Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
كتاب الطهارة - باب نواقض الوضوء
- أحدث: مأخوذٌ من الحدوث، وهو كون الشيء لم يكن؛ فالحدث شرعًا:
وجود ما ينقض الطهارة.
- حتَّى: للغاية، بمعنى ((إلى))، و((يسمع)): منصوبٌ بـ((أن)) مضمرة بعدها،
و «یجد» معطوف علیه.
- صَوتًا ... ريحًا: يعني يسمع صوتًا من الدبر، ويجد ريحًا من الدبر.
* ما يؤخذ من الحديث:
١- الأصل بقاء ما كان على ما كان، فإذا كان الإنسانُ متطهِّرًا، فخيِّل إليه أنَّه
أحدث، ولكنَّه لم يتحقَّقْ ذلك يقينًا، فالأصل أنَّه باقٍ على طهارته، ولا
يلتفت إلى هذه الشكوك والوساوس.
٢ - أنَّ الشيطان يتكيّف ويتمثَّل، فيعمل الأعمال التي يُظَنُّ أنَّها حقيقة، وهي في
نفسِ الأمرِ ما هي إلاَّ من خِدَعِهِ، التي يريد أنْ يفسد بها على المسلم عبادته،
ويوقعه في شكوك وأوهام.
٣- الواجبُ على المسلم أنْ يكونَ قويَّ الإرادة، نافذ العزيمة، فلا يجدُ الشيطانُ
سبيلاً إلى تلبيس عبادته عليه.
وأنْ يجاهد هذه الخيالات الشيطانيّة، فإذا نَفَخَ الشيطانُ في رُوعِهِ فقال:
إنَّك أحدثت، فليقل: كَذَبْتَ ! .
٤ - الشيطانُ عدوٍّ مبينٌ لبني آدم، فمن تمادَى معه، أغواه وأضله، فإذا لم يستطع
إغواءه بالشهوات، جاءه من طريق الشبهات؛ فالواجب على المسلم
مجاهدته وطرده ودحره؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُنْ عَدُوٌّ فَأَتَّخِذُوهُ عَدُوًّاً إِنَّمَا
يَدْعُوْ حِزْبَكٌ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَبِ السَّعِيرِ ﴾﴾ [فاطـ
٥- الرِّيح الخارجة من الدبر مبطلةٌ للوضوء، مفسدةٌ للصَّلاة، بشرط التيقُّن من
خروجها .
٦ - إذا كثرت الشكوكُ مع الإنسان، فإنَّها لا تُؤَثِّرُ؛ فلا يلتفت إليها .

٣٢٢)
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٧- لا أثر للشكِّ بعد الفراغ من العبادة، فلو فَرَغَ من الوضوء، وشَكَّ هل
تمضمَضَ؟ أو فرغ من الصلاة، وشكّ هل قرأ الفاتحة؟ أو لم يسجد إلاَّ مرَّةً
واحدة؟ فلا يلتفت إلى ذلك، والأصل صحّة العبادة.
قال ابن عبدالقوي :
يُقَاسُ عَلَى هَذَا جَمِيعُ التَّعْبُّدِ
وَلاَ الشَّكَّ مِنْ بَعْدِ الفَرَاغِ بِمُبْطِلٍ

٣٢٣
كتاب الطهارة - باب آداب قضاء الحاجة
باب اداب قضاء الحاجة
مقدمة
أذّبته أدباً: علَّمتُهُ رياضةَ النفس، ومحاسنَ الأخلاق.
قال أبوزيد الأنصاري: الأدبُ يقع على كلِّ رياضةٍ محمودةٍ، يتخرَّج بها
الإنسان في فضيلة من الفضائل .
وجمع الأدب آدابٌ، مثل سببٌ وأسبابٌ.
((قضاء الحاجة)): يُكنَّى بها عمَّا يقبُحُ التصريحُ بذكره.
وآداب قضاء الحاجة يشمل أقوالاً وأفعالاً، يشرع للمسلم اتباعها، من
الابتعاد عن النَّاس، والاستتار عن الأنظار، واختيار المكان المطمئنِّ الآمن به
مِنْ رشاش البول، والذِّكْرِ عند دخولِ الخلاء، وعند الخروج منه، وهيئةٍ
الجلوس، والاستعدادٍ بأداة التطهير من الأحجار ونحوها، والماء، والتحاشي
من التطهُّر بالموادِّ النجسة، أو العظام، أو الأشياءِ المحرَّمة، والابتعادِ عند
قضاءِ الحاجة عن مجالس النَّاس، ومراَفِقِهِمُ العامَّة، وتحت الأشجارِ المُثْمِرة،
أو استقبالِ القبلة أو استدبارها، ولزوم السكوت حال قضاء الحاجة، ثمَّ قطع
الخارج، والتطهُّر منه، والتحرُّزِ من أنْ يصيبه شيءٌ منه، وغير ذلك من الآداب
المرعيَّة في هذا الباب؛ فإنِّ الشريعة الكريمة علَّمتنا كلَّ شيءٍ، وسارت مع
المسلمين في كلِّ أعمالهم وتصرفاتهم، ولله الحمد.

