Indexed OCR Text

Pages 361-380

!
٣٠٣
واتصالِ الإِسناد، والسلامةِ من العِلَل القادحة. ولدى البحثِ تبينَّ أنَّ كتاب
البخاري أرجحُ في ذلك.
أمَّا من جهةِ الثقةِ بالرواةِ فَيَظهرُ رُجحانُهُ من أوجهٍ :
أحدُها أنَّ الذين انفرد البخاريُّ بالإِخراج لهم دون مسلم أربعُ مئةٍ وبضعٌ
وثلاثون رجلاً، والمتكلَّمَ فيه بالضعفِ منهم ثمانون رجلاً، والذين انفرد مسلم
بالإِخراج لهم دون البخاري سِتُّ مئة وعشرون رجلاً، والمتكلُّمُ فيه بالضعفِ منهم
مئةٌ وستون رجلاً. ولا ريبَ أنَّ التخريج لمن لم يُتكلّم فيه أصلاً أولى من التخريج
لمن تُكلِّمَ فيه وإن لم يكن ذلك الكلامُ قادحاً.
وثانيها أنَّ الذين انفرد بهم البخاريُّ ممن تُكلِّم فيه لم يُكثِر من تخريج
أحاديثهم، وليس لواحدٍ منهم نُسخةٌ كبيرةٌ أخرجها كلَّها أو أكثرَها، إلَّ ترجمةَ عِكْرِمةَ
عن ابن عباس، بخلافِ مسلم فإنه أخرج أكثرَ تلك النُّسَخ كأبي الزّبير عن جابر،
وسُهَيل عن أبيه، والعلاءِ بن عبد الرحمن عن أبيه، وحمادٍ بن سَلَمة عن ثابت، وغير
ذلك.
وثالثُها أنَّ الذين انفرد بهم البخاريُّ ممن تُكلِّمَ فيه أكثرُهم من شيوخِه، الذين
لَقِيَهم وجالَسَهم وعَرَف أحوالهم واطّلعَ على أحاديثهم وميَّزَ جِيِّدَها من غيره، بخلافٍ
مسلم فإنَّ أكثرَ من انفرد بتخريج حديثِهِ ممن تُكلِّم فيه ممن تقدَّم عصرُه من التابعين
ومن بعدَهم، ولا شكَ أنَّ المحدِّثَ أعرَفُ بحديثٍ شيوخِهِ ممن تقدَّمَ منهم.
ورابعُها أنَّ البخاريَّ يُخْرِجُ حديثَ / الطبقةِ الأولَى التي جَعَل جُلَّ اعتمادِهِ / ١٢٣
عليها، وقد يُخرِجُ من حديثِ الطبقة الثانية ما يَعتمِدُه من غير استيعاب، لكن يُخْرِجُ
أكثرَهُ على طريقِ التعليق، وربما خَرَّج اليسيرَ من حديثِ الطبقة الثالثة على طريق التعليق
أيضاً. وقد عَرفتَ فيما سَبَق أنَّ كتاب البخاري موضوعٌ بالذاتِ للمسنَداتِ، وأما
المعلّقاتُ فإنها تُذكَرُ فيه استئناساً واستشهاداً، ولهذا لم يَتعرض لها الدارقطنيُّ فيما انتقده
1

٣٠٤
عليه. وأما مسلمٌ فإنه يُخْرجُ أحاديثَ الطبقتينِ على سبيلِ الاستيعاب، ويُخْرِجُ
أحاديثَ الطبقةِ الثالثةِ لكن من غير استيعاب.
وما ذُكِرَ إنما هو في حقّ المكثرين، فأمَّا غيرُ المكثرين فإنما اعتَمَّد الشيخانِ في
تخريج أحاديثهم على الثقةِ والعدالةِ وقلةِ الخطأ، لكن منهم من قَوِيَ الاعتمادُ عليه
فأخرَجًا ما تفرَّدَ به كيحيى بن سعيد الأنصاري، ومنهم من لم يقْوَ الاعتمادُ عليه
فأخرَجَا له ما شارَكَه فيه غيرُه وهو الأكثر. وأما الطبقةُ الرابعةُ والخامسةُ فلم يُعرِّجا
عليها .
وأما من جهةِ الإتصالِ فلأنَّ البخاريَّ اشترط أن يكون الراوي قد ثَبَت له
ملاقاةُ من رَوَى عنه ولو مرةً، وقد ذَكَرَ ذلك في ((تاريخه))، وجَرَى عليه في ((صحيحِهِ))
حتى إنه قد يُخرِجُ حديثاً في بابٍ لا تعلّق له به، لما فيه من سماع راٍ من شيخِهِ، يكونُ
قد أَخَرَج له قبلَ ذلك روايةً عنه بطريقِ العنعنة. وأما مسلم فإنه اكتَفَى بالمعاصرة،
ولم يَشترط ثبوتَ تلاقيهما، ورَدَّ في مقدمة ((صحيحه))(١) على من اشتَرَط ذلك ..
ولا يخفى أنَّ ثبوتَ اللقاءِ ولو مرةً مما يُؤكِّدُ أمرَ الاتصال.
وأما من جهةِ السلامةِ من العِلَل القادحةِ، فلأنَّ الأحاديث التي انتُقِدَتْ عليهما
بلَغَتْ مئتي حديثٍ وعَشَرةَ أحاديث، اختَصَّ البخاريُّ منها بأقلَّ من ثمانين، واختَصَّ
مسلم بالباقي، ولا شكَّ أنَّ ما قَلَّ الانتقادُ فيه أرجَحُ مما كَثُرَ ذلك فيه. وبما ذُكِرَ تَعلمُ
رُجحانَ كتاب البخاري على كتاب مسلم في الأمور الثلاثة التي عليها مدارُ صحة
الحديث.
وقد نُقِلَ عن كثيرٍ من الأئمةِ ترجيحُ كتابِهِ على غيره بطريقِ الإِجمالِ. قال
النسائي وهو شيخُ أبي علي النيسابوري: ما في هذه الكتبِ كلِّها أجودُ من كتاب
محمد بن إسماعيل. يَعني بالجَوْدَةِ جَودَةَ الأسانيد كما هو المتبادِرُ إلى الفهم في عُرف
المحدثين، وناهيك بمثل هذا الكلام من مثلِ النَّسائي المشهورِ بشدَّةِ التحرِّي
(١) ١٢٧:١ - ١٤٤، وتقدم تعليقاً في ص ١٨٩ فانظره.

٣٠٥
والتثبّتٍ في نقدِ الرجال، فقد ثبّتَ تقدُّمُه في ذلك على أهل عصره، حتى قدَّمه قومٌ من
الْحُذَّاقِ في نقدِ الرجال على مسلم، وقدَّمه الدارقطنيُّ وغيرُه في ذلك على إمام الأئمة
أبي بكر بن خزيمة صاحب ((الصحيح)).
وقال الإِسماعيلي في (المدخل)) له: أمَّا بعدُ فإِنِي نَظرتُ في كتاب ((الجامع)) الذي
أَلَّفه أبو عبد الله البخاريُّ، فرأيتُه جامعاً كما سُمِّي لكثيرٍ من السُّنْنِ الصحيحة، ودالّاً
على ◌ُمَلٍ من المعاني الحسَنَةِ المستنبطةِ، التي لا يَكمُلُ لمثلها إلَّ من ◌َع إلى معرفة
الحديثِ ونقَلَتِهِ، والعلمِ بالرواياتِ وعِلَلِها: عِلماً بالفقهِ واللغةِ، وتمكناً منها كلِّها،
وتبخّراً فيها. وكان يرحمه الله الرجلَ الذي قَصَرَ زمانَه على ذلك، فَبَرَع وبلَغَ الغايةَ
فحاز السَّبْقَ، وَجَمَعَ إلى ذلك حُسْنَ النَّةِ والقصدِ للخير، فَنفَعَه الله ونفَعَ به .
قال: وقد نحا نحوَه في التصنيف جماعةٌ منهم الحسن بن علي الحُلْواني، لكنه
اقتَصَرَ على السُّنَن.
ومنهم أبو داود السِّجِسْتَاني، وكان في عصرٍ أبي عبد الله البخاري، فسَلَك فيما
سَمَّه («سُنَناً» ذِكْرَ ما رُوِيَ في الشيءٍ وإن كان في السند ضعفٌ، إذا لم يجد في الباب
غيرَه .
ومنهم مسلمُ بن الحَجَّاج، وكان يُقارِبُه في العصرِ / فرامَ مَرامَه، وكان يأخذُ / ١٢٤
عنه أو عن كتبِهِ، إلَّ أنه لم يُضائِقُ نَفْسَه مُضايَقَةً أبي عبد الله، ورَوَى عن جماعةٍ كثيرةٍ
لم يَتعرَّض أبو عبد الله للرواية عنهم.
وكلٌّ قَصَد الخير، غيرَ أنَّ أحداً منهم لم يَبلغ من التشدُّدِ مَبلِغَ أبي عبد الله،
ولا تسبَّبَ إلى استنباطِ المعاني، واستخراجِ لطائفٍ فقهِ الحديث، وتراجمِ الأبوابِ،
الدالَّةِ على مالَهُ وُصْلَةٌ بالحديثِ المروي فيه تسبّبَه، ولله الفضلُ يَخْتَصُ به من يشاء.
وقال الحاكم أبو أحْمَدَ النيسابوري، وهو معاصر لأبي علي النيسابوري ومقدَّمٌ
عليه في معرفة الرجال، فيما حكاه أبو يعلَى الخليلي في ((الإِرشاد)) ما ملخّصُهُ: رَحِمَ الله
محمد بن إسماعيل الإِمامَ، فإنه الذي ألَّف الأصولَ وبيَّنَ للناس، وكلُّ من عَمِلَ بعدَه

