Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١ كتاب الطهارة - باب الغسل وحكم الجنب فيها روايتان : إحداهما: أنَّ النَّبِيَِّ قَالَ: ((اذهبوا به إلى حائط بني فلان، فَمُرُوهُ أَنْ يغتسل)) [رواه أحمد (٧٩٧٧) وابن خزيمة (١٢٥/١)]. ويؤيِّده حديثُ قيس بن عاصم؛ أنَّه أسلَمَ، فأمره النَّبِي بَِّ ((أنْ يغتسلَ بماءٍ وسدر)) [رواه أحمد (٢٠٠٨٨)، والترمذي (٦٠٥) وحسَّنه]. أَمَّا الرِّواية الثانية - التي في الصحيحين في قِصَّة إسلام ثمامة -: فإنَّه هو الذي ذهب بنفسه واغتَسَلَ ثمَّ أسلم، فيكونُ اغتسالُهُ من باب إقرارِهِ عليه وَّ لا أمره به، وهذا لا يدُلُّ على الوجوبِ؛ كما هو عند الأصوليين. ولذا فالرَّاجحُ: أنَّ غسل الكافر إذا أسلم مستحبٌّ وليس بواجب؛ لما يأتي : أوَّلاً: أنَّ العدد الكثير والجم الغفير أسلَمُوا، فلو أمر كلَّ من أسلم بالغسل، لنقل نقلاً متواترًا أو ظاهرًا. ثانيًا: بعَثَ النَّبيُّ معاذًا إلى اليمن، وقال: ((ادعُهُمْ إلى شهادة أن لا إله إلاّ الله، وأنَّ محمدًا عبده ورسوله))، ولو كان الغسل واجبًا، لأمرهم به؛ لأنَّه أوَّل واجبات الإسلام. قال الخطابي: أكثرُ أهلِ العلم على استحبابِ الغسلِ، لا على إيجابه. والاستحباب هو الرواية الأخرى عن الإمام أحمد، اختارها جماعةٌ من الحنابلة، قال في الإنصاف: وهو أولى. وبهذا: فحديثُ قيس بن عاصم وحديثُ ثمامة بن أثال، يُحْمَلَانِ على الاستحباب . وقد أجمَعَ العلماءُ على مشروعية الاغتسال، إلاّ أنَّ بعضهم یری الوجوب، وبعضهم يرى الاستحباب. ٣٨٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٩٩ - وَعَنْ أَبِي سَعِيْدِ الخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ وَّرِ قَالَ: ((غُسْلُ يَوْمِ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُخْتَلِمٍ)) أَخْرَجَهُ السَّبْعَةُ(١). * مفردات الحديث: - واجب: الواجبُ لغةً: الساقطُ؛ قال تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج: ٣٦] أي: سَقَطَتْ. وشرعًا: ما يُتابُ فاعله امتثالاً ، ويستحقُّ العقابَ تاركه. - مُحْتَلِم: بضم الميم، وسكون الحاء المهملة، ثمَّ تاء ولام وميم: بلَغَ سن الحلم. قال في النّهاية: بلغ الحلم: جَرَى عليه حكْمُ الرِّجال، سواءٌ احتلم أو لم يحتلم؛ فالمحتلم: هو البالغ المُدْرِك؛ ولذا فإنَّ الاحتلام هنا مجاز، والقرينةُ المانعة عن الحقيقة: أنَّ الاحتلام إذا كان معه الإنزال، فهو موجب للغسل، سواءٌ كان يوم الجمعة، أو لا . * ما يؤخذ من الحديث: ١- يحتمل نسبة الغسل إلى زمانه، وهو يوم الجمعة؛ فيكونُ الغسلُ خاصًّا لليوم، وفضيلتُهُ حاصلةٌ وَقَعَ الغسلُ قبل الصلاة أو بعدها. ويحتملُ أنْ تكون نسبته إلى صلاة الجمعة، فهو من إضافة الشيء إلى سببه؛ وحينئذٍ لا تحصل فضيلةُ الغسل إلاَّ إِذَا وقع للصلاة قبلها، وهذا هو (١) البخاري (٢٦٦٥)، مسلم (٨٤٦)، أبوداود (٣٤١)، الترمذي (٤٩٣)، النسائي (١٣٧٥)، ابن ماجة (١٠٨٩)، أحمد (١٠٦٤٤). ٣٨٣ كتاب الطهارة - باب الغسل وحكم الجنب الرَّاجحُ؛ لأنَّ سبب الحديث يشير إلى هذا المعنى، ولما جاء في البخاري (٨٧٧) ومسلم (٨٤٤) عن ابن عمر - رضي الله عنهما - عن النَّبِي وَ لَه قال: ((إذا جاء أحدكم الجمعة، فليغتسل))، وهو مذهب جمهور العلماء. ٢ - قوله: ((على كلِّ محتلم)) يدل على أنَّ غسل الجمعة - وإنْ كان واجبًا للصلاة نفسها - فإنَّه لا يجبُ على الصغار، وإنْ أتوا إليها وصلَّوْهَا، ولولا قيد ((الاحتلام))، لوجب على كل من صلاها من الذكور، ولو كانوا صغارًا؛ لأَنَّهم إذا تلبّسوا بها، وجب عليهم كلُّ ما لا تتمُّ عبادتهم إلاَّ به، من الأركان والشروط والواجبات؛ وإلاَّ لَمَا صَخَّتْ عبادتهم. ٣- ظاهر