Indexed OCR Text

Pages 401-420

٣٤٣
لأنَّ الحاكم استَعمَل لفظةً مِثْلٍ في أعمُّ من الحقيقةِ والمجاز في الأسانيد والمتون، دَلَّ
على ذلك صُنْعُه، فإنه تارةً يقول: على شرطهما، وتارةً: على شرطِ البخاري، وتارةً:
على شرط مسلم، وتارةً: صحيحُ الإِسناد ولا يَعْزُوه لأحدِهما.
وأيضاً فلو قَصَدَ بكلمةٍ مِثلٍ معناها الحقيقيَّ حتى يكونَ المرادُ: واحتَجَّ بغيرها
من فيهم من الصفاتِ مِثْلُ ما في الرواةِ الذين خَرَّجا عنهم، لم يَقُل قَطُّ: على شرطٍ
البخاري، فإنَّ شَرْطَ مسلم دونه، فما كان على شرطِهِ فهو على شرطهما، لأنه خَوَى
شَرْطَ مسلم وزاد.
قال: ووراءَ ذلك كلُّه أن يُروَى إسنادٌ ملفَّقَ من رجالهما، كسِمَاكٍ، عن
عكرمة، عن ابن عباس، فسِماكٌ على شرطٍ مسلم فقط، وعكرمةُ انفرَدَ به البخاري.
والحقُّ أنَّ هذا ليس على شرطٍ واحدٍ منهما.
وأدَقُّ من هذا أن يَروِيا عن أُناسٍ ثقاتٍ ضُعُّفوا في أناسٍ مخصوصين، من غير حديثٍ
الذين ضَعَّفوهم فيهم، فيجيءُ عنهم حديثٌ من طريقٍ من ضُعِّفوا فيه برجالٍ كَلِّهم في
الكتابين أو أحدِهما، فنسبتُه أنه على شرطٍ من خَرِّجَ له غَلَطْ، كأن يقال في هُشَيم،
عن الزهري: كلِّ من هُشَيمٍ والزهريِّ خَرَّجا له، فهو على شَرْطَيْهما، فيقال: بل
ليس على شرطٍ واحدٍ منهما، لأنهما إنما أَخَرَجا عن هُشَيمٍ من غير حديثِ الزهري،
فإنه ضُعِّفَ فیه، لأنه كان دخَلَ علیه فأخذَ عنه عشرین حديثاً، فلَقِيَه صاحبٌ له وهو
راجع، فسأله رُؤيتَهُ، وكانت ثَمَّ ريحٌ شديدةٌ فَذَهَبَتْ بالأوراق، فصار هُشَيِمٌ مُحدِّث بما
عَلِقَ منها بذِهنِهِ، ولم يكن أتقَنَ حِفظَها، فَوَهِمَ في أشياءَ منها، فضُعَّفَ في الزهري
بسببها. وكذا هَمَّامٌ ضعيفٌ في ابنِ جُرَيج، مع أنَّ كلّ منهما أخرَجا له، لكن لم يُخرِجا
له عن ابن جُرَيجٍ شيئاً.
فعلى من يَعْزُو إلى شرطِهما أو شرطٍ واحدٍ منهما، أن يَسُوقَ ذلك السندَ بنَسَقٍ
روايةٍ من نُسِبَ إلى شرطِهِ ولو في موضع من كتابه. وكذا قال ابنُ الصلاح في ((شرح
مسلم))(١): من حَكَم لشخصٍ بمجرَّدٍ روايةٍ مسلمٍ عنه في صحيحه، بأنه من شَرْطِ
(١) ص ٩٩.

٣٤٤
الصحيح فقد غَفَلَ وأخطأ، بل ذلك متوقّفٌ على النظر في كيفيةِ رواية مسلمٍ عنه،
وعلی أيِّ وجهٍ اعتمد عليه.
وقد اختُلِفَ في حكم ما انفرد الحاكمُ بتصحيحه، فقال ابن الصلاح: الأولى
/ ١٤٠ أن نتوسَّطَ في أمرِهِ فنقول: / ما حَكَمَ بتصحيحه ولم نجد ذلك فيه لغيره من الأئمة،
إن لم يكن من قَبِيل الصحيح فهو من قَبِيل الحَسَن، يُحتَّجُّ به ويُعمَلُ به، إلاّ أن تَظْهَرَ
فيه عِلَّةٌ تُوجِبُ ضعفَه. ويُقاربه في حكمِهِ صحیحُ أبي حاتم بن حِبَّان البُسْتِي. اهـ.
وظاهرُ هذا الكلام أنَّ ما انفرد بتصحيحه، ولم يكن لغيره فيه حُكم: أن يُجُعَلَ
دائراً بين الصحيحِ والحسَنِ احتياطاً، وقد ظَنَّ بعضُهم أنَّ كلامه يَدُلُّ على أنه يَكُمُ
عليه بالْحُسْنِ فقط، فَنُسِبَ إليه التحكّمُ في هذا الحكم.
وقال كثير من المحدثين: إنَّ ما انفرد الحاكمُ بتصحيحِهِ يُبحَثُ عنه ويُحْكُمُ عليه
بما يقضي به حالُه من الصحة أو الحُسْن أو الضعف.
والذي حَل ابنَ الصلاح على ما قال هو ما ذهَبَ إليه من أنَّ أمرَ التصحيح قد
انقطَعَ ولم يبقَ له أهل والصحيحُ أنه لم ينقطع، وأنه سائغ لمن كَمَلَتْ عنده أدواتُه
وكان قادراً عليه.
ومن الكتبِ المصنَّفةِ في الصحيح المجرَّدِ: صحيحُ الإِمام أبي بكر محمد بن
إسحاق بن خُزيمة، وهو شيخُ ابنِ حِبَّن القائلِ فيه: ما رأيتُ على وجهِ الأرض مِن
يُحسِنُ صناعةَ السُّنَنِ ويَحفَظُ ألفاظَها الصِّحَاحَ وزياداتِها حتى كأنَّ السُّنَنَ كلَّها بين
عينيه : غيره.
وصحيحُه أعلى مرتبةً من صحيح ابن حِبَّن، لشدةِ تحرِّيه، حتى إنه يَتَوقّفُ في
التصحيح لأدنى كلام في الإِسناد. وقد فُقِدَ أكثرُهُ منذ زمان .
ومن الكتبِ المصنفة فيه: صحيحُ الإِمام أبي حاتم محمد بن حبَّان التميمي
البُسْتِي. قال الحاكم: كان من أوعِيَةِ العلم في الفقهِ واللغةِ والحديثِ والوعظِ، ومن
عقلاءِ الرجال. وقال غيره: كان عارفاً بالطب والنجوم والكلام والفقهِ، رأساً في
معرفةِ الحديث. وقد أنكروا عليه قولَهُ: النبوّةُ العِلمُ والعَمَلُ، وحكموا عليه