٣٠٦
فإنما أخذَهُ من كتابِهِ، کمسلم فرّقَ أکثر کتابِهِ في كتابه.
وقال أيضاً في كتاب ((الكُنِى)): كان أحَدَ الأئمةِ في معرفةِ الحديث وَجْعِه، ولو
قلتُ: إني لم أرَ تصنيف أحد يُشبِهُ تصنيفَه في الحُسْنِ والمبالغةِ لم أكن بالَغْتُ.
وقال الدارقطني: إنما أُخَذَ مسلم كتابَ البخاري فعَمِلَ عليه مُسْتخرجاً، وزاد
فيه زیاداتٍ(١).
والكلامُ في ذلك كثير، ويَكفِي منه اتفاقُهم على أنه كان أجلُّ من مسلم في
العلوم، وأعرَفَ منه بفنّ الحديث، وأنَّ مسلماً تلميذُه وخِرِّيجُه، ولم يَزَل يَستفيدُ منه
ويتَتَبّعُ آثارَه، وأنَّ مسلماً كان يَشْهَدُ له بالتقدُّم في ذلك والإِمامةِ فيه، والتفرُّدِ بمعرفةٍ
ذلك في عصره، حتى هَجَر من أجلِهِ شيخَهُ محمدَ بنَ يحيى الذُّهلِي لِمَا أَثَارَ الفتنةَ على
البخاري حسداً له، حتى اضْطُرَّ البخاريُّ أن يَخْرُجَ من نيسابور خشيةً على نفسه،
وعلى كلِّ حالٍ ففضلُ مسلم لا يُنكَرِ، فإنَّ البخاريَّ وإن يكن قد قام بأمرٍ
الجامع، فإنَّ مسلماً قد قام بأمرٍ إكمالِهِ، فهو يتلوه على الأثَر، وهما للناسِ شَمْسٌ
وقَمَر. وللأديب البارع أبي عامر الفضل بن إسماعيل الجُرْجاني في مَلْح ((صحيح
البخاري)) :
صحيحُ البخاريِّ لو أنصَفُوهُ
هو الفَرْقُ بين الهُدَى والعَمَى
أسانيدُ مِثلُ نجوم السماءِ
به قامَ مِيزَانُ دِينِ النبيّ
حِجابُ من النَّار لا شَكَّ فيه
وخيرُ رفيقٍ إلى المصطفى
فيا عالماً أجمعَ العالمون
سَبَقْتَ الأئمةَ فيما جَمَعْتَ
لَمَا خُطَّ إلَّ بماءِ الذَّهَبْ
هو السَّدُّ دُونَ العَنَا والعَطَبْ
أمامَ مُتُونٍ كَمِثلِ الشُّهُبْ
ودانَ له العُجْمُ بَعْدَ الْعَرَبْ
يُميِّزُ بين الرِّضَا والغَضَبْ
ونُورٌ مُبِينٌ لكشفِ الرِّيَبْ
على فضلِ رُتْبَتِهِ في الرُّتَبْ
وفُزْتَ على رَغمِهِم بِالقَصَبْ
(١) هذا زعمٌ يَردُّه الواقع! كما لا يخفى على محدِّثٍ قرأ صحيح مسلم ..
:

٣٠٧
ومن كان متَّهماً بالكَذِبْ
نَفَيْتَ السقيمَ من الغافِلِين
وصَحَّتْ رِوايتُهُ في الكُتُبْ
وأَثبَتَّ من عدَّلَتْهُ الرُّواةُ
وتبويِهِ عَجَباً لِلعَجَبْ
وأَبرزتَ في حُسْنٍ ترتيبِهِ
وأجزَلَ حَظَّك فيما يَهَبْ
فأعطاك رَبُّك ما تَشتهيهِ
بخيرِ يَدُومُ ولا يُقْتَضَبْ
وخَصَّك في غُرُفاتِ الجنان
تتمة
/ ١٢٥
/ قال الأستاذ أبو إسحاق الإِسْفِرَائِيني: أهلُ الصنعةِ مُجمِعون على أنَّ الأخبارَ
التي اشتَمَلَ عليها ((الصحيحان)) مقطوعٌ بصحة أصولها ومتونها، ولا يَحَصُل
الخلافُ فيها بحال، وإن حَصَل فذاك اختلافٌ في طُرُقِها ورُواتِها. قال: فمن خالَفَ
حكمُهُ خَيَراً منها وليس له تأويلٌ سائغٌ للخَبَرَ نَقَضْنا حُكمَه، لأنَّ هذه الأخبارَ تلقّتْها
الُمَّةُ بالقبول.
قال الحافظ أبو عَمْرو بنُ الصلاحِ في مبحثِ (الصحيح)، في الفائدة
السابعة(١)، بعدَ أن ذَكّرَ الأقسامَ السبعةَ التِي سَبَقَ بيانُها (٢): هذه أُمَّهاتُ أقسامِه،
وأعلاها الأوَّلُ وهو الذي يقولُ فيه أهلُ الحديث كثيراً: صحيحٌ متفقٌ عليه، يُطلِقون
ويَعنون به اتفاقَ البخاريِّ ومسلم، لا اتفاقَ الْأُمَّةِ عليه، لكن اتفاقُ الأُمَّة عليه لازمٌ
من ذلك وحاصلٌ معه، لاتفاقِ الأُمَّة على تلقِّي ما اتّفَقا عليه بالقبول.
وهذا القسمُ جميعُهُ مقطوعٌ بصحتِهِ، والعِلمُ اليقينِيُّ النظريُّ واقعٌ به، خلافاً
لمن نَفَى ذلك، مُحتجّأَ بأنه لا يُفِيدُ في أصلِهِ إلَّ الظنَّ، وإنما تلقّتْهُ الأَمَّةُ بالقبول، لأنه
يجبُ عليهم العَمَلُ بالظن، والظنُّ قد يُخُطىء. وقد كنتُ أمِيلُ إلى هذا وأحسَبُهُ قوياً،
ثم بان لي أنَّ المذهبَ الذي اخترناه أولاً هو الصحيحُ، لأنَّ ظَنَّ من هو معصومٌ من
الخطأ لا يُخِطِىء، والأمَّةُ في مجموعِها معصومةٌ من الخطأ، ولهذا كان الإِجماعُ المبنيُّ
على الاجتهادِ حُجَّةً مقطوعاً بها(٣)، وأكثرُ إجماعاتِ العلماءِ كذلك.
(١) ص ٢٧ .
(٢) في الصفحات: ٢٨٨ - ٢٩٠.
(٣) وقع في الأصل: (ولهذا كان إجماع المبني). وهو تحريف.
1