٣٢٤)
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٧٦ - عَنْ أَنَسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((كَانَ رَسُوْلُ اللهِ وَلّهِ إِذَا
دَخَلِ الخَلاَءَ، وَضَعَ خَاتَمَهُ)) أخرَجَهُ الأَرْبَعَةُ، وَهُوَ مَعْلُوْلٌ(١).
* درجة الحديث:
الحدیث معلول.
قال النسائي: هذا حديث غير محفوظ، وقال أبوداود: منكر، وقال
المؤلف: معلولٌ؛ لانقطاع سنده بین ابن جريج والزهري حيث لم يسمع منه،
وقال ابن القيم: إنَّه شاذّ ومنکرٌ وغريب.
لكن نقل ابن حجر في التلخيص الحبير تصحيحَهُ عن الترمذي وابن حبَّان
والمنذري والقشيري في الاقتراح، واعتمد التصحيحَ السيوطيُّ في الجامعِ
الصغير، ومال الحافظ مغلطاي إلى تحسينه. ومن صحَّحه قال مجيبًا عن العلّة
التي ذکروها مِنْ عدم سماع ابن جريج من الزهري، قالوا: فقد سمعه من زياد
بن سعد عن الزهري بلفظٍ آخر، فزالت علَّته، ورواته ثقات.
* مفردات الحديث:
- دخل: يعني أراد دخوله؛ كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ
الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ ﴾﴾ [النَّحل) يعني: إِذَا أَرَدْتَ قِرَاءَةَ القُرْآن.
- الخلاء: بفتح الخاء والمد: المكانُّ الخالي، ويراد به المكانُ المُعَدُّ لقضاء الحاجة،
فإنْ أراد قضاءَ حاجته بفضاء، فلا داعي إلى تأويلِ الدخول بإرادة الدخول.
- خاتمه: خَتَمْتَ الكتابَ ختمًا، وَخَتَمْتُ عليه، من باب ضرب: طبعت،
والخاتم بفتح التاء وكسرها، والكسر أشهر.
(١) أبوداود (١٩)، الترمذي (١٧٤٨)، النسائي (٥٢١٣)، ابن ماجة (٣٠٣).

٣٢٥)
كتاب الطهارة - باب آداب قضاء الحاجة
قال في المصباح: الخاتم: حَلْقةٌ ذات فَصٍّ من غيرها، فإنْ لم يكنْ، فهي
فَتْخَة، بفاء وتاء مثناة من فوق وخاء معجمة .
قال ابن كثير: اتخذر للإ خاتمًا من فضَّة، ونقش فيه: ((محمد رسول الله))؛
هكَذَا رواه البخاري.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - خاتم النَّبِي وَلهو مكتوبٌ عليه ((محمد رسول الله))، فكان لا يدخل فيه الخلاء،
ويضعه خارجه .
٢- كراهة دخول الإنسان الخلاء أو المكان الذي سيقضي فيه حاجته، ومعه
شيءٌ مكتوبٌ فیه ذكر الله تعالى، أو أسمائه وصفاته.
٣- قال الفقهاء: إلاَّ إذا كان دخوله به لحاجةٍ كخشية سرقته أو نسيانه، وهذا
الاستثناء مبنيٌّ على قاعدة: أنَّ الكراهة تزول مع الحاجة.
قال شيخ الإسلام: الدَّراهم إذا كُتب عليها ((لا إله إلاَّ الله))، وكانت في
منديل أو خريطة، يجوز أن يدخل بها الخلاء.
٤ - وجوبُ تعظيم ذكر الله تعالى وأسمائه تعالى، وإبعادها عن كلِّ ما يَمَسُّ قدسيتها
وكرامتها؛ قال تعالى: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَكِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَىَ الْقُلُوبِ (﴾﴾ [الحج].
٥- اقتصارُ الحكم على الكراهة؛ ذلك أنَّ مجرَّد ترك الفعل لا يدل على التحريم.
٦ - إباحةُ اتخاذ الخاتم للرجل، وأنْ يَكْتُبَ عليه، ولو كان اسمُهُ فيه اسمٌ من
أسماء الله تعالى؛ کعبدالله، وعبدالرحمن.
٧- أمَّا المصحفُ: فيحرُمُ إدخاله، أو إدخالُ بعضه المكانَ المُعَدَّ لقضاء
الحاجة، ولو كان ملفوفًا بحائل، لما له من مكانةٍ لا تسامى، وقد جاء نعته
ووصفه: ﴿إِنَّهُ لَقُرْءَانٌ كَرِيمٌ
[الواقعة]، وإنَّه ﴿قُرْءَانٌ تَجِيدٌ
٢١
[البروج]،
و﴿وَإِنَّهُ لَكِنَبُّ عَزِيزٌ ﴾﴾ [فصلت]، وإِنَّهُ ﴿ذِكْرٌ مُبَارَكٌ﴾ [الأنبياء: ٥٠]، إِلى
غير ذلك من النعوت الكريمة .