٣٤٥
بالزندقةِ، وهَجَروه، وكتبوا فيه إلى الخليفة، فأمَرَ بقتلِهِ فَنَجَّاه الله تعالى، ثم نُفِيَ من
سِجِسْتان إلى سَمَرْقَنْد(١)، وكانت وفاتُهُ سنةً أربع وخسمين وثلاث مئة.
واسمُ مصنَّفِهِ ((التقاسيمُ والأنواع)) وترتيبُهُ مبتدَع، فإنه ليس على الأبواب
ولا على المسانيد، ولذا صار الكشفُ منه عَسِراً.
وقد رتَّبه بعضُ المتأخرين على الأبواب، وعَمِلَ له الحافظُ أبو الفضل العراقي
أطرافاً، وجرَّدَ أبو الحسن الهَيْثَمي زوائدَه على الصحيحين في مجلد.
وقد نسبوا لابن حِبَّن التساهُلَ في التصحيح، إلَّ أنَّ تساهُلَهُ أقلُّ من تساهلِ
الحاكم. قال الحازمي: كان ابنُ حبان أمكّنَ في الحديث من الحاكم.
وعلى كل حالٍ ينبغي تتبّعُ صحيحِهِ والبحثُ عما فيه، وكذلك صحیحُ
ابنُ خزيمة، فكم فيه من حديثٍ حَكَمَ له بالصحة، وهو لا يرتقي عن رتبةِ الحَسَن.
وأنكَرَ بعضُهم نسبةَ التساهل إلى ابن حبان، فقال: إن كانت نسبتُهُ إلى
التساهل باعتبارٍ وِجدانِ الحَسَنِ في كتابه، فهي مُشاحَّةٌ في الاصطلاح، لأنه يُسمِّيه
صحيحاً، وإن كانت باعتبار خِفَّةٍ شروطِهِ فإنه يُخرِجُ في الصحيح ما كان راويه ثقةً،
غيرَ مدلِّس، سَمِعَ من شيخِهِ، وسَمِعَ منه الآخِذُ عنه، ولا يكونُ هناك إرسالٌ
ولا انقطاع .
وإذا لم يكن في الراوي جرحٌ ولا تعديل، وكان كلٍّ من شيخِهِ والراوِي عنه
ثقةً، ولم يأتِ بحديثٍ منكر، فهو عنده ثقة. وفي كتاب ((الثقات)) له كثيرٌ من هذه
حالُهُ، ولأجلِ هذا ربما اعتَرَضَ عليه في جَعْلِهِم ثقاتٍ من لم يَعْرِف اصطلاحَه.
ولا اعتراضَ عليه فإنه لا مُشاحَّةً في ذلك، فابنُ حبان وفَّ بما التزَمَهُ من الشروطِ
بخلاف الحاكم .
(١) هذه القصة مذكورة في ترجمته في ((تذكرة الحفاظ)) للذهبي ٣: ٩٢١ - ٩٢٢،
و ((الميزان)) له ٥٠٧:٣، وفي ((طبقات الشافعية الكبرى)) للتاج السبكي ١٣٢:٣، و((لسان الميزان))
لابن حجر ١١٣:٥. وانظر لتوجيه كلمته المذكورة («ميزان الاعتدال».

٣٤٦
ومن الكتبِ المؤلفة في الصحيح المجرَّدِ: السُّنَنُ الصِّحاحُ لسعيدِ بنَ السكن.
ومن مظانِّ الصحيح : المختارةُ للحافظ ضياء الدين المقدسي، وهي أحسَنُ من
((المستدرك))، ولكنها لم تَكْمُل، وهي مرتبةٌ على المسانيد.
/١٤١
/ المُسْتَخْرَجاتُ على الصحيحين
الاستخراجُ أن يَعمِدَ حافظٌ إلى صحيحِ البخاري مثلاً، فيُورِدَ أحاديثَهُ حديثاً
حديثاً بأسانيدَ لنفسِه، غيرَ ملتزم فيها ثِقَةَ الرواةِ، من غير طريقِ البخاري، إلى أن
يَلتقِيَ معه في شيخِه أو فيمن فوقَه.
لكن لا يَسُوغُ للمُخْرِجِ أن يَعدِل عن الطريق التي يَقُرُبُ فيها اجتماعُه مع
مصنِّف الأصل، إلى الطريقِ البعيدةِ إلَّ لغرضٍ مُهِمٍّ من عُلوّ أو زيادةٍ مهمة أو نحوٍ
ذلك، وربما تَرَك المستَخرِجُ أحاديثَ لم يجد له بها إسناداً مَرْضِياً، وربما علَّقها عن
بعضِ رُواتِها، وربما ذَكَرَها من طريقِ صاحبِ الأصل.
وقد اعتنى كثيرٌ من الحفاظ بالاستخراج، لِما فيه من الفوائد المهمة، وقَصَرُوا
ذلك غالباً على صحيح البخاري، وصحيح مسلم، لكونهما العُمدةَ في هذا العلم.
فممن استخرَجَ على صحيح البخاري: أبو بكر أحمدُ بن إبراهيم الإِسماعيلي،
وأبو بكر أحمدُ بن محمد البَرْقاني.
ومن استخرج على صحيح مسلم: أبو جعفر أحمدُ النيسابوري، وأبو بكر
محمدُ بن محمد بن رَجَاءٍ النيسابوري، وهو ممن يُشارِكُ مسلماً في أكثرِ شيوخِه، وأبو بكر
محمدُ بن عبد الله الجَوْزَقي، وأبو عَوَانة يعقوب بن إسحاق الإِسفرائِني، رَوَى فيه عن
يونس بن عبد الأعلى وغيرِهِ من شيوخ مسلم.
قال الحافظ ابنُ حجر: إنَّ أبا عوانة يقول في ((مُسْتَخْرَجِه)» بعدَ أن يسوقَ طُرِقَ
مسلم كلَّها: مِن هنا ◌ُخْرِجِه. ثم يَسُوقُ أسانيدَ يَجتمعُ فيها مع مسلم فيمن فوقَ
ذلك، وربما قال: من هنا لم يُخْرِجاه. ولا يُظَنُّ أنه يَعني البخاريَّ ومسلماً، فإني

٣٤٧
استقريتُ صنيعَه في ذلك، فوجدتُه يعني مسلماً وأبا الفضل أحمدَ بن سَلَمة، فإنه كان
فَرِينَ مسلم، وصَّفَ مِثلَ مسلم.
ومن المستخرجين على كل منهما: أبو نعيم الأصفهاني، وأبو عبدِ الله بنُ
الأخْرَمِ، وأبو ذَرّ الَرَوي، وأبو محمد الخلَّل، وأبو مسعود سليمانُ بن إبراهيم
الأصفهاني. ولأبي بكر بن عَبْدانَ الشِّيرازي مُسْتَخرَجٌ عليهما في مؤلّفٍ واحد.
وقد استخرج محمدُ بن عبد الملك بن أيمن على ((سنن أبي داود))، وأبو عليّ
الطوسيُّ على ((سنن الترمذي)) وأبو نُعَيم على ((التوحيد)» لابن خزيمة.
وللمستخرجاتٍ فوائدُ كثيرة:
منها ما يَقَعُ فيها من زياداتٍ في الأحاديثِ التي يُوردونها، لم تكن في الأصل
المستخرَج عليه، وإنما وقعَتْ لهم تلك الزياداتُ، لأنهم لم يلتزموا إيرادَ ألفاظِ
ما استخرجوا عليه، بل التزموا إيرادَ الألفاظ التي وقعت لهم الرواية بها عن
شيوخهم، وكثيراً ما تكون مُخالِفةً لها، وقد تقعُ المخالفةُ في المعنى أيضاً.
ومنها عُلُوُّ الإِسناد، لأنَّ مُصنَّفَ ((الْمُسْتَخْرَج)) لورَوَى حديثاً من طريق
البخاري أو مسلم، لَوَقَع أَنزَلَ من الطريق الذي رواه به في ((المستخرَج))، فلو رَوَى
أبو نُعَيم مثلًا حديثاً في ((مسند أبي داود الطيالسي)) من طريقٍ مُسْلِم، لكان بينه وبين
أبي داود أربعَةُ رجالٍ شيخانٍ بينه وبين مسلم، ومُسْلِمٌ وشيخُه، فإذا رواه من غير
طريقٍ مسلم، كان بين أبي نعيم وبين أبي داود رجلانٍ فقط، لأنَّ أبا نُعَيم يَروِيه عن
ابن فارس، عن یونس بن حبیب، عن أبي داود .
ومنها تقويةُ الحديثِ بكثرةِ الطرق، وذلك بأن يَضُمَّ المستخرِجُ شخصاً آخر
فأكثَرَ مع الذي حَدَّث مصنّفُ الأصل عنه، وربما ساق له طُرُقاً أخرى إلى الصحابيِّ
بعد فراغه من استخراجِه، كما يصنع أبو عوانة.
ومنها أن يكون مُصنِّفُ الصحيحِ رَوَى عمن اختَلَط، ولم يُبينَّ هل سماعُ ذلك
الحديثِ في هذه الرواية قبلَ الاختلاطِ / أو بعدَه، فُبِّنَه المستخرِجُ إما تصريحاً،
/١٤٢

