَّ عَلَىُ الصَّلاَةِ يَمِيْناً
وَشِمَالاً، وَلَمْ يَسْتَدِرْ))(١) وأَضْلُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ (٢).
* درجة الحديث:
الحدیث صحیح.
رواه أحمد، والترمذي، والحاكم (٣٩٩/١) قال الترمذي: حسنٌ
صحيح، وقال الحاكم: صحيحٌ على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.
وصحّح هذه الرواية - أيضًا - ابن خزيمة، وأبو عوانة .
وأمَّا رواية ابن ماجه: ففيها الحجاج بن أرطأة، وهو غير محتجِّ به.
وأمَّا قوله: ((لم يستدر)) فقد قال عنها البيهقي: إنَّها لم ترد من طريق
صحيح؛ لأنَّ مدارها على سفيان الثوري، وهو لم يسمعه من عون، إنَّما رواه
عن رجلٍ عنه، والرَّجل يتوهّم أنَّه الحجّاج، والحجَّاج غير محتجِّ به.
* مفردات الحديث:
- فاه: هو الفم، جمعه: أفواه، و((فو)) من الأسماء الخمسة التي ترفع بالواو،
(١) أحمد (٣٠٨/٤)، أبوداود (٥٢٠)، الترمذي (١٩٧)، ابن ماجة (٧١١).
(٢) البخاري (٦٣٤)، مسلم (٥٠٣).

٥١٩
كتاب الصلاة - باب الأذان والإقامة
وتنصب بالألف، وتجر بالياء.
- هاهنا وهاهنا: ((هنا)) اسم إشارة للقريب، و((ها)) للتنبيه، تدخل على أربعة
مواضع، أحدها: الإشارة غير المختصَّة بالبعيد، كهذا الحديث.
- إصبعاه: مجازٌ عن الأنملة، من باب إطلاق الكُلِّ وإرادة الجزء.
- لوى عنقه: التَفَتَ برأسه فقط.
- لم يستدر: استدار، بمعنى: دار، ومعنى لم يستدر: أنَّ جسمه ثابتٌ تجاه
القبلة ويلوي عنقه يمينًا بـ ((حي على الصلاة))، وشمالاً بـ ((حيَّ على الفلاح)).
* ما يؤخذ من الحديث:
١- مشروعيّة الأذان، وقد تقدَّم أنَّه من شعائر الدِّين الظاهرة، وأنْ يضع المؤذِّنُ
أعلى سبَّابتيه في أذنيه؛ لأنَّه أرفع لصوته، وإذا رآه البعيد، عَلِمَ أَنَّه يؤذِّن .
٢ - استحباب استقبال القبلة في الأذان، وأن لا ينصرف عنها بجملته إلى
الجهتين في الحَيْعَلَتَيْنِ، وفي رواية عن أحمد وغيره: أنَّه لا يدورُ إلاّ إذا كان
على منارة، قَصْدَ الإسماع.
٣- يلتفتُ ويلوي عنقه يمينًا، عند قوله: ((حي على الصلاة))، ويلوي عنقه شمالاً
عند قوله: ((حي على الفلاح))؛ لأَنَّ هَاتَيْنِ الجملتَيْنِ هما اللتان فيهما التصريحُ
بمناداةِ النَّاسِ؛ ليحضروا للصلاة، وما عداهما من جمل الأذان، فَذِكْرٌ.
٤ - أمَّا بقيّة جسده فيبقى مستقبل القبلة، لا يلتفت به، ولا يستدبر به القبلة.
٥ - استحبابُ إبلاغ الأذان للنَّاسِ وإسماعهم إِيَّاه بأيّ وسيلة مباحة، كمكبِّرات
الصوت الحديثَةَ الآن، فهي مستحبّة لما فيها من الفائدة الكبيرة، وليستْ من
البدع؛ فإنَّ البدعة في الدِّين: هي طريقةٌ في الدِّين مخترعة، تضاهي العبادة
الشرعية، يُقْصَدُ بالسلوك عليها المبالغةُ في التعبُّد لله تعالى، وهذه الأجهزةُ
لا يقصد باستعمالها العبادة، وإنَّما يُقْصَدُ بها رفعُ الصوت، فهي وسيلة
تبليغ، فمرجعُهَا إلى العادات، والله أعلم.

٥٢٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١٤٧ - وَعَنْ أَبِي مَحْذُوْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - ((أَنَّ النَّبِيَّ ◌َله
أَعْجَبَهُ صَوْتُهُ، فَعَلَّمَهُ الأَذَانَ)) رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ(١).
درجة الحديث:
الحدیث حسن.
أخرجه الدَّارمي (٢٩١/١)، وأبوالشيخ بإسناد متصل إلى أبي محذورة،
وأخرجه أيضًا ابن حبان (٥٧٤/٥) من طريق أخرى، ورواه ابن خزيمة في
صحیحه، وصحَّحه ابن السكن، وابن حزم، وابن دقيق العيد.
* مفردات الحديث:
- أبو مَحْذورة: بفتح الميم، وسكون الحاء: مؤذِّن رسول الله وَّةِ لأهل مكَّة،
اختُلِفَ في اسمه، وأشهرها أنَّه: أوس بن معير بن محيريز، قرشي من بني
جمع.
- أعجبه صوته: عَجِبْتُ من الشيء عَجَبًا، من باب تعب، ومعناها: استحسانُ
الشيء والرضا به .
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - استحبابُ كون المؤذِّن رفيعَ الصوت، حَسَنَ الأداء، شجيَّ النداء.
٢ - استحبابُ تعليمِ الأذان لمن أراد أنْ يَقُومَ به.
٣- استحبابُ تحسينِ الصوتِ بالأذان وتلاوةِ القرآن؛ لأنَّ هذا أدعَى للخشوع،
والإقبالِ على السماع.
(١) ابن خزيمة (٣٧٧).