Indexed OCR Text
Pages 801-820
٧٤٣ واعلم أنَّ الدارقطني وغيرَهُ من أئمة النقد لم يتعرَّضوا لاستيفاءِ النقدِ فيما يتعلَّقُ بالمتن، كما تعرَّضوا لذلك في الإِسناد، وذلك لأنَّ النقدَ المتعلّقَ بالإِسنادِ دقيقٌ غامضٌ، لا يُدرِكُه إلَّ أفرادٌ من أئمةِ الحديثِ المعروفين بمعرفةٍ عِلَلِه، بخلاف النقدِ المتعلِّقِ بالمتن، فإنه يُدرِكُه كثيرٌ من العلماءِ الأعلام، المشتغلين بالعلوم الشرعية، والباحثين عن مسائلها الأصلية والفرعية، ككثير من المفسرين والفقهاءِ وأهلِ أصولٍ الفقه وأصول الدين. وقد وَهِمَ هنا أناسٌ فَظَنَّ بعضُهم أنَّ المحدِّثَ ليس له أن يَتعرَّض للنقدِ من جهة المتن، فكأنه توهَّمَ ذلك من جعلهم وظيفةَ المحدِّثِ التعرُّضَ للنقدِ من جهة الإِسناد أنه يُمنعُ من التعرُّضِ للنقدِ من جهةِ المتن. مع أنَّ مقصودَهم بذلك بيانُ أنَّ النقدَ من جهةِ الإِسناد هو من خصائصِه، لعدم اقتدارٍ غيره على ذلك. فينبغي له أن لا يُقصِّرَ فيما يُطلَبُ منه. فإذا قام بذلك فله أن يَتعرَّضَ للنقدِ من جهة المتنِ إذا ظهَرَ له في المتنِ علَّةٌ قادحة فيه، فحكمُهُ حكمُ غيرِهِ فكما أنَّ غيرَه له أن يَتعرَّضَ للنقدِ من جهةِ المتن إذا ظهَرَ له ما يُوجِبُه، فله هو ذلك إذا ظَهَر له ما يُوجِبُه، بل هو أرجَحُ من غيرِهِ. وقد تعرَّض كثيرٌ من أئمةِ الحديث للنقدِ من جهة المتن، إلاّ أنَّ ذلك قليل جداً بالنسبة لما تعرَّضوا له من النقدٍ من جهة الإِسنادِ لما عَرفتَ. فمن ذلك قولُ الإِسماعيليِّ - بعدَ أن أورَدَ الحديثَ الذي رواه البخاريُّ عن ابن أبي أُوَيْس، عن أخيه، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المَقْبُي، عن أبي هريرة، قال: يَلْقَى إبراهيمُ أباه آزَرَ يومَ القيامة وعلى وَجْهِ آزَرَ قَتْرَة، الحديث -: هذا خبرٌ في صحتِه نظرٌ من جهةٍ أنَّ إبراهيم عالمٌ بأنَّ الله لا يُخْلِفُ الميعادَ، فكيف يجعلُ ما بأبِيهِ خِزياً له، مع إخبارِهِ بأنَّ الله قد وعَدَه أن لا يُخْزِيَه يَومَ يُبعَثُون، وأعلمه بأنه لا خُلْفَ لوَعْدِه. وقد أعلَّ الدارقطني هذا الحديثَ من جهة الإِسناد فقال: هذا رواه إبراهيم بن ٧٤٤ طَهْمَان، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقْبُري، عن أبيه، عن أبي هريرة. وأُجِيبٌ عن ذلك بأنَّ البخاريَّ قد عَلَّق حديثَ إبراهيم بن طَهْمَان في التفسير، فلم يُهُمِلَ حكايةً الخلافِ فيه . وينبغي للناظر في الصحيحين أن يَبحثَ عما انتُقِدَ عليهما من الجهتين، فبذلك تَتِمُّ له الدرايةُ فيما يتعلَّقُ بالرواية. الأمرُ الثالث(١) قد أشار مسلم في أول مقدمة صحيحه(٢) إلى الباعثِ له على تأليفِه، وإلى ما يُريدُ أن يُورِدَهُ فيه من أقسام الحديث حيث قال: الحمدُ لله رب العالمين، والعاقبةُ للمتقين، وصلى الله على خاتم النبيين، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين: أما بعدُ فإنك يَرحمك الله بتوفيقٍ خالِفِك ذكرتَ أنك هَمَمتَّ بالفحص عن تعرُّفِ الأخبارِ المأثورةِ عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في سُنَنِ /٣٣٥ الدين وأحكامِه، وما كان منها في الثواب والعقاب والترغيب والترهيب وغیر / ذلك من صنوفِ الإِسناد، بالأسانيدِ التي بها نُقِلَتْ وتداوَلهَا أهلُ العلم فيما بينهم، فأردتُ أرشدَك اللَّهُ أن تُوقَفَ على جملتِها مؤلَّفةً مُحصاةً. وسألَتني أنْ أُلْخِّصَها لك في التأليفِ بلا تكرارٍ يَكْثُر، فإنَّ ذلك زعمتَ يَشغلُكِ عما له قَصَدتَ من التفهُّمِ فيها والاستنباطِ منها، والذي سألتَ أكرمك الله حينَ رَجَعْتُ إلى تدبُّرِهِ وما يؤولُ إليه الحالُ إن شاء الله عاقبةٌ محمودة، ومنفعةٌ موجودة. وظننتُ حين سألتني تجشُّمَ ذلك أن لو عُزِمَ لي عليه، وقُضِيَ لي تمامُه، كان أوَّلَ من يُصِيبُه نفعُ ذلك إياي خاصّةً قبل غيري من الناس، لأسبابٍ كثيرةٍ يطولُ بذكرها الوصفُ، إِلَّ أنَّ جملةَ ذلك أنَّ ضبطَ القليل من هذا الشأن وإتقانَه أيسَرُ على المرءِ من معالجة الكثير منه، ولا سيما عند من لا تمييزَ عنده من العوام إلّ بأن يُوقِفَه على التمييز غیرُه . (١) أي من الأمور التي أحبَّ المؤلف أن يُنَبِّهَ الطالب عليها، وأولها في ص ٧٢٧، وثانيها في ص ٧٢٩، وهذا الأمرُ الثالث منها وهو الأخير. (٢) ١: ٤٣. وتصرَّف المؤلف بعضَ الشيء فيما نقله من مقدمة صحيح مسلم. ٧٤٥ وإذا كان الأمرُ في هذا كما وصفنا، فالقصدُ منه إلى الصحيحِ القلیلِ أُولَى بهم من ازديادِ السقيم، وإنما يُرجَى بعضُ المنفعةِ في الاستكثارِ من هذا الشأن وَجَمْعٍ المكرراتِ منه لخاصَّةٍ من الناس، من رُزِقَ فيه بعضَ التيقظِ والمعرفةِ بأسبابِهِ وعِلَلِه، فذلك إن شاء الله يَهْجُمُ بما أُوتِيَ من ذلك على الفائدةِ في الاستكثار من جْعِه، فأما عَوَامُ الناس الذين هم بخلاف مَعَانِي الخاصِّ من أهل التيقظِ والمعرفةِ، فلا مَعْنَى لهم في طلب الكثير وقد عَجَزوا عن معرفةِ القليل. ثم إنا إن شاء الله مبتدِئون في تخريجِ ما سألتَ عنه وتأليفِه، على شريطةٍ سوف أذكُرُها، وهو أنَّا نَعمِدُ إلى جملةِ ما أُسنِدَ من الأخبار عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فنَقْسِمُها على ثلاثةِ أقسامٍ وثلاثٍ طبقات من الناس، على غير تكرار إلّا أن يأتيَ موضعٌ لا يُستغنى فيه عن تردادِ حديثٍ فيه زيادةُ معنىٍّ، أو إسنادٌ يقَعُ إِلى جَنْبٍ إسنادٍ، لعلةٍ تكون هناك، لأن المعنى الزائدَ في الحديثِ المحتاجَ إلیه یقومُ مقام حدیثٍ تام، فلا بُدَّ من إعادةِ الحديثِ الذي فيه ما وصفنا من الزيادة، أو أن يُفضَّلَ ذلك المعنى من جملةِ الحديث على اختصارِه إذا أمكن، ولكن تفصيلُه ربما عَسُرَ من جملتِهِ، فإِعادتُهُ بهيئتِهِ إذا ضاق ذلك أسلم. فأمَّا ما وجدنا بُدّأَ من إعادتِهِ بجملتِهِ من غير حاجة منا إليه، فلا نتولَّ فَصْلَهُ إِن شاء الله تعالى. فأمَّا القسمُ الأولُ فإِنَّا نتوخَّى أن نُقدِّمَ الأخبارَ التي هي أسلَمُ من العيوب من غيرها وأنقَى، من أن يكون ناقلوها أهلَ استقامةٍ في الحديث وإتقانٍ لما نقلوا، لم يُوجَد في روايتهم اختلافٌ شديد ولا تخليطُ فاحش، كما قد عُثِرَ فيه على كثيرٍ من المحدِّثين وبانَ ذلك في حديثهم . فإذا نحن تقصَّينا أخبارَ هذا الصنف من الناس، أتبعناها أخباراً يقَعُ في أسانيدِها بعضُ من ليس بالموصوفِ بالحفظِ والإِتقانِ كالصنف المقدَّمِ قبلَهم، على أنهم وإن كانوا فيما وصفنا دونَهم فإنَّ اسمَ السِّترِ والصِّدقِ وتعاطِي العِلم يَشمَلُهم، كعطاء بن السائب، ويزيدَ بن أبي زياد، وليثِ بن أبي سُلَيم، وأضرابِهِم من ◌ُمَّالِ İ ٧٤٦ الآثار ونُقَّالِ الأخبار، فهم وإن كانوا بما وصفنا من العِلم والسِّترِ عندَ أهل العلم معروفين، فغيرُهم من أقرانهم ممن عندهم ما ذكرنا من الإتقان والاستقامة في الرواية يَفْضُلونهم في الحالِ والمرتبة . ثم ذَكَر أنه لا يُخْرِجُ فيه الأحاديثَ المرويةَ عن قومٍ هم عندَ أهلِ الحديث أو عندَ الأكثرِ منهم مُتَّهِمُون، وكذلك مَنِ الغالبُ على حديثهم المنكَرُ أو الغلَطُ، وأنَّ علامةَ المنكَرِ في حديثٍ المحدِّثِ أن تُخالِفَ روايتُهُ روايةَ غيره من أهلِ الحفظِ، أو لا تكادُ توافِقُها، فإذا كان الأغلَبُ من حديثِهِ ذلك، كان مهجورَ الحديثِ غِيرَ مقبوله. ثم قال: وقد شرحنا من مذهب / الحدیثِ وأهلِه بعض ما یتوجّهُ به من أراد. سبيلَ القوم ووُفِّقَ لها، وسنزيد إن شاء الله تعالى شَرْحاً عندَ ذكرِ الأخبارِ المعلَّلة إذا أتينا عليها في الأماكنِ التي يَليقُ بها الشرحُ والإِيضاح إن شاء الله تعالى. /٣٣٦ وبعدُ يَرْحَمُك الله، فلولا الذي رأينا من سُوءٍ صَنِيع كثير ممن نَصَب نفسَه مُحدِّثً، فيما يَلزَمُهم منَ طَرْحِ الأحاديثِ الضعيفةِ والرواياتِ المنكرة، وتركِهم الاقتصارَ على الأحاديثِ الصحيحةِ المشهورةِ، مما نقَلَه الثقاتُ المعروفون بالصدقِ والأمانةِ، بعدَ معرفتِهم وإقرارِهم بألسنتهم أنَّ كثيراً مما يَقْذِفون به إلى الأغبياءِ من الناس هو مستنكرٌ، عن قومٍ غيرِ مَرْضِيِّين ممن ذَمَّ الروايةَ عنهم أئمةُ الحديث، مثلُ مالكِ بن أنس، وشعبة بنِ الحجاج، وسفيان بن عيينة، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وغيرهم من الأئمة، لَّا سَهُلَ علينا الانتصابُ لما سألتَ منْ التمييز والتحصيل، ولكن من أجلٍ ما أعلمناك من نَشْرِ القوم الأخبار المنكرةً بالأسانيدِ الضُّعَافِ المجهولةِ، وقَذْفِهِم بها إلى العوامِّ الذين لا يَعرفون عيوبها، خَفَّ على قُلُوبِنا إجابتُك إلى ما سألت. اهـ. وقد اختَلَفَ العلماءُ فيما ذكره مسلم هنا، وهو أنه يَقسِمُ الأحاديثَ ثلاثةً أقسام: الأولُ ما رواه الحُفَّاظ المتقِنون. والثاني ما رواه المستورون المتوسِّطون في ٧٤٧ الحفظِ والإِتقان. والثالثُ ما رواه الضعفاءُ والمتروكون، وأنه إذا فَرَغ من القسم الأول أَتَبَعَه الثانيَ، وأمَّا الثالثُ فلا يَتشاغَلُ به ولا يُعرِّج عليه. فقال بعضهم: إنَّ مسلماً كان أراد أن يُفرِدَ لكل قسم من القسمين كتاباً، فاخترَمَتْهُ المِنَّةُ قبلَ إخراج القسمِ الثاني، وإنه إنما أَتَ بالقِسم الأول. وقال بعضهم: إنَّ مسلماً قد ذَكَر في كتابِه حديثَ الطبقتين الأوليين، وأَتَى بحديثِ الثانيةِ منهما على طريقِ الإِتْباع للأولَى والاستشهادِ، أو حيثُ لم يَجِد للطبقةِ الأولَى شيئاً، وذَكَر فيه أقواماً - تَكلَّم فيهم قومٌ، وزَكَّهم آخرُون -، ممن ضُعِّفَ أو أَتُهِمَ ببدعةٍ، وخُرِّجَ حديثُهم(١). وكذلك فَعَل البخاري، وكذلك عِلَلُ الحديثِ التِي ذَكَر ووَعَدَ بأنه يأتي بها، فقد جاء بها في مواضعها من الأبواب، من اختلافهم في الأسانيد، كالإِرسالِ والإِسنادِ، والنقص والزيادةِ، وذكرٍ تصحيفِ المصحّفين، فيكونُ مسلم قد استَوفَ غَرَضَه في تأليفِهِ، وأدخل في كتابه كلُّ ما وعَدَ به، وهو ظاهرٌ لمن تأمَّل الكتابَ، وأمعَنَ النظرَ في كثيرٍ من الأبواب. وعلى هذا ينبغي لمن يشتغلُ بصحيح مسلم أن ينتبِهَ إلى ذلك، ليكونَ على بصيرةٍ في أمره. ومن تدبَّرَ الأمورَ التي ذكرنا أنَّ من يُرِيدُ معرفةَ الصحيحين كما ينبغي، ينبغي له أن يتنَبِّهَ إليها ويبحثَ عنها: تبين له أنه لا يُوجَدُ في مجموع شروحِهما المشهورةٍ، ما يفي بذلك، ولم يَستغرِب قولَ كثيرٍ من علماءِ المغرب: شَرْحُ كتابٍ البخاري ذَيْنٌ على الأُمَّة. يَعنون أنَّ علماء الأمَّة لم يَفُوا بما يجبُ له من الشرح على الوجه الذي أشرنا إليه. وقد ذَكَرَ بعضُ أرباب الأخبار - ممن أشرَف من كلِّ فَنٌّ من الفنونِ المشهورةِ على طَرَفٍ منها - أنَّ الناسَ إنما استصعبوا شَرْحَهُ، من أجلِ ما يَحتاجُ إليه من معرفةٍ (١) أي في ((الصحيح)). وعبارة القاضي عياض التي نقلها النووي في الفصل ١٣ من فصول مقدمته على ((شرح صحيح مسلم))، هكذا: (وذكّرَ - أي مسلمٌ - أقواماً تَكلُّم قومٌ فيهم، وزكَّاهم آخرون، وخُرِّجَ حديثهم، ممن