٣٤٨
أو بأن يَروِيَه عنه من طريق من لم يَسمع منه إلاّ قبلَ الاختلاط.
ومنها أن يَروِيَ في الصحيح عن مدلِّس بالعنعنة، فَيَروِيَهُ المستخرِجُ بالتصريح
بالسماع. قيل للحافظ المِزِّيِّ: هل وُجِدَ لكل ما رواه الشيخانِ بالعنعنةِ طُرُقْ صُرِّحَ
فيها بالتحديث؟ فقال: إنَّ كثيراً من ذلك لم يُوجَد، وما يَسَعُنا إلاّ تحسينُ الظن(١).
ومنها أن يَروِي عن مُبْهَمٍ كحدثنا فلانٌ، أو رجلٌ، أو غيرُ واحدٍ، فَيُعِّنَه
المستخرِجُ. ومِثلُ ذلكِ ما إذا وَقَع في الإِسناد حَدَّثنا محمدٌ مثلاً من غيرِ ذكر ما يُمِّزُه
عن غيره، وكان في مشايخ من رواه كذلك من يشاركه في الاسم، فيُمِّزُه المستخرِج.
ومنها أن يكون في الحديث مخالفَةٌ لقاعدةِ اللغةِ العربية، فيَتْكلَّف لتوجيهه،
ويَتَحَمَّلَ لتخريجه، فيجيء في روايةِ المستخرِج على القاعدة، فيُعرَف بأنه هو
الصحيح، وأنَّ الذي في الصحيح قد وقع فيه الوَهُمُ من الرُّواة.
هذا وقد عرفت سابقاً(٢) معنى الاستخراج في العُرف، وهو في الأصل بمعنى
الاستنباط، ويقالُ الفاعلِ ذلك: المستخرِجُ، بالكسر، ويقال للكتابِ المؤلّف في هذا
النوع: المستخرّجُ بالفتح. وسُمِّي بذلك لاستنباطِ مؤلفِه للطرقِ المتعلقةِ بأحاديثٍ
الكتاب المستخرَّجِ عليه. وقد يقال له: المُخَرِّجُ، بالفتح والتشديد كما وقع ذلك في
(١) هذا النص المنقول هنا فيه اختصار، وقد وقفتُ عليه أتمَّ مما هنا في آخِرِ مخطوطةٍ من
متن (الألفية الحديثية) للحافظ العراقي، محفوظةٍ في مكتبة راغب باشا رحمه الله تعالى في
إصطنبول، جاء فيها: ((سأل الحافظُ العالمُ تقيُّ الدين أبو حسنٍ عليٌّبن عبد الكافي السُّبْكي:
حافظ وقته أبا الحجّاج يوسف بن عبد الرحمن المِزِّي .. .))، وساق فيها قول التقي السبكي :
((وسألتُه عما وقع في ((الصحيحين من حديثِ المدلِّسِين مُعَنْعَناً: هل نقولُ: إنهما اطَلَعا على
اتّصالِها؟ فقال: كذا يقولون، وما لنا إلَّ تحسينُ الظَرِّ بهما، وإلاّ ففيهما أحاديثُ من روايةِ المدلِّسِينَ،
ما تُوجَدُ من غير تلك الطريق - التي - في الصحيح، وما بقي إلّ تحسينُ الظن بهما». انتهى.
ونقله باختصار الحافظ البقاعي في ((النكت الوفية)) في الورقة ٣٥، والسيوطي في ((تدريب الراوي))
ص ٥٩ من مباحث (الصحيح).
(٢) في ص ٣٤٦.

٣٤٩
عبارة ابن الصلاح وأما المَخْرَجُ، بفتح الميم، فهو في الأصل بمعنى مكانٍ الخروج،
فَأُطلِقَ على الموضع الذي ظَهَرَ منه الحديث، وهم الرُّواةُ الذين جاء عنهم.
وأما التخريجُ فُيُطلَقُ على معنیین:
أحدُهما: إيرادُ الحديثِ بإسنادِه في كتابٍ أو إِملاء. وأكثرُ ما تقعُ هذه العبارةُ
للمَغَاربة، والأُولَى أن يقولوا: الإِخراجُ كما يقولُه غيرُهم.
الثاني: عَزْوُ الأحاديثِ إلى من أُخرَجَها من الأئمة، ومنه قيل: خَرَّجَ فلان
أحاديثَ كتابٍ كذا، وفلانٌ له كتابٌ في تخريجِ أحاديث الإِحیاءِ، ونحو ذلك.
حُكمُ الزياداتِ الواقعةِ في المستخرجات
ذهب ابنُ الصلاح إلى أن الزياداتِ الواقعةَ في المستخرجات يُحكَمُ لها
بالصحة، لأنها مَرْوِيَّةٌ بالأسانيد الثابتةِ في الصحيحين أو أحدِهما، وخارجةٌ من ذلك
المَخْرَج.
واعتَرَض عليه الحافظ ابنُ حجر في ذلك فقال: هذا مسلَّمٌ في الرجل الذي
التَّقَى فيه إسنادُ المستخرِج وإسنادُ مصنَّفِ الأصل وفيمن بعدَه، وأما من بَيْنٌ
المستخرِجِ وبينَ ذلك الرجلِ فَيَحتاجُ إلى نقدٍ، لأن المستخرِجَ لم يَلتزِمِ الصحةَ في
ذلك، وإنما جُلُّ قصدِهِ العُلُو، فإن حَصَل وَقَع على غَرَضِه، فإن كان مع ذلك
صحيحاً أو فيه زيادةٌ فزيادةُ حُسْنٍ حَصَلَتْ اتفاقاً، وإلَّ فليس ذلك هِمَّتَه.
قال: وقد وقع ابنُ الصلاح هنا فيما فَرَّ منه، وهو عدَمُ التصحيح في هذا
الزمان، لأنه أطلَق تصحيحَ هذه الزيادات، ثم علَّلها بتعليلٍ أخصَّ من دعواه، وهو
كونها بذلك الإِسناد، وذلك إنما هو مِن مُتَلَقِّي الإِسناد إلى منتهاه. أهـ.
والمرادُ بالزيادةِ في كلام ابن الصلاح الزيادةُ الواقعةُ في بعض المتونِ المذكورةِ في
الصحيحين أو أحدِهما، وأما الزيادةُ المستقلةُ فلا تَدخُلُ تحتَ ذلك الحكم على
الإِطلاق، وقد وَقَع شيءٌ منها في ((مستخرَج أبي عَوَانة على مسلم)). قال بعضُ أهل