٣٢٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٧٧ - عَنْ أَنَسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((كَانَ النَّبِيُّ وَإِلهَ إِذَا
دَخَلَ الخَلاَءَ، قَالَ: الَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ))
أَخْرَجَهُ السَّبْعَةُ(١).
** مفردات الحديث:
- أعوذ: يُقَالَ: عُذْتُ بِه عَوْذًا وعِيَاذَا ومَعَاذًا: لجأتُ إليه، والمَعَاذُ يسمَّى به
المصدرُ والمكانُ والزمان، ومعنى أعوذُ به: أعتصِمُ به وألتجىء إليه.
- الخبث: فيه لغتان: بضم الباء، وهو: جمع خبيث، وبسكون الباء - على
الرَّاجح من قولي أهل اللغة - يراد به الشر.
- الخبائث: جمع خبيثة، أي: أهل الشر، وهم الشياطين.
قال ابن الأعرابي: أصلُ الخبث في كلام العرب: المكروه، فإنْ كان من
الكلام فهو الشتم، وإنْ كان من المِلَل فهو الكفر، وإنْ كان من الطعام فهو
الحرام، وإنْ كان من الشراب فهو الضار.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - قوله: ((إذا دخل الخلاء)) المراد أراد دخوله؛ كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ
[النَّحل] يعني: إذا أردت قراءته، وجاء
٩٨
فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ
في الأدب المفرد للبخاري عن أنس قال: كَانَ رسول الله وَلّهِ إِذَا أراد أنْ
يدخل الخلاء، قال: ((اللهم إنِّي أعوذ بك من الخبث والخبائث)).
٢ - هذه الاستعاذة ليحصِّن بها المسلم نفسه من محاولة الشيطان إيذاءه
(١) البخاري (١٤٢)، مسلم (٣٧٥)، أبوداود (٢٥)، الترمذي (٢٦)، النسائي (١٩)، ابن ماجة
(٢٩٦)، أحمد (١١٥٣٦).

٣٢٧
كتاب الطهارة - باب آداب قضاء الحاجة
وتنجيسه، حتَّى لا تصحَّ عبادته، فما دام النَّبِي وَِّ المؤيَّد بعصمة الله يخاف
من الشرِّ وأهله، فالجديرُ بنا أنْ يكونَ خوفنا أشدً.
٣- أنَّ الأمكنة النجسة والقذرة هي أماكنُ الشياطين التي تأوي إليها وتُقِيمُ فيها.
٤- الالتجاءُ إلى الله تعالى والاعتصامُ به من الشياطين وشرورِهِمْ، فهو المُنْجِي
منهم، والعاصمُ من شرِّهم.
٥- وجوبُ اجتنابِ النجاسات، وَعَمَلِ الأسبابِ التي تَقِي منها؛ فقد صَحَّ في
الأحاديث الشريفة أنَّ من أسباب عذاب القبر عدم التنُّه من البول.
٦ - فضيلة هذا الدعاء والذكر في هذا المكان؛ فكُلُّ وقتٍ ومكان له ذكرٌ خاصٌّ،
والذي يلازم عليه يكونُ من الذَّاكرين الله كثيرًا والذَّاكرات.
٧- قال الحسن البصري: ((اللهم)) هي مَجْمَعُ الدعاء؛ فالدعاءُ بلفظ ((اللهم))
يعني ((يا الله))، وهو سؤالُ الله بجميع أسمائِهِ وصفاتِهِ؛ فهو دعاء بالأسماء
الحسنى والصفات العلا.
٨- الاستعاذة مُجْمَعٌ على استحبابها، سواءٌ في البنيان والصحراء.
٩- الأمكنة الطيبة كالمساجد يُشْرَعُ عندها أذكارٌ وأدعية، تناسب ما يرجى فيها
من رحمة الله وفضله، والأمكنةُ الخبيثة كالحشوش يناسب دخولها أذكارٌ
بالبعد عمَّا فيها من خبائثِ الجِنِّ وَمَرَدَةِ الشياطين.
١٠ - الأمكنةُ الطيبة مأوى الملائكة الكرام البَرَرَة، والأمكنةُ الخبيثة مأوى
الشياطين؛ قال تعالى: ﴿الْخَبِيئَتُ لِلْخَبَيْشِنَ وَالْخَبِثُونَ لِلْخَبِشَتِ وَالطَّيِّبَتُ
لِلَّيِّبِينَ وَالطَِّبُونَ لِلَّّيِّبَنِّ﴾ [النور: ٢٦]؛ فكلٌّ فیه ما يناسبه.
١١ - فيه إثباتُ وجود الجنِّ والشياطين، فإِنْكَارُهُمْ ضلالٌ وكفرٌ؛ لأنَّه ردٌّ لصريح
النصوص الصحيحة، وهو نقصٌ في العقل، وضيقٌ في التفكير؛ فإنَّ
الإنسان لا يُنْكِرُ ما لم يصلْ إليه علمه، وإنَّما - إِذَا كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بالوحي -
يتوقَّف؛ فإنَّ اكتشاف المجهولات يطالعنا كل وقتٍ بجديد؛ ﴿ وَمَآ أُوْتِتُممِّنَ

-
٣٢٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا
٨٥
[الإسراء].
١٢ - الأرواحُ الخبيثةُ الشِّرِّيرة موجودةٌ منتشرة، لا سيّما عند الأنفس القابلة لها،
وكذلك توجد في الأماكن القذرة، أو في البيوت التي تكثُرُ فيها المعاصي
وتظهر ويقلُّ فيها ذكر الله، وَطَرْدُ هذه الأرواح الخبيئة من الأجسام والبيوتِ
لا يكونُ بالذَّهَابِ إلى أصحابِ الدجل ومَدَّعي علم الغيب، أو بتخيّر
الأماكن، ونحو ذلك، وإنَّما يكون بالأوراد والرُّقَى الشرعية.
١٣ - قال ابن الملقِّن ما معناه: الظَّاهر أنَّ النَّبِي وَلو كان يجهر بهذا الدعاء في هذا
المكان، فهو أظهَرُ مِنْ أنَّه يُخْبِرُ عن نفسه، من أنَّه كان يفعله.

٣٢٩)
كتاب الطهارة - باب آداب قضاء الحاجة
-
٧٨ - وَعَنْ أَنَسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((كَانَ رَسُوْلُ اللهِ نَّه
يَدْخُلُ الخَلاَءَ، فَأَحْمِلُ أَنَا وَغُلاَمٌ نَحْوِي إِدَاوَةً مِنْ مَاءٍ، وَعَنَزَةً،
فَيَسْتَنْجِي بِالمَاءِ)) مُنَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
* مفردات الحديث:
- غلام: الغلام الصبيُّ من الولادة إلى البلوغ، والجمع: أَغْلِمَةٌ وَغِلْمَةٌ وَغِلْمَانٌ.
- نحوي: أي: مقارب لي في السن.
- إداوةً: بكسر الهمزة، مفرد أداوي، قِرْبَةٌ صغيرةٌ من جِلْدٍ تتخذ للماء.
- عَنَزَة: بفتح العين المهملة، وفتح النون والزاي، جمعه عنزات، وهي عَصًا
قصيرةٌ في رأسها حديدةٌ تُسمَّى الزُّجَّ، والزج هو السنان، فالعنزة: هي رمحٌ
قصير .
- فيستنجي: الاستنجاءُ: القطع، فهو قطع الأذى عنه بالماء والحجارة؛ لأنَّه
مأخوذٌ من النجو، وهو العذرة.
قال في المصباح: استَنْجَيْتُ: غَسَلْتُ موضعَ النجو، أو مسحته بحجرٍ أو
مدر .
أَمَّا الاستجمار: فهو إزالة النجو بالحجارة وحدها.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - أنس بن مالك الأنصاري - رضي الله عنه - تشرَّف بخدمة النَّبِي وَّ عشر
سنین .
٢- يُؤْخَذُ من الخلاء أنَّه كَانَ وَّهِ يستتر بحيثُ لا يراه أحد؛ فينبغي لمن أراد
(١) البخاري (١٥٢)، مسلم (٢٧١).

٣٣٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
قضاء حاجته أنْ يستتر عن العيون، إمّا بالبعد، أو إغلاق باب مكان قضاء
الحاجة، أو وضع ما یستُرُهُ من النَّاس .
٣- يدل على أنَّ النَّبِي وَّوَ كان يفعل ذلك في الفضاء، وليس في البيوت؛ فإنَّ
العنزة والإداوة المحمولة لا يحتاجُ إليهما غالبًا إلاَّ في البَرِّ.
٤- جواز الاقتصار في الاستنجاء على الماء.
٥- الأحوال ثلاثة في الاستنجاء :
( أ) أفضلها: الجمعُ بين الحجارة والماء، بتقديم الحجارة ونحوها، ثمَّ
إتباعها الماء؛ ليحصُلَ كمالُ الإنقاءِ والتطهُّر.
قال النووي: الذي عليه جماعةُ السلف والخلف، وأجمع عليه أهل
الفتوى من أئمة الأمصار: أنَّ الأفضل أنْ يجمع بين الماء والحجارة،
فيستعمل الحجر أوَّلاً لِتَخِفَّ النجاسة، وتقلَّ مباشرتها بيده، ثمَّ يستعمل
الماء، فإنْ أراد الاقتصارَ على أحدهما، جاز الاقتصار على أيهما شاء،
سواءٌ وجد الآخر، أو لم يجده، فإن اقتصر على أحدهما، فالماء أفضل من
الحجر.
(ب) يأتي بعده في الفضيلة: الاقتصارُ على الماء دون الحجارة.
(ج) هي الاقتصارُ على الحجارة ونحوها، وهي مجزئةٌ إلاَّ أنَّ الأوَّلَيْنِ
أفضلُ منها .
٦- استعداد المسلم بطهوره عند قضاء الحاجة؛ لئلا يُحْوِجَهُ إلى القيام،
والتلوّث بالنَّجاسة .
٧- بعضُ العلماء كره الاقتصارَ في الاستنجاء على الماء، وعلَّةُ الكراهة عندهم
ملامستُهُ النَّجاسة؛ ولكنه قولٌ مرجوحٌ، وتعليلُ ذلك غيرُ صحيحٍ؛ لما
يأتي :
أولاً : أنه ردٌّ ومعارضةٌ لهذا الحديث الصحيح.

