Indexed OCR Text
Pages 521-540
٤٦٣ أبو نَضْرَة المنذرُ بن مالك، تابعيٌّ، راوِيَةُ أبي سعيد الخدري . وأبو بَصْرَة حَيْلُ بنُ بَصْرَة، صحابي(١). أبو مَعْبَد، وأبو مُعِيْد. فأمَّا أبو مَعْبَد فجماعةٌ، منهم صاحبُ عبدِ الله بن عباس. وأبو مُعِيد حفصُ بن غَيْلانَ الدمشقيُّ . الجنسُ الخامسُ من هذا النوع: المتشابهُ في صِناعاتِ الرُّواةِ. الجَزَّار، والخَرَّاز، والخَزَّاز، والجَرَّار. أمَّا الْجَزَّارون فمنهم شيخُنا عبدُ الرحمن بن حَمْدَانَ الَمَذَاني، سَمِعَ ((المسنَدَ)) من إبراهيم بن نصر الرازي، و ((المسنَدَ)) من هلالٍ بن العلاء الرَّقِّي. فأمَّا الخَرَّازُ فعبدُ اللّه بن عَوْن شيخٌ كبيرٌ من أهل العراق. وأما أبو عثمان سعيدُ بن عثمان الخرّاز فحدَّثُونا عنه، عن أبي بكر بن أبي شَيْبة، وغيره. وأمَّ الخَزَّازُون بالزايين فمنهم أبو عامر صالحُ بن رُسْتُم البَصْرِيِ الخَّاز، سَمِعَ الحسَنَ بن أبي الحسن، وعبدَ اللّه بن أبي مُلَيْكَة. وأما الجَرَّارُ بالراءين فأبو مسعود الجَرَّارُ الكوفي، عندَهُ عن الشعبيِّ وإبراهيمٌ النخعي . والبَقَّال، والنَّقَّال. البَقَّالُ أبو سَعْد سعيدُ بن الْمَرْزُبان الكوفي، تابعيّ . (١) قال ابن حجر في ((التقريب)) في حرف الحاء المهملة: ((حُمّيْل مثلُ حُميد لكن آخره لام، وقيل بفتح أوله، وقيل بالجيم، ابن بَصْرة بفتح الموحدة، ابن وَقَّاص، أبو بَصْرَةِ الغِفَاري، صحابي، سکن مصر ومات بها)». ٤٦٤ والنَّقَّلُ الحارثُ بن سُرَيج من كبار المحدِّثين، وعِدادُه في البغداديين، وهُو الذي ◌َل كتابَ ((الرسالة)) منِ يَدِ الشافعي إلى عبد الرحمن بن مَهْدِي .. الجنسُ السادسُ من هذا النوع: قومٌ من رُواة الأخبار يَروِي عنهم راوٍ واحدٌ، فَتَشْتَبِهُ على الناس كُنَاهم وأسامِيهم. مثالُ ذلك أبو إسحاق عَمْرُو بنُ عبد الله السُّبِيعي. وأبو إسحاق إسماعيلُ بن رَجَاء الزُّبَيْدِي، وأبو إسحاق إبراهيمُ بن مُسْلِم الهَجَرِي، قد رَوَوْا كلُّهم عن /١٩٧ عبدِ الله بن أبي أوْثَى، وقَد / رَوَى عنهم الثوريُّ وشعبةُ. وينبغي لصاحبِ الحديثِ أن يَعرِفَ الغالبَ على رِوَاياتِ كلٍّ منهم، فيتميَّزُ حديثُ هذا من ذلك. والسبيلُ إلى معرفتِهِ أنَّ الثوريَّ وشعبة إذا رَوَّيا عنْ أبي إسحاق السَّبِيعي لا يزيدانِ على أبي إسحاق، فقط. والغالبُ على روايةٍ أبي إسحاق عن الصحابةِ: الْبَرَاءُ بنُ عازب، وزيدُ بن أرْقَم، فإذا رَوَى عن التابعين فإنه يَروِي عن جماعةٍ تروِي عِن هؤلاء. وإذا رَوَيَا عن أبي إسحاقَ الشيبانيِّ فإنهما يَذْكرانِ الشيبانيّ في أكثرِ الروايات. فإذا لم يَذِكُرا ذلك فالعلامَةُ الصحيحةُ أنَّ ما يُروِيَانِ عن أبي إسحاق، عن الشعبي، هو أبو إسحاق الشيبانيُّ دون غيره .. وأما المَجَرِيُّ فإنَّ شعبة أكثرُهُما عنه روايةً، وأكثرُ روايةِ الْهَجْرِيّ عنْ أبي الأحوصِ الْجُشَمِي والسَّبِيعيُّ أيضاً كثيرُ الروايةِ عن أبي الأحوصِ، فلا يقَعُ التمييزُ في ذلك إلاَّ بالحفظِ والدراية، فإنَّ الفرقَ بين حديثِ هذا وذاك عنْ أبي الأحوصِ : يَطُولُ شَرْحُه. وأما الزُّبَيْدِيُّ فإنهما في أكثر الرواياتِ يسميانِهِ ولا يُكْنِّيانه، إنما يقولان إسماعيلُ بن رَجَاء. وأكثرُ روايتِهِ عن أبيهِ وإبراهيم النخعيِّ . وقد رَوَى شعبةُ عن أبي بِشْرِ، وأبي بِشْر، وقلّما يُسمِّي واحداً منهما. وأحدُهما أبو بِشْرٍ بَيَانُ بن بِشْرِ الأَحْمَسِي، كوفيٌّ تابعيُّ. والآخَرُ أبو بِشْرٍ جعفر بن أبي وَحْشِيَّة، وأبو وَحْشِيَّة إياسٌ، وهو بَصرِيٌّ. ٤٦٥ والحافظُ المميّزُ إذا وَجَدَ الحديثَ: عن شعبة، عن أبي بِشْرِ، عن قيسِ بنِ أبي حازم، أو الشعبيٍّ عَلِمَ أنه بَيّانُ بن بِشْرِ، وإذا وَجَدَ الحديثَ: عن أبي بِشْرِ، عن سَعِيد بن جُبَيْرِ، عَلِمَ أنه جعفر بن أبي وَحْشِيَّة. النوعُ السابعُ من هذا النوع: قومٌ تَتَّفِقُ أسامِيهم وأسامِي آبائِهم، ثم الرواةُ عنهم من طبقةٍ واحدةٍ من المحدِّثين، فيَشتَبِهُ التمييزُ بينهم . ومثالُ ذلك رَبيعُ بن سُلَيمان، وربيعُ بن سُلَيمان، مِصْريَّان في عَصْرٍ واحد، أحدُهما المُرَادِيُّ صاحبُ الشافعي، والثاني الجيزيُّ أبو أبي عُبَيْدِ الله محمدٍ بن الرَّبِيع الجيزيّ، وإسنادُهما متقارِبٌ. سمعتُ الفقيهَ أبا بكر الأبْهَرِيِّ يقول، سمعتُ أبا بكر بن داود يقولُ لأبي علي النيسابوريِّ الحافظِ: يا أبا علي، إبراهيمُ عن إبراهيمَ، عن إبراهيمَ من هم؟ فقال أبو علي: إبراهيمُ بن طَهْمَان، عن إبراهيمَ بن عامِرِ البَجَلِيِّ، عن إبراهيمَ النخعيِّ، فقال: أحسنتَ يا أبا علي. ذكرُ النوع الثامن والأربعين من علوم الحديث(١) هذا النوعُ من هذه العلوم معرفَةُ مَغَازِي رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وسَرَاياه، وبُعوثِهِ، وكُتُبِهِ إلى ملوكِ المشركين، وما يَصِحُّ من ذلك وما يَشِذُّ وما أَبلَى كلُّ واحدٍ من الصحابة في تلك الحروبِ بين يديه، ومن ثَبَت ومن هَرَب، ومن جَبُنَ عن القتال ومن كَرِّ، ومن تَدَيَّنَ بنُصرتِهِ صلَّى الله عليه وسلَّم ومن نافَقَ، وكيف قُسَم الغنائمَ، وكيف جَعَلَ سَلَبَ القتيلِ بين الاثنينِ والثلاثة، وكيف أقام الحدودَ في الغُلُول. وهذه أنواعٌ من العلوم لا يَستغني عنها عالم. حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، قال: حدثنا الحسن بن علي بن عفان، قال: حدثنا عَمْرُو بن محمد العَنْقَرِيّ، قال: حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، قال: كنتُ إلى جنبٍ زيد بن أرقم في يومٍ فِطر، فقلتُ له: كم غَزوتَ مع النبي صلَّى الله (١) هذا النوع في ((معرفة علوم الحديث)) ص ٢٣٨. ٤٦٦ عليه وسلَّم؟ قال: سَبْعَ عَشْرَة، فقلتُ: كم غزا النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم؟ قال: تِسْعَ عَشْرَةِ. قال أبو عبد الله: قد أخبَرَ زيدٌ عن أكثرِ الأحوال التي شَهِدَها. وقال جابر بن /١٩٨ عبد الله: غَزَا رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم إحدى وعِشرين غَزْوة. أخبرنا أبو عبد الله محمد بن علي الصَّنْعَاني بمكة، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن عَبَّاد، قال: أخبرنا عبدُ الرزاق، عن مَعْمَر، عن الزهري، قال: غزا النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أربعاً وعشرين غَزْوَة. قال أبو عبد الله: وقد ذَكَر جماعةٌ من الأئمة أنَّ أصحَّ المغازي كتابُ موسى بن عقبة، عن ابن شهاب، فأخبَرَنا إسماعيلُ بن محمد بنِ الفضلِ بن محمد الشَّعْرَانِيُّ، قال: حدثنا جَدِّي، قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر، قال: حدثنا محمدُ بن فُلَيْح، عن موسى بن عُقْبَة، قال: قال ابنُ شِهاب: غَزَا رسولُ الله بَدْراً، والكُذْر، ماءٌ لِبني سُلَيم، ثم غزا غَطَفَانَ بنَخْل، ثم غَزَا قُرْيشاً وبنِي سُلَيم بنَجْرَان، ثم غزا يومَ أحد، ثم طَلَبَ العَذُوَّ بِحَمْراءِ الأَسَد، ثم غَزَا قُرَيشاً لموعدِهم فأخلَفُوه، ثم غزا بَنِي النَّضِير، ثم غزا تِلِقاءَ نَجْد، يريدُ مُحارِباً وبَنِي ثَعْلَبَة، ثم غَزْوَةَ ذاتِ الرِّقَاعِ، ثم غَزْوَةَ دُوْمَة، ثم غزوةَ الخَنَّدَق، ثم غزوةً بني قُرَيْظَة، ثم غزوة بني المصْطَلِقِ بالمُرَيْسِيْعِ، ثم ذاتَ السَّلاسِل من مَشارِفِ الشام، ثم غَزْوَةَ القَرَد، وَغَزْوَةً الجَمُوحِ(١)، تلقاءَ أرض بني سُلَيم، وغزوةَ حِسْمَى(٢)، وغزوةَ .. (١) وقع في الأصل: (غزوة الجموع)، أي بالعين المهملة في آخره. وهو تجريف عن (الجَمُوح) بالحاء المهملة كما في نسخة الإسكندرية من ((المعرفة)). قال الزرقاني في «شرح المواهب اللدنية)) ٢: ١٧٩ (الجُمُوح بحاء: مهملة))، وذكر قبلَ ذلك أنه يقال: (الجُمُوم بفتح الجيم وضم المیم مخففة)). (٢) وقع في الأصل (غزوة حسم)، وهو تحريف عن (حِسْمَى)، قال الزرقاني في ((شرح المواهب اللدنية)) ١٨٢:٢ ((حِسْمَى بكسر الحاء المهملة، وسكون السين المهملة، وفتح الميم، مقصوراً على مثال فِعْلَى بكسر الأولى)). انتهى. ٤٦٧ الطّرِف(١)، وغزوةَ وادِي القُرَى فهذه غَزَوات رسول الله بأصح الأسانيد. فَأَمَّا سَرَايا رسولِ الله فكثيرةٌ، وقد أخبرنا محمدُ بن إبراهيم الهاشمي، قال: حدثنا الحسين بن محمد القَبَّاني، قال: حدثني أحمدُ بن الحجّاج، قال: حدثنا معاذ بن فَضَالة أبو زيد، قال: حدثني هشامٌ، عن قتادة أنَّ مغازيّ رسولِ الله وسَرَاياهُ كانت ثلاثاً وأربعين. قال أبو عبد الله: هكذا كتبناه، وأظُنُّهُ أرادَ السَّرَايَا دُونَ الغَزَواتِ، فقد ذكرتُ في كتاب ((الإِكليل)) على الترتيب بُعوثَ رسولِ الله وسراياه، زيادةً على المئة، وأخبرني الثقةُ من أصحابنا ببخارى أنه قرأ في كتاب أبي عبد الله محمد بن نَصْر: السَّرَايَا والبعوثَ دُونَ الحروب بنفسِهِ نَيِّفاً وسبعين. قال أبو عبد الله: وهذا الموضعُ لا يَسَعُ من ذكرِ هذا العلم أكثرَ مما ذكرتُه. وهذه آدابُ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم في المغازي التي كان يُوصي بها أمراء الأجناد أخبرنا عبد الله بن إسحاق بن إبراهيم البغوي ببغداد، قال: حدثنا محمد بن العباس الكابلي، قال: حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي، قال: حدثنا ابنُ أبي زائدة، عن عَمْرو بن قَيْس، عن علقمة بن مَرْثَد، عن سليمان بن بُرَيدة، عن أبيه: أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم كان إذا بَعَثَ سَرِيَّةً أوضَاهُم بتقوى اللَّهِ في خَاصَّةٍ نَفْسِهِ وَمَنْ مَعَهُ من الْمُسْلِمين، ثم يقولُ: اغْزُوا بسمِ الله، وفي سبيلِ الله، قاتِلُوا من كَفَر بالله، لا تَغُلُّوا، ولا تَغْدِرُوا، ولا تُمثِّلُوا، ولا تَقْتُلُوا وَلِيداً، ولا شَيْخاً فانياً. وإذا لَقِيتَ عَدُوَّك من المشركين فَادْعُهم إلى ثلاث خصال، فأيّتهن أجابوك إليها (١) قال الزرقاني في ((شرح المواهب اللدنية)) ١٨٢:٢ ((بفتح الطاء وكسر الراء، قال صاحب القاموس فيه: ککتِف)». ٤٦٨ فاقْبَلْ منهم، وكُفَّ عنهم: ادْعُهم إلى الإِسلام، فإن هم أجابوك فاقْبَلْ منهم، وكُفَّ عنهم، ثم ادْعُهم إلى التحوُّلِ من دارِهم، فإن هم أجابوك وإلّ فأخْبِرِهِم أنهم كأعرابِ المسلمين، ليس لهم في الفَيْءِ والغنيمةِ نَصِيبٌ إلَّا أن يُجَاهِدُوا مع المسلمين، فإن هم أَبُوْا فادْعُهم إلى إعطاءِ الجزية عن يَدٍ وهُمْ صاغِرون. وإذا حاصَرْتَ، أَهلَ حِصْنٍ فأرادوك أن تُنزِغَم على حُكم الله، فلا تُنْزِّهُم على حكم الله، فإنك لا تَدْرِي ما حُكمُ اللَّهِ فيهم، وإن أرادوك على أن تُعطِيَهم ذمةً الله، فلا تُعطِهم ذمَّةَ الله، ولكن أَعْطِهِم ذَِّكم وذِمَمَ آبائِكم، فإنكم إن تُخْفِرُوا ذِعَكم وذِمَمَ آبائِكم أهوَنُ عليكم أن تُخْفِرِوا ذِمَمَ اللَّهِ ورسولِهِ. / ذكرُ النوع التاسع والأربعين من معرفة علوم الحديث(١) /١٩٩ هذا النوعُ من هذه العلوم معرفَةُ الأئمةِ الثقاتِ المشهورين، من التابعين وأتباعِهم، ممن يُجمَعُ حَديثُهم للحفظِ والمذاكرةِ والتَبُّكِ بهم وبذكرِهم من الشرقِ إلى الغرب : فمنهم من أهل المدينة: محمدُ بن مسلم الزهري، محمدُ بن المنكّدِر القرشي، رَبِيعةُ بن أبي عبد الرحمنِ الرَّأي(٢)، سعدُ بن إبراهيم الزهري، عبدُ الله بن دينار العَدَوِي، مالكُ بن أَنَّس الْأصْبَحِي، زيد بن أَسْلَم العَدَوِي، زيدُ بن علي بن الحسين الشهيد، جعفر بن محمد الصادق، عبدُ العزيز بنُ عُمَر بن عبد العزيز(٣)، خارجَةُ بن زيد بن ثابت. ومن أهل مكة (١) هذا النوع في (معرفة علوم الحديث)) ص ٢٤٠ . (٢) سَقَطَ لفظُ (أبي) من الأصل. (٣) وقع في الأصل: (عبدُ العزيز بن عَمْروبن عبد العزيز). والواو بعد (عُمَر) مقجمة خطأ . ٤٦٩ إبراهيمُ بن مَيْسَرَة، إسماعيلُ بن أُميَّةَ، مجاهدُ بن جَبْرِ، عَمْرُوبن دينار، عبدُ الملك بن جُرَيج، عبدُ الله بن كَثِير القارىءُ، قيسُ بن سَعْد. ومن أهل مصر: عَمْرُو بن الحارث، كثيرُ بن فَرْقد، خالدُ بن مُسافِرٍ، مُخرَّج في الصحيحين، وكان أميرَ مصر، حَيْوَةُ بن شُرَيح النَّجِيبِيّ . ومن أهلِ الشام : إبراهيمُ بن أبي عَبْلَة العُقَيْلِي، عبدُ الرحمن بن عَمْرو الأوزاعي، مكحولٌ الفقيهُ، أبو مُعَيْد حَفْصُ بن غَيْلَان، شُرَحْبِيلُ بن مُسْلِمِ الخَوْلاني، أمُّ الدَّرْدَاء الأنصارية . ومن أهلِ اليمن: حُجْرُ بن قَيْسِ الْمَّدَرِي، الضخَّاكُ بن فَيْرُوزِ الدَّيْلَمِي، وَهْبٌ، وهَمَّامٌ، ومَعْقِل، وعُمَرُ بنو مُنِّهِ، جماعتُهم ثقاتٌ، ومَعْقِلٌ أعزُّهُم حديثاً، هَمَّامْ بن نافع الصَّنْعَاني، عبدُ الله بن طاوس. ومن أهلِ اليمامة : ضَمْضَم بن حَوْسٍ الْيَمَامي(١)، هلالُ بن سراج الحنفي، يحيى بنُ أبي كَثِير. ومن أهل الكوفة : صَعْصَعَةُ بن صَوْحَانِ العَبْدِي، كُمَيلُ بن زياد النَّخَعِي، عامرُ بن شَرَاحيل الشَّعْبي، سعيدُ بن جُبَيرِ الأسَدي، إبراهيمُ النَّخَعِي، أبو إسحاق السَّبِيعي، مُسْلِمُ بنُ أبي عِمران البَطِين، سُلَيمان بن مهران الكاهِلِي، الأعمَشُ الأسدي، مالكُ بن مِغْوَلِ البَجَلي، سفيانُ الثوري، عُمَرُ بنُ سعيد الثوري، أخوه، عليٌّ بنُ صالح بن حَيّ، الحسَنُ بنُ صالح بن حَيّ . (١) وقع في الأصل: (ضمضم بن جوش). وهو تحريف، صوابه: (جَوْس) بالسين المهملة . ٤٧٠ ومن أهل الجزيرة : ميمونُ بن مِهْرانِ، عَمْرُو بن مَيْمُون بن مِهران، سابقُ بن عبد اللّه البَرْبَرِي رَقِّيٍّ، زيدُ بنُ أبي أُنَيْسَةِ، غالبُ بن عُبيد اللّه الجَزَريّ . ومن أهل البصرة: أيوبُ بن أبي ثَمِيمة السَّخْتِياني، مُعاويَةُ بن قُرَّةَ المُزني، إياسُ بن معاوية بن قُرَّة، أبو عَمْرٍو زَبَّنُ بنُ العلاء بن عَمَّر، وأَخَوَاه، شُعبَةُ بنُ الحَجَّاجِ، قتادَةُ بنَ دِعامة السَّدُوسي، ميمونُ بن سِيَاهِ . ومن أهل واسط: أبو هاشم يحيى بنُ دينار الرُّمَّاني، خَلَفُ بن حَوْشَب، طِلاَبُ بنُ حَوْشَب، يُوسفُ بنُ حَوْشَب، أَصْبَغُ بن يزيدَ الورَّاقُ، وكان يَكْتُبُ المصاحفَ. ومن أهلٍ خُراسان : محمدُ بن زياد قَاضِي مَرْو، وعندَهُ عن سعيد بن جُبِيْرِ وغيره، أبو حَرِيز عبدُ اللّه بن الحسين قاضِي سِجِسْتان، إبراهيمُ بن أدْهَم الزاهِدُ من أهلِ بَلْخ، عبدُ الرحمن بن مُسْلِم أبو مسلم صاحبُ الدولة، قُتَبةُ بن مُسْلِم الأمير، نَصْرُ بنَ سَيَّار الأميرُ، إسحاقُ بن وَهْبِ البُخاري، تابعِيٌّ . ذكرُ النوع الخمسين من علوم الحديث(١) هذا النوعُ من هذه العلوم: ◌َمْعُ الأبواب التي يَجْمَعُها أصحابُ الحديث، وطَلَبُ الفائتِ منها، والمُذَاكَرَةُ بها، فقد حدثني محمد بن يعقوب بن إسماعيل الحافظ، قال: حدثنا محمد بن إسحاق الثقفي، قال: حدثنا محمد بن سهل بنُ عسكر، قال: وَقَفَ المأمونُ يوماً للإِذْنِ ونحن وقوفٌ بين يَدَيْهِ، إذ تُقَدَّم إليه غريبٌ بيدِهِ / ٢٠٠ مِجْبَرَةٌ، فقال: / يا أميرَ المؤمنين، صاحبُ حديثٍ، مُنْقَطَعْ به، فقال المأمون: أَيْشٍ تَحَفَظُ في بابٍ كذا؟ فلم يذكر فيه شيئاً، فما زال المأمونُ يقول: حدثنا هُشَيم، وحدثنا (١) هذا النوع في ((معرفة علوم الحديث)) ص ٢٥٠. ٤٧١ حَجَّاج بنُ محمد، وحدَّثنا فلان حتى ذَكَرَ الباب، ثم سأله عن بابٍ ثانٍ فلم يَذكُر فيه شيئاً، فذَكَرهُ المأمونُ، ثم نَظَر إلى أصحابِه فقال: أحدُهم يَطلُبُ الحديثَ ثلاثةَ أيامِ، ثم يقول: أنا من أصحاب الحديث! أَعُطُوه ثلاثةَ دراهم. قال أبو عبد الله: قد رَوَينا عن جماعةٍ من أئمة الحديث - أنهم استحبوا - أن يَبدأ الحديثيُّ بِجَمْعِ بابينِ: الأعمالُ بالنَيَّات، ونَضََّ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مقالتي فوعاها. وأنا ذاكرٌ بمشيئة الله تعالى بعدَ البابينِ الأبوابَ التي جمعتُها وذاكرتُ جماعةً من أئمة الحدیث ببعضها . فمن هذه الأبواب ما مَدْخَلُها في كتاب الإِيمان، مثال ذلك: سُؤالُ عبدِ الله بن مسعود: أيُّ الذنب أعظَمُ؟ المسلِمُ من سَلِمَ المسلمون من لسانِهِ ويدِهِ. الدِّينُ النَّصِيحة. المستشارُ مؤتمرٌ. لا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ من جُحْرٍ مَرَّتينِ. مِن حُسْنٍ إسلامِ الَّرْء. الأرواحُ جُنودٌ مُجَنَّدة. الحلالُ بَيْنٌ والحرامُ بَيْنٌّ. الِعْرَاجُ. ستكونُ هَنَاتٌ وهَنَات. قِصَّةُ الخَوَارِجِ. لا تَحَاسَدُوا. أخبارُ الرُّؤْيَة. أُنزِلَ القُرآنُ على سبعة أحرف. لا يَجِمَعُ الله أُمَّتِي على ضلالة. ومن هذه الأبوابِ ما مَدْخَلُها في كتاب الطَّهارة، مِثالها: لا يَقبَلُ اللَّهُ صلاةً بغير طَهُور. الَسْحُ على الحُفَّين. الغُسْلُ يومَ الجمعة. إذا وَلَغ الكلبُ في الإِناءِ. ومن هذه الأبوابِ أبوابٌ مَدْخَلُها في كتابِ الصلاة: رَفْعُ اليَدَيْنِ. لا صلاةَ إلَّ بفاتحة الكتاب. الصلاةُ لأوَّلِ وقتِها ولِوَقْتِها. سبعةٌ يُظلُّهم اللَّهُ في ظِلّه. أخبارُ الوِتْر. صلاةُ الليلِ مَثْنَى مَثْنَى. إذا أُقِيمَتْ الصلاةُ فلا صَلاةَ. التكبيرُ في العِيدين. يَؤُمُّ القومَ أقرؤهم لكتاب الله. صلاةُ القاعد. طُرُقُ الَّشَهْدِ. ومن التفاريق في سائر الكتب: اطلُبُوا الخيرَ. لا تذهَبُ الأيامُ والليالي. قِصَّةُ الغَار. من كُنتُ مَوْلَه. صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ. إِنَّ مما أَدَرَك الناسُ. ما عابَ طعاماً قَطُ. القَضَاءُ باليمينِ مع الشاهِدِ. أفضَلُكم من تعلَّمَ القرآنَ. لُأَعْطِينَّ الرايَةَ. قِصَّة المُخَدَّجِ. من كَتَم ◌ِلْماً. قَبْضُ العلم. مُسْنَدُ أبي العُشَرَاءِ الدارِمي. إذا أَحَبَّ اللَّهُ ٤٧٢ عبداً. حديثُ البراءِ: أَسْلَمتُ نَفْسي إليك. قِصَّةُ الطَّيْر. قصة المُفْطِرِ في رمضان. أنْتَ مني بمنزلة هارون من موسى. السَّفَرُ قِطعةٌ من العذاب. طُرُق الحَسَنِ عِن صَعْصَعَةٍ . كان إذا بَعَث سَرِيَّةً. من كذَّبَ عليَّ متعمداً. اللهمَّ بارِْ لُِّمَّتِي فِي بُكورِها. إذا أتاكم كريمُ قومٍ. تَقْتُلُ عَمَّاراً الفئةُ الباغيةُ. ذَكَاةُ الجَنِيْنِ. خُطْبَةُ عُمَّر بالجابِيَةِ. شَرُّ الناس من يُخَافُ لِسانُهُ. ليس الخَبرُ كالمُعَايَنَةِ. ليس بالكذَّاب من أصلَح بين الناس. إِنَّ أَوَّلَ ما نَبدأُ به أن نُصلِّيَ ثم نَذْبَح. من صام رمضانَ وأَتَبَعَه بسِتٍّ. الأُيُمُ أَحَقُّ بنفسِها. من حَفِظَ عَلى أُمَّتِي أربعين حديثاً. الكُمْأَةُ من الَنِّ نِعِمُ الإِدامُ الخَلُّ. الخَيْلُ معقودٌ في نواصِيها الخيرُ مِن قُتِلَ دُونَ مالِهِ فهو شهيد. كلُّ مسكرٍ حَرَامٌ. إنَّ من الشعرِ لَحِكمةٌ. قِصَّةُ العُزَنِينَ صَلاةٌ في مَسْجِدي هذا. اختلافُ الأُخبارِ في تزويج ميمونة بنت الحارث. الناسُ كإِلٍ مئة. دَعوةُ ذِي النُّونِ. إنَّ الله يُحِبُّ أن تُقبَلَ رُخَصُه. أشدُّ الناسِ بلاءً الأنبياءُ. إنه لَيُغانُ على قلبي . المُؤمِنُ غِرِّ کریم. ذكرُ النوع الحادي والخمسين من علوم الحديث(١) هذا النوعُ من هذه العلوم معرفَةُ جماعةٍ من الرواة لم يُحْتَجَّ بحديثهم في /٢٠١ الصحيح، ولم يُسقَطُوا. وهذا عِلْمُ حَسَنٌ، فإنَّ / في رواة الأخبار جماعةً بهذه الصفة. ومثالُ ذلك في الصحابة: أبو عُبَيدة بنُ الجَرَّاحِ أمينُ هذه الأمة، لم يَصِحَّ الطريقُ إليه من جهة الناقلين، فلم يُخْرَج له في الصَّحِيْحَيْنْ. وكذلك عُتْبَةُ بن غَزْوان، وأبو كَبْشَةَ مولى رسول الله، والأرقَمُ بنُ أبي الأرقم(٢)، وقُدامَةُ بنُ مظعون، والسائبُ بن مظعون، وشُجاعُ بنُ وَهْب الأَسَدي، وأبو حُذَيْفَة بِنُ عُتْبَةَ بنِ : (١) هذا النوع في ((معرفة علوم الحديث)) ص ٢٥٤ . (٢) وقع في الأصل تبعاً للمخطوطة التي نقل عنها المؤلف: (والأرقم). وجاء في نُسَخَ أخرى (الأرقمُ بنُ أبي الأرقم)، فأثبتها. -- ٤٧٣ رَبِيعة(١)، وعَبَّدُ بنُ بِشْر، وسَلَامةُ بن وَقْش، في جماعةٍ من الصحابة. إِلّ أني ذكرتُ هؤلاء رضي الله عنهم، فإنهم من المهاجرين الذين شَهِدوا بَدْراً وليس لهم في الصحيح روايةٌ، إذْ لم يَصِحَّ إليهم الطريقُ، ولهم ذِكرٌ في الصحيح من رواياتِ غيرهم من الصحابة، مثلُ قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: لكلِّ أُمَّةٍ أمينٌ وأمينُ هذه الأُمَّة أَبو عُبَيدة بنُ الجَرَّاحِ. وما يُشبهُ هذا. ومثالُ ذلك في التابعين: محمدُ بنُ طلحة بنِ عُبَيد الله، محمدُ بنُ أُبَيِّ بن كعب، السائبُ بن خَلَّاد بن السائب، محمدُ بن أسامة بن زيد، عُمَارةُ بن خُزيمة بن ثابت، سعيدُ بنُ سعد بن عُبَادةُ، عبدُ الرحمن بنُ جابر بن عبد الله، إسماعيلُ بن زيد بن ثابت. هؤلاء التابعون على عُلُوِّ مَاِّهم في التابعين، وعُلِّ مَحالٍّ آبائهم في الصحابة، ليس لهم في الصحيح ذِكرٌ، لفسادِ الطريق إليهم، لا تَجَرْحٍ فيهم، وفي التابعين جماعةٌ من هذه الطبقة. ومثالُ ذلك في أتباع التابعين: إبراهيمُ بن مُسْلِمِ الهَجَري(٢)، عبدُ الرحمن بن عبد الله المسعودي، قيسُ بن الربيع الأسدي. ومثالُ ذلك في أتباعِ الأتباع مُطَّلِبُ بن زياد، حَمَّدُ بن شُعَيب، سَعِيد بنُ زيد أخو حماد، يَعقُوبُ بن إسحاق الحَضْرَمي، عائذُ بنُ حبيب، محمدُ بن ربيعة الكِلَابي، إسماعيلُ بن عبد الكريم الصَّنْعاني. ومثالُ ذلك في الطبقةِ الخامسةِ من المحدِّثين: عونُ بن عُمَارة الغُبَرِي، والقاسمُ بن الحكم العُرَني. ومثالُ ذلك في الطبقةِ السادسةِ من المحدِّثين: أحمدُ بن عبد الجبار العُطَارُدِي، الحارثُ بن أبي أسامة، أحمدُ بن عُبَيد بن ناصِحِ النَّحْوِي، إسماعيلُ بنُ الفضل (١) في الأصل: (وأبو حُذَيفة عُتْبة بن ربيعة). وسقط منه لفظ (ابن) وصوابه: (أبو حذيفة بنُ عُنية بنٍ ربيعة). كما في نسخ ((المعرفة)). (٢) بالأصل و ((المعرفة)): (سالم). وهو تحريف. ٤٧٤ الْبَلْخِي، أبو بكر بنُ أبي خَيْئَمة، إسحاقُ بن الحسن الحَرْبي، سَهْلُ بن عَمَّر العَتَكي. قال أبو عبد الله: جميعُ من ذكرناهم في هذا النوعِ بعدَ الصحابة والتابعين فمن بعدَهم: قومٌ قد اشتَهَروا بالروايةِ، ولم يُعَدُّوا في الطبقةِ الأثباتِ المتقِنِينِ الْحُمَّاظ. ذكرُ النوع الثاني والخمسين من علوم الحديث(١) هذا النوعُ من هذه العلوم معرفَةُ من رَخَّصَ في العَرْضِ على العالم ورآه سَمَاعاً، ومن رأى الكتابةَ بالإِجازةِ من بلدٍ إلى بلدٍ إِخباراً، ومن أنكَرَ ذلك ورَأَى شَرْحَ الحالِ فيه عندَ الرواية .. وبيانُ العَرْض أن يكونَ الراوي حافظاً مُتَقِناً، فيُقَدِّمَ المستفيدُ إليه جزءاً من حديثِهِ أو أكثرَ من ذلك، فيُنَاوِلَه فيَتأمُّل الراوي حديثه، فإِذا خَبَرِهِ وَعَرَف أنه من حديثه قال للمستفيد: قد وقفتُ على ما ناوَلْتَنِيهِ، وعَرفتُ الأحاديثَ كلَّها، وهذه رواياتي عن شيوخي فحدِّث بها عني، فقال جماعةٌ من أئمة الحديث: إنه سماع، منهم: من أهلِ المدينة: : أبو بكر بن عبد الرحمن بنُ الحارث بن هشام، أحَدُ الفقهاءِ السبعةِ، حكاه : مالك عن شيوخِهِ عنه، وأبو عبد الله عِكرمَةُ مولى عبدِ الله بنِ عباس، ومحمدُ بن مسلم بن عُبيد الله بن شِهاب بن زُهْرَةِ الزُّهْرِي، وربيعةُ بنُ أبي عبد الرحمن الرأي، والعلاءُ بنُ عبد الرحمن بن يعقوب، ويحيى بنُ سعيد بن قَيْس الأنصاري، /٢٠٢ وهشامُ بن ◌ُعُروة بن / الزُّبَيْرِ القرشي، ومحمدُ بن عَمْرو بن علقمة الليثي، ومالكُ بن أنس بن أبي عامر الأصبحي، وعبدُ العزيز بن محمد بن أبي عبيد الأنْدَرَاوَرْدِي في جماعةٍ بعدَهم. ومن أهل مكة : مُجاهدُ بن جَبْر أبو الحَجَّاج المخزومي مولاهم، وسفيان بن عيينة الهِلالي، ومُسلِمُ بن خالد الزَّنْجِي، في جماعةٍ بعدَهم. (١) هذا النوع في ((معرفة علوم الحديث» ص ٢٥٦. ٤٧٥ ومن أهل الكوفة : علقمةُ بنُ قيس النَّخَعِي، وعامرُ بن شَرَاحِيل الشعبي، والحسَنُ بن صالح بن حيّ . ومن أهلِ البصرة: قتادَةُ بن دِعامة السَّدُوسي، وأبو العاليةِ زيادُ بن فَيْرُوز، وكَهْمَسُ بن الحسن الهلالي، وسعيدُ بن أبي عَرُوبَةَ، في آخرين بعدهم. ومن أهلِ مصر: عبدُ الرحمن بن القاسم، وأشهَبُ بنُ عبد العزيز، وعبدُ الله بن وَهْب، وعبدُ الله بنُ عبد الحَكَم بن أعْيَنَ، وجماعةٌ من المالكيين بعدَهم، وكذلك جماعةٌ من أهل الشام وخراسان. قال أبو عبد الله: وقد رأيتُ أَنَا جماعةً من مشايخِي يَرَوْن العَرْضَ سَمَاعاً، والحُجَّةُ عندَهم في ذلك ما حدثناه أبو العباس محمد بن يعقوب، قال: حدثنا محمد بن إسحاق الصَّغَاني، قال: حدثنا يونس بن محمد، قال: حدثنا الليث بن سعد، قال: حدثني سعيد المقبري، عن شَريك بن عبد الله، عن أنس بن مالك، قال: بينا نحن جلوسٌ مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إذ جاء رجلٌ، فذكر الحديث، قال: يا محمد، إني سائِلُك فمشتَدٌّ عليك في المسألة، فلا تَجِدَنَّ في نفسك، فقال: سَلْ ما بدا لك، فقال الرجل: نَشَدتُك بربك ورَبُّ مَنْ قَبْلَك: آللَّهُ أَرْسَلَك إلى الناس كلِّهم(١)؟ فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: اللَّهمَّ نعم. قال أبو عبد الله: احتَجَّ شيخُ الصنعة أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاريُّ في كتاب العلم من ((الجامع الصحيح)) بهذا الحديث في باب العَرْضِ على المحدِّث. أخبرنا إسماعيلُ بن محمد بن الفضل بن محمد الشَّعْرَاني، قال: حدثنا جَدِّي، (١) لفظُ (آللَّهُ) هكذا بالمد، وأصله أَاللَّهُ، بهمزتين: الأولى همزةُ الاستفهام قبل لفظة الجلالة، والثانية همزةُ لفظةِ الجلالة، فأُدغمت الثانية في الأولى، فصار (آللَّهُ) بالمدّ. ٤٧٦ قال: سمعتُ إسماعيل بن أبي أُوَيْس، سمعتُ خالي مالك بن أنس يقول، قال لي يحيى بن سعيد الأنصاريُّ لَّا أراد الخروجَ إلى العراق: التَّقِطْ لي مِئَةً حديثٍ من حديثٍ ابن شهاب حتى أروبَها عنك عنه، قال مالك: فكتبتُها ثم بَعثتُ بِها إليه، فقيل لمالك: أَسَمِعَها منك؟ قال: هو أفقَهُ من ذلك. أخبرنا أبو جعفر محمد بن محمد بن عبد الله البغدادي، قال: حدثنا علي بن عبد العزيز، قال: حدثني الزبيربن بكار، قال: حدَّثْنِي مُطرِّف بن عبد الله، قال: صَحِبتُ مالكاً سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةٌ، فما رأيتُه قرأ ((الموطأ)) على أحد، وسَمِعتُه يأَبَى أشدَّ الإِباء على من يقولُ: لا يُجزِيه إلّ السماع، ويقولُ: كيف لا يُجزِيك هذا في الحديثِ ويُجزِيك في القرآنِ والقرآنُ أعظم؟! وكيف لا يُقنِعُك أن تأخُذَهُ عَرْضاً والمحدِّثُ أَخَذَّه عَرْضاً؟! ولم لا تُجُوِّزُ لنفسِك أن تَعْرِضَ أنتَ كما عَرَضَ هُوَ؟ . حدثنا أبو بكر الشافعي، حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، قال: حدثنا ابنُ أبي أُوَيْس، قال: سُئل مالكٌ عن حديثِهِ أسماعٌ هو؟ فقال: منه سَماعٌ ومنه عَرْض، وليس العَرْضُ بأدنى عندنا من السماع. قال أبو عبد الله: قد ذكرنا مذهَبَ جماعة من الأئمة في العَرْض، فإنهم أجازوه على الشرائط التي قَدَّمنا ذِكرَها، ولو عايَنُوا ما عايناه من مُحَدِّثْي زمانِنا لَا أجازوهِ، فإنَّ المُحدِّثَ إذا لم يَعرِفِ ما في كتابه كيف يُعرَضُ عليه؟ وأما فقهاءُ الإِسلام الذين أفتَوْا في الحلال والحرام فإنَّ فيهم من لم يَرَ العَرْضَ سَماعاً، واختلفوا أيضاً في القراءةِ على المُحدِّث أهو إخبارٌ أم لا؟ وبه قال الشافعي المُطَّلِبِيُّ بالحجاز، والأوزاعيُّ بالشام، والبُوَيْطِيُّ والمُزْنِيُّ بمصر، وأبو حنيفة وسفيانِ الثوريُّ وأحمدُ بن حنبل بالعراق، وعبدُ الله بن المبارك ويحيى بن يحيى / ٢٠٣ / وإسحاقُ بن راهويه بالمشرِق، وعليه عَهِدْنا أئمتنا، وبه قالوا، وإليه ذهبوا، وإليه نذهب، وبه نقول: إنَّ العَرْضَ ليس بسماع، وإنَّ القراءةَ على المحدِّث إخبارٌ، والحُجَّةُ عندهم في ذلك قولُهِ صلَّى الله عليه وسلَّم: نَضَّر الله امْرءاً سَمِعَ مقالتي فَوَعَاها حتى يُؤدِّبَها إلى من لم يَسمعها. وقولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: تَسْمَعُون ويُسمَعُ ٤٧٧ منكم. في أخبارٍ كثيرة . حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، قال: أخبرنا الربيع بن سليمان، قال: أخبرنا الشافعي، قال: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن عبد الملك بن عمير، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: نَضَّر الله عبداً سَمِعَ مقالتي فحَفِظَهَا فَوَعَاها، وأدَّاها، فُرُبَّ حاملٍ فقهٍ غيرُ فقيه. قال الشافعيُّ: فلما نَذَبَ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى استماع مقالتِهِ وحفظها وأدائِها إلى من يُؤديها، والأمْرُ واحد، دَلَّ على أنه صلَّى الله عليه وسلَّم لا يأمرُ أن يُؤْدَّى عنه إلاّ ما تقومُ به الحُجَّةُ على من أُدِّيَ إليه، لأنه إنما يُؤدِّى عنه حلالٌ يؤتى، وحرامٌ يُحِتَنَبُ، وحَدٌّ يُقَامُ، ومالٌ يُؤخَذُ ويُعطَى، ونَصِيحٌ في دِینٍ ودُنيا. قال أبو عبد الله: والذي أختارُهُ في الروايةِ وعَهِدتُ عليه أكثرَ مشايخِي وأئمةٍ عصري أن يَقُولَ في الذي يَأخُذُه من المحدِّث لفظاً(١) وليس معه أحد: حَدَّثني فلان، وما يأخُذُه من المحدِّثِ لفظاً مع غيرِهِ: حدَّثَنا فلان، وما قَرَأ على المحدِّث بنفسِهِ: أخبَرَني فلان، وما قُرِىءَ على المحدِّث وهو حاضرٌ: أخبَرَنا فلان، وما عُرِضَ على المحدِّث فأجازَ له روايتَهُ شِفاهاً يقول فيه: أنبَأَني فلان، وما كَتَبَ إليه المحدِّثُ من مدينة ولم يُشافِهِه بالإِجازة يقول: كَتَبَ إليَّ فلان. سمعتُ أبا بكر إسماعيلَ بنَ محمد بن إسماعيل الفقيه بالريّ يقول، سألتُ أبا شُعَيب الحَرَّاني الإِجازةَ لأصحابي بالريّ فقال أبو شعيب: حدَّثَنَا جَدِّي، قال: حدثنا موسى بن أَعْيَنّ، عن شعبة، قال: كَتَّبَ إليَّ المنصورُ بحديثٍ ثم لقيتُه بعدَ ذلك فسألتُهُ عن ذلك الحديث، فقال لي: أليس قد حدَّثْتُك به؟ إذا كتبتُ به إليك فقد حَدَّثْتُك. حدثنا الزبيرُ بن عبد الواحد، قال: أخبرنا أبو تُرَاب محمد بن سَهْل، قال: حدثنا أحمد بن داود بن قَطَن بن كثير، قال: حدثنا محمد بن معاوية، قال: سمعتُ (١) وقع في الأصل: (نأخذه من المحدِّث). بالنون في الموضعين، وهو تحريف، صوابه كما أثبته بالياء . ٤٧٨ بقيَّةَ يقول: لَقِيَني شعبةُ ببغداد فقال لي: لو لم ألْقَك ◌َلِتُّ! معك كتابُ بَجِير بن سَعْدِ؟ قال: قلتُ: لا، قال: إذا رَجَعتَ فاكتُبْهُ واختِمْهُ ووَجِّهْ به إليَّ. هذا آخِرُ ما انتقيناه من كتاب ((المعرفة في أصول الحديث)) للحاكم أبي عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ النيسابوري، وقد أوردنا هنا جُلَّ ما أوردَهُ فيه من الفوائد المهمةِ في كل نوع من الأنواع، واقتَصرنا في المواضع التي تعدَّدَتْ فيها الأمثلةِ (١)، على أقلِّ ما يمكن الاقتصارُ عليه، رعايةً لحالِ المبتدىءِ الذي توخّينا أنْ يَحصُل له من مطالعةٍ كتابنا هذا حَظّ وافر من المعرفة بهذا الفن، وفَّقَنا الله سبحانه لما يُحُبُّ وَيَرْضِىَ. وقد وقع إلينا حين الانتقاءِ نسخةٌ كُتِبَتْ في القاهرة في دار الحديثِ الكامليَّةِ سنة ٦٣٤، وقُرِئَتْ فِي قَلْعَةِ الْجَبَل على بعض أهل الأثر، وهي منقولة من نسخةٍ الحافظ المُنْذِري الْبَتِ عليها صُورَةُ سَماعِهِ في آخِرِ كل جزءٍ من أجزائها الخمسة، من الشيخ الإِمام أبي نِزار ربيعةَ بن الحَسَنِ الْيَمَنِيِّ الحَضْرَمِيِّ سنة ٦٠٢(٢). ...- وهذا مثالُ ما كُتِبَ في آخِرِ الجزء الأول: سَمِعَ جَميعَ الجزءِ الأولِ من علم الحديث على الشيخِ الإِمام العالم أبي نزار ربيعةً بنِ الحسن بن علي بن يحيى الحضرميِّ اليمنيِّ، بحَقِّ سماعِهِ له وقراءتِهِ على أبي المُطَهَّرِ الصَّيْدَلانِ، بإِجازِهِ من ابنِ خَلَف، عن مُصنَّفِهِ، بقراءةِ الشريفِ أبي عبد الله محمدِ بنِ عبد العزيز بن أبي القاسم الإِدريسيِّ: الفقيهُ المحدِّثُ أبو محمدٍ / ٢٠٤ عَبْدُ العظيم بنُ عبدِ / القوي بن عبد الله المنذريُّ، ومُلْهَمُ بنُ فُتُوح بن بِشارة الصُّوفيُّ، وعبدُ الباقي بنُ أبي محمد بن علي بن الخَشَّاب، وبركاتُ بن ظافر بن عساكر، وصَحَّ بمسجدِ الْمُسْمِع بمصر يوم السبت من شهر ربيع الأول من سنة اثنتينِ وست مئة . (١) وقع في الأصل: (التي تعددت فيه). وهو تحريف. (٢) هذه النسخة هي أصح النسخ التي طُبع عنها الكتاب، كما قال ذلك محققه الدكتور معظّم حُسَين، في مقدمته للكتاب في ص (كد). وهي النسخة الأولى في النسخ التي اعتمدها، وقد ذَكَر في مقدمته كلام العلامة الجزائري المذكور هنا. ٤٧٩ وهذا مِثالُ ما كُتِبَ في آخِرِ الجزء الثاني: بلغ السَّمَاعَ لجميع هذا الجزء على الشيخ الإمام العالم الزاهد أبي نزار ربيعة بن الحسن بن علي بن عبد الله بن يحيى بن أبي الشجاع الحَضْرَمِيِّ، بحقِّ قراءتِهِ له على أبي المطهّرِ القاسِم بن الفضل بن عبد الواحد الصيدلاني، بإجازته من الأديبِ أبي بكر أحمد بن أبي الحسن بن خلف الشيرازي بحَقِّ سَماعِهِ من الحاكم أبي عبد الله مصنَّفِهِ: صاحِبُهُ الفقيهُ المحدِّثُ عبدُ العظيم بنُ عبد القوي بن عبد الله المنذريُّ، واختيارُ الدين أبو المناقب مُلْهَمُ بنُ فُتُوح بن بِشارة الصُّوفيُّ، وبركاتُ بنُ ظافر بن عساکر بن عبد الله الأنصاريُّ، في نهارٍ يوم السبت السادسِ من ربيعٍ الآخِرِ سنةَ اثنتين وست مئة، والحمدُ لله حَقَّ حَمْدِهِ، وصلَّى الله على سيدنا محمد خير خَلْقِهِ وآلِهِ وصحبِهِ وسَلَّم تسليماً. اهـ. واعلَمْ أنَّ طُرُقَ نقلِ الحديثِ وتحمُّلِهِ من أهمِّ مباحِث هذا الفن، وقد تَعرَّضَ لها علماءُ الأصول في كتبهم، وقد كَتَبَ فيها ابنُ الصلاح ما يَشفِي الغليل. ولمَّا كان ما ذُكِرَ في هذا النوع وهو النوعُ الثاني والخمسون الذي خَتَم به الحاكمُ كتابَه داخلاً فيها، وكان هذا المبحثُ سَهْلَ المأخذِ أحْبَيْنَا أن لا نتعرَّض له، كما لم نتعرَّض في كثيرٍ من المواضع لأمثالِهِ، وإنما اكتفينا بدلالةِ الطالبِ على منزلتهِ في هذا الفن، كي لا يَزْهَد فيه، وعلى مظانِّ البحثِ عنه كي يَرجِعَ إليها عند حصول الداعي إلى ذلك. غيرَ أنا رأينا أن نذكُرَ هنا شيئاً مما قيل في الإِجازة، لفرطِ وَلُوع كثيرٍ من المتأخرين بها، فنقول: من أقسام الأخذِ والتحمُّلِ الإِجازة، وهي دون السماع، وهي تسعةُ أنواع(١): النوعُ الأولُ أن يُجِيزَ مُعيَّنَاً لمعيّنَّ كأن يقول: أجزتُ لك أو لكم الكتابَ الفلانيَّ أو ما اشتَمَلَتْ عليه فِهِرِسَتِي، ونحوَ ذلك، هذا أعلى أنواع الإِجازةِ المجرّدة عن المناولة، وقد اختُلِفَ فيها فقال بعضُ العلماء بجوازِها، وقال بعضُهم بعدم جوازها. (١) الكلام التالي عن (الإِجازة)، جُلُّهُ من (مقدمة ابن الصلاح)) في (النوع الرابع والعشرين). أ ٤٨٠ قال ابن الصلاح: وزَعَم بعضُهم أنه لا خلافَ في جوازها، ولا خَالَفَ فيها أهلُ الظاهر، وإنما خِلافُهم في غير هذا النوع، وزاد القاضي أبو الوليد الباجِيُّ فأطلَقَ نَفْيَ الخلافِ وقال: لا خِلافَ في جوازِ الروايةِ بالإِجازةِ مِنِ سَلَفِ الْأَمَّةِ وَخَلَفِها، وادَّعَى الإِجماعَ من غيرِ تفصيل، وحَكَى الخلافَ في العَمَلِ بها. قلتُ: هذا باطل، فقد خالَفَ في جواز الرواية بالإِجازةِ جماعاتٌ من أهلِ الحديثِ والفقهاءِ والأصوليين، وذلك إحدى الروايتين عن الشافعي: رُوِيَ عن صاحبِهِ الربيع بن سليمان قال: كان الشافعيُّ لا يَرَى الإِجازةَ في الحديث، قال الربيع: وأنا أخالِفُ الشافعيَّ في هذا. وقد قال بإيطالها جماعةٌ من الشافعيين، منهم القاضيانِ: حُسَينُ بنُ محمد المَرْوَرُوْذِي(١)، وأبو الحسَنِ الماورديُّ في كتابه ((الحاوي))، وعزاه إلى مذهبٍ الشافعي، وقالا جميعاً: لو جازَت الإِجازةُ لبطلَتْ الرحلةُ. ورُوِيَ هذا الكلامُ عن شعبة وغيره . وممن أبطلَها من أهل الحديثِ الإِمامُ إبراهيمُ بن إسحاق الحربيُّ، وأبو محمد عبدُ الله بن محمد الأصفهانيُّ الملقبُ بأبي الشيخ، والحافظُ أبو نصر الوائِلِيُّ السِّجْزِيُّ، وحكى أبو نَصْرٍ فسادَهَا عمن لَقِيَه، قال أبو نصر: جماعةٌ من أهلِ العلم يقولون: قولُ المحدِّث قد أجَزتُ لكِ أن تَروِيَ عني، تقديرُهُ قد أجزتُ لك ما لا يجوزُ في الشرع، لأنَّ الشرعَ لَا يُبِيح روايةً من لم يَسْمَع . / ٢٠٥ قلتُ: ويُشْبِهُ هذا ما حكاه أبو بكر محمدُ بنُ ثابت الخُجَنْدِي، / أحَدُ من أبطَلَ الإِجازةَ من الشافعية: عن أبي طاهر الدبَّاسِ أَحَدِ أئمةِ الحنفية، قَالَ: من قال لغيره : أجَّزتُ لك أن تروِيَ عني ما لم تَسْمَع فكأنه يقول: أجْزتُ لك أن تُكذِّبَ عليّ. ثم إنَّ الذي استَقرَّ عليه العمَلُ وقال به جماهيرُ أهلِ العلم من أهلِ الحديثِ وغيرهم: القولُ بتجويزِ الإِجازة، وإِباحةِ الرواية بها، وفي الاحتجاج لذلك غُموضٌ، (١) وقع في الأصل: (المروروزي). وهو تحريف، وصوابه (المَرْوَرُّوْذِي) بالذال المعجمة أخت الدال المهملة، قبلَها راءٌ مضمومة مشدّدة، نسبة إلى (مَرْو الرُّؤْذ). : ٤٨١ ويَتَّجِهُ أن نقولَ: إذا أجاز له أن يَروِيَ عنه مرؤَّياتِهِ وقد أخبَرَه بها جملةً، فهو كما لو أخبَرَه تفصيلاً. وإخبارُهُ بها غيرُ متوقفٍ على التصريح نُطقاً كما في القراءةِ على الشيخ كما سَبَق(١)، وإنما الغَرَضُ حصولُ الإِفهامِ والفَهْم، وذلك يَحَصُل بالإِجازة المفهمة، والله أعلم. ثم إنه كما تجوزُ الروايةُ بالإِجازةِ يجِبُ العَمَلُ بالمرويِّ بها، خلافاً لمن قال من أهل الظاهر ومن تابَعَهم: إنه لا يجبُ العمَلُ به، وإنه جارٍ مَجرى المرسَل. وهذا باطل، لأنه ليس في الإِجازةِ ما يَقدَحُ في اتصالِ المنقولِ بها وفي الثقةِ به، والله أعلم. النوعُ الثاني: أن يُعينُ الشخصَ المجازَ له دون الكتابِ المجاز، كأن يقول: أجَزتُ لك أو لكم جميعَ مسموعاتي أو جميعَ مروياتي وما أشبه ذلك. والخلافُ في هذا النوع أقوى وأكثر، والجمهورُ من العلماءِ من المحدِّثين والفقهاءِ وغيرهم على تجويزِ الرواية بها أيضاً، وعلى إيجابِ العَمَل بما رُوِيَ بها بشرطه . النوعُ الثالثُ: أن يُحِيز الغيرَ بَوَصْفِ العُمُومِ، كأنْ يقولَ: أَجْزتُ لمن أدرَك زماني، وما أشبه ذلك. وهذا نوعٌ تَكلَّم فيه المتأخرون ممن جَوَّز أصلَ الإِجازة، واختَلَفُوا في جوازِهِ، فإن كان ذلك مقيداً بوصفٍ خاص أو نحوِه فهو إلى الجوازِ أقرب، كأن يقول: أجْزتُ لطلبة العلم بمدينةٍ كذا: كذا. قال ابن الصلاح: ولم نَر ولم نَسمع عن أحدٍ ممن يُقتدَى به أنه استَعمَل هذه الإِجازة، فَرَوَى بها، ولا عن الشِّرْذِمَةِ المتأخرةِ الذين سَوَّغوها. والإِجازةُ في أصلِها ضَعْفٌ، وتزدادُ بهذا التوسُّعِ والاسترسالِ ضعفاً كثيراً لا ينبغي احتمالُه. النوعُ الرابعُ: الإِجازةُ لِلمجهولِ أو بِالمجهول، كأن يقولَ: أجزتُ لمحمد بن (١) أي في كلام الشيخ ابن الصلاح في ((مقدمته)). ٤٨٢ خالد الحَمَوِي، وهناك جماعة مشتركون في هذا الاسمِ وهذه النسبة، أو أجَزتُ لفلانٍ أن يَروِيَ عني بعضَ مسموعاتي أو كتابَ السنن، وهو يُروِي جملةً من كتبِ السُّنْنِ المعروفة . وهذه الإِجازةُ فاسدةٌ لا فائدة لها، وليس من هذا القبيل ما إذا أجاز لجماعةٍ مُسَمَّيْنَ معيَّنِين بأنسابِهِمِ والمجيزُ غيرُ عارف بهم، فهذا غيرُ قادح في صحة الإِجازة كما لا يَقدَحُ في صحةِ السماعِ عَدَمُ معرفتِهِ بمن يَحِضُر مجلسَه للسماع منه. النوعُ الخامسُ: الإِجازَةُ المعلّقةُ بالشرط، كأن يقول: أجَزتُ لفلانٍ إِن شَاءً فلان. وقد اختُلِفَ فيها، فقال قومٌ: لا تَجُوز، لأنَّ ما يَفْسُدُ بالجهالةِ بِفْسُدُ بالتعليق. وقال قوم: هي جائزة. وقد وَقَع ذلك من بعض أئمة الحديثِ، فقد وُجِدَ بخطّ أبي بكر بن أبي خَيْثَمَة صاحبٍ يحيى بن معين: أجْزتُ لأبي زكريا يحيى بن مَسْلَمَة أن يَروِيَ عني ما أحَبَّ من تاريخي الذي سَمِعَهُ مني أبو محمد القاسمُ بن الأصْبِّغ ومحمدُ بن عبد الأعلى كما سَمِعَاهُ مني، وأذِنْتُ له في ذلك ولمن أحَبَّ من أصحابِهِ، فإن أحَبَّ أن تكونَ الإِجازَةُ لأحَدٍ بعدَ هذا، فأنا أجَزتُ له ذلك بكتابي هذا، وكتَبَّهُ أحمدُ بنُ أبي خيثمة بيدِهِ في شَوَّالٍ سنةً ست وسبعين ومئتين. ومن وقع منهم ذلك حفيدُ يعقوب بن شيبة، فقد قال في إجازةٍ له: يقولُ محمد بن أحمد بن يعقوب بن شيبة: قد أجَزتُ لعُمَرَ بنٍ أحمد الخِلَّل، وابنِهِ عبد الرحمن بن عُمَر، ولَخَتَتِهِ عليٍّ بن الحسن، جميعَ ما فاته من حديثي مما لم يُدرِك سماعَه من ((المسند)) وغيره، ولكلٍّ من أحَبَّ عُمَرُ، فَلْيَرْؤُوه عني إن شاؤُوا، وَكَتَبْتُ /٢٠٦ لهم ذلك بخطي في صفرٍ سنة / اثنتين وثلاثين وثلاث مئة. ولو قال المجيزُ: أَجَزتُ لمن يَشاءُ فلان، أو نحوَ هذا، فالأظهَرُ الْبُطلانُ، لأن فيها جهالةً وتعليقاً. ولو قال: أجّزتُ لمن يَشاءُ الإِجازةَ فهو مِثلُ أَجَزتُ لمن يَشاءُ فلان، بل هذا أظهَرُ في البُطلان، لأنها أشدُّ في الجهالةِ والانتشارِ من حيث إنها عُلُّقَتْ بمشيئةٍ من لا يُحِصَرُ عَدَدُهم.