٣٥٠
الأثر: قد وقَعَ في ((مستخرَج أبي عوانة)) أحاديثُ كثيرةٌ زائدةً على أصله، وفيها
الصحيحُ والحَسَنُ بلِ وَالضعيفُ أيضاً، فينبغي التحرُّزُ في الحكم عليها أيضاً.
/١٤٣
وأما ما وقع فيه وفي غيرِهِ من / المستخرجات على الصحيحين، من زيادةٍ في
أحاديثهما، أو تتمةٍ لمحذوف، أو نحو ذلك، فهي صحيحةٌ، لكن مع وجود الصفاتِ
المشترطةِ في الصحيح فيمن بين صاحبٍ المستخرَج والراوِي الذي اجتَمَع فيه هو
وصاحبُ الأصل.
· وللحافظ السيوطي كلامٌ مبسوطٌ يَتعلَّقُ بما نحن فيه، فأحببتُ إيرادَه إتماماً
للفائدة، قال في ((شرح ألفيته)): مقتَضَ كلام ابن الصلاح أن يُؤخَذَ جميعُ ما وُجِدَ في
كتاب ابن خُزيمة وابن حبان وغيرهما، ممن اشترط الصحيحَ، بالتسليم، وكذا ما يوجد
في الكتب المخرجة على الصحيحين(١). وفي كلِّ ذلك نظرٌ من وجهين:
أما الأولُ: فلأنَّ ابْنَ خُزيمة وابنَ حِبَّن لم يلتزما أن يُخْرِجا الصحيحَ الذي
اجتمعَتْ فيه الشروطُ التي عَرَّفها ابنُ الصلاح، لأنهما ممن لا يَرى التفرقةً بين
الصحيح والحسّن، وقد صرَّح ابنُ حبان بشرطِهِ، وحاصِلُهُ أن يكون الراوي عدلاً
مشهوراً بالطلب، غیرَ مدلِّس، سَمِعَ ممن فوقهُ إلی أن ینتهي، فإن کان یروِي من
حِفظِه فليكن عالماً بما يُحِيلُ المعنى.
فلم يَشترِط الضبطَ وعدَمَ الشذوذِ والعلةِ، وشَرْطُ ابنٍ خزيمة كشرطٍ
ابن حبان، فإنَّ ابن حبان تابعٌ له وناسجٌ على منواله، ومما يدلُّ على ذلك احتجاجُهما
بأحاديثِ مَنْ يُخرِجُ لَهُم مسلمٌ في المتابعات، فلا يُسمَّى صحيحُه بالمعنى الذي ذكره
ابنُ الصلاح وإن كانت صالحةً للاحتجاج ما لم يَظهر في بعضِها عِلَّةٌ قادحةٍ.
(١) هكذا العبارة في كتاب السيوطي، وجاءت في الأصل: ( ... ممن يشترط الصحيح،
والمخرَّجات بالتسليم) وهي من تصرف المؤلف، وفيها غموض وارتباك، فلذا أثبت عبارة
السيوطي .

٣٥١
وأما الثاني: فلأنَّ كتابَ أبي عَوَانة وإن سَمِّه بعضهم ((مستخرَجاً))، فإنَّ له فيه
أحاديثَ مستقلةً زائدةً، وإنما تَحصُلُ الزيادةُ في أثناءِ بعض المتون. والحُكمُ بصحتها
متوقّفٌ على أحوالِ رُواتِهِ، فُرُبَّ حديثٍ يُخرجه البخاري من طريق أصحابٍ الزهري
ممن لم يُتْكلَّم فيه، فاستخرَجَه الإِسماعيلي من طريقٍ آخَرَ عن أصحاب الزهري بزيادةٍ
فيه، وذلك الآخَرُ ممن تُكلَّمَ فيه ولا يُحتَجُّ به ولا بزيادته، فحينئذٍ يَتوقَّفُ الحُكمُ
بصحةِ الزيادة على ثبوتِ الصفاتِ المشترطةِ في الصحيح للرّواةِ الذين بين صاحبٍ
المستخرّج وبين ما اجتمعَ فيه کالأصل الذي استخرج علیه. اهـ.
تنبيه: قال ابنُ الصلاح: الكُتُبُ المخرَّجَةُ على كتابٍ البخاري أو كتابٍ مسلم
رضي الله عنهما، لم يلتزم مصنفوها فيها موافقَتهما في ألفاظ الحديث بعينها من غير زيادةٍ
ونقصانٍ، لكونِهِم رووا تلك الأحاديثَ من غير جهةِ البخاري ومسلم، طَلَباً لعلو
الإِسناد، فحَصَل فيها بعضُ التفاوت في الألفاظ. وهكذا ما أخرجه المؤلفون في
تصانيفهم المستقلة، ((كالسنن الكبرى)) للبيهقي، و((شرح السُّنَّة)) لأبي محمد البغوي،
وغيرهما مما قالوا فيه، أخرجه البخاري أو مسلم.
فلا يُستفادُ من ذلك أكثرُ من أنَّ البخاريّ أو مسلماً أخرَجَ أصلَ ذلك الحديث،
مع احتمال أن يكون بينهما تفاوتٌ في اللفظ، وربما كان تفاوتاً في بعضِ المعنى فقد
وَجَدتُ في ذلك ما فيه بعضُ التفاوتِ من حيث المعنى.
وإذا كان الأمرُ في ذلك على هذا فليس لك أن تَنقُلَ حديثاً منها وتقولَ: هو على
هذا الوجه في كتابٍ البخاري، أو كتابٍ مسلم، إلَّ أن تُقابِلَ لفظَه، أو يكونَ الذي
خرَّجه قد قال: أخرَجَه البخاريُّ بهذا اللفظ، بخلافِ الكتبِ المختصرةِ من
الصحيحين، فإنَّ مصنّفيها نقلوا فيها ألفاظَ الصحيحين أو أحدِهما، غيرَ أنَّ الجمعَ
بين الصحيحين للحُمَيدي الأندلسي منها، يَشتمِلُ على زيادةِ تتماتٍ لبعضٍ
الأحاديث، كما قدَّمنا ذكره، فربما نَقَل من لا يُميِّزُ بعضَ ما يجدُه فيه عن الصحيحين
أو أحدِهما، وهو مخطىءٌ لكونِهِ من تلك الزيادات التي لا وجود لها في واحدٍ من
الصحيحين. اهـ.
1
:

٣٥٢
/ ١٤٤
/ وقال بعضُ الباحثين في هذا الأمر: إنَّ الحُمَيديَّ قد ميّز في الأكثرِ تلك
الزياداتِ من ألفاظِ الصحيح، فإنه يقول بعدَ سياقٍ الحديث: اقتَصَر منه البخاريُّ
على كذا، وزاد فيه البَرْقَانيُّ مثلاً كذا، أو نحوَ ذلك. وعدَمُ التمييز إنما وقع في الأقلِّ،
فإنه قد يَسُوقُ الحديثُ ناقلاً له من ((مستخرَج)) البَّرْقاني أو غيره ثم يقولُ: اختَصَرَه
البخاري فأخرَجَ طَرَفَاً منه، ولا يُبِينُ القَدْرَ الذي اقتَصَرِ عليه، فَيَلْتَبِسُ الأمرُ على
الواقفِ عليه، ولا يَزُولُ عنه اللَّبْسُ إلَّ بالرجوع إلى أصلِه، فارتفع عنهِ الَّلامُ في
الأكثر.
وأما ((الجمعُ بين الصحيحين)) لعبد الحق فإنه أَتَى فيه بألفاظِ الصحيحين، فلك
أن تَنقُلَ منه، وتَعْزُوَ ذلك للصحيحين أو لأحدِهما.
وقد تساهَلَ في نسبةِ الحديثِ إلى الصحيحين أو أحدِهما أيضاً أكثرُ المُخْرِجِين
للمَشْيَخَات والمعاجم، والُرِّّبِين على الأبواب، فإنهم يُورِدون الحديثَ بأسانيدهم، ثم
يُصرِّحون بعد انتهاءِ سياقِهِ غالباً بعَزْوِهِ إلى البخاري أو مسلم أو إليهما معاً، مع
اختلافٍ الألفاظ وغیرها، يريدون أصله فلينتبه لذلك.
هذا، ولابن حزم مقالةٌ في ترتيبٍ كُتُبِ الحديثِ جَرَى فيها على ما ظَهَر له في
ذلك، ذكرها في كتاب مَرَاتِ الديانة، وقد أورد السيوطيُّ خلاصتها في كتاب
((التقريب))(١): فقال: وأمَّا ابنُ حزم فإنه قال: أولَى الكتب: الصحیحانِ، ثم صحیحُ
سعيد بن السَّكَن(٢)، والمنتَقَى لابن الجارود، والمنتَقَى لقاسم بن أصبغ .
ثم بعدَ هذه الكتب كتابُ أبي داود، وكتابُ النسائي، ومصنَّفُ قاسم بن
أصبَغْ، ومصنَّفُ الطحاوي، ومسنَدُ أحمد، والبزَّار، وأبي بكرٍ، وعثمان، ابنّيْ
أبي شيبة، ومسنَدُ ابْنِ راهُوْيَه، والطيالسي، والحسَنِ بن سفيان، والْمُسْتَدْرَكُ،
(١) يعني ((تدريب الراوي)).
(٢) سبق ذكره ص ٣٤٦، ((ويُسمَّى)) بالصحيح المنتَقَى، وبالسنن الصحاح المأثورة عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكنه كتابٌ محذوفُ الأسانيد، جعله أبواباً في جميع ما يُحتاجُ إليه
من الأحكام، ضمَّنه ما صح عنده من السنن المأثورة)) من ((الرسالة المستطرفة)) ص ٢٦، وانظرها.

