Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
المقدمة
العملية، وإنما يعنينا مِنَ الناحية التاريخية؛ لنعرف تطوُّرات التشريع والظروف
والمناسبات التي جاء فيها .
وإنَّ في هذا من الفوائد العظمى ما لا يُسْتَهان به.
ونصوصُ الكتاب والسنة ينسخُ بعضها بعضًا على قول جمهور الفقهاء؛
لأنها في مستوى واحدٍ من حيثُ التشريعُ؛ إذ هي في الحقيقة كلُّها من عند الله
تعالى .
تعارض النصوص:
يجب أن نعلم أنه ليس بين نصوص الشريعة الثابتة تناقُضٌ، بل إذا وُجدَ ما
ظاهرُهُ ذلك، فلابدَّ من نسخ أو تخصيصٍٍ أو تقييدٍ أو تأويل أو ترجيح لأحد
النَّصَّيْن على الآخر .
فإذا وجدنا نصَّيْنِ صحیحیْن متعارضَيْن، فلنا في ذلك ثلاث طرق :
الأولى: هي الجمع بينهما بحَمْلِ كلِّ واحد منها على حال، فمتى أمكن
الجمعُ بينهما، فإننا لا نعدل إلى سواه؛ لأن في ذلك إعمالَ النصوصِ الشرعية
كلها .
الثانية: إذا لم يكن الجمعُ بينهما، وعرفنا المتأخِّر منهما، اعتبرنا المتأخِّر
منهما ناسخًا للمتقدِّم.
الثالثة: إذا لم يُعْرَفِ المتقدِّم والمتأخِّر، رجعنا إلى الترجيح؛ فاعتمدنا
أصحهما :
* فيقدَّم النصُّ على الظاهر.
* والظاهر على المؤول.
* والمنطوق على المفهوم.
* والمُثْبِتُ على النافي.
** والناقلُ عن الأصل على المبقي عليه.

٤٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
الإجماع:
هو اتفاقُ الفقهاء المجتهدين مِنْ أمة محمد وَّر بعد وفاته على أمرٍ من
الأمور الشرعية، قولاً أو فعلاً، في أي عصر من العصور.
وذهب بعض الأئمة الكبار: إلى أن الإجماع لا يمكن تحقُّقه إلاَّ في عصر
الصحابة، إذ كانوا قليلين، وكانت تجمعهم رقعة ضيقة من الأرض، وأما بعد
هذا العصر: فقد تفرَّق الفقهاء وحَمَلةُ السنة في نواح متعدِّدةٍ؛ كالعراق،
والشام، والمغرب، والحجاز، واليمن، وصار الاطلاع على آراء جميع الفقهاء
منهم في عصرٍ واحدٍ مع هذا التفرّق كالمتعذّر.
لكنْ: جمهورُ الفقهاء على القول بجوازِ الإجماع في كل عصرٍ، فإذا
حدَثَتْ حادثة وأفتى فقيه مجتهد، أو حكّمَ بها قاضٍ مجتهدٌ، ثم تناقلها
المجتهدون من المفتين والقضاة، وارتضَوْهَا وعملوا بها، ولم يوجد مخالفٌ
ممَّن بلغتهم: فهذا إجماعٌ قوليٌّ، ومن المقرِّين لها إجماعٌ سكوتيّ.
وقد يكونُ الإجماعُ عمليًّا كالعمل بما تقتضيه العادة والعرف.
حجية الإجماع:
ذهَبَ جمهورُ علماءِ الأصول: إلى أن الإجماع حجةٌ قطعية، وأنه أصلٌ
من أصول التشريع.
وإذا اتفق أكثرُ المجتهدين على حكم مسألةٍ شرعيّة اجتهاديّة، وخالفهم
قليلٌ من العلماء، فما قال به الأكثَرُ لا يعتبرُ إجماعًا، وإنما يعتبرُ حجةً شرعية
فقط ؛ وذلك لقوّته.
وكثيرٌ من الفقهاء المنتصرين لمذاهبهم، أو لمسألة يَرَوْنها يُسْرِفون في
حكايةِ الإجماع، فأيُّ مسألة ينقلون الإجماع فيها، إذا تتبَّعها الباحثُ وجَدَ
الخلاف فيها .
قال ابن القيِّم: عادةُ ابن المنذر إذا رأى أكثَرَ أهلِ العلمِ قالوا في مسألة،