٣٣١
كتاب الطهارة - باب آداب قضاء الحاجة
ثانيًا: أنه يحصل بالماء الإنقاءُ التامُّ.
ثالثًا: أن مباشرة النجاسة لإزالتها لا محذورَ فيها؛ فإنَّ هذا ليس استعمالاً
لها، وإنما هو تخلُّص منها، نظير ذلك: إزالةُ المُخْرِمِ الطَّيبَ عنه، بجامع
المنع مِنْ كلِّ منهما، فإزالتُهُ ليستْ محظورًا في الإحرام وإن باشره.
قال شيخ الإسلام: الصحيحُ جوازُ ملامسة النجاسَة للحاجة، ولا يكره
ذلك في أصحِّ الروايتين عن أحمد، وهو قولُ أكثر الفقهاء؛ إذ إن الاستبراء
من البول لا يكون إلاّ بعد الإصابة به.
٨- تحقُّظه عن أعين النَّاظرين؛ وذلك بجعله بينهم وبينه حجابًا ولو من خرقة
ونحوها؛ فإنَّ النظر إلى العورة بدون ضرورة محرَّم.
٩ - جوازُ استخدام الأحرار حتَّى في مثل هذه الأشياء.

٣٣٢)
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٧٩ - وَعَنِ المُغِيْرَةِ بْنِ شَعْبَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((قَالَ لِي
رَسُولُ اللهِ بَّهِ: خُذِ الإِدَاوَةَ، فَانْطَلَقَ حَتَّى تَوَارَى عَنِّي، فَقَضَىُ
حَاجَتْهُ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١) .
مفردات الحديث:
- الإداوة: تقدَّم شرحها في الحديث السَّابق.
ـ توارى عنِي: استتَرَ عنِّي واستخفى.
- حاجته: الحاجة ما كان محتاجًا إليه، والحاجَةُ جمعها: حَاجٌ، بحذف الهاء،
وحاجات، وهي هنا كناية عن التبول والتغوُّط.
* مفردات الحديث:
١ - استحبابُ البعد والتواري عن النَّاس، عند إرادة قضاء الحاجة.
٢- أمَّا سَتْرُ العورة عن النَّاس فواجبٌ؛ لتحريم كشفها إلاَّ في مواضع خاصَّة.
٣- استحبابُ إعداد إداوة طهارة الإنسان عند إرادته قضاءَ الحاجة؛ ليقطَعَ
الخارج عنه بدون طلبه، بعد الفراغ من قضاء الحاجة.
٤- جوازاً الاقتصار في الاستنجاء على الماء دون الحجارة؛ فلم يذكُرْ في
الحديث إلاَّ الإدارة، ولو كان هناك حجارةٌ، لَذَكَرَهَا.
٥- جوازُ الاستعانة بغيره على إحضار أدوات طهارته، وتقريبها منه.
٦- جوازُ اتخاذِ الخادم ولو کان حُرًّا.
٧- حياءُ النَّبِيِّ وكَمَالُ خُلُقه، وبعدُهُ عمَّا يُسْتَحْيَا منه، وهو قدوةٌ لكلِّ مسلم
ـلة.
(١) البخاري (٣٦٣)، مسلم (٢٧٤).

٣٣٣
كتاب الطهارة - باب آداب قضاء الحاجة
٨٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ الله عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ
وَه: (اتّقُوا الَّلَاعِنَيَّنِ: الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيْقِ النَّاسِ، أَوْ ظِلِّهِمْ)) رَوَاهُ
مُسْلِمُ (١)، وَزَادَ أَبُودَاوُدَ عَنْ مُعَاذٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: ((المَوَارِدُ))،
وَلَفْظُهُ: ((اتَّقُوا المَلاَعِنَ الثَّلاَثَةَ: البرَازَ فِي المَوَارِدِ، وقَارِعَةِ الطَّرِئْتِ،
وَالظُّلِّ))(٢)، وَلِإِحْمَدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا -: ((أَوْ نَفْع
مَاءٍ))، وَفِيْهِمَا ضَعْفٌ(٣). وأَخْرَجَ الطََّرَانِيُّ النَّهيَ عنْ قَضَاءِ الحَاجَةِ
تَحْت الأَشْجَارِ المُثْمِرَةِ وَضِفَّةِ النَّهْرِ الجَارِيْ مِنْ حَدِيْثِ ابْنِ عُمَرَ بِسَنَدٍ
ضَعِيْفٍ (٤).
* درجة الحديث:
- الحدیث صحیح.
لكن فيه ثلاث زيادات أوردها المؤلِّف: زيادة أحمد: ((أو نقع ماء))،
وزيادة أبي داود: ((الموارد))، وزيادة الطبراني: ((الأشجار المثمرة)»، وكل هذه
الزيادات الثلاث فیھا ضعف:
فسببُ ضعف زيادة أحمد: وجود ابن لهيعة في سنده، وهو سيِّىء الحفظ .
وسببُ ضعف زيادة أبي داود: الانقطاع؛ لأَنَّهُ من رواية أبي سعيد
مسلم (٢٦٩).
(١)
أبوداود (٢٦).
(٢)
(٣) أحمد (٢٧١٠).
(٤) الطبراني في الأوسط (٣٦١٣).