الحديث وجوب غسل يوم الجمعة على كلِّ بالغ، وفيه خلاف يأتي تحقیقه قریبًا إن شاء الله تعالى . ٤ - من لم يبلغ لا يجبُ عليه الغسل؛ لأنَّ التكاليفَ الشرعية لا تجبُ على الصغيرِ والمجنون. ٥ - تخصيصُ مشروعية الغسل يوم الجمعة، وتخصيصُهُ بالرِّجال دون النساء دليلٌ على أنَّ الغسل هو لصلاة الجمعة، فلا يجزىء بعدها، وتقدَّم ذكره. ٦- الحديثُ يدُلُّ على أنَّ وجوبَ الأحكام الشرعيَّة منوطٌ بالبلوغ؛ فلا يجب قبله شيء، وتقدّم بحثه. ٧- جاء في مسلم (٨٥٤) أنَّ النَّبِي وَِّ قال: ((خير يوم طلعَتْ عليه الشمسُ يومُ الجمعة)) . ٨- ذكر ((اليوم)) في الحديث دليلٌ على أنَّ الغسل لا يجزىء في ليلة الجمعة، بل وقته هو مِنْ طلوع الفجر. ٩ - فيه دليلٌ على تعظيمِ هذا اليوم الجليل، ويكونُ تعظيمُهُ بشعور القلب بذلك، وبالاستعدادِ للصلاةِ، واجتماعِهِ بالغسلِ والطيبِ واللباسِ الحسن، والتفرّغ للعبادة فيه . ٣٨٤) توضيح الأحكام من بلوغ المرام ١٠ - أخذ بعضُ العلماء من مشروعية اغتسال صلاة الجمعة، استحبابَ الاغتسالِ لكلِّ اجتماع عامّ للعبادة؛ كصلاة العيد. ١١ - قال العلماء: يُسَنُّ أنْ يتنظَّف للجمعة بقَصِّ شاربه، وتقليم أظفاره ، وقطع الروائح الكريهة بالسواك وغيره، وأنْ يتطيّب، ويلبس أحسَنَ ثيابه؛ لما روى البخاري (٨٨٣) عن سلمان الفارسي - رضي الله عنه - أنَّ النَّبِي وَل قال: ((لا يغتسلُ رجلٌ يوم الجمعة ويتطهَّرُ ما استطاعَ من طَهْرٍ، وَيَدَهِنُ وَيَمَسُّ من طيبٍ امرأتِهِ، ثمَّ يصلِّي ما كُتِبَ له، إلاَّ غُفِرَ له ما بينه وبين الجمعة الأخرى». ٣٨٥ كتاب الطهارة - باب الغسل وحكم الجنب ١٠٠ - وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ: ((مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَبِهَا وَنِعْمَتْ، وَمَنِ اعْتَسَلَ، فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ)) رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ(١). * درجة الحديث: الحدیث صحیح. مدار صحة الحديث مِنْ ضعفه، على صِحَّةٍ سماع الحسن البصريِّ من سَمُرَةَ بنِ جندب، فقد اختلفَ العلماء في ذلك: فعليُّ بن المَدِينيِّ، والترمذيّ، والحاكم: يحملون رواية الحسن عن سمرة على الاتصال، ويصحّحون الحديث. وقال البزار وغيره: لم يسمع منه، وإنَّما يحدِّث من كتابه. قال ابن الملقُّن: وهو صحيحٌ على طريقة البخاري؛ لأنَّه يصحِّح حديث الحسن عن سمرة مطلقًا . قال الألباني: رجاله ثقات، وله شواهد كثيرة. * مفردات الحديث: - من: اسمُ شرط جازمٌ يجزم فعلين: الأوَّلُ فعلُ الشرط، والثَّاني جوابُهُ وجزاؤه. - توضأ: فعل الشرط، وجوابه ((بها))، والفاء رابطة. - فيها: أي: بالسنة أخَذَ المتوضِّىء. (١) أحمد (١٩٥٨٥)، أبوداود (٣٥٤)، الترمذي (٤٩٧)، النسائي (١٣٨٠)، ابن ماجة (١٠٩١). ٣٨٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام - نعمت: قال أبو عليٍّ القالي: ولا يجوزُ: نِعْمَة، - بالهاء؛ لأنَّ مجرى التَّاء فيها مجرى التَّاء في قامَتْ وقعدَتْ. قال ابن السِّكيت: التاء ثابتة في الوقف. قال في المصباح: نِعْمَ الرجلُ زيدٌ، مبالغة في المدح، وقوله في الحديث: ((فبها ونعمت)) أي: نعمتِ الخَصْلَةُ السُّنَّةُ. - أفضل: أَفْعَلُ التفضيل؛ إذِ الجانبُ المفضول فيه فضل، أقلُّ من الجانب الآخر. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - استحبابُ غُسْلٍ يوم الجمعة في يومها قبلها؛ إذ إنَّه شَرِعَ لأجل الصلاة. ٢- أنَّ من لم يتمكّن مَن الغسل لعذر، أو لم يُرِدِ الاغتسالَ من دون عذر، كفاه الوضوء؛ ولكنْ فاته الأجرُ والفضيلة. ٣- هذا الحديث دليلٌ على عدم وجوبِ الغسل لصلاة الجمعة، وهو معارض للحديث السابق الذي يفيد الوجوب. خلاف العلماء: ذهب جمهور العلماء، ومنهم الأئمة الأربعة: إلى أنَّ غسل يوم الجمعة مستحبُّ غیر واجب. واستدلُّوا على ذلك بحديث سمرة الذي معنا؛ أنَّ النَّبِي بَِّ قال: ((من توضّأ يوم: الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل)). أي: أنَّ من توضَّأ، فقد أخذ بالرخصة، ونعمتِ الرخصةُ التي أخذ بها، ومن اغتسل فقد زاد خيرًا، وهو أفضل من الاقتصار على الوضوء؛ وهذا حديثٌ صحيحٌ صريحٌ بعدم الوجوب؛ قال الألباني: رجاله ثقات، وله شواهدُ كثيرةٌ. وذهب أهل الظَّاهر: إلى أنَّه واجبٌ، عملاً بحديث: ((غسل يوم الجمعة واجب على كلِّ محتلم))، وبما في البخاري (٨٩٤) ومسلم (٨٤٤) أيضًا: ((من ٣٨٧ كتاب الطهارة - باب الغسل وحكم الجنب جاء منكم الجمعة، فليغتسل)). وتأوَّل الجمهور حديث أبي سعيد بأنَّه وجوبُ اختيارٍ لا وجوبُ إلزام؛ كقول الإنسان لصاحبه: حقُّكَ واجبٌ عليَّ. وأنَّ الحديثَ ورَدَ موردَ التأكيدِ والاهتمام بالغُسْلِ لهذه الشعيرة الكبيرة. وتوسّط شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: هَوَ مستحبٌّ، ولكنَّه يجبُ على مَنْ فيه رائحةٌ كريهة، وعنده عَرَقٌ يؤذي به المصلِّين والملائكة؛ فلا يجوز أنْ يحضر الجمعةَ واجتماعَ المسلمين بهذه الرَّائحة، حتَّى يقطعها بالاغتسال والتنظيف . ويؤيِّد ما ذهب إليه الشيخ تقي الدِّين: ما جاء في البخاري (٩٠٢)، ومسلم (٨٤٧)، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: ((كان النَّاس ينتابون الجمعةَ من منازلهم ومن العوالي، فيأتون بالعباء ويصيبهم الغبار، فيخرُجُ منهم الريح، فقال رسول الله وَعليه: لو أنَّكم تطهّرْتُمْ ليومكم هذا)). أمَّا ابنُ القيِّم فقال في الهَدْيِ: الأمرُ بالغُسْلِ يومَ الجمعة مؤكَّدٌ جدًّا، ووجوبُهُ أقوَى من وجوبِ الوتر، وقراءةِ البسملة في الصلاة، ووجوبِ الوضوء مِنْ مَسِّ النِّساء، ووجوبِهِ من مسِّ الذّكر، ومِنَ الرُّعَافِ والحجامة. ٣٨٨) توضيح الأحكام من بلوغ المرام ١٠١ - وَعَنْ عَلِيٍّ - رضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((كَانَ النَّبِىُّ وَلَهِ يُقْرْثُاَ القُرْآنَ مَالَمْ يَكُنْ جُنُبًّا)) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْخَمْسَةُ، وَهَذَا لَفْظُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَصَخَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ(١). * درجة الحديث: الحدیث صحیحٌ. قال في التلخيص: رواه أحمد، وأصحاب السنن، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم (٢٥٣/١)، والبزَّار، والدَّارقطني (١١٩/١)، والبيهقي (٢٨٨/١)، وألفاظهم مختلفةٌ، وصحَّحه الترمذي، وابن السكن، وعبدالحق، والبغوي . قال ابن خزيمة: قال شعبة: هذا الحديث ثلث رأس مالي، وقال أيضًا: لم أحدِّثْ بحديثٍ أحسَنَ منه. اهـ. * مفردات الحدیث: - كان: قال ابن دقيق العيد: ((كان يفعل كذا)) بمعنى: أنَّه يتكرّر منه فعله، وكانت عادته، وقد تستعملُ ((كان)) لإفادة مجرَّدِ الفعل، ووقوع الفعلِ دون الدلالةِ على التكرار، والأوَّلُ أكثَرُ في الاستعمال، وعليه ينبغي حَملُ الحديث. - يقرئنا القرآن: أي: يتلو القرآن علينا، ويعلّمنا إيَّاه بتلقينه إيَّه لنا. - مالم يكن جنباً: ((ما)) مصدرية ظرفية، أي: مدَّةَ بقائه جنبًا؛ فقد حُذِفَ الظرفُ وخلفته ((ما))، وأصبَحَ المصدر المؤوَّل بعدها منصوبًا على الظرفية؛ لقيامة (١) أحمد (٦٢٨)، أبوداود (٢٢٩)، الترمذي (١٤٦)، النسائي (٢٦٥)، وابن ماجة (٥٩٤)، ابن حبَّان (٧٩/٣). ٣٨٩ كتاب الطهارة - باب الغسل وحكم الجنب مقام المدَّة المحذوفة. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - تحريمُ قراءة القرآنِ الكريمِ على الجنب، ويدخُلُ فيه كلُّ من عليه حدثٌ أكبر، وربَّما كان الحديث ليس صريحًا في التحريم، إلاَّ أنَّ الَّذِي يؤيِّد التحريمَ ما رواه عليٍّ قال: ((قرأ رسول الله بَّه شيئًا من القرآن، ثمَّ قال: هكذا لمن ليس بجنب))، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢٧٦/١): رجاله مو ثقون . ٢ - قال في الرَّوْض المُربع وحاشيته: وحَرُمَ على الجنب قراءة القرآن، أيْ: قراءة آية فصاعدًا، ولهَ قراءةُ بعضٍ آية ما لم تَطُلْ؛ كآية الدَّين. وله قولُ ما وافق قرآنًا؛ كالبسملة، والحمدلة، ونحوهما، ما لم يقصدِ القرآن، فإنْ قصده، حَرُمَ . قال الشيخ تقي الدِّين: أجمع الأئمةُ على تحريمِ قراءة القرآن للجنب. ٣- جواز قراءة القرآن للمُحدِثِ حدثًا أصغر؛ لقوله وََّ: ((مالم يكن جنباً». ٤ - فضلُ تلاوةِ القرآن والاجتماع لذلك، والأحاديثُ في هذا كثيرةٌ وصحيحة. ٥ - فضلُ تعليم القرآنِ لفظًا ومَعنّى وسلوكًا؛ فقد جاء في صحيح البخاري (٥٠٢٧) أنَّ النَّبِي وَّهِ قَال: ((خيركم من تعلَّم القرآن وعلَّمه))، وهذا هو تعليمه الثَّامّ. ٦ - عدَمُ وجوبِ المبادرة بالاغتسال للجنب، وجوازُ مجالسته النَّاس؛ لما في البخاري (٢٨٥) ومسلم (٣٧١) عن أبي هريرة: ((أنَّ النَّي ◌َُّ لَقِيَهُ في بعض طُرُقِ المدينة، وهو جنب، قال: فانخَنَسْتُ منهُ، فذهبْتُ فاغتسلْتُ ثمَّ جئتُ، فقال: أين كنتَ يا أبا هريرة؟ قال: كنتُ جُنُبًا فكَرِهْتُ أنْ أُجالِسَكَ وأنا على غير طهارة، فقال: سبحان الله! إنَّ المُؤْمِنَ لا يَنْجُسُ)). ٧- فيه وجوبُ تعظيمِ القرآنِ واحترامِهِ، وأنْ يبعد عن كلِّ ما يَمَسُّ كرامته ٣٩٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام وقدسيَّه من الأمكنة القذرة، والمَحَالِّ المحرَّمة، من مجالس اللهو، والغناء، والفحش، والمناظر المُزْرِية والصور المحرَّمة. ٧٧ قال تعالى: ﴿إِنَُّ لَّقُرْءَانٌ كَرِيمٌ لَا يَمَسُّهُ: إِلَّا فی کِنَبٍ مگنُونٍ الْمُطَهَّرُونَ: * [الواقعة]. ﴾ [عبس]. ١٤ ج ◌َرْفُوعَةِ مُطَهَّرَةِ وقال تعالى: ﴿فِ مُحُفٍ مُكَرَِّةٍ وقد روى مسلم (١٨٦٩) عن ابن عمر: ((أَنَّ النَّبِي بَّ نهى أنْ يسافر بالقرآن إلى أرضٍ العدو؛ مخافةَ أنْ ينالَهُ العدو)». ٠ ٠٠ وروى أبوداود في المراسيل ص (١٢١) أنَّ النَّبي ◌َّهِ قال: ((لا يَمَسُّ القرآنَ إلاَّ طاهرٌ)). ومِنْ إهانة القرآنِ: كتابتُهُ على الأواني واللوحات التي توضع بجانب الصور، وفي مجالس اللهو، وما حدَثَ أخيرًا من تجسيم كلمات القرآن على صور مناظر الطبيعة، كلُّ هذا يُعَدُّ من إهانةِ القرآن والتلاعُبِ به، وإنْ لم يقصد صاحبُهُ ذلك، إلاَّ أنَّه عَرَّضه للإهانة والاستخفاف. قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِىّ ءَايَئِنَا فَأَعْرِضِ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ [الأنعام]. ٦٨ غَيْرِهِ، وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُّ فَلَا نَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الَّلِينَ! ٣٩١ كتاب الطهارة - باب الغسل وحكم الجنب ١٠٢ - وَعَنْ أَبِي سَعِيْدِ الخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ نَّهِ: ((إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُوْدَ، فَلْيَتَوَضَأُ بَيْنَهُمَا وُضُوْءًا)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ، زَادَ الحَاكِمُ: ((فَإِنَّهُ أَنْشَطُ لِلْعَوْدِ))(١). وَلِلأَرْبَعَةِ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: ((كَانَ رَسُوْلُ اللهِ حَلِّ يَنَمُ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمَسَّ مَاءً))، وَهُوَ مَعْلُولٌ (٢). * درجة الحديث: صدر الحديث في مسلم؛ فلا داعي للكلام فيه. أمَّا روايةُ الأربعة عن عائشة: فالمؤلّف أعلَّها؛ لأنها من رواية أبي إسحاق عن الأسود، عن عائشة، قال أحمد: ليس بصحيح، وقال أبوداود: إنَّ أبا إسحاق لم يسمعْ من الأسود. قال المؤلّف في التلخيص: أخرج مسلمٌ الحديثَ دون قوله: ((ولم يمس ماءً))، وكأنّه حذفها عمدًا، وقال مهنا، عن أحمد بن صالح: لا يحل أنْ يروى هذا الحديث، وقال ابن مفوز: أجمع المحدِّثون على أنَّه خطأ من أبي إسحاق، ثمَّ قال ابن حجر: وتساهل في نقلِ الإجماع، فقد صحَّحه البيهقي. قال الترمذي: وعلى فرض صحَّته، فيحمل على أنَّ المرادَ: لا يَمَسَّ ماءَ الغسلِ. وبتأويل الترمذي يتبيَّن أنَّه يوافق أحاديثَ في الصحيحين، التي صرَّحت ((بأنَّه ◌َلّهِ كان يتوضَّأ لأجل النوم والأكل والشرب والجماع)). (١) مسلم (٣٠٨)، والحاكم (٣٣٣/٢). (٢) أبوداود (٢٢٨)، الترمذي (١١٧)، النسائي في الكبرى (٣٣٢/٥)، وابن ماجة (٥٨١). ٣٩٢) توضيح الأحكام من بلوغ المرام · مفردات الحديث: - وضوءًا: مصدرٌ مؤكِّدٌ للوضوء الشرعي؛ ذلك أنَّ الوضوءَ لغةً: يطلقُ على غَسْل اليدين والفَرْج. - لِلْعَوْدِ: بفتح العين، وسكون الواو، يُقَالُ: عاد إلى الشيء، وعاد له، وعاد فیه: صار إليه ورجع، والمراد - هنا - عاد إلى إتيانِ امرأته. - وهو جنب: الواو للحال، والجملةُ الاسمية جملةٌ حالية، والجنب ـ بضمتين - مَنْ أصابته الجنابة . - بينهما: أي: بين الجماع الأوَّل والجماع الثاني. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - استحباب الوضوء لمن جامَعَ أهله، ثمَّ أراد العَوْدَ إلى الجماع مرَّةً أخرى، وقد ثبت أنَّه وََّ غَشِيَ نساءَهُ ولم يُحْدِثْ وضوءًا بين الفعلينَ، وثبت أنَّه اغتسل بعد غشیانه کل واحدة؛ فالکل جائز. ٢ - عمومُ الحديث يفيد أنَّه سواءٌ كانت التي يريد العود إليها هي الموطوءة، أو الزوجة الأُخرى لمن عنده أكثرُ من واحدة. ٣- الحكمةُ في هذا ما أشارَتْ إليه زيادة الحاكم: ((فإِنَّه أنشَطُ للعود)»؛ ذلك أنَّ المجامع يحصُلُ له كسلٌ وانحلال، والماء يعيد إليه نشاطَهُ وقوَّته وحيويَّته، وأبلَغُ من الوضوء الغسلُ بإعادة النشاط والقوّة. ٤- جواز النوم بعد الجماع، ولو کان جنبًا . ٥ - قوله: ((منَ غير أنْ يمسَ ماء))، يفيدُ أنَّه ينامُ ولا يتوضَّأ. قال الترمذي: على تقدير صحّته: فيحتمل أنَّ المراد: لا يَمَسُّ ماءَ الغسل، دون ماء الوضوء، ويوافق أحاديث الصحيحين المصرِّحة بأنَّه يغسل فرجه ويتوضَّأ لأجل النوم والأكل والشرب والجماع. ومنها: حديثُ ابن عمر؛ أنَّ عمر قال: يا رسولَ الله، أينام أحدنا وهو ٣٩٣ كتاب الطهارة - باب الغسل وحكم الجنب جنب؟ قال: ((نعم، إذا توضَّأ)) [رواه البخاري (٢٨٥) ومسلم (٣٠٦)]. وعن عمَّار بن ياسر: ((أَنَّ النَّبِي وَهُ وَخَّص للجنب إذا أراد أنْ يأْكُلَ أو يُشرَبَ أو ينامَ: أنْ يتوضَّأ وضوءه للصلاة)) [رواه أحمد (١٨٤٠٧) والترمذي (٦١٣) وصححه]. وحديث الباب يفيدُ استحبابَ الوضوءِ للجماع. خلاف العلماء: اختلف العلماء في نوم الجنب بدون وضوء: فذهب الظاهرية: إلى التحريم؛ أخذًا بحديث ابن عمر وعمَّار وأمثالهما. وذهب الإمام أحمد في الرواية المشهورة من مذهبه: إلى استحباب الوضوء، وكراهة تركه؛ ذلك أنَّ الوضوء يخفّف غلظ الجنابة، وثقل حدثها للنَّائم، الَّذي ينبغي أنْ ينام على طهارة تامَّة؛ كما جاء في الترمذي (٣٥٨٩) وغيره من حديث البراء؛ أنَّ النَّبِيِ وَّ قال: ((إذا أخذْتَ مضجعك، فتوضَّأ وضوءك للصلاة)) . قال شيخ الإسلام: يستحبُّ الوضوء عند كل نوم لكل أحدٍ. قال الزرقاني: ذهبَ جمهور الصحابة، التَّابعين: إلى جواز تركه بلا كراهة، وعليه فقهاء الأمصار. والرَّاجحُ من هذه الأقوال: ما ذهب إليه الإمام أحمد من استحباب الوضوء، وكراهة تركه؛ فهذا أقلُّ حال ما تَدُلُّ عليه الأحاديثُ الكثيرة الصحيحة الصريحة في هذه المسألة. ٣٩٤) توضيح الأحكام من بلوغ المرام ١٠٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: ((كَانَ رَسُوْلُ اللهِ ﴿يَّ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ، يَبْدَأُ فَيَغْسِلُ يَدَيْهِ، ثُمَّ يُفْرِغُ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ، ثُمَّ يَأْخُذُ المَاءَ فَيُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي أُصُوْلِ الشَّعْرِ، ثُمَّ حَفَنَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلاَثَ حَفَنَاتٍ، ثُمَّ أَفَاضَ على سَائِرِ جَسَدِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ) مُتَّفقٌ عَلَيْهِ، واللَّفِظُ لمُسْلِمٍ (١). وَلَهُمَا مِنْ حَدِيْثِ مَيْمُونَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا -: ((ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى فَرْجِهِ وَغَسَلَهُ بِشِمَالِهِ، ثُمَّ ضَرَبَ بِهَا الأَرْضَ)). وَفِي رِوَايَةٍ: ((فَمَسَحَهُمَا بِالتِّرَابِ))، وَفِي آخِرِهِ: ((ثُمَّ أَيْتُهُ بِالمِنْدِيلِ فَرَدَّهُ))، وَفِيهِ: ((وَجَعَلَ يَنْقُضُ المَاءَ بِيَدِهِ))(٢). * مفردات الحديث: - اغتسل: شرَعَ في الاغتسال، وهو من التعبير بالفِعْلِ عن إرادته، من باب المجاز المرسل؛ لأنَّه تعبيرٌ بالمسبَّب عن السبب؛ فإنَّ الفعل مسبَّب عن الإرادة، فأَقِيمَ مُقَامَهُ لِلملابسة بينهما. - من الجنابة: ((من)) للسببية، أي: بسبب الجنابة. - الجنابة: ما أوجب غُسْلاً لإنزالٍ أو جماع، سُمِّيَ بذلك: إمَّا لأنَّ الماء باعد محلَّه وجانبه، أو لأنَّ الجنب يجتنب ما لا يجتنبه الطاهر. - أصول الشعر: أصل الشيء: أساسه الذي يقوم عليه، والمراد هنا: أسافله التي (١) البخاري (٢٦٢)، مسلم (٣١٦). (٢) البخاري (٢٦٦، ٢٧٤)، مسلم (٣١٧). ٣٩٥ كتاب الطهارة - باب الغسل وحكم الجنب تلي البشرة. - فرجه: الفرج، لغةً: الفتحة، والشق، والصَّدْعُ بين الشيئين. قال في المصباح: وكل منفرج بين الشيئَيْن فهو فرجة، والفرجُ من الإنسان: يطلق على القبل والدبر؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما منفرِجٌ، وكثر استعماله في العرف في القُبُل. وقال في النِّهَاية: الفرجُ: ما بين الرِّجْلين، وبه سُمِّيَ فَرْجُ المرأةِ والرجل؛ لأنَّهما بين الرِّجْلَيْن. - حفن: فعل ماضٍ، والحَفْنة: ملء الكف من شيء، جمعه حَفَنَاتٌ وحُفَن . - أفاض: يفيض إفاضة، أي: أسال الماء على بقية جسده وأجراه عليه. - سائر جسده: أي: بقية جسده. قال الأزهري: اتفق أهل اللغة على أنَّ سائر الشيء: باقیه، قليلاً کان أو کثیرًا. قال الصَّغَانِيُّ: سائرُ النَّاس: باقيهم، وليس معناه: جميعهم كما زعم من قصَّر في اللغة، وجعله بمعنى الجميع من نحو العوامِّ، ولا يجوزُ أنْ يشتقَّ من سُورِ البلد؛ لاختلاف المادتين. - أفرغ: يُقال: أفرغ الإناءَ إفراغًا، وفرَّغه تفريغًا: إذا قلَبَ ما فيه وأخلاه ممَّا فيه، والمراد هنا: صَبَّ على يديه من الإناء. - ضرب بها الأرض: مسح بيده الأرض؛ ليزيل ما عليها من لزوجة النجاسة، أو المنيِّ. - المنديل: نسيجٌ من قطن أو حرير أو نحوهما مربَّع الشكل، يمسح به رذاذ الماء ونحوه، جمعه منادیل. - فردّه: هذه الروايةُ تؤيِّد أنَّ ما جاء في بعض روايات البخاري (٢٦٦) من قوله: ((فناولته خرقةً، فلم يَرُدَّهَا)) أنَّها مخفَّفة، فإنَّ بعض المحدِّثين قال بالتشديد، والتخفيف أصح؛ ولذا فإنَّ ابن السكن عَدَّ رواية التشديد من الوهم. ٣٩٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام * ما يؤخذ من الحديث: ١- في هذا الحديث صِفَةُ غُسْل النَّبِي وَّل من الجنابة ترويها عائشة رضي الله عنها. ٢ - استحبابُ البداءة بِغَسْلٍ يديه؛ لأنَّ اليدين هما أداةُ غَرْفِ الماء، وأداةُ دلك الجسد، فينبغي طهارتهما قبل كُلِّ شيءٍ، والمرادُ باليدين عند الإطلاق هما الكفّان. ٣- إفراغُ الماء من اليد اليُمْنَى على اليد اليسرى، التي ستباشر غسل الفرج، الذي عليه آثارُ الجماع، فاليمنَى لتناوُلِ الماء، واليسرى لإزالة الأذى. ٤ - البداءةُ بغَسْلِ الفرج قبل بقيّة البدن؛ لإزالةِ الأذى الَّذي عليه؛ لأنَّ غسله: إمَّا لإزالةِ نجاسة تجبُ إزالتها، أو لإزالةِ وساخةٍ ينبغي إزالتها أيضًا، وتكون إزالةُ النجاسات والأوساخ قبل رَفْع الحدث. ٥- بعد غسله فرجَهُ بشماله، يمسح يدَه بالتراب؛ وذلك لإزالة اللزوجة العالقة بها، من غسل الفرج المتلوّث بالنجاسة أو المني، وليَكُونَ ذلك عند إزالة الأذى. ٦- ثمَّ يتوضَّأ بغَسْلِ ما يغسل من أعضاء الوضوء، ومَسْح ما يمسح منها، فرَفْعُ الحدث الأصغر یکونُ قبل رفع الأکبر. ٧- ثمَّ يروِّي بالماء أصول شعره؛ فإنَّه لو صَبَّ الماء على الشعر الكثيف بدون تخليلٍ وتعاهدِ أصوله، لم يَصِلِ الماء إلى أصولها، ولا إلى ما تحتها من البشرة . ٨- ثمَّ يَصُبُّ الماء على رأسه بثلاث حفنات، ليعمَّ الماء ظاهر الشعر وباطنه. ٩ - ثمَّ يغسل سائر جسده، ويفيض الماء عليه مرَّةً واحدة، وظاهر النص أنَّه دون أعضاءِ الوضوء التي سبَقَ غسلها، وهو الَّذي يدل لفظ ((سائر))؛ فإنَّ السائر هو الباقي. ١٠ - المشهورُ من المذهب: استحبابُ غسل البدن ثلاثَ مرَّات، ولكن الحديث ٣٩٧ كتاب الطهارة - باب الغسل وحكم الجنب يدل على أنَّه لا يشرع غسل البدن إلاّ مرَّةً واحدة؛ فإنَّ التثليث لم يرد إلاَّ في غسل الرَّأس، وهذا هو الصحيح، والله أعلم. ١١ - ثمَّ خصَّ رجليه بالغسل في آخر الأمر؛ لأنَّ كل ما تحدَّر من جسده من أوساخ وفضلاتٍ أصابت رجليه، فكان حقُّهما أنْ يطهَّرا بعد ذلك؛ لإزالة ما عَلِقُ بهما، وما نزَلَ عليهما. وفي بعض ألفاظ حديث ميمونة: ((ثُمَّ تنخَى عن مقامه ذلك، فغسل رجليه))؛ وهذا أبلغ في تنظيفهما. ١٢- ذكر المؤلِّف في صفة غُسْل النَّبِي وَل حديثين: حديث عائشة، وحديث ميمونة : فأمَّا حديث عائشة: فذكرت الوضوء، وقالت في إحدى رواياته: (ثُمَّ توضّأ وضوءه للصلاة))، ثمَّ قالت: ((ثُمَّ غسل رجليه))؛ ممَّا يفيد أنَّه كرَّر غسل الرجلين في أوَّل الغسل وآخره. وأمَّا حديثُ ميمونة: فذكرت الوضوء إلاَّ غسل الرجلين، ثمَّ قالت: (ثُمَّ تنخَّى مِنْ مقامه، فغسل يديه))، ممَّا يفيد أنَّه لم يغسل رجليه إلاَّ مرّةً واحدة، بخلاف ما جاء في حديث عائشة من أنَّه توضأ وضوءه للصلاة، ثمَّ قالت: ((ثُمَّ غسل رجليه)). قال الحافظ: ((ثُمَّ غسل رجليه)) أي: أعاد غسلهما لاستيعاب الغسل بعد أنْ كان غسلهما في الوضوء؛ فيحمل هذا على حالةٍ أخرى. ١٣- كراهة التنشيف بالمنديل ونحوه بعد الغسل أو الوضوء؛ لأنَّ ما على البدن أو على أعضاءِ الوضوء هو مِنْ أثر العبادة، فينبغي بقاؤُهَا واستصحابها، ویکتفي بنفض زائد الماء بالید دون إزالته. ١٤ - هذه الصفة هي أفضلُ الصفات للغُسْلِ من الجنابة، فقد جمعَتْ بين تنظيف أداة الغسل، وغَسْلِ الأذى، وتروية أصول الشعر، وإسباغ الوضوء ٣٩٨) توضيح الأحكام من بلوغ المرام والغُسْلِ، ففيها النظافةُ والطهارةُ الكاملة. ١٥- الحكمة الشرعية من تعدُّد زوجات النَّبِي وَّ؛ فإنَّهُنَّ نَقَلْنَ من الأحكام الشرعيَّة - ولا سيما المنزليّة - العلْمَ الكثير الذي نفَعَ الأمةَ الإسلامية، وكلُّ واحدةٍ منهنَّ حفظَتْ وروت غالبًا ما لم تحفَظْ وَتَرْوِهِ الأخرى. ١٦ - قال ابن الملقِّن: لتخليل الشعر ثلاثُ فوائد: (أ) تسهيلُ إيصالِ الماء إلى الشَّعْرِ والبَشَرَة. (ب) مباشرةُ الشعر باليد؛ ليحصلَ تعميمه. (ج) تبليلُ البشرة؛ خشية أنْ يصاب بصَبِّ الماء دفعةً واحدة، وَجَعٌ في رأسه. ٣٩٩ كتاب الطهارة - باب الغسل وحكم الجنب ١٠٤ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: يَارَسُولَ اللهِ إِنِّي امْرَأَةً أَشُدُ شَعْرَ رَأْسِيٍ، أَفَأَنْقُضُهُ لِغُسْلِ الجَنَابَةِ؟» - وَفِي رِوَايَةٍ: ((وَالحَيْضَة؟)) - ((قَالَ: لا، إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنَّ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلاثَ حَثَيَاتٍ)) رَوَاهُ مُسْلِمُ(١). * مفردات الحديث: - أشدُّ شعر رأسي: شد الشيء: قوَّه وأحكمه، والعقدَةَ: أحكمها وأوثقها. - أفأنقضه: نقض الحبل أو الشعر: حلَّ إبرامه وعقده، والهمزة للاستفهام. - يكفيك: كفى الشيءُ يكفي كفاية: حصل به الاستغناء عن غيره، فهو كاف، والمراد: يغنيك الحَثْيُ عن نقض شعرك. - أنْ تحثي ثلاث حثيات: بالثاء المثلثة؛ يُقال: حَثَيْتُ وَحَثَوْتُ، لغتان مشهورتان، والحثية: هي الحفنة التي هي ملء الكفَّيْنِ من الماء وغيره، والجمع حَثَّيَات. · ما يؤخذ من الحديث: ١ - عدمُ وجوبٍ نقض المرأة شعرها للغُسْلِ من الجنابة، أو الغسل من الحيض. ٢ - الاكتفاء بحثي الماء - ثلاث مراتٍ - على الرأس؛ هذا هو مذهب جمهور العلماء، وسيأتي تحقيق الخلاف، إن شاء الله تعالى. ٣- يَدُلُّ الحديثُ على أنَّ للمرأة أنْ تَشُدَّ شعر رأسها، ولم يبيِّن صفة الشد هل تضفره أو تعكصه؟ وهذه الأمور عادية لا دخل لها في العبادة، فالعادةُ التي يعملها النَّاس وليسَتْ زيًّا خاصًّا بالكفَّار، يجوزُ فعلها. (١) مسلم (٣٣٠). ٤٠٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام * خلاف العلماء: قال في الشرح الكبير: لا يجبُ على المرأة نقضُ شعرها لِغُسْلِهَا من الجنابة، روايةً واحدة، ولا نعلم في هذا خلافًا، إلاّ عن ابن عمر، والنخعي، ولا نعلم أحدًا وافقهما على ذلك؛ لما روتْ أم سلمة أنها قالت: (يا رسول الله! إني امرأةٌ أَشُدُ شعر رأسي، أفأنقضه للجنابة؟ قال: لا، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاثَ حَثَيَاتٍ ثم تفيضين عليك بالماء، فتتطهَّرين به)) [رواه مسلم]. قال في المغني: اتفق الأئمةُ الأربعة على أنَّ نقضه غيرُ واجب. اهـ. واختلفوا في وجوب نقضٍٍ شَعْرِ المرأة لِغُسْلها من الحيض : فذهب الإمام أحمد - في المشهور من مذهبه -: إلى وجوب نقضه، قال مهنّا: سألتُ أحمد عن المرأة تنقُضُ شعرها من الحيض؟ قال: نعم، فقلت له: كيف تنقُضُهُ من الحيض ولا تنقُضُهُ من الجنابة؟ فقال: حدَّثَتْ أسماءُ عن النَّبي وَلّ أنَّه قال: تنقضه. اهـ. ولما جاء في البخاري (٣١٦)، ومسلم (١٢١١) من حديث عائشة أنَّ النَّبِيِ وَّ قال لها: ((إذا كنت حائضًا فانقُضِي رأسك وامتشطي)). ولأنَّ أصل وجوب نقض الشعر ليتيقَّن وصولُ الماء إلى ما تحته، فعفي عنه في غسل الجنابة؛ لأنَّه يكثُرُ فيشُقُّ ذلك؛ بخلاف الحيض. وذهب أكثر العلماء، ومنهم الأئمة الثلاثة: إلى أنَّه لا يجب، لما روى مسلم عن أم سلمة أنَّها قالت يارسول الله: ((إنِّي أشد ضفر رأسي، أفأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: إنَّما یکفیك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات)). وهي رواية عن الإمام أحمد، اختارها الموفَّق، والمجد، والشَّارح والشيخ تقي الدِّين، وغيرهم، لحديث أم سلمة السَّابق. قال الشيخ عبدالعزيز بن باز: الصحيح أنّه لا يجب عليها نقضه في غسل الحيض؛ لما ورد في بعض روايات أم سلمة عند مسلم؛ أنَّها قالت للتَّبِي وَّ: