Indexed OCR Text

Pages 721-740

٦٦٢
والتجويرِ، وأمالوهم إلى النّْنِيَةِ، وزيِّنُوا عندَهم سِيرةَ مَانِي، حتى اعتَصَمُوا بحيلِهِ.
وهو رَجُلٌ غيرُ مقتصرٍ على جَهَالاتِهِ في مذهبِهِ، دُون الكلامِ في هَيئةِ العالَم
بما يُنْبِىءُ عن تمويهاتِهِ، وانتَشَر ذلك في الألسِنَة، وانضافَ إلى ما تقدَّم من المكايدِ
اليهوديَّة، فصار رأياً منسوباً إلى الإِسلام! سبحان الله عن مثلِهِ، والذي يُخالِفُه
ويَتَمَسَّكُ بالحقِّ الْمُطابِقِ للقرآنِ فيه: مَوْسُوماً بالكفرِ والإِلحاد، محكوماً على ذُمِهِ
بالإِراقةِ، غيرَ مرخَّصٍ في سماعٍ كلامِهِ، وهو دُونَ ما يُسمَعُ من كلام فرعون: ﴿أنا
رَبُّكم الأَعْلىَ﴾، ﴿ومَا عَلِمِتْ لَكُم مِن إِلَّه غيري﴾، وتَطاوُلُ العَصْبِيَّةِ ربما يَمِيلُ به عن
الطريقةِ الْمُثْلَى للحَمِيَّةِ، واللَّهُ يُثْبِّتُ قَدَمَ من يَقْصِدُه ويَقْصِدُ الحقَّ فيه.
وقال الحافظ ابن حزم في كتاب ((الفِصَل في الِلَل والأهواء والنِّحَلِ))(١) ذِكْرُ
فُصولٍ يَعْتَرِضُ بها جَهَلَةُ الملحِدين على ضعفاءِ المسلمين. قال أبو محمد: إِنَّا لَّا تدبّْنا
أمْرَ طائفتين ممن شاهدنا في زماننا هذا، وجدناهما قد تفاقَمَ الداءُ بهما، فأمَّا إِحداهما
فقد جَلَّتْ الْمُصِيبةُ فيها وبها، وهم قومٌ افتتحوا عُنْقُوانَ فَهْمِهم، وابتدَوُا دخولهم إلى
المعارِفِ بطلبٍ عِلْمِ العَدَدِ وبرهانِهِ وطبائعِه، ثم تدرَّجُوا إلى تعديل / الكواكبِ
وهيئةِ الأفلاك وفيما دُونَ ذلك من الطبيعيَّات وعَوَارِض الجوِّ، ومُطالعةٍ شيءٍ من كتب
الأوائلِ وحدودِها التي نُصِبَتْ في الكلام، وما مازَجَ بعضَ ما ذكرنا من آراءِ الفلاسفةِ
في القَضَاءِ بالنجوم، وأنها ناطقةٌ مُدَبِّرة، وكذلك الفَلَكُ.
/ ٢٩٥
فأشرَفَتْ هذه الطائفةُ مِن أكثرِ ما طالَعَتْ مما ذكرنا على أشياءَ صِحاح، براهِينُها
ضروريَّةٌ لائحة، ولم يكن معها من جَوْدَةِ القريحةِ وصفاءِ النظرِ ما تَعلم بهِ أنَّ من
أصاب في عشرةِ آلافٍ مسألةٍ مثلاً، جائزٌ أن يُخْطِىء في مسألةٍ واحدة، لعلها أسهَلُ مِن
المسائلِ التي أصاب فيها، فلم تُفرِّق هذه الطائفةُ بين ما صَحَّ مما طالَعُوهُ بحُبَّةٍ
بُرهانيَّة، وبينَ ما في أثْنَاءِ ذلك وتضاعيفِهِ مما لم يأتِ عليه مَنْ ذكره من الأوائلِ إلاّ
بإِقْنَاعٍ أو بشَغَبِ أو بتقْلِيد، ليس معه شيء مما ذكرنا.
(١) ٢ : ٩١.
=

٦٦٣
فحمَلُوا كلَّ ما أَشْرَفوا عليه نَحْمِلاً واحداً، وقَبِلُوه قبولاً مُسْتَوِياً، فسَرَى فيهم
العُجْبُ، وتداخَلَهُم الزّهْوُ، وظنوا أنهم قد حَصَلوا على مُبَايَنَةِ العالَم في ذلك،
وللشيطانِ مَوَالجُ خَفِيَّةِ، ومَداخِلُ لطيفة، فتوصَّلَ إليهم من بابٍ غامض، وهو
إِصغارُ كلِّ شيءٍ من علوم الديانة التي هي الغَرَضُ المقصودُ من كل ذي لُبِّ، والتي
هي نتيجةُ العلوم التي طالعوا لو عَقَلُوا سُبُلَها ومقاصِدَها.
فلم يَعبأوا بآيةٍ من كتابِ الله الذي هو جامعُ علوم الأولين والآخرين، والذي
لم يُفرَّط فيه من شيء، والذي من فَهِمَهُ كفاه، ولا بسُنَّةٍ من سُنَّنِ رسولِ اللهِ صلَّى الله
عليه وسلَّم، التي هي بَيَانُ الحقِّ ونُورُ الألباب. ولم تَلْقَ هذه الطائفةُ من حَمَلِ الدِّين
إلّ أقواماً لا عِنَايَةً عندَهم بشيء مما قدمناه(١).
وإنما عُنِيَتْ من الشريعة بأحَدِ ثلاثة أوجه: إمَّا بألفاظٍ ينقلون ظاهِرَها،
ولا يَعرفون مَعَانِيَها، ولا يهتمون بفهمها، وإمَّ بمسائلَ من الأحكام لا يشتغلون
بدلائلِها ومُنْبَعَثِها، وإنما حَسْبُهم منها ما أقامُوا به جاهَهُم وحالهم، وإمَّا بخُرافاتٍ
منقولةٍ عن كلِّ ضعيفٍ وكذَّابٍ وساقطٍ، لم يَبْتَبِلُوا قَطُّ بمعرفةٍ صحيحٍ منها من سَقِيم،
ولا مُرسَلٍ من مُسْنَد، ولا ما نُقِلَ عن النبي عليه الصلاة والسلام مما نُقِلَ عن كَعْب
الأحبار، ووَهْبٍ بن مُنَّبِّه، عن أهل الكتاب.
فنظرَتْ الطائفَةُ الأولى إلى هذه الآخِرةِ بعينِ الاستهجانِ والاحتقارِ
والاستجهال، فتمكَّنَ الشيطانُ منهم، وحَلَّ فيهم حيث أحَبَّ، فهَلَكُوا وضَلُّوا،
واعتَقَدُوا أنَّ دِينَ الله لا يَصِحُّ منه شيء، ولا يقومُ عليه دليل، فاعتَقَد أكثرُهم الإِلحادَ
والتعطيلَ، وسَلَك بعضُهم طريقَ الاستخفافِ والإِهمالِ واطَّاحِ ثِقَلِ الشرائع
واستعمالِ الفرائضِ والعبادات، وآثّرُوا الراحاتِ وركوبَ اللَّذات، وقَصَدُوا كَسْبَ
المال كيف تيسَّرَ، وظُلْمَ العِبَاد، وتَدَيَّنَ الأقَلُّ منهم بتعظيمِ الكواكب، فأَسِفَتْ نَفْسُ
المسلمِ الناصِحِ لهذه المِلَّة وأهلِها على هلاكِ هؤلاء المساكين، وخُروجِهم عن جملةٍ
المؤمنين، بَعْدَ أن غُذُّوا بِلبانِ الإِسلام، ونُشِّئوا في حُجُورِ أهله.
(١) هؤلاء هم الطائفة الثانية .

٦٦٤
وأما الطائفةُ الثانية فهم قومُ ابتدؤا الطلبَ بحديثِ النبي صلَّى الله عليه
وسلَّم، فلم يَزِيدوا على طَلَبِ عُلُوِّ الإِسناد، وَجَمْعِ الغرائب، دُون أن يَهَتُّوا بشيءٍ مما
كَتَبُوا ويَعْمَلُوا به، وإنما تحمُّلُوه ◌َمْلًا لا يَزِيدُ على قراءتِهِ دون تدبُّر مَعَانِيه، ودون أن
يَعلموا أنهم المخاطَبُون به، وأنه لم يأتِ عَمَلَّاً، ولم يَقُله رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم
عَبَثاً، بل أمَرَنا بالتفقهِ فيه، والعملِ به، بل أكثرُ هذه الطائفةِ لا يُعمَلُ عندهم إلاّ بما
جاء من طريقٍ مُقاتِل بن سليمان، والضحاكِ بن مُزَاحِم، وتفسير الكلبي، وتلك
الطبقةِ، وكُتُبِ البَدْءِ التي إنما هي خُرافاتٌ موضوعات، ولَّدها الزنادقةُ تدليساً على
الإِسلام وأهله.
فأطلقَتْ هذه الطائفةُ كلَّ اختلاطِ لا يصح، مِثلُ أنَّ الأرضَ على حُوتِ،
/ ٢٩٦ والحُوتَ على قَرْنِ ثَوْر، والثَوْرَ على الصخرةِ، والصخرةَ على عاتِقِ / مَلَكِ،
والمَلَكُ على الظُّلْمَة، والظُّلْمَةَ على ما لا يَعلمُه إلَّ الله عزَّ وجلَّ. فنافَرَتْ هذه
الطائفةُ كلَّ برهان، ولم يكن عندَهم أكثرُ من قولهم: نُينا عن الجدال.
وليت شعري من نهاهم عنه واللَّهُ يقولُ في كتابه المُنْزَل، على نبيِّه الْمُرْسَل:
﴿وَجَادِلهم بالتي هي أحْسَنُ﴾، وأخبَرَ تعالى عن قومِ نُوح أنهم قالوا: ﴿يا نُوْحُ قد
جادَلْتَنَا فأكْثَرْتَ جِدالنا﴾. وقد نَصَّ الله تعالى في غير موضع من كتابه على أصولِ
البراهين، وقد نبَّهْنا عليها في غيرِ مَا مَوْضعٍ من كتابِنا هذا.
وحَضَّ تَعَالَى على التفكّر في خلقِ السمواتِ والأرض، ولا يَصِحُّ الاعتبارُ في
خلقهما إلاّ بمعرفة هيْآتِهما وانتقال الكواكب في أفلامهما واختلافٍ حرکاتها في التغريب
والتشريق ونحو ذلك
وكذلك مَعْرِفَةُ الطبائعِ وامتزاجِ العَنَاصِرِ وعَوَارِضِها، وتركيبِ أعضاءِ
الحيوان، من عَصَبه وعَضَلِهِ وعِظامِه وعُروقِه وشَرَايِينِهِ، واتصالِ أعضائِهِ بعضِها
ببعضٍ وقُوَاه المركبةِ. فَمن أشَرَفَ على ذلك وعَلِمَه رأى عظيمَ القدرة، وتَيقُّنَ أنَّ كُل
ذلك صَنْعَةٌ ظاهرة، وإرادةُ خالِقٍ مختار.

٦٦٥
ثم زاد قومٌ منهم فأتوا بالأَفَيْكَة التي يُقْشَعَرُّ منها، وهي أنْ أَطلَقوا أنَّ الدِّينَ
لا يُؤْخَذُ بحُجَّة، فأقرُّوا عيونَ الملحدِين، وشَهِدوا أنَّ الدِّينَ لا يَثْبُت إلَّ بالدعاوي
والغَلَبةِ. وهذا خِلافُ قولِ الله عزَّ وجلَّ: ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُم إن كنتم صادِقِين﴾ .
هذا قولُ الله عزَّ وجلَّ وما جاءَ به نبيّه صلَّى الله عليه وسلَّم، وفي تلك الكفايةُ والغَنَاءُ
عن قول کل قائل.
وقد حاجَّ ابنُ عباس الخوارجَ، وما عَلِمنا أحداً من الصحابة نَى عن
الاحتجاج، فلا معنى لرأي من جاء بعدَهم، فكان كلامُ هذه الطائفة مُغْرِياً
للطائفة الأولى بكُفرِها، إذْ لم يَرَوْا في خُصوِهم في الأغلب، إلَّ مَنْ هذه صِفَتُهِ.
ثم زادَتْ هذه الثانيةُ غُلُوَّاً في الجنون، فعابوا كتباً لا عِلْمَ لهم بها،
ولا طالعوها، ولا رأوا منها كلمةً، ولا قَرَؤوها، ولا أخبَرَهم عما فيها ثقةً، كالكتبِ
التي فيها هيئةُ الأفلاك، ومَجارِي النجوم، والكتبِ التي جمعها أَرَسْطَاطالِيس في حُدُود
الكلام .
قال أبو محمد: وهذه الكُتُبُ كلُّها سَالمَةٌ مُفيدةٌ، دالَّةٌ على توحيدِ الله عزَّ وجلَّ
وقُدرتِهِ، عظيمةُ المنفعةِ في انتقادِ جميع العلوم وعِظَمِ منفعة الكتب التي ذكرنا في
الحدُود، ففي مسائل الأحكام الشرعية بها يُتعرَّفُ كيف التوصُّلُ إلى الاستنباط،
وكيف تُؤْخَذُّ الألفاظُ على مقتضاها، وكيف يُعرَفُ الخاصُّ من العامِّ والمجمَلُ من
المفسَّر، وبناءُ الألفاظِ بعضِها على بعض، وكيف تقديمُ المقدِّمات وإنتاجُ النتائج،
وما يَصِحُ من ذلك صِحَّةً ضَرُوريَّةً أبداً، وما يَصِحُ مرَّةً ويَبْطُلِ أُخْرَى، وما لا يَصِحُ
البَّةَ، وضَرْبُ الحدودِ التي من شَذَّ عنها كان خارجاً عن أصله، ودليلُ الخطاب،
ودليلُ الاستِقِراءِ، وغيرُ ذلك، مما لا غَنَاءَ بالفقيهِ المجتهدِ لنفسِهِ ولأهلِ مِلَّتِهِ عنه.
قال أبو محمد: فلما رأينا عِظَم المِحنة فيما تَوَلَّدَ في الطائفتين اللتينِ ذكرنا، رأينا
من عظيمِ الأجر وأفضلِ العمل بيانَ هذا الباب المشكِلِ بحولِ الله تعالى وقُدرتِهِ
وتأييده، فنقولُ وبِه عزَّ وجلَّ نتأيَّدُ ونَستعِينُ: إنَّ كلَّ ما صَحَّ بُرهانٍ، أيّ شيءٍ
كان، فهو في القرآنِ وكلامِ النبي عليه الصلاة والسلام منصوصٌ مسطور، يَعلمُه كلُّ

٦٦٦
من أحكْمَ النظر وأيَّدَه الله تعالى بفَهْم، وأما كلُّ ما عدا ذلك مما لا يَصِحُّ ببرهان،
وإِنما هو إِقْنَاعٌ أو شَغَب فالقرآنُ وكلامُ النبي عليه الصلاة والسلام منه خاليانٍ
والحمدُ لله رب العالمين.
قال أبو محمد: ومَعَاذَ الله أن يأتيَ كلامُ الله سبحانه وتعالى أو كلامُ نبيه عليه
الصلاة والسلام بما يُبْطِلُه عيان أو برهان، إنما يَنْسُبُ هذا إلى القرآنِ والسُّنَّةِ مَنْ
لا يُؤْمِنُ بهما ويَسعى في إبطالِهِما ﴿ويأبىَ اللَّهُ إلَّ أن يُتِمَّ نُورَه ولو كَرِهَ الكافرون﴾ .
:
/٢٩٧ ولسنا من تفسير الكلبيِّ / ومن جَرَى ◌َجْراه في شيء، ولا نحن من نَقْلِ الَّهَمِين في
شأنٍ، إنما نَحتَجُّ بما نقَلَه الأئمةُ الثقاتُ الأثباتُ من رؤساء المحدِّثين مُسْنَداً، فمن
فَتّش الحديثَ الصحيحَ وجَدَ فيه كلَّ ما قلنا، والحمدُ لله رب العالمين. انتهى ما تعلّقَ
الغَرَضُ بإيراده.
وقد تعرَّض حُجَّةُ الإِسلام أبو حامد الغزالي لبيانٍ عِظَمِ الضَّرَرِ الذي نشأ من
هاتين الطائفتين في كتاب ((المنقذ من الضلال))، ونَحَا في كلامِهِ قريباً من مَنْخَى
ابن خَزْم في ذلك، فارجِعْ إليه إن شئت.
هذا، وممن شَدَّدِ النكيرَ على أولئك المحدِّثين الذين يَرْؤُون الأحاديثَ الضعيفةَ،
من غير بيانِ ضعفها حتى حَصَّل من الضرر ما حَصَل : جمهورُ المتكلمين على اختلافٍ
فِرَقهم. وقد ذَكَّر ابنُّ قتيبة في مقدمة كتاب ((تأويل مختلِفِ الحديث))، ما قاله
المتكلِّمون من القَدَريَّة في ذلك(١).
فإن قيل: إنَّ هؤلاء لا يقولون بالحديث، فكيف يُسمَعُ كلامُهم في أهلِهِ وهم
أشدُّ الناسِ عداوةً لهم؟ يُقالُ: بأنَّ هؤلاء لا يَتوقَّفون في وجوبِ الأخذِ بالحديث إذا
كان متواتراً أو كان غيرَ متواترٍ إلَّ أنه احتَفَّ به من القرائنِ ما يدلُّ على صحتهِ، وإنما
يتوقفون في الأخذِ بالحديثِ إذا كان مروياً من طريق الآحاد، ولم تَقُم قرينةٌ على
صحتِه، وأما الأحاديثُ الضعيفةُ فلا يقولون بها أصلاً، وقد نَحَا مَنحاهم المتكلِّمون
(١) ص ٥ - ١٢

٦٦٧
:
منا، ومن نَظَر في كتب الكلام أو الأصولِ تبين له أنهم لا يُنكرون الأخذَ بالحديث
مطلقاً، كما تُوهِمُه عبارةُ أُناسٍ يُريدون التنفيرَ منهم، مع أنَّ التنفيرَ منهم يمكن أن
يَحْصُل بغير الافتراءِ عليهم، ونسبةٍ ما لا يقولون به إليهم.
المسألةُ الثالِثَةُ: قد عرفتَ أنَّ العلماءَ الأعلام قد أنكروا إنكاراً شديداً على
الذين يَرْؤُون الأحاديثَ الضعيفةً من غير بيانٍ لضعفها، وأما من رواها مع بيانٍ
ضَعْفِها فلم يُنكِروا عليه، وذلك لأنَّ روايةً كثيرٍ من علماء الحديثِ للأحاديثِ
الضعيفة لم تكن تخلو عن فائدةٍ مهمة. قال العلامة النووي في ((شرح مسلم)) (١): قد
ذَكَر مسلم في هذا الباب أنَّ الشعبيَّ رَوَى عن الحارثِ الأعور، وشَهِدَ أنه كاذِب،
وعن غيره: حدَّثني فلانٌ وكان مُتَّهماً، وعن غيرِهِ: الروايةَ عن المغفَّلين والضعفاءِ
والمتروكين، فقد يقال: لِم حَدَّث هؤلاء الأئمةُ عن هؤلاءِ مع علمِهم بأنهم لا يُحْتَجُّ
بهم؟
ويُجابُ عنه بأجوبة: أحدُها أَنَّهِم رَوَوْها لَيَعرِفُوها، ولْيُبِّنوا ضَعْفَها، لئلا يَلْتَّبِسَ
في وقتٍ عليهم أو على غيرهم، أو يتشككوا في أمرِها .
الثاني أنَّ الضعيفَ يُكتَبُ حديثُه ليُعتَبَرَ به أو يُستشهد، كما قدَّمناه في فَصْلِ
الْتَابَعَات (٢)، ولا يُحْتَجُّ به على انفرادِه.
الثالثُ أنَّ رواياتِ الراوي الضعيفِ يكونُ فيها الصحيحُ والضعيفُ والباطلُ،
فيكتبونها ثم يُميِّزُ أهلُ الحديثِ والإِتقان بَعْضَ ذلك من بَعْض، وذلك سَهْلٌ عليهم،
معروفٌ عندهم، وبهذا احتَجَّ سفيانُ الثوريّ حين نَهَى عن الروايةِ عن الكُلْبِيِّ،
فقيل له: أنت تَرْوِي عنه فقال: أنا أعلَمُ صِدقَهُ من كذِبه.
الرابعُ أنهم قد يَرُؤُون عنهم أحاديثَ الترغيبِ والترهيبِ وفضائلِ الأعمال
والقِصَص والزهدِ ومكارمِ الأخلاق ونحو ذلك، مما لا يَتعلَّقُ بالحلالِ والحرام وسائرٍ
(١) ١ :١٢٥.
(٢) أي في ص ٣٣ من شرح مقدمة صحيح مسلم.
1

٦٦٨
الأحكام. وهذا الضربُ من الحديثِ يَجوزُ عندَ أهل الحديث وغيرهم التساهلُ فيه،
وروايةُ ما سِوَى الموضوع منه، والعَمَلُ به، لأنَّ أُصولَ ذلك صحيحةٌ مقرّرةٌ في
الشرع، معروفةٌ عند أهلِه، وعلى كل حالٍ : فإنَّ الأئمةُ لا يَرْؤُون عن الضعفاءِ شيئاً
يَحتَجُّون به على انفرادِهِ في الأحكام، فإن هذا شيءٌ لا يفعله إمامٌ من أئمة المحدثين
ولا محقِّقٌ من غيرهم من العلماء.
/٢٩٨
وأما فِعْلُ / كثيرين من الفقهاءِ أو أكثرِهم ذلك، واعتمادُهم عليه؛ فليس
بصواب بل قبيحٌ جداً، وذلك لأنه إن كان يَعرِفُ ضَعْفَه لم يَحِلَّ له أن يَجِتَجِّ به، فإِنهم
متَّفِقُون على أنه لا يُحْتَجُّ بالضعيفِ في الأحكام، وإن كان لا يَعرِفُ ضعفَه لم يَحِلَّ له
أن يَهْجُم على الاحتجاج به من غير بحثٍ عليه بالتفتيشِ عنه إن كان عارفاً،
أو بسؤالِ أهلِ العلمِ به إن لم يكن عارفاً، والله أعلم .
تنبيه: إذا أردتَ نَقْلَ الحديثِ الضعيفِ بغير إسنادٍ فلا تَقُل فيه: قال رسول الله
كذا، أو فَعَل كذا، لإِشِعارِ ذلك بالجَزْم، بل قُلْ فيه: رُوِيَ عن رسول الله صلَّى الله
عليه وسلَّم أنه قال كذا، أو فَعَل كذا، أو بلَغَنا عنه كذا، أو جاءَ عنه كذا، أو رَوَى
بعضُهم عنه كذا، وما أشبه ذلك من الصِّيَغِ التي لا تُشعِرُ بالجزم.
ومِثْلُ الضَّعِيفِ ما يُشَكُّ في صحتِهِ وضَعْفِهِ، وخِلافُ ذلك منكَرٌ عندَ القوم،
يَستحقُّ صاحبُه اللومُ. قال النووي في مقدمة ((شرح صحيح البخاري))(١): قال
العلماء المحققون من المحدِّثين وغيرهم: إذا كان الحديثُ ضعيفاً لا يقالُ فيه: قال
رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم، أوَ فَعَل، أو أَمَر، أو نَى، أو حَكُم، وشِبْهُ ذلك من
صِيَغ الجزم. وكذا لا يُقال: رَوَى أبو هريرة، أو قالَ، أو ذَكَر، أو أخبر، أو حدَّث،
أو نَّقَل، أو أفتى، وشِبْهُ ذلك، وكذا لا يُقال ذلك في التابعين فمن بعدهم.
فما كان ضعيفاً فلا يقال فيه شيء من ذلك بصيغة الجزم، وإنما يُقال في
(١) ص ١٤.

٦٦٩
الضعيفِ بصيغةِ التمريض فيقال: رُوِي عنه، أو نُقِلَ، أو ذُكِرَ، أو حُكي، أو يُقالُ،
أو يُروَى، أو يُحكَى، أو يُعزَى، أو جاء عنه، أو بلَغَنا عنه.
قالوا: وإذا كان الحديثُ أو غيرُه صحيحاً أو حسناً عَنِ الْمُضَافِ إليه(١)، فيقالُ
بصيغة الجزم، ودليلُ هذا كلِّه أنَّ صيغة الجزم تقتضِي صحتَهُ عن المُضافِ إليه،
فلا يُطلَقُ إلَّ فيما صح، وإلّ فيكون في معنى الكاذب عليه، وهذا التفصيلُ مما تركه
كثيرٌ من الناس من المصنَّفين في الفقهِ والحديثِ وغيرهما ومن غيرهم.
وقد اشتد إنكارُ الإِمام الحافظِ أبي بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي، على
من خالَفَ هذا من العلماء، وهذا التساهلُ من فاعلِهِ قبيحٌ جداً، فإنهم يقولون في
الصحيحِ بصيغةِ التمريض، وفي الضعيف بالجزم، وهذا خروجُ عن الصواب،
وقَلْبٌ للمعاني، والله المستعان.
وقد اعتنى البخاريُّ رضي الله عنه بهذا التفصيلِ في صحيحه، فيقول في
الترجمةِ الواحدةِ بعضَ الكلام بتمريض، وبعضَه بجَزْم، مُراعِياً ما ذكرنا، وهذا
مما يَزِيدُك اعتقاداً في جلالتِهِ وتحرِّيه، ووَرَعِهِ واطّلاعِهِ، وتحقيقِهِ وإتقانِه.
(١) وقع في الأصل ( ... عين المضاف إليه)، وهكذا وقع أيضاً في ((مقدمة شرح صحيح
البخاري)) للنووي ص ١٤، وصوابُه: (عن المضافِ إليه)، بلفظ (عَنْ) حرفِ الجر، كما عبّرَ به
النووي أيضاً في كتابين من كتبه: ((المجموع شرح المهذب)) ١٠٧:١، و((التقريب)» بشرح
((التدريب)) للسيوطي ص ٦٠ و ١١٧:١.
وعبارتُهُ في ((التقريب)): ((فما كان بصِيغة الجزم كقال فلانٌ ... فهو حُكمٌ بصحتِهِ عن
المضافِ إليه)). وعبارته في ((المجموع)): ((قالوا: فصِيَغُ الجزم موضوعةٌ للصحيح أو الحسن، وصِيَغُ
التمريض لما سواهما، وذلك أن صِيَغ الجزم تقتضي صحتَهُ عن المُضافِ إليه)». انتهى.
وبهذا يتبينَّ الغلَطُ الفاحشُ لمن ضَبط العبارة هكذا: (وإذا كان الحديثُ أو غيرُهُ صحيحاً
أو حسناً عُينٌ المضافُ إليه) !!

٦٧١
الفصل السابع
في رواية الحديث بالمعنى وما يتعلّقُ بذلك
اختلف العلماء في روايةِ الحديث بالمعنى، فَذَهَبَ قومُ إلى عدم جوازِذلك
مطلقاً، منهم ابنُ سِيرين وثعلبُ وأبو بكر الرازي وغيرُهم، ويُروَى ذلك عن
ابن عمر، وَذَهَبَ الأكثرون إلى جوازٍ ذلك إذا كان الراوي عارفاً بدقائق الألفاظ،
بصيراً بمقدارِ التفاوت بينها، خبيراً بما يُحِيلُ مَعانِيَها، فإذا أَبدل اللفظَ الذي بَلَغَه بلفظٍ
آخَرَ يقومُ مقامه بحيث يكون معناه مطابقاً لمعنى اللفظِ الذي بَلَغَه جاز ذلك.
وقد تعرَّض لهذه المسألة علماءُ الأصول ولمَّا كانت من المسائل المهمَّةِ جداً أحببتُ
أن أُورِدَ من عباراتِهِم هنا ما يكونُ فيه كفايةٌ لُطالِع / كتابنا، قال الأستاذ أبو إسحاق
الشيرازي في ((اللَّمَع)) (١): بابُ القول في حقيقةِ الروايةِ وما يتصِلُ بها، والاختيارُ في
الرواية أن يَروِيَ الخَبَرَ بلفظِهِ، لقوله صلى الله عليه وسلم: نَضَّر الله امرَأْ سَمِعَ مقالتي
فَوَعَاها ثم أدَّاها كما سَمِع، فرُبَّ حاملٍ فقهٍ إلى من هو أفقَهُ منه.
/٢٩٩
فإن أورَدَ الرواية بالمعنى نُظِرَ فإن كان ممن لا يَعرِفُ معنى الحديث لم يَجُز، لأنه
لا يُؤمِنُ أن يُغيِّرَ معنی الحدیث.
وإن كان ممن يَعرِفُ معنى الحديث نُظِرَ فإن كان ذلك في خَبَرٍ مُحْتَمِل لم يَجُز أن
يَروِيَ بالمعنى، لأنه ربما نَقَلَه بلفظٍ لا يُؤدِّي مُرادَ الرسولِ صلى الله عليه وسلم،
فلا يجوزُ أن يتصرَّفَ فيه، وإن كان خبراً ظاهراً ففيه وجهان، من أصحابنا من قال:
لا يجوز، لأنه ربما كان التعبُّدُ باللفظِ كتكبير الصلاة، والثاني أنه يَجُوز، وهو الأظهر،
. (١) ص ٥٠٤ من ((نزهة المشتاق شرح اللمع لأبي إسحاق))، لشيخنا محمد يحيى أمان.

٦٧٢
لأنه يُؤدِّي معناه، فقامَ مَقامه، ولهذا رُوِيَ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
إذا أَصبتَ المعنی فلا بأس. أهـ.
وهذا الحديثُ قد رواه ابن مَنْدَهْ في ((معرفة الصحابة)) والطبراني في ((المعجم
الكبير))، من حديث عبدِ الله بن سُلَيمان بنٍ أُكَيْمَة الليثي، قال: قلتُ يا رسول الله،
إني أسمَعُ منك الحديثَ لا أستطيعُ أن أُودِّيَه كما أسمَعُه منك، يَزِيدُ حرفاً أُو يَنْقُصُ
حرفاً، فقال: إذا لم تُحِلُّوا حراماً، ولم تُحرِّموا حلالاً، وأصبتُم المعنى فلا بأس(٢).
فِذُكِرَ ذلك للحَسَنِ فقال: لولا هذا ما حَدَّثنا.
وذكر بعضُ أهل الأثر أنَّ أُناساً من المجوِّزين للروايةِ بالمعنى استأنَّسُوا بحديثٍ
مرفوع، فيه: قلنا يا رسول الله، إنا نَسمَعُ منك الحديثَ فلا نَقْدِرُ أن نُؤدِّيَه؟ فقال:
إذا لم تُحِلُّوا حراماً، ولم تُحرِّموا حلالاً، وأصبتُم المعنى فلا بأس. قال: وهو حديثٌ
مضطرِب، لا يَصِحُّ بل ذكره الْجُوْزَقانيُّ وابنُ الجوزي في ((الموضوعات))، وفي ذلك
نظر(١) .
وقال الغزالي في ((المستصفى))(٢): نقلُ الحديثِ بالمعنى دون اللفظ حرامٌ على
الجاهلِ بمواقع الخِطابِ ودقائقِ الألفاظ، أمَّ العالمُ بالفَرْقِ بين الْمُحْتَمِلِ وغيرِ الْمُحْتَمِل
والظاهِرِ والأظهرِ والعامِّ والأعَمِّ، فقد جَوَّز له الشافعيُّ ومالك وأبو حنيفة وجماهيرُ
الفقهاء أنْ يَنْقُلَه على المعنى إذا فَهِمَه .
وقال فريقٌ: لا يجوزُ له إلَّ إبدالُ اللفظِ بما يُرادِفُه ويُساوِيه في المعنى، كما يُبدِّلُ
القُعودُ بالجلوسِ ، والعِلمُ بالمعرفة، والاستطاعةُ بالقُدرة، والإِبصارُ بالإِحساسِ
بالبصر، والحَظْرُ بالتحريم، وسائرُ ما لا يُشَكُّ فيه، وعلى الجملة: ما لا يُتَطِرَّقُّ إليه
(١) انظر الكلام على هذا الحديث في ((الإصابة)) للحافظ ابن حجر، في ترجمة (سُلَيم بن
أُكْيْمة الليثي) ٧٣:٢ و١٦٦:٣ من الطبعة المحققة، وفي ترجمة (محمد بن عبد الله بن سليمان بن
أُگیمة الليثي) ٥١٥:٣ و ٣٤١:٦.
(٢) ١ : ١٦٨.

٦٧٣
تفاوتُ بالاستنباط والفهم، وإنما ذلك فيما فَهِمَهُ قطعاً، لا فيما فَهِمَهُ بنوعٍ
استدلالٍ يختلِفُ فيه الناظرون.
ويَدُلُّ على جوازِ ذلك للعالم الإِجماعُ على جوازٍ شَرْح الشرع للعَجم بلسانهم،
فإذا جاز إبدالُ العربيةِ بعَجَميَّةٍ تُرادِفُها، فلَأَنْ يَجوزَ إبدالُ عربيةٍ بعربيةٍ تُرادِفُها
وتُساوِبها أَوْلَى، وكان سُفَرَاءُ رسول الله صلى الله عليه وسلم في البلاد يُبلِّغونهم أوامرَه
بلغتِهم، وكذلك من سَمِعَ شهادةَ الرسولِ صلى الله عليه وسلم فله أن يَشْهَدَ على
شهادتِهِ بلغةٍ أخرى، وهذا لأنا نعلمُ أنه لا تعبُّدَ في اللفظ، وإنما المقصودُ فَهْمُ المعنى
وإيصالُهُ إلى الخَلْق، وليس في ذلك كالتشهدِ والتكبير وما تُعُبِّدَ فيه باللفظ.
فإن قيل: فقد قال صلى الله عليه وسلم: نضَّر الله امرَأْ سَمِعَ مقالتي فوَعَاها،
فأدَّاها كما سَمِعَها، فرُبَّ مُبَلَّغٍ أوعَی من سامع، ورُبَّ حامل فقهٍ ليس بفقيه، ورُبَّ
حاملٍ فقهٍ إلى من هو أفقَّهُ منه.
قلنا: هذا هو الحُجَّة، لأنه ذَكَر العلةَ وهو اختلافُ الناس في الفقه،
فما لا يَخْتَلِفُ الناسُ فيه من الألفاظِ المترادفةِ فلا يُمنَعُ منه. وهذا الحديثُ بعينِهِ قد نُقِلَ
بألفاظٍ مختلفةٍ والمعنى واحد، وإن أمكن أن تكونَ جميعُ تلك الألفاظِ / قولَ / ٣٠٠
رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في أوقاتٍ مختلفة، لكِنْ الأغلَبُ أنه حديثٌ واحد،
ونُقِلَ بألفاظٍ مختلفة، فإنه رُوِيَ: رَحِمَ الله امرَّأَ، ونَضَّرَ الله امرَأْ. ورُوِيَ: ورُبَّ
حاملِ فقهٍ لا فِقهَ له، ورُبَّ حامل فقهٍ غير فقيه، وكذلك الخُطَبُ المُنَّحِدةُ والوقائعُ
المتحدةُ، رواها الصحابةُ رضي الله عنهم بألفَاظٍ مختلفة، فدلَّ ذلك على الجواز. اهـ.
وقال الفخرُ الرازي في ((المحصول))(١): يجوزُ نقلُ الخبر بالمعنى، وهو مذهَبُ
الحسن البصري وأبي حنيفة - خلافاً لابنِ سِيرين وبعضِ المحدِّثين - ولكِنْ بشرائطَ
ثلاث: إحداها أنْ لا تكونَ الترجمةُ قاصرةً عن الأصل في إفادةِ المعنى. وثانيها أن
لا يكون فيها زيادةٌ ولا نقصان. وثالثها أن تكونَ الترجمةُ مساوِيةً للأصل في الْجَلَاءِ
(١) ٦٦٧:١/٢.

٦٧٤
والخَفَاء، لأنَّ الخِطابَ يقعُ تارةً بالْمُحْكُم، وتارةً بالمتَشَابِهِ، لِحِكَمٍ وأسرارٍ آستأثَرَ اللَّهُ
بعلمها، فلا يجوزُ تغييرُها عن وصفِها.
لنا وجوه: الأول: أنَّ الصحابة نقلوا قصةً واحدةً بألفاظٍ مختلفةٍ، مذكورةٌ في
مجلس واحد، ولم يُنكِر بعضُهم على بعض فيه، وذلك يدلُّ على قولنا.
الثاني: أنه يجوزُ شرحُ الشرع للعَجَم بلسانِهِم، فإذا جاز إبدالُ العربية
بالعَجَمِيَّة فبأَنْ يجوز إبدالُها بعربيةٍ أخرى أولى، ومن أنصَفَ عَلِمَ أن التفاوت بين
العربيةِ وترجمتها بالعربية أقلُّ مما بينها وبين العَجَمية.
الثالثُ: أنه رُوي عنه عليه السلام أنه قال: إذا أصبتُم المعنى فلا بأسَ. وعن
ابن مسعود أنه كان إذا حَدَّث قال: قال رسولُ الله كذا أو نحوه.
الرابعُ: وهو الأقوى أنا نعلمُ بالضرورةِ أنَّ الصحابة الذين رَوّوْا عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم هذه الأخبار، ما كانوا يكتبونها في ذلك المجلس، وما كانوا
يُكرِّرون عليها في ذلك المجلس، بل كما سَمِعُوها يَذْكُرونها، وما ذكروها إلَّ بَعْدَ
الأعصارِ والسنين، وذلك يُوجِبُ القَطْعَ بتعذُّرٍ روايتِها على تلك الألفاظ.
احتَجَّ المخالِفُ بالنصِّ والمعقول.
أما النصُّ فقولُه عليه الصلاة والسلام: رَحِمَ الله امرَأْ سَمِعَ مقالتي فوَعَاها، ثم
أدَّاها كما سَمِعَها. قالوا: وأداؤُهُ كما سَمِعَ هو أداءُ اللفظِ المسموعِ. ونَقْلُ الفقيهِ إلى من
هو أفقَهُ منه، معناهُ والله أعلم أنَّ الأفطَنَ ربما فَطِنَ بفضلِ فقهِهِ من فوائدِ اللفظ بما
لم يَقْطَن له الراوي، لأنه ربما كان دُونَه في الفقه .
وأما المعقولُ فمن وجهين:
الأولُ: أنَّا لَّا جَرَّبْنَا رَأَيْنَا أنَّ المتأخِّرَ ربما استَنَبَطَ من فوائدِ آيةٍ أو خَبَرِ ما لم يَتنبّه
له أهلُ الأعصارِ السالفة من العلماء المحققين، فعَلِمنا أنه لا يجبُ في كلِّ ما كان من
فوائدِ اللفظ أن يَتَنبََّ له السامعُ في الحالِ وإن كان فقيهاً ذكياً نَفْسُه، فلو جَوَّزنا النقلّ
بالمعنى فربما حَصَل التفاوتُ العظيمُ، مع أنَّ الراوِيَ يَظُنُّ أنْ لا تَفَاوُتَ.

٦٧٥
الثاني: أنه لو جاز للراوي تبديلُ لفظِ الرسولِ بلفظِ نفسِهِ، كان للراوي الثاني
تبديلُ اللفظِ الذي سَمِعَه بلفظِ نفسِه بل هذا أولى، لأنَّ تبديلَ لفظِ الراوي أولَى
بالجواز من تبديلِ لفظِ الشارع، وإن كان ذلك في الطبقة الثالثة والرابعةِ فذلك
يُفضِي إلى سقوطِ الكلام الأول، لأنَّ الإِنسان وإن اجتَهَد في تطبيق الترجمةِ لكن
لا ينفكُّ عن تفاوتٍ وإن قَلّ، فإذا توالَتْ هذه التفاوتَاتِ كان التفاوتُ الأخيرُ تفاوتاً
فاحشاً، بحيث لا يَبقى بين الكلام الأخيرِ وبين الأولِ نوعُ مناسَبة.
والجوابُ عن الأول أنَّ من أدَّى كلامَ الرجل فإنه يُوصَفُ بأنه أدَّى كما سَمِعَ
وإن اختَلَفَتْ الألفاظ، وهكذا الشاهدُ والترجمانُ يقعُ عليهما الوصفُ بأنهما أَدَّيا كما
سَمِعا، وإن كان لفظُ الشاهِدِ خلافَ لفظِ المشهودِ عليه ولغةُ المترجِم غيرَ لغة المترجَمِ
عنه. وعن الثاني والثالثِ ما تقدَّمَ قَبْلُ. اهـ.
وقال القرافي في ((شرح تنقيح الفصول في الأصول))(١): ونَقْلُ الخبر بالمعنى عند
أبي الحُسَين وأبي حنيفة والشافعي جائزٌ - خلافاً لابن سيرين وبعضٍ /المحدِّثين -
بشُرُوط: أن لا تَزِيدَ الترجمةُ ولا تَنقُص، ولا تكون أخفَى ولا أجلَى، لأن المقصود إنما
هو إيصالُ المعاني فلا يَضرُّ فواتُ غيرها.
/٣٠١
ومتى زادت عبارةُ الراوي أو نَقَصَتْ فقد زاد في الشرع أو نَقَص، وذلك حرامٌ
إجماعاً، ومتى كانت عبارةُ الحديث جليَّةً فغيَّرَها بعبارةٍ خفيةٍ فقد أوقَعَ في الحديث
وَهْنَاً يُوجِبُ تقديمَ غيرِهِ عليه بسبب خفائِهِ، فإنَّ الأحاديث إذا تعارضَتْ في الحكم
الواحد يُقدَّمُ أجلاها على أخفاها، فإذا كان أصلُ الحديث جَلِيّاً، فأبدَلَه بخَفِيَ، فقد
أبطَلَ منه مزيَّةً حسنة تُخُلُّ به عند التعارض.
وكذلك إذا كان الحديثُ خَفِيَّ العبارة، فأبدَهَا بأجلَى منها، فقد أوجَبَ له
حُكْمَ التقديم على غيره، وحُكْمُ اللَّهِ أن يُقدَّمَ غيرُهُ عليه عند التعارُض، فقد تسبَّب
بهذا التغيير في العبارة إلى تغيير حكم الله تعالى، وذلك لا يجوز. فهذا هو مستنّدُ هذه
(١) ٢: ١٥٤ بحاشية الشيخ محمد جُعَيط.

٦٧٦
الشروط، فإذا حصَلَتْ هذه الشروطُ فحينئذ يجري الخلافُ في الجواز، أما عندَ عدَمِها
فلا يجوز إجماعاً.
حُجَّةُ الجواز أنَّ الصحابة رضي الله عنهم كانوا يسمعون الأحاديثَ ولا يكتبونها
ولا يُكرِّرون عليها، ثم يَرْؤُونها بعدَ السنين الكثيرة، ومثلُ هذا يَجِزِمُ الإِنسانُ فيه بأنَّ
نَفْسَ العبارةِ لا تنضبطُ بل المعنى فقط، ولأنَّ أحاديثَ كثيرةً وقعَتْ بعباراتٍ مختلفةٍ،
وذلك مع اتحادِ القِصَّة، وهو دليلُ جواز النقلِ بالمعنى، ولأنَّ لفظ السُّنَّةِ ليس مُتَعَبَّداً
به، بخلافٍ لفظ القرآن، فإذا ضُبِطَ المعنى فلا يَضرُّ فواتُ ما ليس بمقصود.
حُجَّةُ المنع قولُه عليه الصلاة والسلام: رَحِمَ الله أو نَضَّرَ الله امرَأْ سَمِعَ مقالتي
فأدَّا ها كما سَمِعَها، فرُبَّ حاملِ فقٍ إلى من هو أفقَهُ منه، ورُبَّ حامل فقهٍ إلى من
ليس بفقيه. فقولُهُ: فأدَّاها كما سَمِعَها، يقتضى أن يكون اللفظُ المؤدَّى كاللفظِ
المسموع، عَمَلًا بكافٍ التشبيه. والمسموعُ في الحقيقة إنما هو اللفظُ، وسماعُ المعنى
تَبَعّ له، والتشبيهُ وقع بالمسموع، فلا يُشْبِهُهُ حينئذ إلَّ المسموع، أما المعنى فلا، وذلك
يقتضي أنه عليه الصلاة والسلام أوجَبَ نَقْلَ مِثلِ ما سَمِعَه لا خِلافَهُ، وهو
المطلوب. اهـ.
قال صاحب «ميزان العقول في الأصول)»: مسألة: نَقْلُ الحديثِ بالمعنى هل
يجوزُ أم لا؟ أجمعوا أنه إذا كان لفظاً مشتَرَكاً، أو مُجْمَلاً، أو مُشْكِلاً، فإنه لا يجوزُ إقامةُ
لفظٍ آخرَ مُقَامَه. أمَّا إذا كان لفظاً ظاهراً مفسَّراً فإقامةُ لفظٍ آخَرَ مثلِهِ بأنْ قال: قَعَّدَ
رسولُ الله عليه الصلاة والسلام على رأسِ الركعتين في صلاةِ الظهر، مكانَ ما رُوِيَ
أنه جَلَسَ على رأسِ الركعتين، هل يجوزُ؟ فعندَ أصحابِنا يجوزُ، وهو ظاهرُ مذهبُ
الشافعي، وقد رُوِيّ عن الحسن البصري كذلك.
وقال بعض أصحاب الحديث: إِنه لا يجوز. وقيل: هو اختيارُ ثعلب من أئمة
اللغة، وحُجَّةُ هؤلاء حديثُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه قال: نَضَّر الله امرَّأً
سَمِعَ مَقَالتِي فَوَعَاها وأَدَّاها كما سَمِعَها. ولأنَّ النبيَّ عليه الصلاة والسلام مخصوصٌ
بكمالِ الفصاحةِ والبلاغةِ، كما رُوِيَ أنه قال: أنا أفصَحُ العَرَبِ ولا فَخْرَ. وَرُوِيَ

٦٧٧
عنه أنه قال: أوتِيتُ خمساً لم يُؤْتَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلي، وذَكَر منها: وَأُوتِيتُ جَوَامِعَ الكَلِم.
وإذا كان الأمرُ كذلك فلا شَكَّ أنَّ في النقل إلى لفظٍ آخَرَ احتمالَ الاختلالِ في
المعنى، فيجبُ الاقتصارُ على اللفظِ المنصوصِ عليه، ولهذا الطريقِ لا يجوزُ نقلُ
القرآن بالمعنى، فكذا هذا.
ووَجْهُ قولِ العامَّةِ ما رُوي عن عبد الله بن مسعود وغيرِهِ أنَّ النبي عليه
الصلاة والسلام قال هكذا أو نحواً منه أو قريباً منه. وهذا نَقْلٌ بالمعنى، وقد اشتهر
عن الصحابة أنهم قالوا: أَمَرنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بكذا، ونهانا عن كذا.
وهذا نَقلٌ من حيث المعنى، وإجماعُ الصحابة حُجَّة .
/٣٠٢
/ والمعنى في المسألة هو أنَّ الامتناع إمّا أن يكون لأجلِ اللفظ، أو لأجلٍ
المعنى، والأوَّلُ فاسد، فإِنَّ سُنَّةَ النبي عليه الصلاة والسلام وُضِعَتْ لبيانِ الأحكام،
وهو الغَرَضُ، وهذا لا يختصُّ بلفظِ دون لفظ، ولأنه لم يَتَعلَّق شيء من الغَرَضِ بلفظِ
الحديث، لأنه ليس بُعْجِز، ولا يَتعلَّقُ الثوابُ وجوازُ الصلاةِ به، بخلافِ القرآنِ فإنه
مُعْجِز، وقد تعلَّقَ بتلاوتِهِ الثوابُ وجوازُ الصلاة.
فلئن كان لا يجوزُ نقلُ القرآنِ من لفظٍ إلى لفظ، فلم ذا لا يجوزُ في الحديثِ؟
مع أنَّ ثَمَّ جاء النقلُ بطريقِ الرُّخصةِ أيضاً، كما رُوِيّ عن عبد الله بن مسعود أنه
سَمِعَ رجلاً يقول: طَعَامُ اليتيم. ولم يمكنه أن يقول: طَعَامُ الأَثِيِمْ. فقال له قل:
طَعَامُ الفاجِرِ، فَلَّنْ يَجوزَ في الحديثِ أولى.
وإن كان لأجل المعنى فالمعنى لا يختلِفُ ولا يَخْتَلُّ بالنقلِ إلى لفظٍ مثلِهِ في
المعنى، نحو قولهِم: قَعَدَ، مكانَ جَلَسَ، ولهذا كان نقلُ كلمةِ الشهادة من اللفظِ
المرويِّ بالعربية إلى كل لسان جائز، لَّا كان الغَرَضُ هو المعنى دون اللفظ، فكذا
هذا، بخلاف الأذانِ والتشهُّدِ، حيث لا يجوزُ النقلُ عن ألفاظها إلى غيرهما، لأنَّ
الشرع جاء بتلاوة ألفاظِهما، وعلَّق بهما الثوابَ الخاصَّ، على أنَّ الأذَانَ شُرِعَ
للإِعلام، وإنه لا يَحصُلُ إلَّ بالألفاظ المعروفة، ولهذا لم يُجُوِّزُوا النقلَ من اللفظِ
المشتَرَكِ والمجمّل إلى لفظٍ آخر، لما فيه من احتمالِ الإِخلالِ بالمعنى.