٤٣
المقدمة
حكاه إجماعًا .
مستند الإجماع:
ذهب جمهورُ الأصولیین: إلی أن الإجماع لیس أصلاً مستقلا بنفسه؛ بل
لابد له من مستند من الكتاب أو السنة، سواء علمنا ذلك أو لا؛ إذ يكفي أن
يكون الإجماع قد وصل إلينا بطريق النقل الصحيح.
وإنما قالوا ذلك؛ لأن الإجماع لو کان أصلاً مستقلاً لاقتضی إثبات شرع
زائد بعد النبي ◌ٍَّ﴾ وذلك غير جائز.
وذهب جمهور الأصوليين: إلى عدم جواز نسخ الإجماع بالإجماع؛
وذلك أن الإجماع الأول لو كان قطعيًّا، وفرضنا أن الثاني قطعي أيضًا؛ كان هذا
محالاً؛ إذ الأمة أجمعَتْ على الأول، ولا تجتمعُ الأمةُ على ضلالة، فيحكم
على الإجماع الثاني بأنه خطأ لمجيئه مخالفًا للدليل القاطع، ولا يتصوَّر وجودُ
إجماع قطعيٍّ لاحقٍ ينسخ إجماعًا قطعيًّا سابقًا.
القياس:
معناه: إلحاقُ فرع بأصل في الحكم لمساواتِهِ له في عِلَِّ حُكْمه.
ويشترط لكلِّ قياسَ أربعةُ أشياء:
١ - المقيس عليه، ويسمَّى الأصل.
٢- المقيس، ويسمَّى الفرع.
٣- الوصف الجامع بين الأصل والفرع، ويسمَّى العلة.
٤- الحكم الشرعي المنقول من الأصلِ إلى الفرع.
٠

٤٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
مسألتان هامّتان
المسألة الأولى:
ما شرعه الله تعالى لعباده إنما شرعه لهم لمصلحةٍ تعودُ عليهم، بجَلْبِ ما
فيه خيرٌ لهم، ودفع ما فيه شرِّ عنهم، وهذه هي الحكمةُ المقتضيةُ لتشريع
الأحكام؛ وإلاّ فإن الله تعالى غنيٌّ عن العالمين، ومتعالٍ بكماله المُطْلَقِ أن يناله
نفعٌ أو ضررٍ .
والعِلَُّ الباعثةُ على التشريع قد تكونُ خفيّة؛ لذا فإنَّ المدارَ هو وجوبُ
المتابعةِ والإذعانِ والخضوع لأمرَ الله؛ كما أنَّ الأحكامَ تدار على ما يظهر من
الأوصاف الظاهرة المنضبطَة التي يُظَنُّ وجودُ الحكمة معها، وسمِّيَتْ تلك
الأوصافُ بالعللِ الشرعية؛ فإنَّ العلة هي الوصف الظاهر المنضبط الذي يُظَرُّ
وجود الحكمة الباعثة على التشريع معه غالبًا.
لذا كان دوران الحكم مع علته أضبَطَ وأبعَدَ عن الاضطراب والخلل فيها.
ومن هنا فإن القاعدة هي: ((أن مناطَ الأحكام المَظَانُّ الكلية)».
المسألة الثانية:
مقاصد الشارع من وَضْع الشريعة تنحصرُ في ثلاثة أقسام، هي:
الأول: المقاصدُ الضروريَّة، وهي حفظ الدين، والعقل، والنفس،
والعرض، والنسل، والمال، وحفظُهَا بما يقيمُ أركانَهَا، ويضمَنُ بقاءها، وبما
يخلِّصها من الخَلَلِ الواقع بها، ويدرأ عنها الخلَلَ المتوقَّعَ في المستقبل:
فقد شرع الجهادُ: لحفظ الدين، وضمان بلاغه، والقصاص: لحفظ
النفس، والقطع: لحفظ المال، والحد في الزنى: لصون العرض وحفظ
النسل، وحد المسكر: لحفظ العقل.
الثاني: المقاصد الحاجية، وهي ما يقع محلَّ الحاجة، ولم يصل إلى

٤٥
المقدمة
الضرورة لغرض التوسعة، ورفع الضيق المودِّي إلى المشقة والحرج، والذي يرفعه
إباحةُ البيوع، والإجارات، والمشاركات، وسائر المعاملات، والتمتُّع بالطيِّبات.
الثالث: المقاصدُ الكماليَّة، ويندرجُ تحتها محاسنُ العادات، وكلُّ ما
فوقَ الحاجيَّات من التحسينيَّات .
الاجتهاد:
الاجتهاد: هو بذلُ الفقيه وُسْعَهُ في نيل حكم شرعيٍّ عمليٍّ بطريقة
الاستنباط، ومعنى ((بذل الوسع)): أن يأتي بكل ما يستطيعُ للوصولِ إلى معرفة
الحكم الشرعيِّ حتى يُحِسُّ من نفسه العجزَ عن طلب الزيادة.
ولابد أن يكون مَنْ بَذَلَ جهده لطلبِ الحكم الشرعيِّ فقيهًا؛ لأن غير
الفقيه ليس فيه من المؤهِّلات ما يوصِّله إلى المطلوب، فلا يعتبر اجتهاده، ولا
يسمَّى مجتهدًا؛ كما لو بذل شخصٌ لم يتعلَّم الطب كلَّ ما في وسعه لمعرفةٍ
مرضٍ باطنيٍّ في مريضٍ خاصٍّ، وَعَمِلَ العلاجَ اللازمَ لهذا المرض.
شروط المجتهد:
اشترَطَ الأصوليُّون في المجتهدِ شروطًا إذا توافَرَتْ فيه، كان أهلاً
للاجتهاد، وهذه خلاصتها :
الأول: أن يكون عالمًا بالكتاب لغةً؛ بمعرفة مفرداته، ومركَّباته وخواصِّها،
وذلك باطِّلاعه على مفردات اللغة، والصرف، والنحو، والبيان، والمعاني،
بطريق التعلّم والممارسة بالكلام الجيِّد من كلام العرب.
الثاني: أن يكون عالمًا بالسنَّة؛ بأن يعرفها بمتنها، وهو نَفْسُ الحديث،
وسندِهَا، وهو طريقُ وصولها إلينا، ومعرفة حال الرواة من الجرح
والتعديل ... ويكتفي بتعديلِ الأئمة الموثوق بهم؛ كالإمام أحمد، والبخاري،
ومسلم، وغيرهم من أئمة السنة الكبار.
الثالث: أن يكون ذا معرفةٍ تَامَّة بأصولِ الفقهِ مِنْ معرفةِ العامِّ والخاص،

-
٤٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
والمطلق والمقيّد، والمجمَلِ والمبيَّن، والناسخ والمنسوخ، وطريقة الجمع،
والترجيحِ في النصوص التي ظاهرُهَا التعارضَ، وغير ذلك مما يحتاجُ إلَيه
المجتهد، وما هو مبيَّن في مَحَالِّهِ من كتب الأُصول.
فإذا توافرتْ هذه الشروط في عَالِمٍ، وآتاه الله تعالى الفَهْمَ الصحيحَ لنصوص
كتابه وسنة رسوله وَله، واستعان بالله تعالى، وأكثر البحثَ والمراجعةَ، ثم
استعان بكلام الأئمّة السابقين والعلماء الأقدمين -: فإن الله تعالى سيوفِّقه.
ولذا ندركُ خطأ من قال: ((إنَّ بابَ الاجتهاد مقفول))، بل هو مفتوح،
ولكن بمفتاحه المُعَدِّ له، كما ندرك خطأ شباب جاهل زَجَّ بنفسه في هذا الميدانِ
الخَطَرِ بلا سلاح.
فنسأل الله تعالى الهدايةَ للجميع، والله أعلم، وصلَّى الله وسلّم على نبيِّنا
محمد وعلى آله وصحبه وسلِّم .

الأصل الثالث
في
القواعد الفقهية

٤٩
المقدمة
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
أما بعد :
فهذه القواعدُ وشرحها قد استقيناها من عدة مصادر مِنْ كتب القواعد، إلاَّ
أننا أجرَيْنا في كلِّ ما اطَّعنا عليه مِنَ المصادر بعضَ التصرُّفات من الاختصار
والتعديل والتوضيح؛ لتكون ملائمةً لمن يريد الفائدة القريبةَ، والثمرة الدانية.
تعریف و تاريخ:
القاعدة لغة: هي أساس الشيء؛ كالبناء ونحوه.
واصطلاحًا: هي حكمٌ أغلبيُّ ينطبقُ على معظم جزئيًّاته.
فهي أصول فقهية كلية في نصوص موجزة؛ تتضمَّن أحكامًا تشريعية عامة.
وتمتاز في صياغتها - على عمومها - بالإيجاز.
وهي أحكامٌ أغلبيةٌ غيرُ مطَّردة؛ لأنها تصوّر الفكرة الفقهية المبدئية التي
تعبِّر عن المنهاج القياسي العام، والقياسُ كثيرًا ما ينخرم في بعض المسائل إلى
حلول استحسانيّة؛ ولذا فإنها لا تخلو من استثناءات في فروع الأحكام
التطبيقية؛ إذ يرى الفقهاء أن تلك الفروع المستثناة من القاعدة هي أليق
بالتخريج علی قاعدة أخرى.
ولكنْ كونُ القواعدِ أغلبيةٌ لا يَنْقُصُ من قيمتها العلمية؛ فإن فيها تصويرًا
بارعًا للمقرَّرات الفقهية العامة، وضبطًا لفروع الأحكام العملية، تبيِّن في كل
زمرة من هذه الفروع وحدةَ المناط، وجهةَ الارتباط.
قال القرافي: وقواعد الفقه عظيمةُ النفع، وبقدر الإحاطة بها يعظُمُ قدر
الفقيه، وتتضحُ له مناهجُ الفتوى، وَمَنْ أخذ الفروعَ الجزئية دون القواعدِ
الكليّة، تناقضت عليه تلك الفروع واضطربت .
أما مَنْ ضبَطَ الفقهَ بقواعده، فإنه يستغني عن ضبط أكثر الجزئيات؛

-
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
لاندراجها في الكليات، وتناسَبَ عنده ما تضارَبَ عند غيره.
والقواعد الفقهية لم توضَعْ كلُّها جملةً واحدة؛ بل تكوَّنت نصوصها
بالتدرُّج في عصور ازدهار الفقه ونهضته؛ على أيدي كبار فقهاء المذاهب؛
استنباطًا من دلالات النصوص التشريعية العامة وعلل الأحكام.
ولا يعرفُ لكلِّ قاعدة صانعٌ معيّن من الفقهاء، إلاَّ ما كان منها نصُ
حديث نبوي؛ مثل قاعدة: ((لا ضرر ولا ضرار))، فمعظم تلك القواعد قد
اكتسبت صياغتها عن طريق التداول والتحرير على أيدي الفقهاء في مجال
التعليل والاستدلال؛ فالتعليل للأحكام أعظَمُ مصدر لتقعيد هذه القواعد.
ولعلَّ أقدم من جمَعَ أهمَّ القواعد هو العلَّمةُ أبو طاهرِ الدبَّاس الحنفيُّ؛
فقد جمع سبع عشرة قاعدة.
ثم صنّف الكرخي فيها رسالةً خاصَّةً جاءت بسبع وثلاثين قاعدة، وهكذا
إلى أن جاء السبكيُّ بكتابه ((الأشباه والنظائر))، فبسط القول فيها وفرّعه.
ثم جاء الزركشي فصنَّ فيها كتابًا سمّاه ((المنثور في ترتيب القواعد
الفقهية))، ثم تابعه الخادمي بمجموع جمع فيه طائفةً كبيرة من تلك القواعد.
وقد ألَّف في هذه القواعد عددٌ كبيرٌ من فقهاء المذاهب من أمثال
السيوطي الشافعي في كتابه ((الأشباه والنظائر))، والقرافي المالكي في كتابه
((الفروق))، وابن رجب الحنبلي في كتابه ((القواعد الفقهية)).
قال الشيخ مصطفى الزرقاء: أما قواعدُ المَجَلَّة، فكلُّها قواعدُ كلية ذات
صياغة فنية، غير أن فيها شيئًا من الترادُفِ أو التداخُلِ مع غيره.
ثم إنَّ الشيخ أحمد الزرقاء والدَ الشيخ مصطفى الزرقاء درَّس تلك
القواعد، وعُنِيَ بها عنايةً تامّة، وأطال البحثَ والتفتيش فيها، فألَّف فيها كتابه
القيم ((شرح القواعد الفقهية)) الذي هذَّب فيه تلك القواعد - المائة - ثم شرحها
فيه شرحًا جامعًا وافيًا، يغني كلَّ باحث فيها عمَّا سواه في هذا الباب، ، والله الموفِّق.

٥١
المقدمة
معنى القواعد الفقهية
القواعد: جمع قاعدة، وهي لغةً: أساس البناء.
واصطلاحًا: حكمٌ أغلبيُّ ينطبق على معظم جزئياته؛ لتعرف أحكامها
منه، فأحكامها ليست كليةً بل هي أغلبية؛ ذلك أن بعض فروع تلك القواعد
يعارضها أثر أو ضرورة أو قيد أو علة مؤثِّرة؛ فتخرجها عن الاطراد، فحكم
عليها بالأغلبية لا بالاطراد.
مَيْزَاتُهَا:
تمتاز القواعدُ الفقهية بمزيدٍ من الإيجاز في صياغتها على عموم معناها،
فتعتَبَرُ من جوامع الكلمٍ كقولهم: ((الأمور بمقاصدها))، أو ((المشقة تجلب
التيسير))؛ فكل منَ هاتين الجملتين قاعدة كلية كبرى يندرج تحتها ما لا يحصى
من المسائل الفقهية المختلفة.
وفي هذه القواعد الكلية الفقهية ضَبْطٌ لفروع الأحكام العملية.
قال القرافي: القواعدُ الكليّة الفقهيّة جليلةٌ القدر، مشتملة على أسرار
الشَّرْع وحِكَمِهِ، فهي مهمةٌ في الفقه، عظيمةُ النفع، وبقدر الإحاطة بها يعظم
قدر الَفقيه، وتتضحُ له مناهج الفتوى، فمن ضَبَطَ الفقهَ بقواعده، استغنَى عن
حفظ أكثر الجزئيَّات؛ لاندراجها في سلك الكليات.
أنواع القواعد الفقهية ومراتبها:
القواعد الفقهية ليستْ على درجةٍ واحدةٍ من العموم والشمول، فهناك
القواعدُ الكبرى، وهي قواعدُ خمسٌ يندرجُ تحت كلِّ واَحدة منها عددٌ من
القواعد الفقهية، فهي أشملُ وأعمُّ مما سواها؛ بكثرة ما يندرج تحتها من الفروع
والمسائل الفقهية من مختلف أبواب الفقه.
وهذه القواعد الخمس هي :

٥٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١ - الأمور بمقاصدها.
٢ - اليقين لا يزول بالشك.
٣-الضرر يُزال.
٤- المشقة تجلب التيسير.
٥- العادة محكَّمة.
وهناك قواعد أخر أقلُّ شمولاً للفروع من هذه القواعد، وتسمَّى ((قواعد
جزئية))، وستأتي إن شاء الله تعالى.
الفرق بين القاعدة، والضابط:
القاعدة قد تستعمل بمعنى الضابط، والضابط قد يستعمل بمعنى
القاعدة، إلاّ أن بينهما فرقين :
أحدهما: أن القاعدة تَجْمَعُ فروعًا من أبوابٍ شتى، وأما الضابط فلا
يجمع إلاّ فروعًا من باب واحد.
الثاني: أن القاعدة متفقٌ عليها بين المذاهب أو أكثرها، وأما الضابط
فيختصُّ بمذهب معيَّن، وقد أجملناها كلَّها باسم القواعد من باب تسمية
البعض باسم الكل، وهو سائغٌ لغة وشرعًا وعرفًا .
الفرق بين أصول الفقه، والقواعد الفقهية:
علم «أصول الفقه)): مجموعةٌ من القواعد التي تبيِّن للفقيه طُرُقَ
استخراج الأحكام من الأدلّة الشرعية، فهو يبيِّن أصل الشريعة في التكاليف
العملية، ويرسم المناهج للمجتهد؛ ليسير في سبيل قويم إلى استنباط
الأحكام الفرعية، ويعصمه من الخطأ في الاستنباط.
فموضوع ((علم أصول الفقه)) الأدلَّةُ الإجماليَّةُ، والأحكام الكلية،
وكيفية استنباط الحكم من الدليل الإجمالي.
وأما القواعد الفقهية: فهي مجموعة من الأحكام المتشابهة التي ترجع

٥٣
المقدمة
إلى قياس واحد يجمعها، أو إلى ضابطٍ فقهيٍّ يربطها، فهي أصلٌ للأحكام
الفقهيّة الجزئيَّة المتفرِّقة يَعْمِدُ إليها الفقيه؛ فيجمع شتاتَهَا ويربط بين جزئياتها
برباط وثيق هو (القاعدة الفقهية)) التي تحكمها؛ فهي مبنية على الجمع بين
المسائل المتشابهة من الأحكام الفقهية.
فموضوع علم هذه القواعد: هو ما تشابَهَ من المسائل والأحكام الفقهيّة،
وما يربطُ كلَّ مجموعة متشابهة منها من قياس أو ضابط فقهي هو ((القاعدة))،
أما ((أصول الفقه)): فينبني عليه استنباطُ الفروع الفقهية من أدلتها .

٥٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
القواعد الكلية الخمس الكبرى
تقدَّم لنا أن ((القواعد الفقهية)) ليستْ على درجةٍ واحدةٍ من العموم؛ فهناك
قواعد كبرى، وهناك قواعد أُخر أقلُّ منها شمولاً للفروع، وهذا بيان للكبرى
والإشارة إلى بعض معانيها :
القاعدة الأولى من القواعد الكبرى: (الأمور بمقاصدها):
دليلها: قوله وَله: ((إنما الأعمال بالنيات)).
معنى القاعدة لغة: الأمور جمع أمر، وهو الحال، والمقاصد: جمع
مقصد، ومعناه: الإرادة والعزم.
والمعنى: أن أعمال المكلَّف وتصرفاته تختلفُ نتائجها باختلافِ مقصودٍ
الشخص وغايته؛ فمن التَّقَطَ لُقَطةً يقصد أخذَهَا لنفسه، كان غاصبًا، ومن
التقطها لحفظها وتعريفها وردِّها لصاحبها متى ظهر، كان أمينًا .
وكما أن الفعل يتكيّف حكمه في أحكام الدنيا بناءً على قصد فاعله،
فكذلك يترتَّب عليه من جزاء الآخرة بالثواب والعقاب حَسَبَ قصده.
وهذه القاعدة على وجازتها ذاتُ معنَى عامٌّ يشملُ كل ما يصدر عن
الإنسان من قول أو فعلٍ.
القاعدة الثانية من القواعد الكبرى: (لا ضرر ولا ضرار):
هي نَصٌّ من حديث أخرجه الحاكم، والبيهقي، والدار قطني، عن عبادة
ابن الصامت .
معنى القاعدة: الضررُ: إلحاقُ مفسدةٍ بالغير، وأما الضرارُ: فالمجازاة
بالمقابلة، وحرم الضرر لأنه تعدٍّ، وحرم الضرار؛ لأنه مفسدة بلا مصلحة،
وأفضل منه تضمين المتعدِّي، كما في حديث قَصْعة عائشة - رضي الله عنها -.
هذه القاعدة ركنٌ من أركان الشريعة لها أدلَّةٌ كثيرة من الكتاب والسنّة،

٥٥
المقدمة
وهي أساسٌ لمنع الفعل الضار؛ كما أنها أصلٌ لمبدأ جلب المصالح ودرء
المفاسد، وهي عمدة الفقهاء في تقرير الأحكام الشرعية للحوادث.
وعلى هذه القاعدة: يبنى كثير من أبواب الفقه؛ كالرد بالعيب، والحَجْرِ
بأنواعه، والشفعة، والحدود، والقصاص، والكفارات، وضمان المتلفات،
ودفع الصائل، وقتال البُغاة، إلى غير ذلك مما في حكمة شرعيته دفع للضرر.
القاعدة الثالثة من القواعد الكبرى: (اليقين لا يزول بالشك):
من أدلة هذه القاعدة: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِى مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس:
٣٦]، وفي الصحيحين: ((شكا إليه ◌َّ الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في
الصلاة؟ قال: لا ینصرف حتی یسمع صوتًا أو یجد ريحًا)).
وفي مسلم: ((إذا شكَّ أحدكم في صلاته، فلم يَدْرِ كَمْ صَلَّى ثَلاثًا أو
أَرْبعًا؟ فَلْيَطْرَح الشّكَّ وَلْيَبْنِ على ما استيقَنَ)).
أما الدليل العقلي: فإن اليقين أقوى من الشك؛ فلا ينهدم اليقين بالشك.
معنى القاعدة في اللغة: اليقين: طمأنينة القلب على حقيقة الشيء،
والشك: مطلَقُ التَُّدد.
وفي اصطلاح الأصوليين: الشك: هو استواءُ طرفي الشيء بلا ترجيح
أحدهما على الآخر.
معنى القاعدة في الاصطلاح الفقهي: أن الأمر المتيقّن ثبوته لا يرتفع إلاَّ
بدليل قاطع، ولا يحكمُ بزواله لمجرَّد الشك، كذلك الأمر المتيقّن عدم ثبوته لا
يحكم بثبوته بمجرد الشك؛ لأن الشك أضعف من اليقين.
مكانة القاعدة: هذه القاعدةُ تدخُلُ في جميع أبواب الفقه، قالوا: إن
المسائلَ المخرَّجَة عليها تبلغ ثلاثة أرباع الفقه وأكثر.
القاعدة الرابعة من القواعد الكبرى: (المشقة تجلب التيسير):
المعنى اللغوي: المشقة: التعب والجهد والعناء. والتيسير: السهولة

٥٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
والليونة .
المعنى الاصطلاحي: أن الأحكام التي ينشأ عن تطبيقها حَرَجٌ على المكلّف،
فإن الشريعة تخفِّفها بما يقعُ تحت قدرة المكلّف دون عسر أو إحراج.
دليل القاعدة: أدلتها كثيرة جدًّا من الكتاب والسنة؛ قال تعالى: ﴿لَا
يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اٌلْيُسْرَ وَلَا
يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقال ◌َله: (بُعثت بالحنيفية السمحة)) [أخرجه
أحمد]، وقال وَالَ: ((إنما بعثتم ميسرين، ولم تُبْعَثوا معسِّرين)) [متَّفق عليه].
القاعدة الخامسة من القواعد الكبرى: (العادة محكّمة):
المعنى اللغوي: العادة مشتقةٌ من العَوْدِ أو المعاودة، بمعنى التكرار،
فالعادةُ اسمٌ لتكرير الفعل حتى يصير سهلاً تعاطيه كالطبع، وأما ((محكمة)):
فهي اسم مفعول من التحكيم في القضاء، والفَصْلِ بين الناس، أي: أن العادة
هي المرجعُ للفصل عند النزاع.
المعنى الاصطلاحي: أن للعادة في نَظَرِ الشرع حاكميَّةً تخضع لها أحكام
التصرُّفات، فتثبت تلك الأحكام على وَفْقِ ما تقضي به العادة أو العرف إذا لم
يكن هناك نصُّ شرعيٌّ مخالفٌ لتلك العادة أو العرف، فالعادةُ والعرفُ لفظان
بمعنى واحد مِنْ حيثُ ما يدلُّ عليهما لفظاهما وَيَصْدُقان عليه، حتى تكون
العادة والعرف حجةً وحكمًا.
يعتبر العرف والعادة حجةً عند عدم مخالفتِهِ لنصِّ شرعيٍّ، أو شرط لأحد
المتعاقدين؛ كما لو استأجر شخص آخرَ ليعمل له من الظهر إلى العصر فقط،
فليس للمستأجر أن يلزمَ الأجير بالعمل من الصباح إلى المساء بحجةٍ أنَّ عُرف
البلدة كذلك، بل يتبعُ المدَّةَ المشروطة بينهما.
إذا وافق العرفُ والعادةُ الدليلَ الشرعيَّ، وجبت مراعاته وتطبيقه.
وإذا خالف العرفُ الدليل الشرعي من كل وجه، وجب رد العرف والعادة،

٥٧
المقدمة
فلا يعتبران حكمًا لإثبات حكم شرعي إلاّ إذا لم يَرِدْ نصٌّ في ذلك الحكم المراد
إثباته .
وأما إن كانت مخالفةُ العرفِ للدليل الشرعيِّ في بعض أفراده، أو كان
الدليل الشرعي قياسًا، فإنَّ العرفَ العامَ يعتبر مخصِّصًا للنصِّ، ويترك القياس
من أجله.
ضابط عام: كل ما وَرَدَ به الشرعُ مطلقًا، ولا ضابط له في الشرع ولا في
اللغة، فإنه يرجع فيه إلى العرف، مثل: الحِرْزِ في السرقة؛ فهو ما يعتبر حده في
العرف حيث لا تحديد له في الشرع ولا في اللغة، ويختلف بين مال ومال،
وبین حال وحال.

٥٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
قرار المجمع الفقهي بشأن موضوع العرف
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسَّلام على سيِّدنا محمد خاتم النبيين
وعلى آله وصحبه.
قرار رقم (٩) بشأن العرف:
إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الخامس بالكويت
من ١ إلى ٦ جمادى الأولى ١٤٠٩ هـ/ ١٠ إلى ١٥ كانون الأول (ديسمبر) ١٩٨٨ م.
بعد اطِّلاعه على البحوث المقدَّمة من الأعضاء والخبراء في موضوع
(العرف)) واستماعه للمناقشات التي دارت حوله.
قرّر:
أولاً: يراد بالعرفِ: ما اعتادَهُ الناسُ، وساروا عليه من قولٍ أو فعلٍ أو تركٍ، وقد
یکون معتبرًا شرعًا أو غير معتبر.
ثانيًا: العرف إن كان خاصًّا، فهو معتبر عند أهله، وإن كان عامًا، فهو معتبر في
حق الجميع.
ثالثاً: العرف المعتبر شرعًا هو ما استجمع الشروط الآتية:
( أ) أن لا يخالف الشريعة، فإن خالف العرف نصًّا شرعيًّا، أو قاعدة من
قواعد الشريعة، فإنه عرفُ فاسدٌ.
(ب) أن يكون العرف مطردًا (مستمرًّا) أو غالبًا.
(ج) أن يكون العرف قائمًا عند إنشاء التصرف.
(د) أن لا يصرح المتعاقدان بخلافه، فإن صرَّحا بخلافه، فلا يعتد به.
رابعًا: ليس للفقيه - مفتيًا كان أو قاضيًا - الجمودُ على المنقول في كتب الفقهاء
من غير مراعاة تبدُّل الأعراف، والله أعلم.

٥٩
المقدمة
القواعد الكلية غير الكبرى
القاعدة الأولى: (إعمال الكلام أولى من إهماله):
المعنى اللغوي: إعطاءُ الكلام حكمًا مفيدًا مقتضاه اللغويَّ أولَى من
إلغائه؛ فإنَّ العاقلَ يصانُ كلامه عن الإلغاء ما أمكن.
أما المعنى الفقهي: فهو إعمالُ كلام المتكلُّم من شارع أو عاقدٍ أو حالفٍ
أو غيرهم بأن تُحْمَلَ ألفاظه على معانيها الحقيقية.
فلو قال شخصٌ لآخر: وهبتك هذا الشيءَ، فأخذَهُ المخاطَبُ، ثم اذَّعى
القائلُ أنه ما أراد بلفظ الهبة إلاَّ البيع، وطلَبَ يمينًا، فإنه لا يُقْبَلُ قوله؛ لأن
الأصل في الكلام الحقيقة، وحقيقةُ الهبة تمليكٌ بدون عوض.
القاعدة الثانية: (إذا تعذرت الحقيقة يُصار إلى المجاز):
المعنى: الحقيقة هي الأصلُ، والمجاز فرع الحقيقة، فحيث كان المجاز
خَلَفًا عن الحقيقة، فإنه يتعيَّن المعنى الحقيقي للفظ ما لم يوجَدْ مرجِّحٌ للمجاز.
ويشترط في اللفظ المستعمَلِ في معناه المجازيِّ وجودُ قرينةٍ مانعةٍ من
إرادة المعنى الحقيقيِّ، كأن يكونَ المعنى الحقيقيُّ مهجورًا عرفًا:
فلو حلَفَ شخصٌ أن لا يأكُلَ هذا الدقيق، فأكل منه خبزًا، حنث؛ لأن
أَكْلَ الدقيق دون خَبْزه مهجورٌ عُرْفًا .
القاعدة الثالثة: (المطلق يجري على إطلاقه ما لم يقم دليل التقييد نصًّا
أو دلالة):
اللفظ المطلق: هو ما دل على أمرٍ من الأمور مجردًا عن القيود.
وأما اللفظ المقيّد: فهو الذي يكون محدَّدًا بشيء من القيود.
فلفظ فرس - مثلاً - مطلق، فإذا قلنا: فرسٌ أبيض، صار مقيَّدًا.
ومعنى القاعدة: أن اللفظ المطلق يعمل به على إطلاقه حتى يقومَ دليلُ

٦٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
التقييد بالنص عليه أو بدلالة الحال.
فلو وكَّل شخصٌ آخر على شراء سيّارة، فاشتراها حمراء، فقال الموكِّل:
أردتُ بيضاء، فيُلْزَمُ الموكِّل بما اشتراه الوكيل؛ لأن وكالته مطلقة؛ فيجري على
إطلاقه .
حالات التقييد :
التقييد بالنصِّ: هو اللفظ الدالُّ على القيد؛ كما لو قال لوكيله: بع السلعة
بالدولار.
التقييد بالدلالة: والدلالةُ غير اللفظية تكونُ عرفيةً أو حاليةً.
كما لو وكَّل طالبُ علم شرعي آخرَ بشراء كتب، فاشترى له كُتُبَ
هندسة، فإن المبيعات لا تلزمُ الموكِّل؛ لأن دلالة الحال تفيدُ وتقيِّد أن مراده
كُتُبُّ العلم الشرعي.
القاعدة الرابعة: (التأسيس أولى من التأكيد):
المعنى اللغوي: التأسيس: مِنْ أسَّس البناء: جعل له أسًّا ، والتأكيد:
معناه التقوية .
المعنى الاصطلاحي: أن الكلام إذا دار بين أن يفيد معنى جديدًا، وبین أن
يوكِّد معنى سابقًا، كان حمله على إفادة المعنى الجديد أولى من حمله على
التأكيد؛ لأن التأسيس يفيد معنى جديدًا لم يتضمَّنه الكلام السابق، بخلاف
التأكيد، فإنه لا يفيد إلاَّ إعادة معنى اللفظ السابق.
فمن حلف على أمرٍ بأنه لا يفعله، ثم حلف مرة أخرى أنه لا يفعله أبدًا،
ثم فعله: فإن نوى بالثاني اليمين الأولى، فعليه كفَّارة واحدة، وإن نوى باليمين
الثاني يمينًا آخر، فعليه كفارة يمينين.
القاعدة الخامسة: (إذا تعذّر الأصل يُصار إلى البدل):
المعنى: الأصل - هنا -: ما يجب أداؤه، والأداء: الإتيان بالأصل، أما