٣٠٨
وهذه نكتةٌ نفيسةٌ نافعة، ومن فوائدِها القولُ بأنَّ ما تفرّدَ به البخاريُّ أو مسلمٌ
مندرِجٌ فِي قَبِيلِ ما يُقطَعُ بصحته، لتلقِّي الأمَّةِ كلَّ واحد من كتابَيْهِما بالقبولِ ، على
الوجهِ الذي فَصَّلناه من حالهما فيما سَبَق، سوى أحرفٍ يسيرةٍ تَكلَّم عليها بعضُ أهلِ
النقدِ من الحُفَّاظِ كالدار قطني وغيره، وهي معروفةٌ عند أهل هذا الشأن. أهـ.
وُجُمَلُ ما فصِّله سابقاً هو أنَّ ما حَكَم البخاري ومسلمٌ بصحته بلا إشكال،
هو ما أورَدَاه بالإِسنادِ المتصلِ ، وأما المعلَّقُ الذي حُذِفَ من مبتدأ إِسنادِهِ واحدٌ
أو أكثرُ - وأغلَبُ ما وَقَعَ ذلك في كتاب البخاري، وهو في كتابٍ مسلم قليلٌ جداً -
ففي بعضِهِ نظر، وأنَّ قولَ: البخاري: ما أدخلتُ في كتاب ((الجامع)) إلَّ ما صَحِّ،
محمولٌ على ما وَضَعَ الكتابَ لأجلِه، وهو الأحاديثُ الصحيحةُ المسندةُ، دون
المعلّقاتِ والآثارِ الموقوفةِ على الصحابة فمن بَعْدَهم والأحاديثِ المترجَمِ بها ونحوِ
ذلك، فإنَّ فيها ما لا يُجزَمُ بصحته، فُستثنى مما يُحكّمُ بإفادته العلمَ، وإن كان إيرادُهُ
لها في أثناء الصحيح - مشعراً بصحة أصله، وأنَّ قولَ الحميدي في كتاب
((الجمع بين الصحيحين)): لم نجد من الأئمةِ الماضِين رضي الله عنهم من أفصَحَ لنا
في جميع ما جَمَعه بالصحةِ إلَّ هذين الإِمامين: محمولٌ على ماوُضِعَ الكتابُ لأجلهِ،
ولذا لم يَرِدِ مثلُ قولِ البخاري: وقال بَهْزُ بن حكيم، عن أبيه، عن جده، عن النبي
صلّى الله عليه وسلَّمْ: اللَّهُ أحقُّ أن يُستحيّا منه، لأنه ليس من شرطِهِ. وهذا مُهِمُّ خافي.
وقد خالَفَ العلامةُ النوويُّ الحافظَ ابنَ الصلاح فيما ذَهَب إليه، فقال في
((التقريب))(١)، وهو كتابٌ اختَصَرَه من ((الإِرشاد)) الذي اختَصَرَه من كتاب ((علوم
الحديث)) للحافظ المذكور: وإذا قالوا: صحيحٌ متفقٌ عليه أو على صحتِه فَمُرادُهم
اتفاقُ الشيخين. وذَكَر الشيخُ (٢) أنَّ ما رَوَياه أو أحدُهما فهو مقطوعٌ بصحتِهِ، والعلمُ
القَطْعِيُّ حاصلٌ فيه، وخالَفَهُ المحقُّقون والأكثرون فقالوا: يُفيدُ الظنَّ ما لم يَتواتر.
وقال في ((شرحِهِ على مسلمَ))(٣) هذا الذي / ذكره الشيخ في هذه المواضع
/١٢٦
(١) ص ٧٠ و ١ :١٣١.
(٢) أي الحافظُ ابن الصلاح.
(٣) :١ :

-
٣٠٩
خلافُ ما قاله المحققون والأكثرون، فإنهم قالوا: أحاديثُ ((الصحيحين)) التي ليسَتْ
بمتواترة إنما تُفيدُ الظنَّ، فإنها آحاد، والآحادُ إنما تُفيدُ الظنَّ على ما تقرّر، ولا فَرْقَ بين
البخاري ومسلمٍ وغيرهما في ذلك.
وتلقّي الأمَّةِ بالقبولِ إنما أفادنا وجوبَ العمل بما فيهما، وهذا متفقٌ عليه، فإنَّ
أخبارَ الآحادِ التي في غيرهما يجبُ العمل بها إذا صَحَّتْ أسانيدُها، ولا تُفيدُ إلَّ الظنَّ
فكذا («الصحيحان)). وإنما يَفترقُ ((الصحيحان)» وغيرُهما من الكتب، في كونٍ ما فيهما
صحيحاً لا يحتاجُ إلى النظر فيه، بل يَجِبُ العملُ به مطلقاً، وما كان في غيرهما
لا يُعمَلُ به حتى يُنظَرِ وتُوجَدَ فيه شروطُ الصحيح. ولا يَلزَمُ من إجماع الأمَّةِ على
العملِ بما فيهما، إجماعُهم على أنه مقطوعٌ بأنه كلامُ النبي صلَّى الله عليه وسلَّم. وقد
أنكر ابنُ بَرْهان الإِمامُ على مَنْ قالَ بما قاله الشيخُ، وبالغَ في تغليطِه. اهـ.
وقد أنكَرَ العزُّ بنُ عبد السلام على ابنِ الصلاح ذلك، وقال: إنَّ المعتزلةَ يُرَوْن
أَنَّ الأمَّةَ إذا عَمِلَتْ بحديثٍ اقْتَضَى ذلك القطعَ بصحتِهِ، قال: وهذا مذهبٌ
رديء. اهـ.
وقد ذَكَر هذه المسألةَ مع الرد عليها صاحبُ ((المحصول))(١) فقال: زَعَم أبو
هاشم والكرخيُّ وتلميذُهما أبو عبد الله البَصْري أنَّ الإِجماعَ على العمل بمُوجَبِ الخبرِ
يَدِلُّ على صحةِ الخبر. وهذا باطلٌ لوجهين:
أحدُهما أنَّ عمل كلِّ الأمة بُوجَبِ الخبر، لا يَتوقَّفُ على قطعِهم بصحةٍ ذلك
الخبر، فَوَجَبَ أن لا يَدُلَّ على صحةِ الخبر. أمَّا الأوَّلُ فلأنَّ العمَلَ بخبرِ الواحدِ واجبٌ
في حَقِّ الكل، فلا يكونُ عمَلُهم به متوقّفاً على القطع به. وأما الثاني فلأنه لمّا
لم يُتوقَّفْ عليه لم يلزم من ثبوتِهِ صِحَتُهُ.
والثاني أنَّ عمَلَهم بمقتضى ذلك الخبرِ يَجُوزُ أن يكونَ لدليلٍ آخَرَ، لاحتمالٍ
قيام الأدلةِ الكثيرةِ على المدلولِ الواحد.
(١) أي الإِمام فخر الدين الرازي ١/٢: ٤٠٨.

٣١٠
احتَجُوا بأنَّ المعلومَ من عادةِ السلف فيما لم يَقْطَعُوا بصحتِهِ: أن يَرُدَّ مدلولَهُ
بعضُهم ويَقبلَهُ الآخرون.
والجوابُ أنَّ هذه العادة ممنوعةٌ، بدليلِ اتفاقهم على حُكمِ المجوسِ بخبرِ
عبد الرحمن.
وقد أشار إليها الغزالي في ((المستصفَى))(١) فقالَ: فإن قيل: خبرُ الواحِدِ الذي
عَمِلَتْ به الأُمَّةُ هل يجبُ تصديقُه؟ قلنا: إن عَمِلُوا على وَقْقِهِ فلعلَّهم عَمِلوا عن دليلٍ
آخرَ، وإن عَمِلوا به أيضاً فقد أُمِرُوا بالعملِ بخبرِ الواحِدِ وإن لم يَعرفوا صِدْقَه،
فلا يَلزَمُ الحكمُ بصدقه.
فإن قيل: لو قُدِّر الراوي كاذباً، لكان عَمَلُ الأمَّةِ بالباطل وهو خطأ، ولا يَجُوزُ
ذلك على الأمَّة .
قلنا: الأُمَّةُ ما تُعُبِّدُوا إِلَّ بخبرٍ يَغْلِبُ على الظنِّ صِدْقُه، وقد غَلَب على ظِنِّهم
ذلك، كالقاضي إذا قَضَى بشهادةٍ عَدْلَينِ فلا يكونُ مخطئاً، وإن كان الشاهدُ كاذباً،
بل يكونُ مُحِقّاً، لأنه لم يُؤْمَرُ إلَّ به. اهـ.
وقال بعضُ علماء الأصول(٢): إذا حَصَل الإِجماعُ على وَفْقِ خبرٍ، فإمَّا أَن يَتَبِينٌ
استنادُهم إليه أَوْلا، فإن تبينَ استنادُهم إليه حُكِمَ بصحةِ ذلك الخبر. وقد وَهِمَ من
قال بغير ذلك. وإن لم يتَبيِّنَ استنادُهم إليه لم يُحكّم بصحتِهِ، لاحتمالِ استنادِهم إلى
دليلٍ آخَر. وغايَةُ ما يقالُ: أنه لم يُنقَل إلينا، وذلك لا يدلُّ على عدَمِه.
وقال بعضُهم: يُحكَمُ بصحتِهِ، بناءً على أنهم لو استندوا إلى غيره لم يَخْفَ
علينا.
(١) ١٤٢:١.
(٢) لم أصل إلى معرفة صاحب هذا القول فيما رجعتُ إليه من كتب الأصول. وليت المؤلف
لم یُبهمه، فُعرَفَ ویزداد القول وضوحاً بمعرفته.