٦٧٨
وأمَّ الحديثُ فنقولُ: لا حُجَّةَ في الحديثِ لأنَّ من نَقَل الحديثَ بالمعنى من كل
وجهٍ يُقالُ: إنه أدَّى كما سَمِع، فإنه يُقالُ للمترجِم من لغةٍ إلى لغةٍ: قد أدَّى كما
سَمِعَ. على أنَّ المرادَ بالحديث إذا كان لفظُ الحديث: مشتركاً، أو مشكِلاً، أو مُجْمَلًا،
يمكن احتمالُ الخَلَل فيه بالنقلِ إلى لفظ آخر، ونحن نمنعُ النقلَ في مثلِ هذا الموضع
لهذا الوَهَم، وفي الحديث ما يَدلُّ عليه، فإنه قال: فِرُبَّ حاملِ فقٍ إلى من هو أفقَهُ
منه، ورُبَّ حاملٍ فقهٍ ليس بفقيه. وما لا يَشتبِهُ من الألفاظ، ولا يَخْتَلِفُ اجتهادُ
المجتهدين فيه: يَستوِي فيه الفقيهُ وغيرُ الفقيه والكاملُ في الفقهِ والناقصُ. اهـ.
وقال بعض علماء الحنابلة: تجوزُ روايةُ الحديث بالمعنى المطابِقِ للفظِ للعارفِ
بمقتَضَيَات الألفاظ، الفارِقِ بينها، ومنّعَ منه ابنُ سِيرين لقوله عليه الصلاة والسلام:
فأدَّاها كما سَمِعَها. ولقوله عليه الصلاة والسلام للبَرَاءِ حِينَ قال ورَسُولِكَ الذي
أَرْسَلْتَ. قال: قل: ونَبِّك الذي أَرْسَلت.
ولنا جوازٌ شرحِ الحديث والشهادةِ على الشهادةِ العربية بالعجَمِيَّةِ وعكسِه؛
فهذا أولى، ولأنَّ التعبّدَ بالمعنى لا باللفظِ، بخلافِ القرآن، ولأنه جائز في غير السُّنَّة،
فكذا فيها، إذْ الكذِبُ حرامٌ فيهما، والراوي بالمعنى المطابِقِ مُؤَدِّ كما سَمِع. ثم المرادُ
منه من لا يُفرِّقُ، وليس الكلامُ فيه. وفائدةُ قوله عليه الصلاة والسلام للبراء ما ذَكَرَ:
عَدَمُ الالتباسِ بجبريل، أو الْجَمْعُ بين لفظَتِّ النُّبُوَّةِ والرسالة. قال أبو الخَطَّاب.
ولا يُبدِلُ لفظاً بأظهَرَ منه، إذْ الشارعُ ربما قَصَد إيصالَ الحكم باللفظِ الجليِّ تارةً،
وبالخفيِّ أخرى. قلتُ: وكذا بالعكس، وهو أولى. وقد فُهِمَ هذا من قولنا: المعنى
المطابِق. والله أعلم.
وقال ابن حزم(١): فَصْلٌ قال عليّ: وحُكم الخبر عن النبي صلى الله عليه
وسلم أن يُورَدَ بنَصِّ لفظِهِ، لا يُبدَّلُ ولا يُغيِّرُ إلَّ في حالٍ واحدة، وهي أن يكون المرءُ
(١) في ((الإحكام)) ٢: ٨٦ و٢٠٥:٢.

:
٦٧٩
قد تَثَبَّتَ فِيه وعَرَفَ معناه يَقيناً، فيُسألُ فَيُفتي بمعناه ومُوْجَبِهِ، فيقول: حَكَمَ رسولُ الله
بكذا، ونَهَى عن كذا، وحَرَّم كذا، والواجبُ في هذه القضية ما صَحَّ عن النبي
صلى الله عليه وسلم وهو كذا، وكذلك الحكمُ فيما جاء من الحُكْم في القرآنِ
ولا فَرْقَ.
وجائزٌ أن يُخِرَ المرءُ بُوجَبِ الآيةِ وبحُكمِها بغير لفظها، وهذا ما لا خلافَ فيه
من أحدٍ في أنَّ ذلك مباحٌ كما ذكرنا. وأمَّا من حَدَّثَ وأَسنَدَ / القولَ إلى النبي
صلى الله عليه وسلم، وقَصَدَ التبليغَ لما بَلَغَه عن النبي صلى الله عليه وسلم،
فلا يَحِلُّ له إلَّ تحرِّي الألفاظِ كما سَمِعَها، لا يُبدِّلُ حرفاً مكانَ آخَر، وإن كان معناهما
واحداً، ولا يُقدِّمُ حرفاً ولا يُؤْخِّرُ آخَر، وكذلك من قَصَد تلاوةَ آيةٍ أو تعلُّمَها
ولا فرقَ.
/٣٠٣
وبرهانُ ذلك أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم علَّم البراء بن عازب دُعاءً، وفيه:
ونبِّكَ الذي أرْسَلتَ. فلمّا أراد البراءُ أن يَعرِضَ ذلك الدعاءَ على النبي صلى الله
عليه وسلم قال: وبرَسُولِك الذي أَرْسَلتَ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا،
وبِنَبِّك الذي أَرْسَلتَ. فأمَرَه عليه الصلاة والسلام أن لا يَضَعَ لفظةَ رسولٍ في
موضع لفظةٍ نبي، وذلك حَقُّ لا يُحِيلُ معنى، وهو عليه السلامُ: رسولٌ ونبي .
فكيف يَسُوُ للجُهَّال المُغَفَّلِين أن يقولوا: إنه عليه الصلاة والسلام كان يُجيز
أن يُوضَعَ في القرآنِ مكانَ: عزيزٌ حكيم: غفورٌ رحيم، أو سميعٌ عليم. وهو يَمنعُ من
ذلك في دُعاءٍ ليس قرآناً، واللَّهُ يقولُ مخبراً عن نبيِّهِ﴿ما يكونُ لِيْ أنْ أُبدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِ
نَفْسِي﴾ ولا تبديلَ أكثرُ من وَضْع كلمةٍ مكانَ أخرى.
أم كيف يَسُوغُ إباحةُ القراءةِ المفروضةِ في الصلاةِ بالأعجمية، مَعَ ما ذكرنا ومَعَ
إجماع الأمَّةِ أنَّ إنساناً لو قرأ أُمَّ القرآن فقَدَّمَ آيَةً على أخرى، أو قال: الشُّكْرُ للصَّمَدِ
مَوْلَى الْخَلَائِقِ، وزَعَمَ أنَّ ذلك في القرآن، لَعُدَّ ممن يَفترِي على الله الكذب! ومَعَ قولِهِ
تعالى: ﴿لِسانُ الذي يُلْحِدُون إليه أعْجَمِيُّ وهذا لِسانٌ عَرَبيِّ مُبِين﴾. ففَرَّق تعالى

