Indexed OCR Text

Pages 201-220

١٤٢
لا شكَّ فيه، وأنه منقولٌ نَقْلَ الكافَّةِ مستغنىَّ فيه عن نقلِ الآحاد، وذلك كالحديثِ في
((لا وصيّةً لوارث)) وما أشبه ذلك.
المسألة الثامنة
قد عَرَفتَ أناساً لم يكتفوا بالشروطِ التي شَرَطها الجمهور في المتواتر، بل زادوا
عليها شروطاً أخرى، فَشَرَط بعضُهم: وجودَ الإِمامِ المعصوم في جملة المخبرين، وقد
نُسِبَ ذلك إلى الشيعة. قال الإِمام الغزاليّ في ((المستصفَى))(١): شَرَط الروافضُ أن
يكون الإِمامُ المعصومُ في جملةِ المخبرين.
وهذا يُوجِبُ العِلمَ بإخبارِ الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم، عن جبريل عليه
السلام، لأنه معصوم، فأيُّ حاجةٍ إلى إخبارِ غيره؟ ويَجِبُ أن لا يَحصُلَ العلمُ بنقلِهِم
- على طريقِ التواتُر - النَّصَّ عَلَى عليّ رضي الله عنه(٢)، إذ ليس فيهم معصومٌ، وأن
لا تَلْزَمَ(٣) حُجَّةُ الإِمامِ إلاّ على مَن شاهَدَهُ من أهل بلدِهِ، وسمِعَ منه دون سائر
البلاد، وأن لا تقومَ الحُجَّةُ بقَولِ أُمَرَائِهِ(٤) وَدُعَاتِهِ ورُسُلِهِ وقُضاتِهِ، إذْ ليسوا
معصومين، وأن لا يُعلَمَ موتُ أميرٍ وقتلُه، ووقوعُ فتنةٍ وقتالٍ في غير مصر، وكُلُّ ذلك
لازمٌ على هَذَیانِهِم .
وأنكر الشيعةُ نِسبةَ هذا القولِ إليهم، ونسَبَه بعضُهم إلى ابنِ الرَّاوَنْدِي. قال
العلامة الحِلِّ في ((نهاية الوصول)): شَرَط ابنُ الرَّاوَنْدِيّ وجودَ المعصومِ فيهم، لئلا
يتفقوا على الكذب، وهو غلطٌ، لأن المُفِيدَ للعلم حينئذٍ قولُ المعصوم، ولا عبرةً
بغيره .
/ وقال المحقّقُ بهاء الدين العامِلي في ((الزُّبْدَة)): وشَرْطُه بلوغُ رُواتِهِ في كُلِّ طبقةٍ
/٥.١
(١) ١ :١٤٠.
(٢) وقع في الأصل: (النَّصَّ عن علي رضي الله عنه). وهو تصحيف.
(٣) وقع في الأصل : (وأن تُلزمَ ... ). وهو خطأ.
(٤) وقع في الأصل: (بقوْلِ آرائه). والصواب كما أثبته من ((المستصفى)).

١٤٣
حدّاً يُؤْمَنُ معه تواطُؤهم، واستنادُهُم إلى الحِسّ. وحَصْرُ أقلِّهم في عدَدٍ مُجازفةٌ، وقولُ
المخالِفِين باشتراطِنا دخولَ المعصوم افتراءٌ، نعم شَرَط المرتَضَى عَدَمَ سَبْقِ شُبْهَةٍ تُؤدِّي
إلى نَقْسِهِ، وشَرَطَ قومُ أن تختلِفَ أنسابُهم فلا يكونوا بني أبٍ واحدٍ، وأن تختلِفَ
أوطانُهم فلا يكونوا في محلَّةٍ واحدة، وتختلِفَ أديانُهم فلا يكونوا أهلَ مذهبٍ واحد.