٣١١
وأشار بقوله: وقد وَهِمَ من قال بغير ذلك، إلى من لم يَحِكُم بصحةِ الخبرِ مع
استنادِ المُجْمِعِين إليه، وجُوَّزَ أن يكونَ غيرَ ثابتٍ في الواقع، وزَعَمَ أنَّ المُجْمِعين
لا يُنْسَبُ لهم الخطأُ ولو استندوا إلى خَبَرٍ غيرِ ثابت، لأنهم إنما أُمِرُوا بالاستنادِ إلى
ماظَنُوا صِحَتَه، وهم قد فَعَلُوا ذلك. ولا يَلَزمُ من ظنِّهم صِحَّتَه صِحَّتُهُ في نفسِ
الأمر.
/١٢٧
وقال في حديث ((لا تَجتمِعُ أُمَّتِي على ضَلالٍ)) (١): الضلالةُ الخطَأُ / الذي يُؤاخَذُ
عليه صاحبُه. وقد جَرَى على شاكلةِ هذا من قال: إنه لا يَلزَمُ من الإِجماع على حكمٍ
مطابقتُهُ لحكم الله في نفسِ الأمر، وحينئذٍ فيكون المرادُ بالضلالةِ المنفيةِ عنهم
ما خالَفَ حُكمَ اللَّهِ ولو باعتبار ظَيِّهم، لا ما خالَفَ حُكمَ الله في نفس الأمر.
ولا يخفى أنَّ هذا القولَ يَجعلُ الأمَّةَ في حُكمِ الواحدِ منها، في جوازٍ وقوع الخطأ منها
بالنظر إلى الواقع ونفس الأمر. اهـ.
وقد ذَكَر الفخرُ في ((المحصول))(٢) مسألةً تَقْرُبُ من هذه المسألة، فقال: اعتمدَ
كثير من الفقهاء والمتكلمين في تصحيح خبر الإِجماع وأمثالِهِ، بأنَّ الأُمَّة فيه على
قولين، منهم من احتَجَّ به، ومنهم من اشتَغَل بتأويلِه، وذلك يَدلُّ على اتفاقِهم على
قبولِه. وهو ضعيفٌ لاحتمال أن يُقالَ: إنهم قَبِلُوه كما يُقبَلُ خبرُ الواحِدِ. ويُمكِنُ أن
يُجابَ عنه بأنَّ خبَرَ الواحدِ إنما يُقبَلُ في العَمَلِيَّات، لا في العِلْمَيَات(٣)، وهذه المسألة
عِلْميَّة، فلما قَبِلُوا هذا الخبرَ فيها دلَّ ذلك على اعتقادِهم صِحْتَه.
والجوابُ أنَّا لا نُسَلَّمُ أنَّ كل الأمَّةَ قَبِلُوه، بل كلُّ من لم يَحْتَجِّ به في الإِجماع
طَعَنَ فيه بأنه من بابِ الآحاد، فلا يَجوزُ التمسُّكُ به في مسألةٍ عِلْمية. وهَبْ أنهم
لم يَطعنوا فيه على التفصيل، لكن لا يَلزَمُ من عَدَمِ الطعنِ من جهةٍ واحدة عدَمُ
الطعن مطلقاً . اهـ.
(١) سيأتي تخريجه بعد قليل في منقول المؤلف.
(٢) ٤١١:١/٢.
(٣) جملةُ (لا في العلميات) ساقطةٌ من الأصل، وأثبتُّها من ((المحصول)).

٣١٢
وأراد بخبر الإِجماع حديثَ ((لا تجتمعُ أُمَّتي على ضلالة)) رواه أحمد في
((مسنده))(١). ورَوَى الترمذي بسنده إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أنه قال:
((إنَّ اللّه لا يجمعُ أُمَّتِي أو قال أُمَّةَ محمدٍ على ضلالة، ويَدُ الله مَعَ الجماعة، ومن شَذَّ
(١) ٦: ٣٩٦، من (مسند أبي بَصْرَة الغِفَاري رضي الله عنه)، وأوَّلُهُ: («سألتُ ربي أربعاً
فأعطاني ثلاثاً ومنعني واحدة، سألتُ ربي أن لا يجمّع أمتي على ضلالة ... )) وإسناده ضعيف،
إذ فيه راوٍ مبهم، ولكن له شواهد تقويه، فهو بشواهده صحيح لغيره.
قال الحافظ السخاوي في ((المقاصد الحسنة)) ص ٤٦٠ ((رواه أحمد في مسنده، والطبراني في
((الكبير))، وابن أبي خيثمة في ((تاريخه))، ورواه الطبراني وحده وابن أبي عاصم في ((السنة)) له عن
أبي مالك الأشعري رفعه: ((إن الله أجاركم من ثلاث، وذَكَر منها: وأن لا تجتمعوا على ضلالة)).
ورواه أبو نعيم في (الحلية))، والحاكم في ((المستدرك)) ١١٥:١ و١١٦، وأعلُّه، واللّلِكائيُّ
في ((السُّنَّة)) ١: ١٠٦، وابنُ منده، ومن طريقهِ الضياءُ في ((المختارة)): عن ابن عمر رفعه: ((إن الله
لا يجمعُ هذه الأمةَ على ضلالةٍ أبداً، وإنَّ يَدَ الله مع الجماعة، فاتبعوا السواد الأعظم، فإنه من شَذِّ
شَذَّ في النار)). وهكذا هو عند الترمذيِّ - في أبواب الفتن في الباب السابع منه ٣٣٤:٦ -، لكن
بلفظ: ((هذه الأمة، أو قال: أمتي)).
ورواه ابن ماجه - في كتاب الفتن في باب السواد الأعظم ٢: ١٣٠٣ -، وعبدُ بن محُميد في
(مسنده)): عن أنس مرفوعاً: ((إنَّ أمتي لا تجتمع على ضلالة، فإذا رأيتم الاختلاف، فعليكم
بالسواد الأعظم».
ورواه الحاكم في ((المستدرك) ١١٦:١ عن ابن عباس رفعه بلفظ: ((لا يَجمعُ الله هذه الأمة
على ضلالة، ويَدُ الله مَعَ الجماعة)). والجملةُ الثانية عند الترمذي.
ورواه ابنُ أبي عاصم وغيرُه عن أبي مسعود عقبة بن عَمْرو الأنصاري موقوفاً في حديث:
وعليكم بالجماعة، فإن الله لا يَجمَعُ هذه الأمةَ على ضلالة. زاد غيرُهُ: فإياكم والتلوُّنَ في دين الله .
ورواه الطّبْرِيُّ في «تفسيره)) عن الحسن البصري مرسلاً، بلفظِ أبي بَصْرَة.
وبالجملة: فهو حديثٌ مشهورُ المتن، ذو أسانيد كثيرة، وشواهدَ متعددةٍ في المرفوع وغيره.
فمن الأول: ((أنتم شهداء الله في الأرض)) - رواه البخاري في الجنائز ٢٢٨:٣ في (باب ثناء الناس
على الميت) ومسلم فيها ٧ : ١٩، من حديث أنس -.
ومن الثاني: قولُ ابن مسعود: ((إذا سُئل أحدُكم فلينظر في كتاب الله، فإن لم يجدهُ ففي سنة
رسول اللّه، فإن لم يجدُ فيها فلينظر فيما اجتَمَع عليه المسلمون وإلاّ فليجتهد)).

٣١٣
شَذَّ إلى النار))، وقال: غريبٌ من هذا الوجه. ورواه الحاكم(١) بلفظ ((لا يَجمَعُ اللَّهُ
هذه الأمَّةَ على ضلالة، ويَدُ الله مع الجماعة)).
وقال ابن حزم - في كتاب ((الإِحكام))(٢) في فصل الردِّ على من قال: إنَّ
الجمهورَ إذا اجتمعوا على قولٍ وخالفَهَم واحدٌ فإنه لا يُلتَفَتُ إلى خلافه -: وقد
رُوِيَ أيضاً في هذا من طريق الْحُشَنِيّ، عن المسيّب بن واضح، عن مُعتمِر بن
سليمان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عُمَر أنه قال قال النبي صلَّى الله عليه
وسلَّم: ((لا تَجْتَمِعُ أمتي على ضلالةٍ أبداً، وعليكم بالسَّوادِ الأعظم، فإنَّ من شَذَّ شَذَّ
عن الناس)). قال أبو محمد: والمسيَّبُ بن واضح: قد رأينا له أحاديثَ منكرةً جداً،
منها عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم ((من ضَرَبَ أباه فاقتلوه)). ولو صَحَّ لما كان إلَّ من
شَذَّ عن الحق(٣).
ويقال لهم: لا يجوزُ أن يكونَ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم يأمُرُنا بالمُحال،
وقد رأينا القَوْلَةَ يَكثُرُ القائلون بها ويَغْلِبون على الأرض، ثم يَقِلُّون ويَغِلِبُ أهلُ مقالةٍ
أخرى، فَيَلزَمُ على هذا الذي ذكرتم أنَّ الحق كان في المقالةِ التي كُثُرَ أهلُها، ثم لما قَلَّ
أهلُها بَطَلَ فصار الحقُّ في غيرها، وهذا خطأ ممن أجازه، وصَحَّ أنَّ ذلك الحديثَ
مُؤَلَّد (٤).
ولنرجع إلى المسألةِ التي وَقَع الخلافُ فيها بين ابنِ الصلاح والنوويِّ فنقول:
قال الحافظ ابن حجر: ما ذكره النووي مسلَّمٌ من جهةِ الأكثرين، أما المحقّقون فلا،
فقد وافَقَ ابنَ الصلاح أيضاً محققِّون. وقال البُلْقِيني: ما قاله النوويُّ وابنُ
(١) تقدم تخريجه في التعليقة السابقة.
(٢) ٤: ١٩٢ و٥٤٥:٤.
(٣) هكذا جاءت العبارة هنا، وهي في ((الإحكام)): ((من ضرب أباه فاقتلوه. وهذا - يعني
خبرَ ابنِ عُمَر - لا يُعرَفُ، ولو صَحَّ الخبرُ المذكورُ لكان معناه: مَنْ شَذَّ عن الحق، لا يجوزُ غيرُ
ذلك».
(٤) يعني أنه حديث موضوع. وليس كما قال، وقد سبق بيان ذلك تعليقاً. وهذا المقطع
من قوله: (ويقال لهم: لا يجوز ... ) إلى هنا، لم أرَه في كلام ابن حزم في هذا الموضع المشار إليه.

...
٣١٤
عبد السلام ومن تَبِعَهما ممنويٌ، فقد نَقَل بعضُ الحفاظ المتأخرين مثلَ قُولِ
ابن الصلاح عن جماعةٍ من الشافعية كأبي إسحاق وأبي حامد الإِسْفرائيني والقاضي
أبي الطيب والشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وعن السَّرَخْسِي من الحنفية، والقاضي
عبد الوهاب من المالكية، وأبي يَعْلَى وأبي الخَطَّب وابنِ الزَّاغُوني من الحنابلة،
وابنٍ فُوْرَك وأكثرِ أهل الكلام من الأشعرية، وأهلِ الحديثِ قاطبةً ومذهب السلفِ
عامَّةً، بل بالَغَ ابنُ طاهر المقدسي في ((صفوة التصوف))، فألحَقّ به ما كان على شَرْطِهما
وإن لم يُخرجاه .
وقد كَثُرَ الرادُّون على / ابن الصلاح والمنتصِرُون له. أما الرادُّون عليه فقد
اختلفت عباراتُهم، والاعتراضُ عليه عند المحققين واردٌ من ثلاثة أوجه:
/١٢٨
الوجهُ الأولُ أنه خالَفَ جمهورَ أربابِ الكلام والأصول، فإنهم ذهبوا إلى أنَّ
أخبارَ الآحاد لا تُفيدُ العِلمَ وإنما تُفيدُ الظنَّ، وَذَهَبَ هو إلى أنَّ أخبار الآحاد التي في
((الصحيحين)) سوى ما استُثْنِيَ منها تُفيدُ العلمَ. ولو اكتَفَى بذلك لأمكن أن يُقالَ:
لعلَّه يُرِيدُ بالعلم الظِنَّ القوي، فلا یکونُ الخلاف بينه وبينهم شديداً، لكنه زاد
فَوَصَفَ العلمَ بكونِهِ يقينيّاً، فلم يَبْقَ وَجْهٌ للصُلْح بينه وبينهم. ولا يَخْفى أنَّ مخالفةَ
أهلِ الكلامِ والأصولِ ليست بالأمر السهل.
وهنا شيء وهو أنَّ بعضَ المحققِّين منهم، ذَهَب إلى أنَّ أخبار الآحاد قد تُفيدُ
العلم مع القرائن. قال في ((المحصول))(١): اختلفوا في أنَّ القرائن هل تَدلُّ على صِدقٍ
الخبر أم لا؟ فذهب النَّظَّامُ وإمامُ الحرمين والغزاليُّ إليه، وأنكره الباقون، ثم ذَكَرَ أدلةَ
الفریقین.
وقال بعدَ ذلك: والمختارُ أنَّ القرينة قد تُفيدُ العِلمَ، إلَّ أنَّ القرائن لا تفي
العباراتُ بَوَصْفِها، فقد تَحصُلُ أمورٌ نعلمُ بالضرورةِ عند العلم بها كونَ الشخص
خَجِلاً أو وَجِلاً، مع أنَّا لو حاولنا التعبيرَ عن جميع تلك الأمور لعَجَزنا عنه. والإِنسانُ
إذا أخبَرَ عن كونِهِ عطشانَ، فقد يَظهَرُ على وجهِهِ ولسانِهِ من أماراتِ العطش ما يُفْيدُ
(١) ٤ : ٤٠٠ .
:

٣١٥
العلمَ بكونِهِ صادقاً، والمريضُ إذا أخبَرَ عن أَرٍ في بعضِ أعضائِهِ، مع أنه يَصِبِحُ
وتُرَى عليه علاماتُ ذلك الألم، ثم إنَّ الطبيبَ يُعالجُهُ بعلاجٍ لو لم يكن المريض
صادقاً في قوله لكان ذلك العلاجُ قاتلاً له، فها هنا يَحصُلُ العلمُ بصدقه.
وبالجملةِ: فكلُّ من استَقرأَ العُرْفَ عَرَفَ أنَّ مستنَدَ اليقينِ في الأخبار ليس إلّ
القرائن، فَثَبَتَ أنَّ الذي قاله النَّظَّامُ حقٌّ . اهـ.
ولا ريبَ أنَّ أكثَرَ أخبارِ ((الصحيحين))، قد اقتَرَنَتْ بها قرائنُ تدلُّ على
صِحَّتِها، فتكونُ مفيدةً للعلم، فَيَبقى الاعتراضُ على ابن الصلاح من جهةٍ واحدةٍ،
وهو أنه أطلَقَ الحكمَ بإفادةِ العلم، ولم يُقِّده بهذا النوع، ولو قيَّده بهذا النوع لسَلِمَ
من الاعتراض. على هذا القول، فإنه - وإن قَلَّ القائلون به - في غايةِ القُوَّةِ.
على أنَّ هذا الحكمَ مع صحتِهِ لا تَحصُلُ منه فائدةٌ تامة، وإنما تَحصُلُ الفائدةُ
التامةُ فيما لو مُيِّزَ هذا النوعُ من غيره بالفعل، لا سيما إذا بُينٌ ما يُمكِنُ بيانُهُ من
القرائن، وأمَّا ما لا يُمكِنُ بيانُه وإن كان به تمامُ الإِفادة، فإِنَّ الأدنى في فنِّ التمييزِ
والنقدِ يُسلِّمُه للأعلى فيه، على ما هو الجاري في كل فن.
ولذا قال بعضُ أنصارِ ابنِ الصلاح - بعدَ أن ذَكرَ أنَّ الخَبَرَ المحتَفَّ بالقرائنِ
ثلاثةُ أنواع: أحدُها ما أخرجه الشيخان في ((صحيحيهما))، مما لم يَبلغ حَدَّ التواتُر.
وثانيها المشهورُ إذا كانت له طُرُق مُتبايِنَةٌ سالمٌ من ضعفِ الرواةِ والعِلَل. وثالثُها
المُسَلْسَلُ بالأئمةِ الحفاظ المتقِنِين حيث لا يكونُ غريباً -: وهذه الأنواعُ التي ذكرناها
لا يَحَصُلُ العلمُ بصدقِ الخبر منها إلَّ للعالم بالحديثِ، المتبحرِ فيه، العارفِ بأحوالٍ
الرواة، المطّلِع على العِلل.
وكونُ غيرِهِ لا يَحِصُلُ له العلمُ بصدقٍ ذلك، لقصورِهِ عن الأوصاف المذكورةِ،
لا يَنفي حصُولَ العلمِ للمتبخِّرِ المذكور. ومُحصَّلُ الأنواع الثلاثةِ التي ذكرناها أنَّ
الأولَ يَخْتصُّ ((بالصحيحين)) والثانيَ بما لَهُ طُرُقٌ متعددة، والثالِثَ بما رواه الأئمةُ،
ويمكنُ اجتماعُ الثلاثةِ في حديثٍ واحد، فلا يَبعُدُ حينئذٍ القطعُ بصدقه. اهـ.
واعتّرَض بعضُهم على قولِهِ: وكونُ غيرِهِ لا يَحِصُل له العلمُ، لا يَنفي حصولَه

٣١٦
للمتبحِّرِ المذكورِ، فقال: حُصول ما ذُكِرَ ليس محلَّ النزاع، إذْ الكلامُ فيما هو سَبَبُ
العلم للخلق. ولا يخفى أنَّ الكلامَ إنما هو في حُصولِ العلم لمن تَشبَّثَ بأسبابِهِ
/١٢٩ وسَلَكَ / طريقه، وأمَّا غيرُهُ فَإِمَّا أن يُسَلِّمَ ذلك لأربابِهِ وإمّا أن يتَشبَّثَ بأسبابِهِ.
الوجهُ الثاني أنه لم يَقتَصِرِ على ما ذَهَب إليه بعضُ المعتزلة، الذي أشار قرينُهُ
العلامةُ ابنُ عبد السلام إلى أنه سَرَی علی أَثَرِهم فیه، بل زاد علی ذلك، فإنهم قالوا:
إِنَّ عملَ الأمَّة بُوجَبٍ خبرٍ يقتضي الحكمَ بصحتِه .
وأمّا هو فقال: إنَّ تلقِّيَ الأمة (الصحيحين)) بالقبول يقتضي الحكم بصحةٍ
جميع ما فيهما من الأحاديثِ سوى ما استثني من ذلك، فحكّمَ على ما لا يُحصى من
الأحاديث المختلفةِ المراتبِ بحكمٍ واحد، وهو القطعُ بصحتها، لوجودِها في كتابين
تلقّتْهُمَا الأَمَّةُ بالقبول.
وأمَّا هم فإنهم حكموا على أحاديثَ مخصوصة - قد وُصِفَتْ بوصفٍ خاص،
وهو عَمَلُ الأمَّةِ بُوجَبِهَا نحوُ ((لا وصية لوارث)) - بحكمٍ خاصٍّ يُلائِمُهُ وهو الحكمُ
بصحتها، ومع هذا فقد خالَفَهم الجمهورُ منا ومنهم لِما ذكروا، وشتَّانَ ما بين قولِهِم
وقولِ ابن الصلاح.
هذا، وقد ذكرنا سابقاً (١) قولَ ابن حزم، وهو: قد يَرِدُ خبرٌ مُرسَلٌ إلَّ أنَّ الإِجماع
قد صَحَّ بما فيه متيقَّناً منقولاً جيلاً فجيلاً، فإن كان هذا عَلِمنا أنه منقولٌ نَقْلَ كافَّةٍ،
كنقلِ القرآن، فاستُغنِيَّ عن ذكرِ السندِ فيه، وكان وُرودُ ذلك المرسَلِ وعدَمُ ورودِهِ
سواءً ولا فَرْقَ، وذلك نحو ((لا وَصِيَّةً لوارث)). اهـ.
وقد استدلَّ بهذا الحديثِ من يقولُ بجواز نَسْخ القرآن بالسنة. قال الفخر في
((المحصول)): نَسْخُ القرآن بالسنةِ المتواترةِ جائزٌ واقعٌ، وقال الشافعي: لم يقع. ثم
ذَكَر أنَّ الذين قالوا: إنه جائزٌ واقعٌ استدلوا بقولِهِ عليه الصلاة والسلام ((لا وَصِيَّةً
(١) في ص ١٤١ و٢١٠، وسيردُ أيضاً في ص ٦٥٩.

٣١٧
الوارث))، فإنه نَسَخَ الوصيّةَ للأقرَبِين. وأمَّا آيَةُ الميراثِ فإنها لا تمنعُ الميراثَ، لإِمكانٍ
الجَمْع.
ثم قال: وهذا ضعيفٌ، لأنَّ كون الميراثِ حَقّاً للوارِث يَمنعُ من صَرْفِهِ إلى
الوصية، فَثَبَتَ أنَّ آيةَ الميراث مانِعةٌ من الوصية، على أنَّ قوله عليه الصلاة والسلام:
(لا وَصِيَّةً لوارث))، خبرُ واحدٍ، ولو كان متواتراً لوجَبَ أن يكون الآنَ متواتراً، لأنه
خبرٌ في واقعةٍ مُهِمَّةٍ تتوفّرُ الدواعي على نقلِه، وما كان كذلك وَجَبَ بقاؤه متواتِراً،
وحيث لم يَبق الآن متواتراً عَلِمنا أنه ما كان متواتراً في الأصل، فالقولُ بأنَّ الآية
صارَتْ منسوخةً به، يَقتضي نَسْخَ القرآنِ بخبرِ الواحِد، وإنه غيرُ جائز بالإِجماع.
وقال بعضُ المحقّقين: إِنَّ نَسْخَ القرآن بالسنة لم يُجُوِّزه الشافعيُّ ولا أحمدُ في
المشهور عنه، وجوَّزَه في الروايةِ الأخرى، وهو قولُ أصحاب أبي حنيفة وغيرهم، وقد
احتَجُوا على ذلك بأنَّ الوصيّة للوالدينِ والأقرَبِينَ نَسَخها قولُهُ: ((إنَّ الله قد أَعَلَى كلَّ
ذي حَقِّ حَقَّه، فلا وَصِيَّةً لوارث)».
وليس الأمرُ كذلك، فإنَّ الوصيّة للوالدينِ والأقرَبِينَ إنما نَسَخَتْها آيةُ المواريث،
كما اتَّفَقِ على ذلك السَّلَفُ، فإنه قالَ بعدَ ذكرِ الفرائض: ﴿تلك
حُدُودُ اللَّهِ﴾ ... الآية(١)، فأبانَ أنه لا يَجُوزُ أن يُزادَ أحَدٌ على ما فَرَضَ الله له، وهذا
معنى قولِ النبي عليه الصلاة والسلام: ((إنَّ الله قد أَعطَى كلَّ ذي حَقٍّ حَقَّهُ، فلا
وَصِيَّةَ لوارث))، وإلَّ فهذا الحديثُ إنما رواه أبو داود ونحوُه من - أصحابٍ -
((السنن))، وليس في ((الصحيحين))، وإذا كان من أخبار الآحادِ فلا يُجُوزُ أن يُجعلَ
ناسخاً للقرآن. وبالجملة: فلم يَثْبُت أنَّ شيئاً من القرآنِ نُسِخَ بسُنَّةٍ بلا قرآن.
الوجهُ الثالثُ أنه بَنِىَ الحكمَ على تلقِّي الْأُمَّةِ لهما بالقبول، ولم يُبيِنَّ ماذا أرادَ
بالأمَّة؟ ولا ماذا أرادَ بتلقّيها لهما بالقبول؟ وهذان الأمرانِ غيرُ بيِّنينِ هنا في أنفسِهما،
(١) من سورة النساء، الآية ١٣.

٣١٨
فكان حَقُّه أن يُبيِنَّ مَا أرادَ بهما، لئلا يَذهبَ الذهنُ كلَّ مذهب، ولئلا يُظَنَّ به أنه
یَقصِدُ بالإِبهام الإِیهام، وإن کان ما غُلِمَ من حالِهِ يدل على أنه بريء من ذلك.
فإن أراد بالأمَّةِ عُلماءَها وهو الظاهر، فَعُلماءُ الأمَّةِ في هذا المقام ثلاثةُ أقسام:
/١٣٠ المتكلِّمون، والفقهاء، والمحدِّثون. أما المتكلِّمون فقد عُرِفَ / من حالهِم أنهم يَرُدُون
كلَّ حديثٍ يُخالِفُ ما ذهبوا إليه ولو كان من الأمورِ الظنية، فإذا أُورِدَ عليهم من ذلك
حديثٌ صحيحٌ عند المحدِّثين أوَّلُوه إن وجدوا تأويلَه قريبَ المأخذ، أو رَدُّوه مكتفين
بقولهم: هذا من أخبارِ الآحاد، وهي لا تُفِيدُ غيرَ الظن، ولا يجوزُ البناءُ على الظن في
المطالب الكلامية .
فمن ذلك: حديثُ تَحَاجَّتِ الجَنَّةُ والنارُ، فقالت النار: أُوثِرتُ بالمتكبِرِين
والمتجبرين، وقالت الجنة: ما لي لا يَدخُلُنِي إلَّ ضعفاءُ الناس وسَقَطُهم؟ قال الله
تبارك وتعالى للجنة: أنتِ رحمتي أرحَمُ بك من أشاءُ من عبادي، وقال للنار: إنما أنتِ
عذابٌ أُعذّبُ بك من أشاءُ من عبادي، ولكلٍّ واحدةٍ منهما مِلؤها، فأما النارُ فلا
تمتلىء حتى يَضَعَ رِجْلَهُ فتقولُ: قَطْ قَطْ قَطْ (١)، فهنالك تَتلىُ ويَزوِي بعضُها إلى
بعض، ولا يَظلِمُ الله عز وجل من خَلْقِهِ أحداً، وأمَّا الجنَّةُ فإن الله عز وجل يُنشِىءُ
لها خلْقاً. اهـ ..
وهذا الحديثُ متفقٌ عليه، أخرجه البخاريُّ ومسلمٌ عن أبي هريرة، عن
النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، أما مسلم فأخرجه في كتاب الجنة وصفةِ نعيمها (٢).
وأما البخاري فأخرجه في تفسير سُورةٍ ق بهذا اللفظ(٣)، من طريق عبد الرزاق، عن
(١) هكذا ثلاث مرات لفظ (قط)، ومعناه: حَسْبِي ويكفيني هذا. وفيه ثلاث لغات: قَطْ
قَطْ بإسكان الطاء فيهما، وبكسرِها: منونةً قَطٍ قطٍ، وبكسرها غيرَ منونة: قَطِ قَطِ. كما في ((شرح
النووي على صحيح مسلم)) ١٨٢:١٧ ..
(٢) ١٧: ١٨٢، من طريق: عبد الرزاق عن همام عن أبي هريرة.
(٣) ٥٩٥:٨.
:

٣١٩
هَمَّام، عن أبي هريرة، وأخرَجَه في موضعٍ آخَرَ (١) مِن طريقٍ صالح بن كَيْسَان، عن
الأعرج، عن أبي هريرة، بلفظِ اخْتَصَمَتْ الجنَّةُ والنارُ إلى رَبِّهما الحديث، وفيه أنه
يُنشىء للنارِ خَلْقاً.
وقد ذهب المحققون إلى أنَّ الراويَ أراد أن يَذكُرَ الجنَّةَ، فَذَهَلَ فسَبَقَ لسانُهُ إلى
النار. قال(٢) في ((شرح البخاري)) عند قوله: فلا تمتلىءُ حتى يَضَعَ رِجْلَهُ: في
((مسلم)): حتى يَضَعَ اللَّهُ رِجْلَهُ. وأنكر ابنُ فُوْرَك لفظَ رِجْلَه، وقال: إنها غيرُ ثابتة،
وقال ابنُ الجوزي: هي تحريفٌ من بعض الرواة. ورُدَّ عليهما بروايةِ ((الصحيحين))
بها، وأُوَّلَتْ بالجماعَةِ كرِجْلٍ من جَرَاد، أي يَضَعُ فيها جَمَاعَةً، وأضافَهُم إليه إضافةً
اختصاص .
وقال محيي السنة(٣): القَدَمُ والرِّجْلُ في هذا الحديثِ من صفاتِ الله تعالى
المنّهةِ عن التكييف والتشبِيه، فالإِيمانُ بها فَرْض، والامتناعُ عن الخوض فيها
واجب، فالمهتدِي من سَلَك فيها طريقَ التسليم، والخائضُ فيها زائغ، والمنكِرُ
معطِّل، والمكيِّفُ مُشبِّه، ﴿لَيْسَ كمثلِهِ شيءٍ﴾ (٤).
وقال في ((شرح مسلم))(٥): هذا الحديثُ من مشاهير أحاديثِ الصِّفَاتِ، وقد
مَرَّ بيانُ اختلافِ العلماء فيها على مذهبین:
أحدُهما - وهو قولُ جمهورِ السلف وطائفةٍ من المتكلِّمين - أنه لا نتكلّمُ في
تأويلِها، بل نؤمِنُ أنها حقٌّ على ما أراد اللَّهُ، ولها معنى يَلِيقُ بها، وظاهِرُها غيرُ
مُراد.
(١) في كتاب التوحيد في (باب ما جاء في قوله تعالى: ﴿إن رحمة الله قريب من المحسنين))
١٣ :٤٣٤.
(٢) أي العلامة القَسْطَلَّاني في ((إرشاد الساري)) ٧: ٣٥٤.
(٣) هو أبو محمد الحسين بن مسعود البَغَوِي صاحبُ ((مصابيح السنة)).
(٤) من سورة الشورى، الآية ١١ .
(٥) أي الإِمامُ النووي ١٧ : ١٨٢ .

٣٢٠
والثاني - وهو قولُ جمهور المتكلِّمين - أنها تُتأوَّلُ بحَسَبِ ما يَلِيقُ بها، فَعلى
هذا اختلفوا في تأويل هذا الحديث.
فهذا الحديثُ ونظائرُهُ وهي كثيرةٌ يَبْعُدُ على (المُتْكلِّم) أن يقولَ بصحتها فضلاً
عن أن يَجِزِمَ بذلك، وإذا أُلجىءَ إلى القولِ بصحتها، لم يألُ جُهداً في تأويلِها ولو على
وجهٍ لا يُساعِدُ اللفظُ عليه، بحيث يَعلمُ السامع أنَّ (المُتَكلِّمَ) لا يقولُ بجوازِهِ في
الباطن .
وقد نشأتْ بسبب ذلك عداوةٌ شديدةٌ بين المتكلِّمين والمحدِّثين، يَعرِفُها من نَظَر
في كتب التاريخ، حتى إنَّ المتكلِّمين سَمَّوْا جمهورَ المحدِّثين بالمشَبِّهة، والمحدِّثين
سَمَّوْهُم بِالمُعَطَِّةِ .
وأما الفقهاءُ فقد عُرِفَ من حالهم أنهم يؤولون كلَّ حديثٍ يُخالِفُ ما ذَهَب إليه
علماءُ مذهبهم ولو كان من المتأخرين، أو يُعارِضون الحديثَ بحديثٍ آخَرَ ولو كان غيرَ
معروف عند أئمةِ الحديث، والحديثُ الذي عارضوه ثابتٌ في ((الصحيحين)»، بل مما
أخرجَهُ السِّنَّةُ. ومن نَظَرَ في شروح ((الصحيحين)) أَّضَح له الأمرُ.
وقد تَرَك بعضُهم المجاملةَ للمحدِّثين، فصرَّح بأنَّ ترجيحَ ((الصحيحين)) / على
غيرهما ترجيحٌ من غيرِ مُرَجِّح، والذين جاملوا اكتَفَوْا بدلالةِ الحال .. وقد أشار إلى
ذلك العِزُّ بنُ عبد السلام في كتاب ((القواعد))(١)، فقال: ومن العَجَبِ العجيبِ أنَّ
الفقهاء المقلِّدين يَقِفُ أحدُهم على ضَعْفِ مأخذِ إمامِهِ، بحيث لا يجدُ لضعفِهِ مَدْفَعاً،
وهو مع ذلك يُقُلِّدُهُ فيهِ، ويَتَرِكُ من شَهِد الكتابُ والسُّنَّةُ والأقيسَةُ الصحيحةُ لمذهبِهِ،
◌ُوداً على تقليدِ إمامِه، بل يَتحيَّلُ لدفع ظواهرِ الكتابِ والسنة، ويتأوَّها بالتأويلاتِ
البعيدةِ الباطلةِ نِضالاً عن مُقَلَّده.
/١٣١
وقد رأيناهم يَجتمعون في المجالس، فإذا ذُكِرَ لأحدِهم خلافُ ما وَطَّنَ نفسَه
عليه تعجّبَ منه غايةَ العجب، من غير استرواحٍ إلى دليل، بل لِّا ألِفَهُ مِنْ تقليدٍ
(١) ٢ :١٣٥.