٦٨٠
بينهما، وأخبَرَ أنّ القرآنَ إنما هو باللفظِ العربيِّ لا العَجَمِيّ، وأَمَرَ بقراءةِ القرآنِ في
الصلاة، فمن قرأ بالأعجمية فلم يقرأ القرآن بلا شك.
واحتَجَّ بعضُهم في ذلك بقوله تعالى: ﴿وإنَّه لفي زُبُرِ الأَوَّلِينَ﴾، وبخِطابه
تعالى لنا بالعربيةِ حاكياً كلامَ موسى عليه السلام.
قال عليّ: وهذا لاِ حُجَّةَ لهم فيه، لأنَّ الذي في زُبُرِ الأوَّلين إنما هو معنى القرآنِ
لا القرآنُ، ولو كان القرآنُ في زُبُرِ الأوَّلين لما كان محمدٌ صلى الله عليه وسلم مخصوصاً
به، ولا كانت له فيه آية. وهذا خلافُ النص.
وأما حكايتُهُ تعالى لنا كلامَ موسى وغيرِهِ بِلْغَتِنا، فلم يُلزِمنا تعالى بقراءةٍ
ألفاظِهم بنصها، ولا نمنعُ نحن تفسيرَ القرآن بالأعجميَّةِ لمن يُترجَمُ له، وإنما نمنّعُ من
تلاويّهِ في الصلاةِ، أو على سبيلِ التقربِ بتلاوته إلى الله تعالى، بغير اللفظِ الذي
أَنزِلَ به، لا بكلامٍ أعجمي ولا بغير تلك الألفاظ وإن وافقَتْها في العربية،
ولا بتقديمِ تلك الألفاظِ بعينها ولا بتأخيرها، وإنما نُجيزُ الترجمةَ التي أجازها النصَُّ
على سبيلِ التعليم والإِفهام فقط، لا على سبيل التلاوةِ التي يُقصَدُ بها القُرْبَةُ، وبالله
تعالى التوفيق.
ومن حُدِّثَ بحديثٍ فَبَلَّغَه إلى غيرِهِ كما بَلَّغَه إياه غيرُهُ وأَخَذَ عنه، فليس عليه
أن يكرِّرَه أبداً، فقد أدَّى ما عليه بتبليغه .
وأما اللَّحْنُ في الحديث فإن كان شيئاً له وَجْهٌ في لغةِ بعضِ العرب، فليّرْوِه كما
سَمِعَه، ولا يُبَدِّلْهُ ولا يَرُدَّه إلى أفصَحَ منهُ، ولا إلى غيره،وإن كان شيئاً لا وَجْه له في
لغةِ العرب آلبتَّةَ، فحرامٌ على كل مسلم أن يُحدِّثَ باللَّحْنِ عن رسول الله صلى الله
عليه وسلم، فإن فَعَل فهو كاذبٌ عليه، لأنا قد أيقنًّا أنه عليه السلام لم يَلْحَن قط،
وفَرْضٌ عليه أن يُصلِحَهِ ويَبْشُرَهُ - يَكشِطَهُ - من كِتابِهِ، ويَكْتُبُهُ مُعْرَباً، ويُحدِّثَ به
مُعْرَباً ولا يلتفِتَ إلى ما وَجَد في كتابه من لحن، ولا إلى ما حَدَّثَه به شيوخُه ملحوناً.
ولهذا لَزِمَ من طلَبَ الفقهَ أن يَتعلَّمُ النحوَ واللغةَ، وإلّ فهو ناقصٌ منحطٌّ .

٦٨١
/ ٣٠٤
لا تجوزُ له الفُتْيَا في دين الله عز وجل. وكان ابنُ عُمَر يَضرِبُ وَلَدَهُ على اللحنِ. وقد
رُوِيَ عن شعبة أو عن حماد بن سلمة - الشَّكُّ مني - أنه قال: من / حَدَّث عني
بلَحْنٍ فقد كَذَبَ عليَّ. وكان شعبةُ وحمادٌ وخالدُ بن الحارث ويشرٌّ بن المُفَضَّل والحسَنُ
البصري لا يَلْحَنون آلبتَّةَ. وبالله التوفيق.
وقال ابنُ المُطَهَّرِ الحِلِيِّ في ((نهاية الوصول)» في البحث الحادي عشر في نقل
الحديث بالمعنى: اختلف الناسُ في أنه هل يجوزُ نقلُ الحديثِ المرويِّ عن النبي عليه
الصلاة والسلام بالمعنى، فجّوَّزه الشافعيُّ وأبو حنيفة ومالك وأحمد والحسن البصري
وأكثرُ الفقهاء وبعضُ المحدثين.
والمجوِّزون شرطوا أموراً ثلاثة: الأولُ أن لا تكون الترجمةُ قاصرةً عن الأصل
في إفادة المعنى. الثاني أن لا يكون فيها زيادةٌ ولا نقصان. الثالثُ أن تكون الترجمةُ
مساويةً للأصل في الجَلاَءِ والخَفَاء، لأنَّ الخطاب قد يقعُ بالُحْكُم والمتشابِهِ لحكمةٍ
خفيَّة، فلا يجوزُ تَغِْيرُها عن وصفها.
والمانعون جوّزوا إبدالَ اللفظِ بمرادفِهِ ومُساوِيه في المعنى، كما يُبدَّلُ القُعودُ
بالجلوس، والعلمُ بالمعرفة، والاستطاعةِ بالقدرة، والحظرُ بالتحريم. وبالجملة:
ما لا يتطرق إليه تفاوتٌ في الاستنباطِ والفهم، وإنما ذلك فيما فُهِمَ قطعاً، لا فيما فُهِم
بنوعٍ من الاستدلال الذي يَخْتلِفُ فيه الناظرون. واتفقوا على منع الجاهل بمواقع
الخطاب ودقائقِ الألفاظ، وإنما الخلافُ في العالم الفارِقِ بين المحتمِلِ وغيرِهِ، والظاهِرِ
والأظهَر، والعامِّ والأعَمِّ.
والوَجْهُ الجوازُ، لنا وجوه: الأولُ الصحابةُ نَقَلُوا قِصةً واحدةً مذكورةً في مجلسٍ
واحد بألفاظٍ مختلفة، ولم يُنكِر بعضُهم على بعضٍ فيه، وهو يَدُلُّ على قبولِه، وفيه
نظر، لأنه حكايةُ حالٍ، فلعلهم عَرَفوا أنَّ الراويَ قَصَد نَقْلَ المعنى، ونَبَّه بما يَدُلُّ
عليه .
الثاني يجوزُ شَرْحُ الشرع للعجمي بلسانِه، وهو إبدالُ العربية بالعجمية،
فبالعربية أولى، ومعلومٌ أنَّ التفاوت بين العربية وترجمتها أقلُّ مما بينها وبين العجمية،

٦٨٢
وفيه نظر، فإنَّ السامعَ للترجمة يَعلمُ أنَّ المسموعَ ليس كلامَ النبيّ عليه الصلاة
والسلام بل معناه.
الثالثُ رُوِيَ عنه عليه الصلاة والسلام: إذا أصبتم المعنى فلا بأسَ. وفيه
نظر، إذْ المرادُ نَفْيُ البأس في العَمَلِ بمقتَضَىَ ما دَلَّ عليه الحديث، لا النَّقْلُ عنه.
الرابعُ كان ابن مسعود إذا حَدَّث قال: قال رسول الله كذا أو نحوه، وفيه
نظر، إذ الفَرْقُ واقعُ بين ما إذا أَطلَقَ أو قال: كذا أو نحوه، فإن فيه تصريحاً بنقلٍ.
المعنى وأنَّ اللفظَ منه.
الخامسُ نَعلمُ قطعاً أنَّ الصحابة لم يكتبوا ما نقلوه ولا كرَّروا عليه، بل كما
سَمِعوا أَهْمَلوا إلى وقتِ الحاجة بَعْدَ مُدَدٍ متباعِدة، وذلك يُوجِبُ القطعَ بأنهم لم ينقلوا
نفسَ اللفظِ بل المعنى ..
السادسُ اللفظُ غيرُ مقصود لذاتِهِ، وإنما القصدُ المعنى، واللفظُ أداةٌ في
استعلامِهِ، فلا فَرْقَ لإِثباتِ ذلك المعنى بأي لفظ اتفق.
واحتَجَّ المخالفُ بوجوهٍ: الأولُ قولُه عليه الصلاة والسلام: نَضَّر الله امرَّأَ سَمِعَ
مقالتي فوعاها فأدَّاها كما سَمِعَها، فرُبَّ مبلَّغ أوعَی من سامع، ورُبَّ حاملٍ فقٍ لیس
بفقيه، ورُبَّ حامل فقهٍ إلى من هو أفقَهُ منه. وأداؤُه كما سَمِعَ هو أداءُ اللفظِ
المسموع، ونقلُ الفقه إلى من هو أفقَهُ منه معناه أنَّ الأفقَهَ قد يتفطّنُ بفَضْلِ معرفتِهِ
من فوائِدِ اللفظِ لما لا يَتغطّنُ إليه غيرُ الفقيه الذي رواه.
: الثاني التجربةُ دلَّتْ على أنَّ المتأخر يَستخرج من فوائدِ ألفاظِ النبي عليه
الصلاة والسلام ما لم يَسبقه المتقدِّمُ إليه، فعَرَفنا أن السامعَ لا يَجِبُ أن يَتَبَّهَ لفوائِدٍ
اللفظِ في الحال وإن كان فقيهاً ذكياً، فجاز أن يَتوهَّمَ في اللفظِ الُبْدَلِ أنه مساوٍ
للآخر، وبينهما تفاوتٌ لم یتفطّن له.
الثالثُ لو جاز للراوي تبديلُ لفظِ الرسول بلفظٍ من عندِهِ، لجاز للراوي عنّ
/٣٠٥ الراوي تبديلُ لفظِ الأصلِ بل هو أولَى، / فإنَّ تبديلَ لفظِ الراوي أولى من تبديلٍ.