٣٣٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
الحميري عن معاذ، وهو لم يدرك معاذًا؛ فيكون منقطعًا .
وأمَّا سبب ضعف زيادة الطبراني: فإنَّ في سنده فرات بن السَّائب، وهو
متروك.
* مفردات الحديث:
- اللاعنَيْن: بصيغة التثنية، قال الخطابي: الَّلاعنين: الأمرين الجالبين لِلعْنِ
النَّاس مَنْ فعله.
- المَلاَعِن: بالفتح: جمع مَلْعَن، أي: موضع اللعن.
- الثلاثة: منصوب، صفة الملاعن.
- النَّاس: مشتقٌّ من نَاسَ يَنُوسُ: إِذَا تدلَّى وتحرَّك، ويصغَّر على نُوَيْس، وقد
وُضِعَ للجمع كالرهط والقوم، وواحده: إنْسَانٌ على غير لفظه، والأصلُ في
نطقه: الأُنَاس، فحذفتِ الهمزةُ لكثرة الاستعمال؛ ولهذا إذا نُطقتْ بدون
((أل)) قيل: ((أناس)) أكثر ممّا يقال: ((ناس)).
- يَتَخَلَّى: مَأْخوذٌ من المكان الخالي؛ لأنَّ عَادَةَ من يريد قضاء حاجته الابتعاد
عن النَّاس والخلوة بنفسه.
ويُراد به التغوُّط في طريق النَّاس أو ظلهم؛ فهو من ألفاظ الكناية التي يعبر
فیھا عمَّا یقبح ذكره بما يدلُّ عليه .
- الموارد: جمع مورد، وهو الموضع الَّذي يَرِدُهُ النَّاسُ من عين ماء، أو غدير،
أو نحوهما.
- البراز: بفتح الموحدة، فراء مفتوحة، آخره زاي، وهو المتَّسع من الأرض
يكنَى به عن الغائط، هو المطمئنُ من الأرض، سُمِّيت به عَذِرَةُ الإنسان؛ لأنَّ
من أراد قضاءَ حاجتِهِ، قصَدَ المطمئنَّ من الأرض.
- الطريق: فعيل بمعنى مفعول، فهو مطروق؛ لأنَّ أقدامَ النَّاس تطرُقُهُ، جمعه
طُرُقُ بضمتين، وهو مذكَّر في لغة أهل نجد، وبه جاء التنزيل؛ قال تعالى:

٣٣٥
كتاب الطهارة - باب آداب قضاء الحاجة
﴿ فَأَضْرِبِ لَهُمْ طَرِيقًا فِى الْبَحْرِ بَسًا﴾ [طه: ٧٧]، ويُؤَنَّث في لغة أهل الحجاز.
- قارعة: المراد به الطريقُ الواسعُ، سُمِّي بذلك؛ لقرعه بأقدام النَّاس.
- نقع ماء: بفتح النُّون، وسكون القاف، فعين مهملة، ويراد به: الماء المجتمع .
- ضفَّة النَّهر: ضفة بفتح الضاد وكسرها، ضفَّة النَّهر أو البحر أو الوادي، هي:
ساحله وشاطئه، وهما ضفتان، جمعه ضفاف.
- اللعن: هو الطرد والإبعاد عن الخير، وعن رحمة الله تعالى.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - تحريمُ البول أو التغوُّط في طرق النَّاس التي يعبرون معها، أو ظلَّهم الذي
يجلسون ويستظلون فيه، أو مَوَارِدِهِمُ التي يسقون منها، أو يسقون منها
مواشيهم وداوبهم، أو ضفافِ الأنهرِ والبحار التي يتنزَّهون عندها، أو تحت
الأشجار المُثْمرة التي يجنون ثمارها ويأكلون منها، مما يلوِّث ما يسقُطُ منها
من ثمر، وينجِّس من يأتي لِلْجَنْي منها، وتحلَّل النجاسة مع تربتها، فتمتصُها
عروقها وتغذِّي ثمرتها.
٢ - كل هذه المرافق هامَّةٌ ونافعةٌ للنَّاس، فلا يجوزُ توسيخُهَا وتقديرُهَا عليهم
وإلحاقُ الضرر بهم.
٣- يقاسُ عليها كلُّ ما أشبهها ممَّا يحتاجُ إليه النَّاسُ من النَّوادي والأفنيةِ،
والحدائقِ والميادينِ العامّة، وغيرِ ذلك، ممَّا يرتاده الجمهور، ويجتمعون
فيه، ويرتفقون به.
٤- احترامُ الأطعمة والأشربة، فلا يجوزُ إهانتها بالنَّجاسات، ولا تقذيرُ أصول
الشجر بالنَّجاسة؛ لأنّه يتحلَّلُ فتمتصُّه جذورها، فيصل إلى فروعها وثمارها،
فتتغذَّى بالنَّجاسة، والنَّجاسةُ ولو استحالَتْ فهي مكروهة مستقذرة.
٥- أنَّ التغوَّط أو البول في هذه الأماكن وأمثالها يسبّب لَعْنَ النَّاس لفاعلها،
وربَّما لحقته لعنتهم؛ لأنَّه هو المتسبِّب في ذلك؛ لما روى الطبراني في