٣٥٣
وابنٍ سَنْجَر، ويعقوب بن شيبة، وعليّ بن المديني، وابن أبي عَزْرَة، وما جَرَی مجراها
من الكتب التي أُفرِدَتْ لكلام رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم صِرْفاً.
ثم بعدَها الكتبُ التي فيها كلامُهُ وكلامُ غيره.
ثم ما كان فيه الصحيحُ فهو أجلُّ مثلُ مصنَّفِ عبد الرزاق، ومصنَّفِ ابن
أبي شيبة، ومصنَّفِ بَقِيِّ بن ◌َخْلَد، وكتابٍ محمد بن نصر المروزي، وكتابٍ
ابن المنذر.
ثم مصنَّفُ حمادٍ بن سَلَمة، ومصنَّفُ سعيد بن منصور، ومصنَّفُ وكيع،
ومصنَّفُ الزِّرْيَابي، وموطَُّ مالك، وموطأُ ابنٍ أبي ذئب، وموطأُ ابن وهب، ومسائلُ
ابنِ حنبل، وفقهُ أبي عبيد، وفقُه أبي ثور، وما كان من هذا النمطِ مشهوراً، كحديثٍ
شعبة، وسفيان، والليثِ، والأوزاعيّ، والحميدي، وابنٍ مهدي، ومسدَّد، وما جَرَى
تَجراها، فهذه طبقةُ موطأ مالكٍ، بعضُها أجمَعُ للصحيح منه، وبعضُها مثلُه، وبعضُها
دُونَه.
ولقد أحصيتُ ما في حديثٍ شعبة من الصحيح، فوجدتُه ثمان مئةِ حديثٍ ونِيِّفاً
مسنَدةً، ومُرسلا يزيد على المئتين، وأحصيتُ ما في موطأ مالك، وما في حديثٍ
سفيان بن عيينة، فوجدتُ في كل واحدٍ منهما من المسنَدِ خمس مئةٍ ونِيِّفاً مسنداً،
وثلاث مئةٍ مرسلاً ونَيِّفاً، وفيه نّيِّفٌ وسبعون حديثاً قد تَرَك مالكٌ نفسُه العمْلَ
بها، وفيها أحاديث ضعيفة وهَّاها جُمهور العلماء. اهـ.
وقال الخطيب وغيرُهُ: إنَّ الموطأ مقدَّم على كلِّ كتابٍ من الجوامع والمسانيد.
فعلى هذا هو بعدَ صحيح الحاكم، وهو رواياتٌ كثيرةٌ، وأكبرُها روايةُ القعنبي. وقد
رَوَى الموطّأ عن مالكِ جماعاتٌ كثيرة، وبين رواياتهم اختلافٌ من تقديمٍ وتأخيرٍ
وزيادةٍ ونقصٍ ، ومن أكبرِها وأكثرِها زياداتُ رواية ابنٍ مُصْعَب. قال ابنُ حزم: في
روايةِ ابنِ مُصْعَبٍ هذا زيادةٌ على سائرِ الموطآت نحوُ مئةِ حديث.

٣٥٤
/ ١٤٥
/ المبحث الثاني
في الحديث الحسن
الحديثُ بالنظر إلى الواقع ونفسِ الأمر: ينقسم إلى قسمين فقط، صحيحٍ
وغير صحيحٍ. فالصحيحُ هو ما ثبتَتْ صِحَّةُ نسبتِهِ إلى النبي عليه الصلاة والسلام،
وغيرُ الصحيح هو ما ثبْتَ عدَمُ صحةِ نسبتِهِ إليه.
وهو بالنظر إلينا ينقسم إلى أكثرَ من ذلك، وبهذا الاعتبار يُمكِنُ تقسيمُه على
أوجهٍ شتى :
مِثلُ أن يقالَ: الحديثُ إمَّا أن تُعلَمَ صِحَّتُهُ، مِثلُ المشهورِ الذي احتَقَّتْ به
قرائنُ تُفِيدُ العلم، وإما أن يُعلَمَ عَدَمُ صِخَّتِهِ، مِثلُ الموضوعاتِ التي تُخالِفُ ما ثَبْتَ
بدليلٍ قطعي، سواءً كان نقلياً أو عقلياً، وإمَّا أن لا يُعلَمَ صِحَّتُهُ ولا عدَمُ صحتِهِ،
مِثلُ الأحاديثِ الضعيفةِ ونحوِها.
ومثلُ أن يقالَ: الحديثُ إمَّا أن تَترجَّحَ صِحَّتُه، أو يَتَرَجِّحَ عدَمُ صِحَّتِهِ،
أو لا يَترجَّحَ شيءٌ منهما.
ومِثلُ أن يقالَ: الحديثُ إِمَّا أن تُعلَمَ صِحَّتُهُ، أو يَغْلِبَ على الظنِّ ذلك فيهِ،
وإما أن يُعلَمَ عدَمُ صِحَّتِهِ، أو يَغْلِبَ على الظنِّ ذلك فيه، وإمَّا أن لا يَغِبَ على الظن
شيءٌ منهما، بحيث يَبقَى الذهنُ متردِّداً فيه.
وقد قَسَم كثير من المتقدمين الحديثَ إلى قسمين فقط: صحيحٍ ، وضعيف،
وأدرجوا الحَسَنَ في الصحيح ◌ُشاركتِهِ له في الاحتجاج به (١).
(١) قلت: وأفاد الحافظ ابن حجر: أنَّ الشيخَ النوويَّ لا يَرى إدراجَ الحَسَنِ في
الصحيح - ومثلُه سائر المتأخرين - .
=

٣٥٥
وقَسَمه الخَطَّابيُّ إلى ثلاثة أقسام وذلك في ((معالم السنن))(١) حيث قال:
الحديثُ عند أهلِهِ ثلاثةُ أقسام: صحيح، وحسَنٍ، وسقيم.
فالصحيحُ ما أَتَّصَلَ سَنَدُه وعُدِّلَتْ نَقَلْتُه.
والحسَنُ ما عُرِفَ خْرَجُهُ واشتَهَر رجالُه، وعليه مَدارُ أكثر الحديث، وهو الذي
يَقبلُهُ أكثرُ العلماء، وتستعملُه عامَّةُ الفقهاء.
والسقيمُ على ثلاثِ طبقات، شَرُّها الموضوعُ، ثم المقلوبُ، ثم المجهولُ.
قال العراقيُّ في ((نْكَتِه))(٢): لم أر من سبق الخطابيَّ إلى التقسيم المذكور، وإن
كان في كلام المتقدمين ذِكرُ الحَسَن، وهو(٣) موجودٌّ في كلام الشافعيِّ والبخاريِّ
وجماعةٍ، ولكن الخطابيَّ نَقَلَ التقسيمَ عن أهل الحديث، وهو إمامٌ ثقةً، فتَبِعَه
ابنُ الصلاح.
قال الحافظ السيوطي في ((تحفة الأبرار بنُكَت الأذكار)) ص ٣٠ (بابُ ما يقول إذا استيقظ من
=
منامِهِ)، قولُه - أي النوويِّ - : رَوَيْنا في كتابِ ابنِ السُّنِيّ، بإسنادٍ صحيح، عن أبي هريرة
رضي الله عنه، عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم قال: إذا استيقظ أحدكم فليقُل: الحمدُ لله الذي
رَدَّ عليَّ رُوحِي، وعافاني في جَسَدِي، فَأَذِنَ لي بذكره.
قال الحافظ ابنُ حجر: أخرجه الترمذي والنسائي - الترمذي في أبواب الدعوات برقم
٣٣٩٨، والنسائيُّ في عَمَلِ اليوم والليلة برقم ٧٩ -، فما أدري لم أَغفَلَ المصنَّفُ عَزْوَهُ إليهما،
واقتَصَرَ على عَزْوِهِ إلى ابن السُّنِيّ.
وقال: وأما قولُهُ: صحيحُ الإِسناد، ففيه نظر، فإنه مِن أفرادِ محمد بن عَجْلَان، وهو
صدوق، لكن في حفظِهِ شيء، وخصوصاً في روايته عن المَقْبُرِي، فالذي يَتفرَّدُ به من قَبِيل الحَسَن،
وإنما يُصحِّحُ له من يُدرجُ الحسن في الصحيح، وليس ذلك مِن رأي الشيخِ - أي النوويِّ -)).
(١) ١ :٦.
(٢) يعني بها حاشيتَهُ أو شَرْحَهُ على (مقدمة ابن الصلاح) المسمَّى: ((التقييد والإيضاح لما
أُطلِقَ وأُغلِقَ من كتاب ابن الصلاح)» ص ٨.
(٣) أي التعبير عن مرتبة الحديث بلفظ (الحَسَن).
٠