قال الغزالي(١): وهذا فاسدٌ، لأنَّ كونَهم من محلَّةٍ واحدةٍ ونَسَبٍ واحدٍ لا يُؤْثِّرُ
إلاّ في إمكانٍ تواطُئِهم، والكثرةُ إلى كمالِ العدد تَدَفَعُ هذا الإِمكان، وإن لم تكن
كثرةٌ أمكَنَ التواطؤُّ من بني الأعمام، كما يُمكِنُ من الإِخْوَةِ ومن أهلِ بلدٍ، كما يُمكِنُ من
أهلٍ محلة، وكيف يُعتبرُ اختلافُ الدين؟ ونحن نعلمُ صِدقَ المسلمين إذا أخبروا عن
قتلٍ وفتنةٍ وواقعةٍ، بل نعلمُ صِدقَ أهل قُسْطَنْطِينَّةِ إذا أَخَبَرُوا عن موتٍ قَيْصَر.
فإن قيل: فَلْنَعْلَم صِدْقَ النصارى في نقلِ التثليثِ عن عيسى عليه السلام،
وصِدقهم في صَلْبِهِ .
قلنا: لم ينقلوا التثليثَ توقِيفاً وسماعاً عن عيسى بنَصٍّ صريحٍ لا يحتمِلُ
التأويل، لكن توهّموا ذلك بألفاظِ مُوهِمَةٍ لم يَقِفُوا على مَغْزَاها، كما فَهِمَ المشبِّهَةُ التشبيهَ
من آياتٍ وأخبارٍ لم يفهموا معناها، والتواترُ ينبغي أن يَصْدُرَ عن محسوس. فأمَّا قَتْلُ
عيسى عليه السلام فقد صَدَقُوا في أنهم شاهدوا شَخْصاً يُشبِهُ عيسى عليه السلام
مقتولاً، ولكن شُبِّهَ لهم. اهـ.
وقد نَسَب الإِمامُ فخرُ الدين محمدُ بن عمر الرازيُّ اشتراطَ أن لا يكونوا على
دينٍ واحدٍ إلى اليهود. قال في ((المحصول))(٢): وأما الشرائطُ التي اعتبرها قومٌ مع أنها
غيرُ معتبرة فأربعة:
الأولُ: أن لا يَحِصُرَهم عَدَد، ولا يَجِوِيَهم بلد. وهو باطل، لأن أهلَ الجامع
لو أَخبروا عن سقوطِ المؤذِّن عن المنارةِ فيما بين الخَلْق، كان إخبارُهم مفيداً للعلم.
(١) في ((المستصفى)) ١: ١٣٩.
(٢) في الجزء الثاني القسم الأول ص ٣٨١.

١٤٤
الثاني: أن لا يكونوا على دينٍ واحد. وهذا الشرطُ اعتبره اليهودُ، وهو باطلٌ،
لأنَّ التهمةَ إن حَصَلَتْ لم يَحصُل العلمُ سواءٌ كانوا على دِينٍ واحدٍ أو على أديان، وإن
ارتفَعَتْ حَصَل العلمُ كيف كانوا.
الثالثُ: أن لا يكونوا من نَسَبٍ واحدٍ، ولا من بلدٍ واحدٍ، والقولُ فِيه
ما تقدَّمَ .
الرابعُ: شَرَطِ ابْنُ الرَّاوَنْدِي: وجودّ المعصوم في المخبرين، لئلا يتَفِفوا على
الكذِب. وهو باطل، لأن المُفِيدَ حينئذٍ قولُ المعصوم لا خبرُ أهلِ التواتر. اهـ.
وقد نُسِبَ إلى اليهودِ شَرْطٌ آخَرُ، وهو أن يكونَ في المخبرين أهلُ الذِّلَّةِ
والَسْكَنَة. قال الحِّ في ((النهاية)»: شَرَطَتْ اليهودُ أن يكونَ مشتمِلاً على إخبارِ أهلِ
الذُّلَّةِ والمَسْكَنَةِ، لِيُؤمَنَ تواطُهِم على الكذِب، وهو غَلَطْ، فإِنَّ نجدُ العلم حاصلاً.
عقِبَ إخبارِ الأكابرِ والمعظّمِينَ والشَّرَفاءِ أكثرَ من حصولِهِ عقِبَ خبرِ المساكينِ وأهلِ
الذلة، لتِرِفُّعِ أولئك عن رَذِيلة الكذب، لئلا يُنْثَلِمَ شَرَفُهُم.
وشَرَط قومٌ كونَهم مسلمين. قال في ((اللُّمَع))(١): ومِن أصحابنا من اعتبر أن
يكونَ العَدَدُ مُسلِمين، ومن الناس من قال: لا يجوزُ أن يكونَ العَدَدُ أقلَّ من.
اثْنِي عَشَرَ، ومنهم من قال: أقلُّه سَبْعون، ومنهم من قال: ثلاثُ مئة وأكثرُ. وهذا
كلُّه خطأ، لأنَّ وقوعَ العلم به لا يَخْتَصُ بشيء مما ذكروه، فَسَقَطَ اعتبارُ ذلك.
وقال في ((المستصفى))(٢): شَرَطَ قومٌ أن يكونوا أولياءَ مؤمنين، وهو فاسدٌ
إذ يَحصُلُ العلمُ بقولِ الفَسَقةِ والمُرْجِئَةِ والقَدَرِيَّة، بل بقولِ الروم إِذا أخبروا بموتٍ
مَلِکھم .
وقال(٣) في ((نزهة الخواطر وكشفِ غوامض السرائر، في اختصار رَوْضةِ الناظر
. (١) ص ٤١٥ بشرح ((نزهة المشتاق)).
(٢) في ١ : ١٤٠.
(٣) أي نجم الدين الطَّفي الحنبلي (سليمان بن عبد القوي الطَّوفي) الصَّرْصَرِي، المولود =

١٤٥
وجُنَّةِ الْمُنَاظِر)): وليس من / شَرْطِ التواترِ أن يكونَ المخبِرون مُسْلِمين ولا مُدُولاً، لأنَّ /٥٢
إفضاءَهُ إلى العلم من حيث إنهم مع كثرتِهِم لا يُتَصَوَّرُ اجتماعُهم على الكذب
وتواطؤهم عليه، ويمكنُ ذلك من الكُفَّارِ كإمكانِهِ من المسلمين. اهـ.
وقال الحِّ في ((النهاية)): وشَرَطَ بعضُهم الإِسلامَ والعدالة، لأنَّ الكُفرَ عُرْضةٌ
للكذِبِ والتحريفِ، والإِسلامَ والعدالةَ ضابِطُ الصدق، ولهذا اعتُبِرَ إجماعُ المسلمين
دُون غيرهم، ولأنه لو وَقَعَ العلمُ عقِيبَ إخبارِ الكُفَّار لوقع عند إخبار النصارى - مع
كثرتهم - عن قَتْلِ المسيحِ وصَلْبِهِ، وهو غَلَطْ، فإنَّ العلمَ قد يَحصُلُ عند خبرِ الكُفَّار
إذا عُرِفَ انتفاءُ الداعِي إلى الكذب، كما لو أخبَرَ أهلُ بلدٍ كافِرون بقْلِ مَلِكِهم.
والإِجماعُ اختَصَّ بالمسلمين عند بعضِهم، لاستفادتِهِ من السَّمْعِ المختصِ بإجماع
المسلمين. وإخبارُ النصارى غيرُ متواترٍ لقلَّتِهم في المبدإ.
واعلَمْ أنه قد وقع في هذا الموضع اضطرابٌ في كلام بعضِ المتأخرين، من إذا
بَحَثَ في مسألةٍ ذَهَلَ عما يَتعلَّقُ بها، مما ذُكِرَ في محلٍّ آخَر، فاقتَضى الحالُ التنبيه على
أمور:
الأمْرُ الأولُ: شَرَطوا في الراوي أن يكون مُسْلِماً، فإن كان كافراً لم تُقبّل
روايتُه. هذا إذا كان من غير أهلِ القِبلة، وقد صَرَّح كثيرٌ من علماءِ الأصول بانعقادِ
الإِجماع عليه، قال في ((النهاية)): أجَعَ العلماءُ على عدم قبولِ رواية الكافر الذي
لا يكون من أهلِ القِبلة، سواء عُلِمَ منه الاحترازُ عن الكذب أو لا. وقال غيره:
اتَّفَقَ أئمةُ الحديثِ وأصولِ الفقه على اشتراطِ إسلامِ الراوي حالَ روايته، وإنْ
لم يكن مُسلِماً حالَ تحمُّلِه.
= بطُوف في العراق سنة ٦٥٧، والمتوفى سنة ٧١٦. والنقلُ الآتي عنه بالمعنى وصياغةِ المؤلف،
فإنَّ بَحْثَ (المتواتر) عنده في ٢: ٧٣ - ١٠٢، وليس فيه هذه العبارة الآتية ولكن معناها.

١٤٦
وقال بعضُهم: لا يُقبَلُ خبرُ الكافِرِ لوجوبِ التثُّتِ عند خبرِ المسلم الفاسِقِ،
فَيَلْزَمُ بطريقِ الأولَى عِدَمُ اعتبارٍ خبرِهِ. وقيل: إنَّ الفاسِقَ يَشمَلُ الكافِرَ، وأما قبولُ
شهادتِهِ في الوَصيَّة مع أنَّ الرواية أضعَفُ من الشهادة، فذلك بنصٍّ خاصٍّ، ويَبْقَى
العامُّ معتبراً في الباقي.
وقد أبان بعضُهم سَبَبَ رَدِّ روايةِ الكافر بطريقٍ سهلِ الْمَسْلَك، فقال: ليس
الإِسلامُ بشرطٍ لثبوتِ الصِّدَقِ، إِذْ الكُفرُ لا ينافي الصِدْقَ، لأنَّ الكافِرَ إذا كان مُتْرَهِّباً
عَدْلًا في دينه، معتَقِداً لحرمةِ الكذب، تقعُ الثقةُ بخبرِهِ، كما لو أَخِبَرَ عن أمرٍ من
أمور الدنيا، بخلافِ الفاسق فإنَّ جَرَاءَتَهُ على فعلِ المحرَّماتِ مع اعتقادٍ تحريمها تُزِيلٌ
الثقةَ عن خبره.
ولكنَّ اشتراطَ الإِسلام، باعتبارٍ أنَّ الكُفرَ يُورِثُ تُهمةً زائدةً في خبرِهِ، تَدُلُّ على
كذبِهِ، لأن الكلامَ في الأخبارِ التي تَثْبُتُ بها أحكامُ الشرع، وهم يُعادُونَنَا في الدين
أشدَّ العَدَاوة، فَتَحْمِلُهمِ الْمُعاداةُ على السعيِ فِي هَدْمِ أركانِ الدين؛ بإدخالٍ ما ليس
منه فيه. وإليه أشار الله تعالى في قوله عَزَّ ذِكرُه: ﴿لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً﴾(١)، أي
لا يُقَصِّرُون في الإِفسادِ علیکم.
وقد ظَهَرَ منهم هذا بطريقِ الكِتمان، فإنهم كَتَمُوا نَعْتَ رسولِ الله صلَّى الله
عليه وسلَّم ونُبِوَّتَهُ من كتابِهِم، بعد أَخْذِ الميثاقِ عليهم بإظهارٍ ذلك، فلا يُؤْمَنُ من أن
يقصِدوا مِثْلَ ذلك بزيادةٍ هي كذِبٌ لا أصل له بطريقٍ الرواية، بل هذا هو الظاهرُ،
فلهذا شَرَطْنا الإِسلامَ في الراوي.
فتبينَّ بهذا أنَّ رَدَّ خبرِ الكافر ليس لعينِ الكفر، بل لمعنىَّ زائدٍ يُمكِّنُ تُهمةَ
الكذِبِ في خبرِهِ، وهو المُعاداةُ، بمنزلة شهادةِ الأَبِ لولده، فإنها لا تُقْبَلُ، لمعنىِّ زائدٍ
يُمكِّنُ تُهمةَ الكذِبِ في شهادته وهو الشَّفَقَةُ والَميلُ إلى الوَلَدِ طبعاً. اهـ.
(١) من سورة آل عمران، الآية ١١٨.

١٤٧
والنَّصُّ الذي أُشِيرَ إليه آنفاً في قبول شهادة غير المسلم في الوصيّةِ في السفر،
وهو قولُه تعالى: ﴿يا أيُّها / الذين آمَنُوا شَهَادَةُ بينكم إذا حَضَرَ أحدكم الموتُ حِينَ /٥٣
الوصيّةِ اثنانِ ذَوَا عَدْلٍ منكم، أَوْ آخَرَانٍ من غيركم إن أنتم ضَرَبتُم في الأرض﴾(١).
وهذا إنما يَجِرِي على مذهبٍ من يقولُ: إن ذلك لم يُنْسَخ، ولم يُؤوِّل الآيةَ بالتأويل
الذي ذكره ابنُ حزم في ((الإِحكام))(٢) وأنخَى على صاحبه بالمَلام، قال في فَضْلٍ أتمّ
به الكلامَ في الرد على قومٍ ادَّعَوْا تعارُضَ النصوص: وقالوا: نُرجَّحُ أَحَدَ النصين بأن
يكونَ أحدُهما أبعَدَ من الشناعة، ومثَّلوا ذلك بقوله تعالى: ﴿إِنْ جاءكمُ فاسِقٌ بِنٍَّ
فَتَبِّنُوا﴾(٣) مَعَ قولِهِ عز وجل: ﴿أَو آخَرَانِ من غيركم﴾ .
قال عليّ. وهذا لا مَعْنَى له، ولا شَناعَةَ إِلَّ المخالفةُ للَّهِ ولرسولِهِ، والتحكّمُ
بالآراءِ الفاسدةِ على ما أُمِرْنا به، فهذه هي الشُّنْعَةُ التي لا شُنْعَةَ غيرُها، وقولُه تعالى:
﴿أو آخَرَانِ من غيركم﴾ مستثنىَّ من آيةِ النهي عن قبولِ خبر الفاسق، فلا يُقبَلُ
فاسقٌ أصلاً إلّ في الوصيَّةِ في السفر فقط، فإنه يُقبَلُ فيها كافرانِ خاصَّةً دونَ سائر
الفُسَّاق.
ولا شُنْعَةَ أعظَمُ ولا أفحَشُ ولا أقبَحُ ولا أَظهَرُ بطلاناً من قول من قال:
﴿أو آخَرَانِ من غيركم﴾ أي من غيرِ قَبِيلتكم، تعالى الله عن هذا الَهَذَرِ عُلُوّاً كبيراً.
وليتَ شِعري أيَّ قبيلةٍ خاطَبَ الله عزَّ وجَلَّ بهذا الخطابِ خاصَّةً دون سائر
القبائل؟ وقد قال تعالى في أول الآية: ﴿يا أيها الذين آمَنُوا﴾، وما عَلِمنا الذين آمَنُوا
قبيلةً بعينها، بل الذين آمنوا عَرَبٌ وفُرْسٌ وقِبْطٌ ونَبَطُ ورُومٌ وصَقْلَب وخَزَر وسُوْدَان
وحَبَشة وزَنجِ ونُوْبَة وبُجَاوةِ وبَرْبَر وهِند وسِنْد وتُرْك ودَيْلَم وكُرْد (٤).
(١) من سورة المائدة، الآية ١٠٦.
(٢) ٦٢:٢، و١٨٦:٢.
(٣) من سورة الحجرات، الآية ٦.
(٤) قوله: (وبُجَاوَة)، جاء في الأصل (وبجاة) تبعاً لما جاء في كتاب ((الإحكام)) لابن حزم . =

١٤٨
فَثَبَتَ بضرورةٍ لا مجال للشكّ فيها أنَّ غيرَ الذين آمَنُوا هُم الْكُفَّارُ، ولا يُنكِرُ
ذلك إلَّ من سَفِهَ نَفْسَه، وأنكرَ عَقْلَه، وقال على رَبِّه تعالى بغير عِلْمٍ ولا بُرْهان.
ولَعَمْرِي لقد كان ينبغي أن يَسْتَحِيَ قائلُ (من غيركم): من غير قبيلتكم، من هذا
التأويلِ الساقطِ الظاهِرِ عُوَارُه، الذي ليس عليه من نُور الحقِّ أثر.
الأمرُ الثاني: قد توهَّم بعضُ الناس أنَّ الذين صَرَّحوا في كتبهم بعَدَم قبولِ رواية
الكافر، هم الذين زادوا في شروط التَّوَاتُر الإِسلامَ(١)، إمَّا وحدَهُ، أو مقروناً بالعدالة.
وليس الأمرُ كذلك، فإنَّ كثيراً ممن صَرَّحَ بالأوَّلِ لم يَزِد في شروطِ التَّوَاتُر ذلك(١).
وبعضُهم ذَكَره نقلاً عن غيرِهِ ورَدَّ عليه. على أنَّ القائلين بهذا الشرطِ قليلون جداً.
وتوهَّمَ بعضُهم أنَّ بينِ العبارتين تناقضاً. وليس الأمرُ كذلك.
وقد أحببتُ إزالةَ الإِشكال، وإن كنتُ قد التزمتُ في هذا الكتاب أن أَتْرُكَ إزالةً
كلِّ إشكالٍ يَعرِضُ في مبحثٍ من المباحث، إلى المطالعين بعد أن يَتَرَوَّوْا فيما ذكرناه
فيه، تمريناً لهم على استعمالِ الفِكر، فنقول:
إِنَّ عَدَمَ قبولِ روايةٍ غير المسلم فيما يَتعلَّقُ بأمْرِ الدين، هو مما لم يُخْتَلَفِ فيه،
غيرَ أنه إنما يَتعينُ فيما وَرَد على طريقِ الآحاد، وذلك لأنَّ خبَرَ الآحادِ عند من يَقْبلُهُ،
يُشْتَرَطُ فيه أن يكونَ الراوي مُسْلِماً عَدْلا ضابطاً، فإن كان مُسْلِماً غيرَ عَدْلٍ لم تُقْبَل
روايتُه، لاحتمال أن يُقدِمَ على الكذب، فإذا كان المسلمُ إذا كان غَيرَ عدلٍ لا تُقبَلُ
روايتُهُ، مَعَ اعتقادِهِ في الدين وجزمِهِ بأن سعادته مَنُوطَةٌ به، فلأنْ لا تُقْبَلَ روايةُ غير
المسلم الذي لا يَعتَقِدُ في الدين، ولا يَرَى أن سعادتَهُ مَنُوطَةٌ به أَوْلَى، وهذا ظاهرٌ
بَيِنِّ. وأمَّا من لا يقولُ بخبر الآحادِ وإن كان الراوي حائزاً لِأَعْلى صِفاتِ القبول،
الاحتمالٍ أن يَعرِضَ له السهوُ والغَلَطُ ونحوُ ذلك، فالأمْرُ عندَهم أَظهَرُ وأبينُ.
= وفي ((القاموس)) وشرحه ٣١:١٠ (بُجَاوَة بضم الباء وكسرها، وبعد الألف واو: قبيلة تسمى باسم
الأرض، وهي أرضُ النُّوبة» .
(١) جاء في الأصل (المتواتر)، والبحث في (التواتر)، فغيّرتُه إليه.

١٤٩
وهذه المسألةُ المفروضةُ تُتَصوَّرُ على ثلاثة أوجه: الوجْهُ الأولُ: أن يكونَ
ما رواه(١) قد رواه غيرُه من المسلمين / على الوجهِ الذي رواه هو به. الوَجْهُ الثاني: / ٥٤
أن يكونَ ما رواه قد رواه غيره من المسلمين على غير الوجه الذي رواه هو به، بحيث
يقَعُ التعارضُ بين الروايتين. الوَجْهُ الثالثُ: أن يكونَ ما رواه لم يَروِهِ غيرُهُ من
المسلمين .
وهذا ضَرْبانٍ: أحدُهما أن يكونَ فيه ما يُخالِفِ ما تقرَّر عندَهم من القواعد
والأصول. والثاني أن لا يكون فيه شيء من ذلك.
وقد تعرَّض لطَرَفٍ من هذه المسألة المفروضة بعضُ العلماء، ففي ((أصول
الْبَزْدَوِيّ))(٢) قال محمد في الكافر يُخْبِرُ بنجاسةِ الماء: إنه لا يُعمَلُ بخبرِهِ، ويُتوضّأُ به،
فإِن تيمَّمَ وأراق الماءَ فهو أحَبُّ إليَّ، وفي الفاسقِ جَعَل الاحتياطَ أصلاً. ويجبُ أن
يكون كذلك في رواية الحديث فيما يُستحَبُّ من الاحتياط، وكذلك روايةُ الصبيِّ فيه
يجبُ أن تكون مثلَ روايةِ الكافر دون الفاسِق المسلِم.