ضُعِّفَ أواتُهِم ببدعة، وكذلك فَعَل البخاري). ٧٤٨ الطُّرُقِ المتعددةِ ورجالِها، من أهلِ الحجازِ والشامِ والعراقِ، ومعرفةِ أحوالهِم، واختلافِ الناس فيهم. وكذلك يَحتاجُ إلى إمعانِ النظر في تراجِهِ، فإنه يُتْرِجِمُ الترجمةَ، ويُورِدُ فيها الحديثُ بسندٍ وطريق، ثم يُترجِمُ أخرى وفيها ذلك الحديثُ بعينِه، لما تضمَّنَه من المعنى الذي تَرجَمَ به الباب. وكذلك في ترجمةٍ وترجمةٍ إلى أن يتكرَّرَ الحديثُ في أبوابٍ كثيرةٍ بحسب مَعانِیه واختلافِها . . . وأنَّ من شَرَحَهُ ولم يَستوفِ هذا لم يَفِ بحقِّ الشرح، / وأنَّ قولَ من قالوا: شَرْحُ البخاري دَينٌ على الأُمَّةَ. يَعنون به أنَّ أَحَداً من علماءِ الأمة لم يفِ بما يجبُ له من الشرح بهذا الاعتبار. ولا يَخْفَى أنَّ معرفةَ وجهِ الجمع بين الترجمةِ والحديث، ليس من الأغراض التي تَهُمُّ كثيراً طالبَ علم الحديث. على أنَّ المواضعَ التي لم يَظهر فيها وجهُ الجمعِ بين الترجمةِ والحديث هي قليلةٌ جداً. وسَبَبُ ذلك يَظهَرُ مما ذكره الباجيُّ في مقدمة كتابه في أسماء رجال البخاري(١)، حيث قال(٢): أخبرني الحافظُ أبو ذر عَبْدُ بنُ أحَدَ الحَرَوِي(٣)، قال: حدثنا الحافظ (١) واسمُه العَلَمي: ((التعديل والتجريح لمن خَرَّج له البخاري في الجامع الصحيح)) . (٢) ١ : ٣١٠. (٣) هذا هو الصواب في اسم هذا الحافظِ أبي ذرٍّ: (عبدُ بنُ أحمد الغَرَوِي)، ووقع في الأصل: (أبو ذر عبدُ الرحيم بنُ أحمد الهروي). ولفظ (الرحيم) هنا مقحَمٌ غلطاً، لأن اسم أبي ذُر الهروي: (عبدُ بنُ أحمد) كما في ترجمته في غير كتاب، ومنها ((تذكرة الحفاظ)) للذهبي ٣: ١١٠٣، ومنها كتابُ الباجي المحالُ إليه: ((التعديل والتجريح ... )) ١: ٣١٠، فقد جاء فيه: (أبو ذر عبدُ بنُ أحمد). ويقع في اسمِهِ التحريف أيضاً إلى (عبد الله بن أحمد) كما وقع هذا في أول ((فتح الباري)) للحافظ ابن حجر ١: ٦ من طبعة المطبعة السلفية ومن كل الطبعات: البولاقية وما بعدها. ويقع في اسمه التحريف أيضاً إلى (عبد الرحمن بن أحمد)، كما وقع ذلك في بعض الكتب. وسيب هذا أن النساخ يرون اسمَهُ (عبد بن أحمد)، فيظنون أنه سقط منه لفظُ الجلالة أو الرخيم أو الرحمن، فيضيفونه إلى (عبد)، فيقع هذا التحريف. /٣٣٧ ٧٤٩ أبو إسحاق إبراهيمُ بن أحمد المستملي، قال: انْتَسختُ كتابَ البخاري من أصلِهِ الذي كان عندَ صاحبِهِ محمدِ بن يوسف الفِرَبْرِي، فرأيتُ فيه أشياءَ لم تتمّ، وأشياءَ مبيّضةً، منها تراجِمُ لم يُثْبِتْ بعدَها شيئاً، ومنها أحاديثُ لم يُترجِم لها، فَأَضَفْنا بعضَ ذلك إلى بعض. قال الباجي: وإنما أوردتُ هذا هنا لما عُنِي به أهلُ بلدنا من طلبٍ معنىَّ يَجِمَعُ بين الترجمةِ والحديث الذي يليها، وتكلُّفِهم من ذلك من تعسُّفِ التأويل ما لا يَسوغ. قال الحافظ ابن حجر: قلتُ هذه قاعدةٌ حسنة، يُفْزَعُ إليها حيث يتعسَّرُ الجمعُ بين الترجمةِ والحديث، وهي مواضعُ قليلةٌ جداً، ستَظهَرُ كما سيأتي إن شاء الله تعالى. فالذي يَهُمُ طالبَ علمِ الحديثِ لذاتِهِ كثيراً في كلِّ بابٍ إنما هو معرفةُ ما صَحَّ فيه من الحديثِ، ومعرفةُ إسنادِهِ الذي تتوقّفُ عليه صحتُه. وأمَّا ما ذَكَرَهُ من معرفةٍ الطُرقِ المتعددةِ ورجالها، ومعرفةٍ أحوالهم واختلافِ الناس فيهم، فإنَّ هذا أمرٌ ليس بالصعبِ الوَعْرِ المسلَكِ، البعيدِ المُدْرَك، بل كثيرون ممن هم دُون شُرَّاحِهِ في معرفةٍ علوم الحديث يُحسنون ذلك، ويَقْدِرون على القيام بما يَلزمُ من ذلك. على أنَّ الشيخين لا سيما البخاريُّ لم يكونا ينظرانِ في التصحيح والتضعيف إلى مجرَّدِ الإِسناد، بل ينظرانِ إلى أمورٍ أخرى كما سَبَق بیانُه. فالواجبُ في الشرح الوافي بالَرام أن يكونَ فيه وراءَ ما ذُكِرَ: بَيَانُ دَرَجةٍ كلِّ حدیثٍ فیه، وبیَانُ وَجْهِ الجمع بينه وبين غیرِهِ إذا كان مُعارِضاً له عند إمكان الجمع، وبَيَانُ الراجحِ من المتعارِضينِ عندَ عدمِ إمكانٍ الجمع، إلى غير ذلك من المطالب المُهِمَّة . ولنرجِعْ إلى المقصودِ بالذات في هذا الفصل، وهو الروايةُ بالمعنى، فنقول: لا خلافَ في أنَّ الأولى إيرادُ الحديثِ بلفظِهِ دون التصرُّفِ فيه، إلا أنه قد يُضْطَرُّ في بعضُ المواضع إلى الروايةِ بالمعنى، وذلك فيما إذا لم يَستحضير الراوي اللفظَ، وإنما بَقِيَ معناه في ذهنِهِ، فلو لم تُجُوَّز له الروايةُ بالمعنى ضاع الحكم المستفادُ منه، فكان في ذلك مَفْسَدةً، لا سيما إن كان ذلك الحكمُ من الأحكامِ المُهِمَّةِ، التي تُضْطَرُّ إلى ٧٥٠ معرفتها الأمَّة، فلم يكن بُدُّ من تجويزِ الروايةِ بالمعنى في هذه الصورة. وشَرَطوا أن يكون الراوي بالمعنى من العارفين بمدلولاتِ الألفاظ، الواقفين على ما يُحِيلُ معانِيَها، بحيث إذا غيَّرَ الألفاظَ لم يَتغيّر معنى الأصل بوجهٍ من الوجوه. وشَرَط بعضُهم مع ذلك أن يُشِيرَ إلى أنَّ روايتَهُ قد حَصَلَتْ بالمعنى. إلَّ أنه بعدَ البحثِ والتتبع تبينَّ أن كثيراً ممن رَوَى بالمعنى قد قَصَّر في الأداء، ولذلك قال بعضهم: ينبغي سَدُّ بابِ الرواية بالمعنى، لئلا يتسلَّطَ من لا يُحسِنُ ممن يَظُنُّ أنه يُحسِن، كما وقع لكثير من الرواةِ قديماً وحديثاً. /٣٣٨ وقد نشأ عن الرواية بالمعنى ضَرَرٌ عظيم، حتى عُدَّ من جملةِ أسبابِ اختلافٍ الْأُمَّة! قال بعضُ المؤلفين في ذلك(١)، في مقدمة كتابه(٢): إنَّ الخلافَ قد عَرَض للأمةِ من ثمانية أوجه. وجميعُ وجوهِ / الخلاف متولِّدةٌ منها ومتفرعةٌ عنها. الأولُ منها: اشتراكُ الألفاظِ، واحتمالها للتأويلاتِ الكثيرة. الثاني: الحقيقةُ والمجاز. الثالثُ: الإفرادُ والتركيب. الرابعُ: الخصوصُ والعموم. الخامسُ: الروايةُ والنَّقْلُ. السادسُ: الاجتهادُ فيما لا نَصَّ فيه. السابعُ: الناسخُ والمنسوخ. الثامنُ: الإِباحةُ والتوسيع . وقال في بابِ الخَلافِ العارِضِ من جهة الروايةِ والنَّقْل(٣): هذا البابُ لا تتمُّ الفائدةُ التي قصدناها منه إلاّ بمعرفةِ العِلَل التي تَعرِضُ للحديث فتُحِيلُ معناه، فربما أَوهمَتْ فيه معارضةَ بعضِهِ لبعض، وربما ولَّدَتْ فيه إشكالاً يُحوِجُ العلماءَ إلى طلبٍ التأويلِ البعيد. (١) هو الإِمام العلامة المحقق المتفنن أبو محمد عبد الله بن السَّيْدِ البَطَلْيَوْسِي الأندلسي، المتوفى سنة ٥٢١ رحمه الله تعالى، واسم كتابه: ((الإنصاف في التنبيه على الأسباب التي أوجبت الاختلاف بين المسلمين في آرائهم ومذاهبهم واعتقاداتهم». وهو مطبوع أكثر من مرة. وغفر الله للمؤلف تجهيلَهُ هذا القائلَ الإِمامَ !. وقد وقع في نقله عنه سَقَطُ وتحريف، صححتُه دون تنبيه عليه . (٢) في ص ٣٣. (٣) ص ١٥٧ - ١٦٧. ٧٥١ فاعلَمْ أنَّ الحديثَ المأثورَ عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وعن أصحابِهِ والتابعين لهم، تَعرِضُ له ثماني عِلَل أُولاها فسادُ الإِسناد. والثانيةُ من جهةِ نَقْلِ الحديث على معناه دون لفظِه. والثالثةُ من جهةِ الجهلِ بالإِعراب. والرابعةُ من جهةٍ التصحيف. والخامسةُ من جهةِ إسقاطِ شيءٍ من الحديثِ لا يَتِمُّ المعنى إلَّ به. والسادسةُ أن يَنْقُلَ المحدِّثُ الحديثَ ويُغْفِلَ السَبَبَ الموجِبَ له، أو بِسَاطَ الأمْرِ الذي جَرَّ ذِكْرَهُ. السابعةُ أن يَسمَع المحدِّثُ بعضَ الحديث ويَقُوتَهُ سماعُ بعضِه. الثامنةُ نَقْلُ الحديثِ من الصُّحُفِ دون لقاءِ الشيوخ. وقد أحببنا أن نقتصرَ مما ذَكَرَ على ما هو أَمَسُ بما نحن بصَدَدِهِ. العِلَّةُ الأُولى وهي فسادُ الإِسناد. وهذه العلةُ هي أشهَرُ العِلَل عند الناس، حتى إنَّ كثيراً منهم يتوهّمُ أنه إذا صَحَّ الإِسنادُ صَحَّ الحديث، وليس كذلك، فإنه قد يتفِقُ أن يكونَ رُواةُ الحديثِ مشهورين بالعدالة، معروفين بصحةِ الدِّينِ والأمانة، غيرَ مطعونٍ عليهم، ولا مُسْتَرَابٍ بنقلِهم، ويَعرِضَ مَعَ ذلك لأحاديثهم أعراضٌ على وجوهٍ شتی، من غير قصدٍ منهم إلى ذلك. والإِسنادُ يَعرِضُ له الفسادُ من أوجه، منها الإِرسالُ وعدَمُ الاتّصال، ومنها أن يكون بعضُ رواتِهِ صاحبَ بدعة، أو متهماً بكذِبٍ وقلَّةٍ ثقة، أو مشهوراً بَبلَهٍ وغفلة، أو يكونَ متعصِّباً لبعض الصحابة، منحرفاً عن بعضهم، فإنَّ من كان مشهوراً بالتعصُّبِ ثم رَوَى حديثاً في تفضيل من يَتعصِّبُ له، ولم يَرِد من غير طريقِهِ، لَزِمَ أن يُسترابَ به. وذلك أنَّ إفراطَ عصبيةِ الإِنسانِ لمن يتعصَّبُ له وشدَّةً محبتِهِ يَحمِلُه على افتعالِ الحديث، وإن لم يفتعِلْه بَدَّلَه وغيِّر بعضَ حُروفِه. ومما يَبعثُ على الاسترابةِ بنقلِ الناقل أن يُعلَمَ منه حِرْصٌ على الدنيا، وتهافتُ على الاتصالِ بالملوكِ ونيلِ المكانةِ والحُظوةِ عندَهم، فإنَّ من كان بهذه الصفةِ لم يُؤْمَن عليه التغييرُ والتبديلُ والافتعالُ للحديثِ والكذِبُ، حرصاً على مكسّبٍ تَحِصُلُ عليه، ألا تَرى إلى قول القائل: خلاقي ولا دِيني ابتغاءَ التحُّبِ ولستُ وإن قُرِّبتُ يوماً ببائعٍ ٧٥٢ ويَعْتَدُّهُ قومٌ كَثِيرٌ تجارةً ويمنعني من ذاك دِيني ومَنْصِبي وقد رُوِيَ أنَّ قوماً من الفُرس واليهود وغيرهم، لَّ رأوا الإِسلام قد ظَهَر وَمّ، ودَوَّخَ وأذلَّ جميعَ الأَمَم، ورأوا أنه لا سبيلَ إلى مُنَاصَبَتِهِ، رجعوا إلى الخِيلةِ والمَكِيدةِ، فأظهروا الإِسلامَ من غير رغبةٍ فيه، وأخذوا أنفسَهم بالتعبُّدِ والتقشُّف، فلما حَمِدَ الناسُ طريقتهم ولَّدوا الأحاديثَ والمقالات، وفرَّقوا الناسَ فِرَقاً. وإذا كان عُمَرُ بنُ الخطاب يتَشدَّدُ في الحديثِ ويتَوعَّدُ عليه، والزمانُ زمانٍ، والصحابةُ متوافِرون، والبِدَعُ لم تَظهر، والناسُ في القَرْنِ الذي أَثْنَى عليه رسولُ الله /٣٣٩ صلَّى الله عليه وسلَّم، فما ظنَّك بالحالِ في الأزمنةِ التي ذَمَّها وقد كَثُرَتْ / البِدَعُ وقلَّتْ الأمانة؟ وللبخاري أبي عبد الله في هذا الباب عَناءٌ مشكور، وسَعْيٌ مبرور. وكذلك لمسلمٍ وابنٍ معين، فإنهم انتقدوا الحديثَ وحرَّروه، ونَبَّهوا على ضُعفاءِ المحدِّثين والمتهمين بالكذب، حتى ضَجَّ من ذلك من كان في عصرِهم، وكان ذلك أحَدَ الأسباب التي أَوغَرَتْ صُدورَ الفقهاءِ على البخاري، فلم يزالوا يَرْصُدون له المكاره، حتى أَمْكَنَتْهم فيه فُرصةٌ بكلمةٍ قالها، فكفِّروه بها، وامتحنوه، وطَرَدوه من موضعٍ إلى موضع(١). (١) قولُ ابن السِّيْد؛ (وكان ذلك أحَدَ الأسباب التي أوغرت صدور الفقهاء على البخاري، فلم يزالوا يرصدون له المكاره، حتى أمكنتهم فيه فرضةٌ بكلمةٍ قالها، فكفَّروه بها، وامتحنوه وطردوه .. ): کلامٌ غیر صحیح! فإن المحنة التي لحقت البخاريَّ رحمه الله تعالى، إنما هي من المحدِّثين الذين منهم شيخُهُ محمد بن يحيى الذُّهلي النيسابوري. وإن الفقهاء لم تُوغَر صدُورهم من البخاري ومسلم، من أجل کلامهما في الرجال وتنبيههما على ضعفاء المحدِّثین والمتهمین بالكذب، هذا كلام لا أصل له، من قال هذا قبل ابن السِّيد؟! والعَجَبُ من المؤلف كيف