٣٣٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
الكبير (١٧٩/٣) بإسنادٍ حسن؛ أنَّ النَّبي ◌َّقال: ((من آذى المسلمين في
طرقهم، وجبَتْ عليه لعنتهم)).
٦- جواز إطلاق اللعنة على من فَعَلَ ما فيه أذيَّةُ المسلمين.
٧- اللعنُّ معناه: الدعاء بطرده عن رحمة الله تعالى، وهذا دعاءٌ عليه من
مظلومين، وقد قال ◌َله: ((اتق دعوة المظلوم؛ فإنَّه ليس بينها وبين الله
حجاب)) [رواه البخاري (١٤٩٦) ومسلم (١٩)].
٨- اتقوا لعنةَ النَّاسِ لكم بمقتهم وكرههم مِنْ فعل هذا، ولعنهم إيَّاه، واتقوا
أيضًا لَعْنَ الله تعالى حينما يدعوا النَّاسُ عليكم، فيقولون: اللهم العَنْ مَنْ
فعل هذا، فاجعلوا بينكم وبين هذا وقايةً، باجتنابكم التخلِّي والبول في هذه
الأماکن.
٩- في الحديث كمالُ الشريعة الإسلاميَّة وسُّوها، من حيثُ النظافةُ والنَّزاهة،
وبُعْدُهَا عن القذارة والوساخة، وتحذيرُها عمَّا يَضُرُّ النَّاسَ في أبدانهم
وأديانهم وأخلاقهم؛ قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ
بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُواْ فَقَدٍ أُخْتَمَلُواْبُهْتَنًا وَإِنْمَا قُِّينًا
[الأحزاب].
٥٨
١٠ - وفيه شمولُ الشريعة؛ فإنَّها لم تترك خيرًا إلاَّ دَعَتْ إليه، ولا شرًا إلاَّ
حذَّرَتْ منه، حتَّى في هذه المواضع وجَّهَتِ النَّاس وبيَّنَتْ لهم أمكنةَ قضاء
حاجاتهم، والأمكنةَ التي يجبُ بُعدهم عنها.
١١ - الحديث يشير إلى قاعدةٍ شرعية، هي أنَّه إذا اجتمع متسبِّبٌ ومباشر:
فإنْ كان عمل كلِّ واحدٍ منهما مستقلاً عن الآخر، فالضمانُ والإثم على
المباشر.
وأَمَّا إِذَا كانت المباشرةُ مبنيّةً على السبب، صار المتسبِّب هو
المتحمِّل؛ كهذا المثال في الحديث؛ فالدعاء فيه إثم، والذي قام به من
لعن المتخلِّي عن الطريق مثلاً، ولكن المتسبِّب في هذا الدعاء هو

٣٣٧)
كتاب الطهارة - باب آداب قضاء الحاجة
المتخلِّي، فهنا يكون الدعاء مباحًا في حقِّ المباشر، وهو الدَّاعي، والذي
تحمَّل إثمَهُ المتسبِّبُ منه، وهذا المتخلّي في الطريق.
١٢ - فيه أنَّ كلَّ ما يؤذي المسلمين فهو حرام؛ قال تعالى: ﴿ وَاُلَّذِينَ يُؤْذُونَ
اُلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُواْ فَقَدٍ أَحْتَمَلُواْ بُهْتَنًا وَإِنْمَا تُبِينًا
٥٨
[الأحزاب] .

٣٣٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٨١ - وَعَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ وَّهِ:
((إِذَا تَغَوَّطَ الرَّجُلاَنِ، فَلْيَتَوَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ وَلاَ يَتَحَدَّثَا؛
فَإِنَّ اللهَ يَمْقُتُ عَلَى ذَلِكَ)) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَخَّحَهُ ابنُ السَّكَنِ، وَابْنُ
الْقَطَّانِ، وَهُوَ مَعْلُوْلٌ (١).
* درجة الحديث:
الحدیث معلول.
وعلَّته التي أشار إليها المُؤَلِّفُ هي ماقاله أبوداود؛ من أنَّه لم يسنده إلاَّ
عكرمة بن عمَّار العجلي اليماني، وضعَّف الأئمة روايةَ عكرمة بن عمَّار، عن
يحيى بن أبي كثير؛ وقالوا: مضطربة.
* مفردات الحديث:
- إذَا: شرطية، ووقوعُ الفعل بها متحقِّق، بخلاف ((إن)) الشرطية، فجوابها غير
متحقِّق، وقد يمتنع .
- تغوَّط: تغوُّطًا، مأخوذٌ من الغائط، وهو المكان المطمئنُّ من الأرض، ثمَّ
أطلق الغائط على الخارج المستقذر من الإنسان، كراهةً لتسميته باسمه
الخاصِّ؛ لأنَّهم كانوا يقضون حوائجهم في المواضع المطمئنة، فهو من مجاز
المجاورة، ثمَّ توسَّعوا فيه حتَّى اشتقوا منه، وقالوا: تغوَّط الإنسانُ.
- رجلان: تثنية رجل، والرجُلُ: الذكَرُ من النَّاس، جمعه رجال.
قال في المصباح: وقد جمع قليلاً على رَجْلَة وزن تمرة، ولا يوجد
(١) أحمد (١٠٩١٧).