٣٥٦
والمرادُ بأهل الحديثِ هنا أكثرُهم. ويُمكِنُ إبقاؤه على عمومه، نظراً لاستقرارِ
اتفاقهم على ذلك بعدَ الاختلاف.
واخْتُلِفَ في حَدِّ الحسن، فقال الترمذي في حَدِّهِ: كلُّ حديثٍ يُروَى لا يكونُ
في إِسنادِهِ من يُتَّهَمُ بالكذب، ولا يكونُ الحديثُ شاذّاً، ويُروَى من غير وجهٍ نحوَ
ذلك(١)، فهو عندَنا حديثٌ حَسَن. ذكر ذلك في كتاب ((العِلَلَ))(٢)، وهو في آخِرٍ
«جامعه)) .
واعتُرِضَ عليه بأنه لم يَخُصَّ الحسَنَ بصفةٍ تُميّزُه عن الصحيح، فإِنَّ الصحيحَ
أيضاً لا يكون شاذاً، ولا تكونُ رُوَاتُهُ متَّهَمِين. ويَبْقَى عليه أنه اشتَرَطَ في الحَسَنِ أَنَ
يُروَى من غيرِ وَجْه، ولم يَشتَرِط ذلك في الصحيح.
وأُجِيبَ بأنَّ الترمذي قد ميَّزِ الحَسَنَ عن الصحيح بشيئين:
أحدُهما: كونُ راوِيه قاصِراً عن دَرَجةِ راوي الصحيح، وهو أن يكون غيرَ
مَّهَم بالكذب، وراوِي الصحيح لا بُدَّ أن يكونَ ثقةً. وفَرْقُ بين قولِنا: فلانٌ غيرُ
متَّهَمٍ بالكذب، وبين قولنا: ثقة.
الثاني: مجيئُهُ من غير وجه.
وقال الخطابي في حَدِّهِ - الحَسَنُ - ما عُرِفَ تَخْرَجُه واشتَهَر رجالُه. واعتُرِضَ
عليه بأنه ليس في عبارتِهِ تلخيصُ مُهِمٌّ. وأيضاً فالصحيحُ قد عُرِفَ خْرَجُه واشتَهَر
/١٤٦ رجالُه، فيقتضي أن يَدخُلَ في جَدِّ الحسَن. وكأنه يُريدُ مما لم يَبلُغ / درجةَ الصحيح .
وقال بعضُهم: إنَّ قولَهُ في أَثَرِهِ: وعليه مَدَارُ أكثرِ الحديث، وهو الذي يَقْبِلُهِ
أكثرُ العلماء، ويَستعملُه عامَّةُ الفقهاءِ هو من تتمة الحَدِّ(٣)، وبذلك يَخْرُجُ الصحيحُ
(١) وقع في الأصل: (ويُروَى من غير وجه ونحو ذلك)، بزيادة الواو سهواً، وقولُه: (نحو
ذلك)، في بعض النسخ من (الترمذي)): (ونحوَ ذاك). وكلاهما صحيح.
(٢) ٧٥٨:٥.
(٣) وهو الذي أجزمُ به، وأرى أن الخطابي شخّصَ (الحسَنَ) تشخيصاً جيداً مميّزاً. وفَهِمَ =

أ
٣٥٧
الذي دَخَل فيما قبلَه، فإنَّ الصحيحَ يَقبلُه جميعُ العلماء، بخلافِ الحَسَن، فإِنَّ بعضَهم
لا يَقبَلُه. رُوِيَ عن ابن أبي حاتم أنه قال سألتُ أبي عن حديثٍ فقال: إسنادُهُ حسن،
فقلتُ: يُحْتَجُّ بهِ؟ قال: لا.
وقد حاول بعضُهم أن يجعَلَ حَدَّ الخطابي موافقاً لحدِّ الترمذي، فقال: قولُ
الخطّابي: ما عُرِفَ ◌َخْرَجُه هو كقولِ الترمذي: ويُروَى من غير وجهٍ، وقولُ
الخطابي: اشْتَهَر رجالُه، يعني بالسلامةِ من وَصْمَةِ الكذب، هو كقولٍ الترمذي:
ولا يكونُ في إسنادِهِ من يُتَّهَمُ بالكذب. وأمّا قولُ الترمذي: ولا يكونُ شاذًا فهو
مستغنىَّ عنه في عبارة الخطابي، لأنَّ عِرفانَ الَخْرَجِ يُنافي الشُّذُوذَ.
وقال بعضهم: إنَّ عِرفانَ المَخْرَجِ لا يُنافي الشذوذَ، لأنَّ الشاذَّ الذي قد أُبِرِزَ فيه
جميعُ رجالِهِ، قد عُرِفَ فيه ◌َخْرَجُ الحديث، وإنما ينافي الانقطاعَ، لأنَّ ما سَقَط بعضُ
إسنادِهِ لا يُعرَفُ فيه ◌َخْرَجُ الحديث، إذ لا يُذْرَى من سَقَط.
ولا يخفى ما في تطبيقٍ أَحَدِ الحدَّينِ على الآخَرِ من التكلف، لا سيما بعدَ أن
تَبَيْنَ أنَّ الترمذيَّ قد حَدَّ أَحَدَ قِسْمَيْ الحَسَنِ، وهو الحَسَنُ لغيره، والخطابيَّ قد حَدَّ
القسمَ الآخَرَ وهو الحسَنُ لذاته.
وقال ابنُ الجوزي في حَدِّهِ: ما فيه ضعفٌ قريبٌ محتَمَلُ هو الحديثُ الحسَن،
ويَصلُحُ البناءُ عليهِ والعَمَلُ به.
واعتُرِضَ على هذا الحدِّ بأنه ليس مضبوطاً بضابطٍ يتميّزُ به القَدْرُ المحتَمَلُ من
غيره.
وقال بعضُهم: ما ذكره ابنُ الجوزي مبنيٌّ على أنَّ معرفةَ الحَسَنِ موقوفةٌ على
معرفةِ الصحيحِ والضعيفِ، لأنَّ الحسَنَ وَسَطّ بينهما.
= ابنُ الصلاح من كلامِهِ أن الحدَّ ينتهي عند قوله: (واشتَهَر رجالُه). وهو فَهْمُ فيه نظر، لأنَّ تعريفَه
(الصحيح) يميّزُه عن (الحسَن)، فلا تداخُلَ في التعريف.
٠

٣٥٨
وقال بعضُهم: لَّا توسَّطِ الحَسَنُ بين الصحيحِ والضعيفِ عَسُرَ تعریفُه، وصار
ما يَنقَدِحُ في نفسِ الحافظِ قد تَقْصُرُ عبارتُه عنه.
وقال بعضهم: إنه لا مَطْمَعَ في تمييز الحسَنِ من غيرِهِ تمييزاً يَشَفي الغليلَ، غِيرَ
أن من بَرَعَ في هذا الفن يُمكِنُه أن يُقَرِّبَ على الطالب مَطْلَبَه.
وقد اعتَنَى ابنُ الصلاح بإيضاح حَدِّ الحسَنِ بقدر الاستطاعة، فقال بعدَ أن
أورد الحدودَ الثلاثةَ المذكورةَ هنا: قلتُ: كلُّ هذا مُسْتَبْهِمٌ لا يَشِفِي الغليلٌ، وليس
فيما ذكره الترمذي والخطابي ما يَفْصِلُ الحَسَنَ من الصحيح. وقد أمعَنْتُ النظر في
ذلك والبحثَ جامعاً بين أطرافِ كلامِهم، مُلاحِظاً مَواقِعَ استعمالِهِم، فُتنقَّحَ لِي
واتَّضَحَ أنَّ الحديثَ الحَسَنَ قسمان:
أحدُهما: الذي لا يخلو رجالُ إسنادِهِ من مستور لم تَتحقَّق أهليتُهُ، غير أنه ليس
مُغفَّلًا كثيرَ الخطأ فيما يرويه، ولا هو مُتَّهِمُ بالكذِبِ في الحديث، أي لم يَظهر منه تعمُّدُ
الكذِبِ في الحديث، ولا سَبَبٌ آخَرُ مفسِّق، ويكونُ مَتْنُ الحديثِ مع ذلك قَدْ عُرِفَ
بأن رُوِيَ مِثلُهُ أو نحوه من وجهٍ آخر أو أكثر، حتى اعتضد بمتابعة من تابع راویه علی
مِثلِه، أو بما لَهُ من شاهِدٍ، وهو وُرود حديثٍ آخَرَ بنحوه، فيخرُجُ بذلك عن أن يكون
شاذاً، أو منكراً. وكلامُ الترمذي على هذا القِسمِ يَتَنزَّل.
القسمُ الثاني: أنْ يكون راوِيه من المشهورين بالصدقِ والأمانة، غيرَ أنه لم يَبْلُغ
درجةَ رجالِ الصحيح، لكونِهِ يَقْصُرُ عنهم في الحفظِ والإِتقان، وهو مع ذلك يَرتفِعُ
عن حالٍ من يُعَدُّ ما يَنْفَرِدُ به من حديثه منكراً، ويُعتبرُ في كل هذا مع سلامةِ الحديث
من أن يكونَ شاذاً أو منكراً: سلامَتُهُ من أن يكون معلَّلاً. وعلى هذا القِسمِ يَتَنزَّلُ
كلامُ الخطابي .
فهذا الذي ذكرناه جامعٌ لما تفرَّق في كلام من بَلَغنا كلامُه في ذلك، وكأنَّ
/١٤٧ الترمذيَّ ذَكَرَ / أحَدَ نَوْعَيْ الحَسَن، وذَكَرِ الخَطَّبيُّ النوعَ الآخَرَ، مقتَضِراً كلُّ واحدٍ
منهما على ما رأى أنه يُشكِلُ، مُعْرِضاً عما رأى أنه لا يُشَكِل، أو أنه غَفَلَ عن البعض

٣٥٩
وذَهِلَ، والله أعلَمُ، هذا تأصيلُ ذلك وتوضيحُه. اهـ.
واعتُرِضَ عليه بأنه جَعَل الحَسَنَ عند الترمذيِّ مقصوراً على روايةِ المستور،
وليس كذلك، بل يَشترِكُ معه الضعيفُ بسبب سُوءِ الحفظ، والموصوفُ بالغَلَطِ
والخطأ، والمختلِطُ بعدَ اختلاطِهِ، والمدلِّسُ إذا عَنْعَنَ، وما في إِسنادِهِ انقطاعٌ ضعيف،
فأحاديثُ هؤلاء من قَبِيل الحَسَنِ عنده إذا وُجِدَتْ الشروطُ الثلاثة، وهِي: أن
لا يكونَ في الإِسناد من يُّتَّهَمُ بالكذب، وأن لا يكونَ الحديثُ شاذاً، وأن يُروَى مِثلُ
ذلك أو نحوُه من وجهٍ آخَرَ فصاعداً، وليسَتْ كلُّها في درجةٍ واحدةٍ بل بعضُها أقوى
من بعض، ومما يُقوِّي هذا أنه لم يَتعرَّض لاشتراطِ اتصالِ الإِسناد، ولذا وَصَفَ كثيراً
من الأحاديثِ المنقطعةِ بالحسَن .
وأمَّا قولُه: وكأنَّ الترمذيَّ ذَكَر أَحَدَ نَوْعَيْ الحَسَن، وذَكَر الخطابيَّ الآخَرَ
مقتصِراً كلُّ واحدٍ منهما على ما رأى أنه يُشكِل، مُعْرِضاً عما رأى أنه لا يُشكِل، أو أنه
غَفَل عن البعضِ وذهِل، فقال بعضُهم فيه:
إِنَّ الخطابيَّ لا يُطلِقُ اسمَ الحسن إلَّ على النوع الذي ذكره، وهو النوعُ الذي
يُسمِّيه من يجعلُ الحسَنَ قسمين باسم الحسَنِ لذاته. وأما النوع الذي تَرَكَه وهو الذي
يسمَّى عندَهم بالحسَنِ لغيرِهِ، فهو من قَبِيلِ الضعيف عندَه، فَتَرَكَّه لذلك لا لما
ذَكَر (١). ويظهر أنَّ الترمذي أيضاً إذا أَطلَق اسمَ الحَسَنِ فإنما يُريدُ به النوعَ الذي
ذكره، وهو الذي يُسمَّى عندَهم بالحسَنِ لغيره، وأما النوعُ الذي تَرَكه فهو عندَه من
قَبِيلِ الصحيحِ ، فَتَرَكَه أيضاً لذلك لا لما ذَكَر، وهذا لا يُنافي إطلاقَ اسمِ الحَسَن
على هذا النوع إذا وُجِدَتْ قرينةٌ تَدُلُّ على ذلك.
وأما قولُ بعضهم: إنَّ الترمذيَّ قد صَحَّحَ جملةً من الأحاديث لا تَرْقَى عن رُتبةِ
الحَسَن، مَعَ أنه ممن يُفرِّقُ بين الصحيح والحسن، فإنَّ فيه إِبهاماً، فإن أراد أنه حَكَمَ
بصحةِ أحاديثَ هي في رتبةِ الحسَنِ لغيره، فالاعتراضُ عليه وارد، وإن أراد أنه حَكَم
(١) أي لما ذكره ابن الصلاح.