سكت عن هذا الخطأ وأقرَّه؟! والسببُ في محنة البخاري غيرُ هذا، كما سأذكره قريباً، ولو كان كلامُ الشيخيْنِ في الضعفاء والمتهمين بالكذب، هو الذي أوغر صدور الفقهاء، لكان الأحرى بذلك الكُرِهِ والوَغَر أن يقع من = ٧٥٣ العلةُ الثانيةُ وهِي نَقْلُ الحديثِ على المعنى دُونَ اللفظِ بعينه. وهذا بابٌ يَعِظُمُ الغلطُ فيه جداً، وقد نَشَأتْ منه بين الناس شُغُوبٌ شَنيعة، وذاك أنَّ أكثر المحدِّثين لا يُراعون ألفاظَ النبي صلَّى الله عليه وسلَّم التي نَطَق بها، وإنما يَنقُلون إلى من بَعْدَهُم مَعْنَى ما أرادَهُ بألفاظِ أُخرى، ولذلك نجدُ الحديثَ الواحدَ في المعنى الواحِدِ يَرِدُ بألفاظِ شتَّى ولغاتٍ مختلفة، يزيدُ بعضُ ألفاظِها على بعض، على أنَّ اختلافَ ألفاظِ الحديث قد يَعرِضُ من أجل تكريرِ النبي صلَّى الله عليه وسلّم له في مجالسَ مختلفة، وما كان من الحديثِ بهذه الصفةِ فليس كلامُنا فيه، وإنما كلامُنا في اختلافِ الألفاظِ الذي يعرِضُ من أجلِ نَقْلِ الحديث على المعنى. ووجْهُ الغلطِ الواقع من هذه الجهة: أنَّ الناسَ يَتَفاضَلُون في قَرائِحِهم وأفهامهم كما يتفاضلون في صُوَرِهم وألوانِهِم وغيرِ ذلك من أمورِهم وأحوالِهِم، فربما اتَّفَقَ أن يَسمعَ الراوي الحديثَ من النبي صلَّى الله عليه وسلَّم أو من غيره، فَيَتْصوَّرَ معناه في نفسِهِ على غير الجهة التي أرادها، وإذا عبَّر عن ذلك المعنى الذي = الفقهاء على شيوخ الشيخين وشيوخ شيوخهما، الذين تكلموا في الرجال وضعَّفوا وجرَّحوا وعدَّلوا، مثل يحيى بن سعيد القطان، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وأشباههم، هذه واحدة. الثانية أن البخاري رحمه الله تعالى لم يكفره أحد كما زَعَم هنا! فويلٌ للمسلمين ثم ويلٌ لهم إذا كفَّروا البخاريّ! وإنما تحامل عليه أفرادٌ من المحدّثين وعلى رأسهم شيخه محمد بن يحيى الذهلي النيسابوري، لا الفقهاء، حين زعم هؤلاء عليه أنه قال: لفظي بالقرآن مخلوق لمَّا دخل نيسابور. كما شَرَحَ القصة في هذه الفتنة بإسهاب الإِمامُ تاج الدين السبكي، في «طبقات الشافعية الكبرى)) ٢: ٢٢٨ - ٢٣١، في ترجمة الإِمام البخاري، فقال: (قِصَّتُهُ مع محمد بن يحيى الذهلي)، ثم سرَدها. وكما شَرَحَها الإِمام الحافظ ابن حجر، في آخر ((هَدْي الساري)) ٢٠٣:٢ - ٢٠٤، فقال: «ذكرُ ما وقع بينه وبين الذَّهلي في مسألة اللفظ، وما حَصّل له من المحنة بسبب ذلك، وبراءتِهِ مما نُسبَ إليه من ذلك). فانظُر هذين الكتابين وانظر أيضاً: ((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم الرازي ١٩١:٢/٣، في ترجمة (محمد بن إسماعيل البخاري)، و((طبقات الشافعية)) للسبكي أيضاً ١٢:٢، في ترجمة (أحمد بن صالح المصري)، وص ٣٦ من ((أربع رسائل في علوم الحديث))، التي خدمتها بالتحقيق، لتزداد يقيناً بغلط ابن السَّيد هنا فيما نسبه إلى الفقهاء. ٧٥٤ تَصوَّرَ في نفسِه بألفاظٍ أُخَر، كان قد حَدَّث بخلافٍ ما سَمِعَ من غير قصدٍ منه إلى ذلك . وذلك أنَّ الكلامَ الواحدَ قد يَحتمِلُ معنيين وثلاثةً، وقد تكونُ فيهِ اللفظةُ المشتركةُ التي تقَعُ على الشيءٍ وضِدِّه، ففي مثلِ هذا يَجوزُ أنْ يَذْهَبَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى المعنى الواحد، ويَذهَبَ الراوي عنه إلى المعنى الآخر، فإذا أُدِّى معنى ما سَمِعَ دون لفظِهِ بعينه، كان قد رَوَى عنه ضِدَّ ما أرادَهُ غيرَ عامد، ولو أدَّى لفظَه بعينِهِ لَأُوشَكَ أن يَفْهَمَ منه الآخَرُ ما لم يَفهم الأولُ، وقد عَلِمَ صلَّى الله عليه وسلَّمِ أنَّ هذا سيَعرِضُ بعدَه، فقال محذِّراً من ذلك: نَضَّرِ اللَّهُ امرَأَ سَمِعَ مقالتِي، فَوَعَاها وأدَّاها كما سَمِعها، فُرُبَّ مبلَّغٍ أوعَى من سامع. اهـ. وإن أحببتَ أن تَعرِفَ مقدارَ ما قد تُؤدِّي إليه الروايةُ بالمعنى، فيكفيك أن تنظُرَ في الحديثِ الذي انفرد بإخراجِهِ مسلم في صحيحه، من رواية الوليد بن مسلم، قال: حدثنا الأوزاعي، عن قتادة، أنه كتَبَ إليه يُخبرُه عن أنس بن مالك، أنه حدَّثه فقال: صَلَّيْتُ خَلْفَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وأبي بكر وعمر وعثمان، فكانوا يَستفتحون بالحمدُ لله رب العالمين، لا يَذْكُرون بسم الله الرحمن الرحيم في أولِ قراءةٍ ولا آخرِها. ثم رواه من روايةِ الوليدِ عن الأوزاعي أخبرني إسحاقُ بن عبد الله بن أبي طلحة، أنه سَمِعَ أَنّساً يذكر ذلك. وَرَوَى مالك في الموطأ عن حُميد، عن أنس، قال: صلَّيتُ وراءَ أبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ، فكلُّهم كان لا يَقرأُ بسمِ الله الرحمن الرحيم. وزادَ فيه الوليد بن مسلم عن مالكٍ: صَلَّيْتُ خَلْفَ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلّم. وقد أَعلَّ بعضُ المحدِّثين الحديثَ المذكورَ وقالوا: إنَّ مِن رواه باللفظِ المذكورِ قد رواه بالمعنى الذي وقَعَ في نفسه، فإنه فَهِمَ من قولِ أنْسٍ : كانوا يَستفتحون بالحمدُ لله رب العالمين، أنهم كانوا لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم، فرواه على ما فَهِمَ، وأخطأ، لأنَّ مُرادَ أَنَسٍ بَيَانُ أنَّ السُّورةَ التي كانوا يَفتتحون بها من السُّورَ ٠ ٧٥٥ / ٣٤٠ هي الفاتحةُ، وليس مرادُه بذلك أنهم كانوا / لا يَذْكُرون بسم الله الرحمن الرحيم. فانظر إلى ما أدَّتْ إليه الروايةُ بالمعنى على قولِ هؤلاء، حتى نشأ بذلك من الاختلافِ في