٣٣٩
كتاب الطهارة - باب آداب قضاء الحاجة
جمع غیره على هذا الوزن.
والرجلان قيدٌ أغلبيٌّ، وإلاّ فهو شاملٌ لأي اثنين أو اثنتين فأكثر من النَّاس.
- فليتوار: جواب الشرط، و((الفاء)) رابطةٌ للجواب، وإنَّما احتيج للَّربط؛ لأنَّ
الجملة الجوابية لا تصلُحُ لمباشرة أداة الشرط، واللَّمُ للأمر، والفعلُ بعدها
مجزومٌ بها بحذف الألف، والفتحة على الرَّاء دليلٌ على الألف المحذوفة.
- يتوارى: يستَخْفِي عن أعين النَّاس .
- ولا يتحدّثا: ((لا)) ناهيةٌ، وجزم الفعل بعدها بها، وجزمُهُ بحذف النُّوْن.
- فَإِنَّ الله : جملةٌ للتعلیل؛ إذ أوقع ما سبق عنه.
- يمقت: مَقَتَهُ يَمْقُتِه مَقْتًا، فهو مقيتٌ وممقوت، والمَقْتُ: أشدُّ الغضب.
ما يؤخذ من الحديث:
١ - ذكر الرجلين - تغليبًا - وإِلاَّ فالحكم يشمل الرِّجال والنِّساء، وهو في حقُّهنَّ
أشدُّ وأعظم.
٢ - وجوبُ التواري عند إرادة قضاء الحاجة، ولا يَحِلُّ أمامَ النَّاس بحيث يَرَوْنَ
عورته.
٣- يحرم التحدّثُ أثناء قضاء الحاجة مع الغير؛ لما فيه من الدناءة، وقلَّة
الحياء، وضياع المروءة؛ فقد روى البخاري عن ابن عمر أنَّ رجلاً مرَّ على
النَّبِي ◌َّ فسلِّم عليه، فلم يَرُدَّ عليه.
٤- تحريمُ هذه الأمور مأخوذٌ من أنَّ الله يمقُتُ على ذلك، فالمقتُ أشدُّ من
البغض، والله تعالى لا يبغض إلاَّ على الأعمال السيئة، والتحريمُ هو الظَّاهر
من الحديث، ولكن مذهب الجمهور أنَّه محمولٌ على الكراهة فقط.
٥- إثباتُ صفة البغض لله تعالى إثباتًا حقيقيًّا يليق بجلاله بدون تشبيهٍ بصفة
المخلوقين، ولا تحريفٍ بتفسير البغض بالعقاب.
٦- هكذا صفاتُ الله تعالى يُسْلَكُ فيها مسلك أهل السنَّة والجماعة؛ فهو أسلم

٣٤٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
من التعدِّي على كلام الله تعالى وكلام رسوله مَله بالتشبيه، أو بالتحريف
والتَّویل، الذي لا يستندُ إلی دلیل.
ومسلكهم أسلَمُ؛ لأنَّ علم كيفيَّة صفات الله تعالى مبنيةٌ على النَّقْل، لا
على العقل المتناقض، ومسلكُهُمْ أحكَمُ؛ لأنَّ الأمور السمعية الغيبية الحكمةُ
فيها أنْ يتلقَّاها الإنسان على ما وردَتْ بدون تغيير؛ فهذا منتهى علم الإنسان
فيها، فطريقة السلف أعلم وأحكم بشرطين:
الأوَّل: أنْ يتجنّب التمثيل والتشبيه؛ فالله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ.
* [الشورى].
شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ!
الثاني: اجتنابُ التكييف؛ فلا يعتقد أنَّ كيفيَّة صفةِ الله كذا.
فمن آمن بصفات الله تعالی علی ما وصَفَ به نفسه أو وصفه به رسوله
وَلَّه، وجَانَبَ التشبيه والتكييف، فقد حصلت له السَّلامةُ والعلمُ والحكمة،
ذُلِكَ أنَّه لن يصلَ إلى نتيجة، ومآله إمَّا إلى تعطيل الصفة وهو إنكارُهَا، أو
إلى نتيجة التشبيه، وكلاهما ضلال.