٣٦٠
بصحةٍ أحاديث هي في رتبةِ الحسّنِ لذاتِهِ، فالاعتراضُ عليه غيرُ وارد، فإنَّ كثيراً من
المحدِّثين يُدخِلُه في الصحيح، ويجعلُه في أدْنَى مَرَاتِهِ، ولذا قالوا: إِنَّ من سَمَّى
الحَسَنَ صحيحاً لا يُنكرِ أنه دُونَ الصحيح المقدَّمِ المبينَّ أولاً، فهذا إذاً اختلافٌ في
العبارة دون المعنى.
ولذا يَتبينٌ من إمعانٍ النظر في هذه، وتَتَبُّعِ مَوَاردِها أَنَّ المحدِّثين الذين رأوا أنه
ينبغي أن يُجُعَلَ بين الصحيح والضعيف واسطةٌ:
عَمّدَ بعضُهم إلى قسمٍ من أقسام الضعيفِ وهو الضعيفُ الذي ظهرت فيه
أماراتُ القُوَّةُ، فرفَعَه درجةً وجَعَله واسطةً بينهما، وسَّه بالحَسَنِ.
وعَمَد الآخَرُونٍ إلى قسمٍ من أقسامِ الصحيحِ وهو الصحيحُ الذي فيه شيء
من الضعف، فأنزلَه درجةً، وجعَلَه واسطةً بينهما، وسَمّه بالحسنِ، فَتَقَبَّل المُتْبِعون
لآثارِهم لذلك بقبولٍ لحسن، فجعلوا اسمَ الحسنِ شاملاً للنوعين معاً، غير أنهم رأوا
أن يُفرِّقوا بينهما للاحتياج إلى ذلك، فسَمِّوْا القسمَ الذي كان مُدْرَجاً في الصحيح :
باسم الحسَنِ لذاته، وسَمَّوْا القسمَ الذي كان مُدْرجاً في الضعيفِ: باسم الحسَنِ
لغيره .
وقد حاوَلَ مُحاوِلُون أن يَحُدُّوا الحسَنَ مطلقاً مع اختلافِ أمرِهما، فقال
بعضُهم: الحَسَنُ هو الذي اتَّصَل إسنادُه بالصَّدُوقِ الضابطِ الذي ليس بتامِّ الضبط،
أو بالضعيفِ الذي لم يُتَّهَم بالكذِب إذا عَضَده عاضد، مع السلامة من الشذوذ
والعلة .
وقال بعضهم: الحسَنُ ما خلا عن العِلَل، وكان في سندِهِ المتصلِ إِمَّا راوٍ
/١٤٨ مستورٌ / له به شاهد، أو راوٍ مشهورٌ قاصرً عن كمال الإِتقان .
وقال بعضُهم: الحسَنُ مُسْنَدُ من قَرُبَ من درجةِ الثقة، أو مرسَلُ ثقةٍ رُويَ مْن
غير وجه، وسَلِمَ من شذوذٍ وعِلَّةِ .
وأما الحسَنُ لذاته فقد عَرَّفه بعضُهم فقال: هو الحديثُ الذي ليس فيه عِلَّةٌ ولا

٣٦١
شذوذٌ، إذا اتَّصَل إسنادُهُ بُرُواةٍ معروفين بالعدالةِ والضبطِ، غيرَ أنَّ في ضبطهم قصوراً
عن ضبطِ رُواةِ الصحيح .
فجعَلَه هو والصحيحَ سواءً إلَّ في تفاوتِ الضبطِ، فراوي الصحيح يُشتَرَطُ أن
يكون موصوفاً بالضبط التامِّ، وراوي الحسَنِ لا يُشتَرَطُ فيه تلك الدرجة، وإنما
يُشْتَرَطُ فيه أن يكون ضابطاً في الجملة، بحيث لا يكونُ مغفَّلاً، ولا كثيرَ الخطأ. وأمَّا
سائرُ شروطِ الصحيح فإنه لا بُدَّ منها في الحسَنِ لذاتِه.
وقد وُجِدَ في كلام المتقدمين إطلاقُ الحسن على ما ذُكِرَ وعلى غيره، قال
ابنُ عدي في ترجمة سَلَّم بن سليمان المدائني(١): حديثُهُ منكر، وعامَّتُه حِسان، إلاّ أنه
لا يُتَابَعُ عليه. وقيل لشعبة: لأيِّ شيء لا تروي عن عبد الملك بن أبي سليمان
العَرْزَمِي وهو حَسَنُ الحديث؟ فقال: مِن حُسنِهِ فَرَرتُ(٢). وكأنهما أرادا المعنى
اللغويَّ وهو حُسْنُ المتن(٣).
وربما أُطلِقَ على الغريب، قال إبراهيم النخعيّ: إذا اجتمعوا كَرِهوا أن يُخْرِجَ
الرجلُ حِسانَ أحاديثِه. قال ابنُ السمعاني: إنه عَنَى الغرائب.
ووُجِدَ للشافعيِّ إطلاقُهُ: في المتفَقِ على صِحَّتِه، ولابن المديني: في الحَسَنِ
لذاتِهِ، وللبخاري: في الحسَنِ لغيره، وبالجملة فالترمذيُّ هو الذي أكثرَ من التعبير
بالحسَنِ ونوَّهَ بذكره.
ولكن حيث ثبَتَ اختلافُ الأئمةِ في معناه حينَ إطلاقِهِ، فلا يَسوغُ إطلاقُ
القولِ بالاحتجاج به، بل لا بُدَّ من النظرِ في ذلك، فما كان منه منطبقاً على الحَسَنِ
لذاتِهِ ساغَ الاحتجاجُ به، وما كان منه منطبقاً على الحَسَنِ لغيرِهِ يُنْظَرُ فيه، فما كَثُرَتْ
طُرُقُهُ يَسوُ الاحتجاجُ به، وما لا فلا.
(١) في ((الكامل)) ٣: ١١٥٩.
(٢) هذا من ((الكامل)) لابن عدي أيضاً ٥: ١٩٤٠.
(٣) قلت: الأظهر أنهما أرادا أن أحاديثهما غرائب، كما يتبيّنُ من النظر في ترجمتهما، فيكون =
1

٣٦٢
فوائد تتعلق بمبحث الحديث الحسن
الفائدة الأولى
في أنَّ بعض الأحاديث قد يَعرِضُ لها من الأحوال
ما يَرفَعُها من درجتِها إلى الدرجةِ التي هي فوقَها
قد يَعرِضُ لبعض الأحاديث أحوالٌ تُورِثُها قوةً، وبذلك قد يرتفعُ الضعيفُ مِن
درجتِهِ إلى درجة الحسَنَ، وقد يرتفعُ الحسَنُ من درجتِهِ إلى درجةِ الصحيح. وليس
هذا الحكمُ خاصاً بالضعيفِ والحسن، بل يَشمِلُ الصحيحَ أيضاً باعتبار تنوع
درجاتِه، إلَّ أنَّ بحثنا الآن إنما يتعلَّقُ بهما فقط، فنقول:
إنَّ الحديثَ الضعيفَ قد يكون ضعفُهُ ممكِنَ الزوال، وقد يكون غير ممكن
الزوال.
فإن كان ممكِنَ الزوال، وذلك فيما إذا كان الضعفُ ناشئاً من ضعفٍ حفظ
بعضِ رُواتِهِ مع كونه من أهلِ الصدق والديانة، فإذا جاء ما رواه من وجهٍ آخَرَ عرفنا
أنه قد حَفِظَه ولم يختلَّ فيه ضبطُه، فيرتفعُ بذلك من درجةِ الضعيف إلى درجة الحسن.
ومِثلُ ذلك ما إذا كان ضعفُه ناشئاً من جهة الإِرسال، كما في المرسَلِ الذي
يُرسله إمامٌ حافظ، فإِنَّ ضَعْفَه يزولُ بروايتِهِ من وجهٍ آخر، فيرتفعُ بذلك من درجةٍ
الضعيف إلى درجة الحسَّن. ومثلُ الإِرسالِ التدليسُ، أو جهالةُ بعضِ الرجال . :
وإن كان ضعفُهُ غيرَ ممكِنِ الزوال، كالضعفِ الذي / ينشأ من كونِ الراوي متَّهَماً
بالكذب، أوكونٍ الحديث شاذاً، فإنَّ ضعفَه لا يزولُ بروايتِهِ من وجهٍ آخر، فلا
يرتفعُ بذلك من درجةِ الضعيف إلى درجة الحسَن، كحديث ((من حَفِظُ على أُمَّتِي
/١٤٩
= إطلاقُ ابنٍ عَدِيّ وشعبة على أحاديثهما لفظً (الحَسَن) بالمعنى الذي قاله إبراهيم النخعي وفسره به
ابنُ السمعاني، في الجملة التالية.