هذا الأمر المهمِّ ما لا يخفى على ناظِرِه. وقال ابنُ الصلاح في الأحاديثِ الواردةِ في الصحيح، المتعلّقةِ بدخولِ الجنةِ بمجرَّدِ الشهادة، مثلُ حديثٍ: من مات وهو يَعلمُ أنه لا إلّه إلَّ الله دَخَلَ الجنة . وحديثٍ: من شَهِدَ أنْ لا إله إلاّ الله وأنَّ محمداً رسولُ الله حَرَّم اللَّهُ عليه النار. وحديثٍ: لا يَشْهَدُ أحدٌ أنه لا إله إلَّ الله وأني رسولُ الله فيَدخُلَ النار أو تَطْعَمَه: يُجُوزُ أن يكون ذلك اقتصاراً من بعضِ الرواة، نَشَأ من تقصيرِهِ في الحفظ والضبطِ لا من رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم، بدلالةٍ مجيئه تامّاً في رواية غيره، ويَجُوزُ أن يكون اختصاراً من رسولِ الله فيما خاطَبَ به الكفارَ عَبَدَةَ الأوثان، الذين كان توحيدُهم الله تعالى مصحوباً بسائرِ ما يَتوقَّفُ عليه الإِسلامُ ومُستلزِماً له. واعلمْ أنَّ الرواية بالمعنى قد أحسَّ بضررها كثيرٌ من العلماء، وشَكَوْا منها على اختلافٍ علومِهم، غير أنَّ مُعْظَمَ ضَرَرِها كان في الحديثِ والفقه، لعِظَمِ أمرِهما، وقد نُسِبَ لكثيرٍ من العلماءِ الأعلام أقوالٌ بعيدةً عن السَّدَادِ جداً، اتَّخَذُها كثيرٌ من خصومِهم ذريعةً للطعن فيهم، والازدراء بهم، ثم تبينٌّ بعدَ البحثِ الشديدِ والتّع أنهم لم يقولوا بها، وإنما نشأتْ نِسبتُها إليهم من أقوالٍ رواها الراوي عنهم بالمعنى، فقصّر في التعبير عما قالوه، فكان من ذلك ما كان. فينبغي لكل ذي نباهةٍ أنْ لا يُبادِرَ بالاعتراضِ على المشهورين بالفضلِ والنُّبل، بمجرَّدٍ أن يَبلُغَه قولٌ ينبو السمعُ عنه عن أحدٍ منهم، وليتثبّتْ في ذلك، وإلاّ كان جديراً بالَّلام . هذا، وقد تعرَّض العلامةُ النِّحريرُ نجمُ الدين أحمدُ بن حَمْدانَ الحرانيُّ الحنبليُّ للضررِ الذي نشأ من الرواية بالمعنى في مذهبه، فقال في آخِرٍ كتاب صفةٍ المفتي، في بابِ جَعَلَّهُ لبيانِ عيوبِ التأليفِ وغير ذلك، ليَعرِفَ المفتي كيف يَتصرّفُ في المنقولِ، ٧٥٦ ويَقِفَ على مُرادِ القائلِ بما يقول، ليصِحِّ نقلُه للمذهَب، وعَزْوُه إلى الإِمام أو إلى بعضٍ من إليه يُنْسَب: اعلَمْ أنَّ أعظَمَ المحاذير في التأليفِ النقليِّ إهمالُ نقلِ الألفاظ بأعيانها، والاكتفاءُ بنقلِ المعاني مَعَ قصورِ الناقل عن استيفاءِ مُرادِ المتكلِمِ الأوَّل بلفظه، وربما كانت بقيَّةُ الأسباب مُفَرَّعةً عنه، لأنَّ القطعَ بحصولِ مُرادِ المتكلّم بكلامِهِ أو الكاتبِ بكتابِهِ مع ثقةِ الراوي تتوقّفُ على انتفاءِ الإِضمارِ، والتخصيص ، والنَّخِ، والتقديم، والتأخير، والاشتراكِ، والتجُزِ، والتقدير، والنقلِ، والمعارِضِ العَقْلِ. فكلُّ نقَلٍ لا يُؤمَنُ معه حصولُ بعضِ الأسبابِ، لا نقطَعُ بانتفائِها نحن، ولا الناقلُ، ولا نظنُّ عِدَمَها، ولا قرِينَةَ تَنْفِيها، ولا نَجزِمُ فيه بُرادِ المتكلّم بل ربما ظَنَّنَاهُ أو توهّمناه. ولو نَقَل لفظَه بعينِهِ وقرائنِهِ وتاريخهِ وأسبابه انتَفَى هذا المحذُورُ أو أكثره. وهذا من حيث الإِجمالُ، وإنما يحصُلُ الظُّ به حينئذٍ بنقلِ المتحرِّي، فُعَذَرُ تارةً لدعوى الحاجة إلى التصرُّف لأسبابٍ ظاهرة، ويكفي ذلك في الأمورِ الظنية وأكثر المسائل الفروعية. وأمَّا التفصيلُ فهو أنه لَّا ظَهَر التظاهرُ بمذاهبِ الأئمة، والتناصُرُ لها من علماء الْأُمَّة، وصار لكل مذهب منها أحزابٌ وأنصار، وصار دَأْبُ كلِّ فريقٍ نَصْرَ قولٍ صاحبهم، وقد لا يكونُ أحدُهم اطَّلَع على مأْخَذِ إمامِه في ذلك الحكم، فتارةً يُشِتُه بما أثبتَهُ إمامُه ولا يَعلَمُ بالموافقة، وتارةً يُثبته بغيرِهِ ولا يَشعُرُ بالمخالفة. وتَحْذُورُ ذلك ما يَستجيزُه فاعلُ هذا من تخريجِ أقاويلِ إمامِهِ في مسألةٍ إلى /٣٤١ مسألةٍ أخرى، والتفريعِ على ما اعتقَدَه / مذهباً له بهذا التعليل، وهو لهذا الحكم غيرُ دليل، ونسبةِ القولين إليه بتخريجه، وربما حَمَل كلامَ الإِمام فيما خالَفَ نظيرَه على ما يُوافقُه، استمراراً لقاعدة تعليله، وسعياً في تصحيح تأويله، وصار كل منهم يَنقُلُ عن الإِمام ما سَمِعَه منه أو بَلَغه عنه، من غير ذكر سببٍ ولا تاريخ، فإنَّ العلم بذلك قرينةٌ في فَهْمِ مرادِهٍ من ذلك اللفظ كما سبق؛ ٧٥٧ فيكثُرُ لذلك الخَبْطُ، لأنَّ الآتيَ بعدَه يجدُ عن الإِمام اختلافَ أقوال، واختلافَ أحوال، فيتعذَّرُ عليه نسبةُ أحدِهما إليه على أنه مذهَبٌ له، يجبُ مصيرُ مقلِّدِهِ إليه دُونَ بقيةٍ أقاويلِه إن كان الناظرُ مجتهداً، وأمَّا إن كان مقدِّداً فغَرَضُه معرفَةُ مذهبٍ إمامِه بالنقلِ عنه، ولا تَحَصُلُ غَرَضُهُ من جهةِ نفسِهِ، لأنه لا يُحسِنُ الجمعَ، ولا يَعلمُ التاريخَ لعدم ذكرِه، ولا الترجيحَ عند التعارُضِ بينهما لتعذُّرِهِ منه. وهذا المحذورُ إنما لَزِمَ من الإِخلالِ بما ذكرناه، فيكون محذوراً. ولقد استَمرَّ كثيرٌ من المصنّفين والحاكمين على قولهم: مذهَبُ فلان كذا، ومذهَبُ فلان كذا. فإن أرادوا بذلك: أنه نُقِلَ عنه فقط، فلمَ يُفتُّون به في وقتٍ مَّا على أنه مذهبُ الإِمام؟ وإن أرادوا أنه المعوَّلُ عليه عنده ويَمتنعُ المصيرُ إلى غيرِهِ للمقلِّد، فلا يخلو حينئذٍ إمَّا أن يكون التاريخُ معلوماً أو مجهولاً، فإن كان معلوماً فلا يخلو أن يكونَ مذهَبُ إمامِهِ أنَّ القولَ الأخيرَ يَنسَخُ إذا كان مُناقضاً كالأخبار، أو ليس مذهبُهُ كذلك، بل يَری عدَمَ نَسْخِ الأولِ بالثاني. أو لم يُنقَلْ عنه شيء من ذلك، فإن كان مذهَبُهُ اعتقادَ النسخ فالأخيرُ مذهَبُه، فلا يجوز الفتوى بالأول للمقلِّد ولا التخريجُ منه ولا النقضُ به، وإن كان مذهَبُهُ أنه لا يُنْسَخُ الأوَّلُ بالثاني عند التنافي، فإِمَّا أن يكونَ الإِمامُ يَرى جوازَ الأخذِ بأيهما شاء المقلِّدُ إذا أفتاه المفتي، أو يكونَ مذهبُهُ الوقفَ أو شيئاً آخر، فإن كان مذهَبُه القولَ بالتخيير كان الحكمُ واحداً، وإلَّ تعدَّدَ ما هو خِلافُ الغَرَض، وإن كان ممن يَرَى الوقفَ تعطّلَ الحكمُ حينئذٍ، ولا يكونُ له فيها قولٌ يُعمَلُ عليه سوى الامتناعِ من العَمَلِ بشيءٍ من أقوالِه. وإن لم يُنْقَلْ عن إمامِهِ شيء من ذلك، فهو لا يَعرِفُ حكمَ إمامِه فيها، فيكون شبيهاً بالقولِ بالوقفِ في أنه يمتنعُ من العملِ بشيءٍ منها. هذا كلُّه إن عُلِمَ التاريخ، وأمَّا إن جُهِلَ: فإما أن يمكنَ الجمعُ بين القولينِ باختلافِ حالینِ أو محلّین، أو ليس يمكن. ٧٥٨ فإن أمكن فإمَّا أن يكونَ مذهَبُ إِمامِهِ جواز الجمع حينئذٍ كما في الآثار، أو وجوبَه، أو التخييرَ، أو الوقفَ، أو لم يُنقَل عنه شيء من ذلك. فإن كان الأولَ أو الثانيَ، فليس له حينئذٍ إلَّ قولٌ واحد، وهو ما اجتَمَع منهما، فلا يَحِلُّ حينئذِ الفُتيا بأحدِهما على ظاهرِهِ على وجهٍ لا يمكن الجمع. وإن كان الثالثَ فمذهَبُه أحدُهما بلا ترجيح، وهو بعيدٌ، سِيَّما مَعَ تعذر تعادُل الأُمَارات. وإن كان الرابع والخامسَ فلا عَمَل إذاً. وَأَمَّا إن لم يمكن الجمعُ مع الجهل بالتاريخ، فإمّا أن يَعتقِدَ نَسْخَ الأول بالثاني أَوْلا ، فإن كان يَعتقِدُ ذلك وجَبَ الامتناعُ عن الأخذ بأحدِهما، لأنا لا نعلم أيُّهما هو المنسوخُ عندَه، وإن لم يَعتقِد النسخَ فإمّا التخييرَ وإما الوقفَ أو غيرهما، فالحكم في الكلِّ سَبَق. ومع هذا كلِّه فإنه يَحتاجُ إلى استحضارِ ما اطلع عليه من نصوصِ إمامِه عند حكاية بعضها مذهباً له. ثم لا يخلو إمَّا أن يكون إمامُه يعتقدُ وجوبَ تجديد الاجتهاد في ذلك أوْ لا، فإن اعتَقَده وجَبَ عليه تجديدُه في كل حينٍ أراد حكايةَ مذهبِهِ، وهذا يتعذَّرُ في مقدرةٍ البشر إلاّ أن يشاء الله تعالى، لأنَّ ذلك يستدعي الإِحاطة بما نُقِلَ عن الإِمام في تلك /٣٤٢ المسألةِ على جهتِهِ في كلِّ / وقتٍ يُسأل. ومن لم يُصنِّف كتباً في المذهب بل أُخِذَ أكثرُ مذهبِهِ من قولِهِ وفتاويهٍ، كيف يمكنُ حَصْرُ ذلك عنه؟ هذا بعيدٌ عادةً. وإن لم يكن مذهَبُ إمامِه وجوبَ تجديدِ الاجتهادِ عندَ نِسبةِ بعضِها إليه مَذْهَباً له، يُنظَرِ فإن قيل: ربما لا يكونُ مذهَبَ أحدٍ القولُ بشيءٍ من ذلك فضلاً عن الإِمام، قلنا: نحن لم نجزِم بحكمٍ فيها، بل رَدَدْنا نَقْلَ هذه الأشياءِ عن الإِمام . وقلنا: إن كان كذا لَزِمَ منه كذا، ويكفي في إيقافٍ إقدامِ هؤلاء تكليفُهم نَّقْلَ هذه الأشياءِ عن الإِمام، ومَعَ ذلك فكثيرٌ من هذه الأقسام قد ذَهَبَ إليه كثيرٌ من الأئمة، وليس هذا موضعَ بيانه، فليُنظَر من أماکِه. وإنما يقابلون هذا التحقيقَ بكثرةِ نقلِ الرواياتِ والأَوْجُهِ والاحتمالاتِ : ! ٧٥٩ والتهجُمِ على التخريج والتفريع، حتى لقد صار هذا عادةً وفضيلةً، فمن لم يأتِ بذلك لم يكن عندهم بمنزلة، فالتزموا للحَمِيَِّ نَقْلَ ما لا يجوز نقلُه لما علمتَه آنفاً. ثم قد عَمَّ أكثرُهم بل كلُّهم نَقْلَ أقاويلَ يجِبُ الإِعراضُ عنها في نظرهم، بناءً على كونها قولاً ثالثاً، وهو باطلٌ عندهم، أو لأنها مُرسَلَةٌ في سندِها عن قائلِها، وخرَّجوا ما يكونُ بمنزلةٍ قولٍ ثالثٍ بناءً على ما يَظهَرُ لهم من الدليل، فما هؤلاء بمقلّدین حينئذٍ. وقد يحكي أحدُهم في كتابه أشياءَ يَتوهّمُ المسترشدُ أنها إمَّا مأخوذةٌ من نصوصٍ الإِمام، أو مما اتَّفَق الأصحابُ على نسبتها إلى الإِمام مذهباً له، ولا يَذْكُرُ الحاكي له ما يَدُلُّ على ذلك، ولا أنه اختيارٌ له، ولعله يكونُ قد استنبطه أو رآه وجهاً لبعض الأصحاب، أو احْتِمال، فهذا أشبَهُ بالتدليس، فإنْ قصَدَه فشِبْهُ الَيْنِ! وإن وقَعَ سهواً أو جهلاً فهو أعلى مراتبِ البلادةِ والشَّيْنْ! كما قيل: وإن كنتَ تدري فالمصيبةُ أعظَمُ فإن کنتَ لا تدري فتلك مُصِیبة وقد يحكون في كتبهم ما لا يعتقدون صحتَه، ولا يجوزُ عندهم العملُ به، ويَدْفَعُهم إلى ذلك تكثير الأقاويل، لأن من يحكي عن الإِمام أقوالاً متناقِضة، أو يُخرج خلافَ المنقولِ عن الإِمام، فإنه لا يَعتقدُ الجمعَ بينهما على وجهِ الجمع، بل إما التخييرَ أو الوقفَ أو البدلَ أو الجمعَ بينها على وجه یلزمُ عنها قولٌ واحدٌ باعتبارٍ حالینِ أو محلَّين، وكلُّ واحد من هذه الأقسام حكمُه خِلافُ حكم هذه الحكاية عند تعرِّيها عن قرينةٍ مفيدة لذلك، والغرض كذلك. وقد يَشرحُ أحدُهم كتاباً ويجعلُ ما يقوله صاحبُ الكتابِ المشروحِ روايةٌ أو وجهاً أو اختياراً لصاحب الكتاب، ولم يكن ذكّرَه عن نفسِه، أو أنه ظاهرُ المذهب من غير أن يُبينَّ سَبَبَ شيء من ذلك، وهذا إِجمال وإهمال. وقد يقول أحدُهم: الصحيحُ من المذهب أو ظاهرُ المذهب كذا، ولا يقول: وعندي، ويقولُ غيرُهُ خلافَ ذلك، فلمن يُقلِّدُ العامِيُّ إذاً، فإنَّ كلا منهم يَعملُ بما يَرى، فالتقليدُ إذاً ليس للإِمام بل للأصحاب في أنَّ هذا مذهبُ الإِمام. : ٧٦٠ ثم إنَّ أكثر المصنّفين والحاكمين قد يفهمون معنى ويُعبِّرون عنه بلفظٍ يتوهمون أنه وافٍ بالغرض، ولیس کذلك، فإذا نَظَر أحدٌ فيه وفي قولِ من أتى بلفظِ وافٍ بالغَرَض، ربما يتوهم أنها مسألةُ خلاف، لأن بعضَهم قد يَفهَمُ من عبارةٍ منَ يثِقُ به معنى قد يكونُ على وَفْقِ مرادِ المصنف وقد لا يكون، فَيَحصُرُ ذلك المعنى في لفظٍ وجيز، فبالضرورةِ يصيرُ مفهومُ كلِّ واحدٍ من اللفظين من جهةِ التنبيهِ وغيره غيرَ مفهوم الآخرَ. وقد يَذكرُ أحدُهم في مسألةٍ إجماعاً، بناءً على عدم علمِهِ بقولٍ يُخالفُ ما يَعلمُه. ومن تتبّعَ حكايةَ الإِجماعاتِ ممن يحكيها وطالَبَه بمستنداتِها عَلِمَ صحة /٣٤٣ ما ادَّعيناه. وربما أتَ بعضُ الناس بلفظٍ يُشبِهُ قولَ من قَبْلَه، ولم / يكن أخَذَه منه، فيُظَنُّ أنه قد أخَذَه منه، فُيُحمَلُ كلامُه على مَحْمِل كلامِ من قَبْلَه، فإِن رُؤيَ مغايراً له نُسِبَ إلى السهوِ أو الجهلِ أو تعمُّدِ الكذب، أو يكونُ قد أخَذَ منه وأتى بلفظٍ يُغاير مدلولَ كلامِ من أخَذَ منه، فيُظَنُّ أنه لم يأخذ منه، فيُحمَل كلامُه على غير محمِل كلام من أخَذَ منه، فيُجعَلُ الخلافُ فيما لا خلافَ فيه، أو الوفاقُ فيما فيه خلاف. وقد يقصِدُ أحدُهم حكايةَ مَعْنَ ألفاظِ الغير، وربما كانوا ممن لا يَرى جوازَ نقُلٍ المعنى دون اللفظ. وقد يكونُ فاعلُ ذلك ممن يُعلِّلُ المنعَ في صورة الغَرَضِ بِمَا يُفْضِي إليه من التحريف غالباً. وهذا المعنى موجود في أكثر ألفاظ الأئمة. ومن عَرَف حقيقةً هذه الأسباب ربما رأى تَّرْكَ التصنيفِ أُولَى إن لم يُحتَّرَز عنها، لَا يَلزمُ من هذه المحاذِيرِ وغيرها غالباً. فإن قيل: يَرُدُّ هذا فِعلُ القدماءِ وإلى الآنَ من غير نكير، وهو دليلُ الجواز، وإلَّ امتَنَع على الأُمَّة تركُ الإِنكار إذاً، لقولِهِ تعالى: ﴿وَيَنْهُون عن المنْكَرِ﴾، ونجْوِهِ من الكتاب والسُّنّة. قلنا: الأولون لم يفعلوا شيئاً مما عبناه، فإن الصحابة لم يُنقَل عن أحدٍ منهم تأليفٌ فضلاً عن أن يكون على هذه الصفة، وفعلُهم غيرُ ملزِم لمن لا يَعتقدُهُ حجةً، ٧٦١ بل لا يكون مُلزِماً لبعض العوامِّ عند من لا يرى أن العاميَّ ملزَمٌ بالتزامِ مذهبٍ إمامٍ معينٍّ. فإن قيل: إنما فعلوا ذلك ليحفظوا الشريعةَ من الإِغفالِ والإِعمال. قلنا: قد كان أحسَنَ من هذا في حفظِها أن يُدوِّنوا الوقائعَ والألفاظَ النبوية، وفَتَاوَى الصحابةِ ومن بعدهم، على جهاتِها، مع ذكرٍ أسبابها، كما ذكرنا سابقاً، حتى يَسهُلَ على المجتهدِ معرفةٌ مُرادٍ كل إنسانٍ بحسبه، فيُقلِّدَه على بيانٍ وإيضاحٍ . وإنما عِبنا ما وقع في التأليفِ من هذه المحاذير، لا مطلقً التأليف، وكيف يُعابُ مطلقاً وقد قال النبي صلَّى الله عليه وسلَّم: قَيِّدُوا العلمَ بالكتابة. فلمّا لم يُميِّزوا في الغالب ما نقلوه مما خرَّجوه، ولا ما علَّلوه مما أَهملوه، وغيرَ ذلك مما سَبَق بانَ الفَرْقُ بين ما عِبناه وبين ما صنَّفناه. وأكثرُ هذه الأمورِ المذكورةِ يمكن أن أذكُرَها من كتبٍ المذهب مسألةٌ مسألة، لكن يَطُول هنا. وإذا عَلِمتَ عُذْرَ اعتذارِنا، وخِيْرةَ اختيارِنا، فنقول: الأحكامُ المستفادةُ في مذهبنا وغيرِهِ من اللفظِ أقسامٌ كثيرة: منها أن يكون لفظً الإِمام بعينه، أو إيمائِه، أو تعليله، أو سِياقٍ كلامِه. ومنها أن يكون مستنبطأً من لفظِه إما اجتهاداً من الأصحاب أو بعضِهم. ومنها ما قيل: إنه الصحيحُ من المذهب. ومنها ما قيل: إنه ظاهرُ المذهب. ومنها ما قيل: إنه المشهورُ من المذهب. ومنها ما قيل فيه: نَصَّ عليه، يعني الإِمامَ أحمد، ولم يتعيّنَّ لفظُه. ومنها ما قيل: إنه ظاهرُ كلام الإِمام، ولم يُعيِنَّ قائلُه لفظَ الإِمام . ومنها ما قيل: ويَحْتَمِلُ كذا ولم يَذكُر أنه يُريدُ بذلك كلامَ الإِمام أو غيرَه. ٧٦٢ ومنها ما ذُكِرَ من الأحكام سَرْداً ولم يُوصَف بشيء أصلاً، فَظُنُّ سامِعُهُ أنه مذهبُ الإِمام، وربما كان بعضَ الأقسام المذكورة آنفاً. ومنها ما قيل: إنه مشكوك فيه . ومنها ما قيل: إنه توقَّفَ فيه الإِمامُ، ولم يَذكُر لفظه فيه. ومنها ما قال فيه بعضهم: اختياري، ولم يذكّر له أصلاً من كلام أحمد أو غيره . ومنها ما قيل: إنه خُرِّج على روايةٍ كذا، أو على قولِ كذا، ولم يَذكُر لفظَ الإِمام فیه ولا تعلیله له. ومنها أن يكون مذهباً لغير الإِمام، ولم يُعَينُّ رَبَّه . ومنها أن يكون لم يَعمَل به أحد، لكنَّ القولَ به لا يكونُ خَرْقاً لإِجماعهم. ومنها أن يكون بحيث يَصِحُّ تخريجُه على وَفْقِ مذاهبهم، لكنه لم يَتعرَّضوا له بنفيٍ ولا إثبات . اهـ. ثم قال: ثم الروايةُ قد تكون نصاً أو إيماءً أو تخريجاً من الأصحاب. واختلافُ /٣٤٤ الأصحاب في ذلك ونحوِه كثيرٌ لا طائلَ فيه، إذْ اعتمادُ / المفتي على الدليل، ما لم يخرُج عن أقوالِ الإِمام وصَحْبِه وما قال بها أو ناسبها، إلّ أن يكون مجتهداً مطلقاً، أو في مذهبٍ إمامه، ويَروِيَ في مسألةٍ خلافَ قولِ إمامِهِ وأصحابِهِ، لدليل ظهر له وقوِيَ عنده، وهو أهلٌ لذلك. انتهى ما ذكره العلامة ابن حمدان. ومما يُناسِبُ ما نحن فيه ما ذكره بعضُ العلماء الأعلام، وهو: ينبغي لمن شَرَح الله صَدْرَهُ إذا بلغْه مقالةٌ عن بعضِ الأئمة أن لا يَحِكِيَها لمن يَتقلَّدُ بها، بَل يَسكتُ عن ذكرِها إن تيقَّنَ صِحَّتَها، وإلَّ توقَّفَ في قبولها، فما أكثرَ ما يُحُكَّى عن الأئمة مما لا حقيقةً له، وكثيرٌ من المسائل يُخرِّجُها بعضُ الأتباع على قاعدةِ متبوعِه، مع أنَّ ذلك الإِمامَ لو رأى أنها تُفضِي لماتُفضِي إليه لما التَّزَمها، والشاهِدُ یری ما لا یری الغائب.