٣٢١
إمامه. وتعجّبُه من مذهبٍ إمامِهِ أولى من تعجُبِهِ من مذهبٍ غيره، فالبحثُ مع هؤلاء
ضائعٌ مُفْضٍ إلى التقاطُعِ والتدابُرِ من غير فائدة يُجدِيها، وما رأيتُ أحداً رَجَعَ عن
مذهبٍ إمامِه إذا ظهَرَ له الحقُّ في غيره، بل يُصِرُّ عليه مع علمِهِ بضعفِه ويُعْدِهِ.
فالأولى تَرْكُ البحثِ مع هؤلاء الذين إذا عَجَزَ أحدُهم عن تمشيةِ مذهبٍ إمامِه
قال: لعلَّ إمامي وَقَفَ على دليل لم أقِف عليه، ولم أهتد إليه، ولا يَعلمُ المسكينُ أنَّ
هذا مُقَابَلٌ بمثلِه، ويُفَضِّلُ لخصمِهِ ما ذكره من الدليلِ الواضح، والبرهانِ اللائح،
فسبحان الله ما أكثرَ من أعمَى التقليدُ بصرَه، حتى ◌َله على مثلِ ما ذكرتُه، وفَّقنا الله
لأَتِّبَاعِ الحق أين كان، وعلى لسانٍ من ظَهَر. اهـ.
وقد أكثروا من الاعتراض على قولٍ ابن الصلاح: إنَّ الأُمَّةَ تلقَّتْ
((الصحيحين)) بالقبول، فقال بعضُهم: إنَّ ما ذكره من تلقِّي الْأُمَّةِ للصحيحين
بالقبول مُسَلَّم، ولكنه لا يختصُّ بهما فقد تلقَّتْ الأَمَّةُ، ((سنن أبي داود والترمذي
والنسائي)) وغيرها بالقبول، ومع ذلك فلم يَذهَبْ أحدٌ إلى الحكم بصحةٍ ما فيها
بمجرَّد ذلك.
وقال بعضُهم: إن أراد بالأُمَّةِ كلَّ الأُمَّة، فلا يَخْفَى فسادُهُ، لأنَّ الكتابين إنما
حَسُنَا في المئة الثالثةِ بعدَ عصرٍ البخاري وأئمةِ المذاهبِ المتبعة، وإن أراد بالأَمَّةِ
بعضَها، وهُمْ من وُجِدَ بعدَ الكتابين، فَهُمْ بعضُ الْأُمَّة، فلا يَستقيمُ دليلُه الذي قوَّاه
بتلقي الأمةِ وثبوتِ العِصمةِ لهم.
وهذا القولُ عجيب، وكأنَّ قائلَه لم يَنظُر في أصول الفقه في كتاب الإِجماع،
ولنذكُرْ عبارةً تُنبّهُ على ما في قولِهِ من الخطأ، ولنقتصِرْ عليها، فقد كَثُرَ الاستطرادُ في
هذا الكتابِ، وهو مما يُخْشَى منه الإِملال، أو تشتيتُ البال.
قال الغزالي في ((المستصفى))(١): ذهب داودُ وشِيعتُه من أهل الظاهر إلى أنه
لا حُجَّةَ في إجماعٍ مَنْ بَعْدَ الصحابة، وهو فاسد، لأنَّ الأدلة الثلاثةَ على كونِ الإِجماع
(١) ١٨٩:١.

٣٢٢
حُجَّةٌ أعني الكتابَ والسنةَ والعقلَ، لا تُفرِّقُ بين عَصْرُ وعَصْر، فالتابعون إذا أجمعوا
فهو إجماعٌ من جميع الأمَّة، ومن خالَفَهم فهو سالٌ غيرَ سبيلِ المؤمنين. اهـ.
وقال بعضُهم: إِنَّ تلقِّي الأمَّةِ لهما بالقبولِ من جهةِ كونٍ ما فيهما من الأحاديثِ
أصحُّ مما في سواهما من الكتبِ الحديثية، لجلالةِ مؤلّفَيْهِما في هذا الأمر، وتقدُّمِهما على
من سِوَاهما في ذلك، والتزامِهما في كتابيهما أنْ لا يُورِدًا فيهما غيرَ الصحيح .
وهذا يدلُّ على أنهما أرجَحُ مما سواهما على طريق الإِجمال، ولا يَدُلُّ ذلك على أنَّ
ما فيهما مجزومٌ بصحةِ نسبتِهِ إلى النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، ولذلك أقدَمَ الدارقطنيُّ
وغيرُهُ على الانتقادِ عليهما، مع أنَّ انتقادَهم عليهما كان قاصراً على ما يتعلق
بالأسانيد، وأما الانتقادُ عليهما من جهةِ ما يَتعلَّقُ بالمتونِ، من جهةٍ مُخَلَفَتِهما للكتاب
أو للسنةِ المتواترةِ ونحو ذلك، فلم يَتَصَدَّوْا له، لأنَّ ذلك من متعلَّقاتِ علماءِ الكلامِ
والأصولِ .
/١٣٢
وقد / حَمَل انتقادُ الدارقطنيِّ وغيرِهِ ابنَ الصلاح على أن يستثنيَ ما انتقدوه من
إفادةِ العلم، مع أنَّ فيما انتقدوه ما الجوابُ عنه بينَّ، وفيما لم ينتقدوه ما هو دون
ما انتقدوه.
ولا يَخْفَى أَنَّ هذا الاستثناءَ قد أضعَفَ قوةَ الحكم في غيره، ولذا أُقَدَمَ بعضَ
أنصاره على أن يستثني شيئاً آخَرَ، وهو ما وقع التعارُضُ فيه من الأحاديثِ بحيث
لا يُمْكِنُ الجمعُ، ولا وُقُوعُ النَّسْخِ مع عدم ظهورِ الرجحان في جهتِهِ، وذلك
لاستحالةِ إفادةِ المتعارضَينِ من كل وجهٍ العلمَ، ومع ذلك فقد حَاوَلَ أن يَجْعّلَ
الخلافَ لفظياً بأن يقال: من قال: إنه لا يُفِيدُ العلم، أراد العلمَ اليقينيَّ، ومن قال:
إنه يفيدُ العلمَ، أراد العلمَ الذي لم يَصِل إلى درجةِ اليقين.
وأما المنتصرون لابن الصلاح فالسابقُ منهم إلى ذلك هو العلامةُ ابنُ تيميةٌ،
وقد وَقفتُ له على مقالتين تصدَّى فيهما إلى هذه المسألةِ الجليلةِ الشأن، مُحاولا تقريبُها
من القواعدِ الكلامية، لتكون أقرب إلى قبولِ المتكلِّمين ومن نحا نحوَهم، فصارت