قال في الشرح(٣): قولُه: ويجبُ أن يكون كذلك، أي يجبُ أن يكون شأنُ
الكافر في رواية الحديث كشأنِهِ في الإِخبارِ عن نجاسةِ الماء فيما يُستَحبُّ من الاحتياط
أي من الأخذِ به، يعني لا يُقبَلُ خبرُهُ في الدين ولا يكونُ حُجَّةً كما لم يُقبَل في نجاسةِ
الماء، إلَّ أنَّ الاحتياطَ لو كان في العمل بهِ يُستَحَبُّ الأخذُ به من غير وجوب، كما
تُستحَبُّ الإِراقَةُ ثم التيمُمُ هناك.
ويجوزُ أن يكونَ معناه: ويجبُ أن يكون الفرقُ ثابتاً بين خبرِ الكافرِ والفاسِقِ في
رواية الحديث فيما يُستحَبُّ من الاحتياطِ أيضاً، وإن لم يكن خبرُهما حُجَّةً كثبوتِهِ في
إخبارهما عن نجاسةِ الماء، فإذا رَوَى الفاسِقُ حديثاً لا يكون حُجَّةً أصلاً، ولكن
(١) أي الكافرُ.
(٢) في (باب بيان قسم الانقطاع) ٢٣:٣ بشرح ((كشف الأسرار)» لعبد العزيز البخاري.
(٣) ٢٤:٣.
1

١٥٠
لو كان الاحتياطُ في الأخذِ به يكونُ الاستحبابُ في العمل به فوقَ الاستحباب في
العمل بخبر الكافر، وعلى هذا الوجهِ يدلُّ سِياقُ الكلام.
ثم قال: وإنما قال: يجبُ أن يكونَ كذلك ها هنا وفيما تقدَّم، لأنَّ الروايةَ غيرُ
محفوظةٍ عن السلف في نقلِ هؤلاء الحديثَ.
وأما ما يرويه غيرُ المسلمين على طريق التواترُ فهو مقبول مطلقاً، سواءٌ كان
ذلك مما يتعلَّقُ بالدين أو بغير الدين، وما يتعلَّقُ بالدينِ لا فَرْق فيه بين ما يتعلَّق
بدِيننا أو بدِينهم إن كان لهم دِين أو بدِين آخَر. فإذا رَوَوْا شيا مما يتعلق بديننا على
طريق التواتر، وقد عَرَفتَ شروطَه التي ذكرها الجمهور(١)، فلا بُدَّ أن يكونَ مُطابِقاً
للواقع، ولا بُدَّ مع ذلك أن يكون مروياً عندنا على طريق التواتر، فإنه لم تُعْنَ أُمَّةٌ من
الأَمَم بأمرِ دِينِها مِثْلَ مَاعُنِيَ به المسلمون، وهذا أمْرٌ لا يَمترِي فيه من له أدنى اطّلاع
على أحوالِ الْأمَم، ومن امترَى فيه عن غير مَرَضٍ في القلب، أمكن زوالُ رَيْبِه بأقلِّ
عناية .
وعلى هذا يكونُ تواتُره عندَهم مؤكِّداً لتواتُرِهِ عندنا، ويكونُ هذا النوعُ من
أعلى أنواع المتواتِرات، ومن خَبَرَ الأمرَ بنفسِهِ أو نَظَرَ في كتب أئمةِ المتكلِّمين، تبين له
أنَّ المتواتراتِ وإن اشتركت في إِفادةِ العلم، لكنْ بعضُها في الدرجةِ العليا، وبعضُها
في الدرجةِ الوسطى، وبعضُها في الدنيا.
وقد أشار ابنُ حزم إلى هذا النوع في المقالة التي ذَكَر فيها وجوه النقلِ عند
المسلمين، فقال(٢): ونحن نذكُرُ إن شاء الله تعالى وجوه النقل التي عند المسلمين
لكتابهم ودينهم، ثم لما نقلوه عن أثمتهم، حتى يقِفَ عليه المؤمن والكافرُ والعالمُ
والجاهل عِياناً، فَيَعرفون أيْنَ نَقْلُ سائرِ الأديان من نَقْلِهم، فنقولُ وبالله التوفيق:
(١) یعني فیما تقدم في ص ١٠٨ وما بعدها.
(٢) في ((الفِصَل)) ٢: ٨١. وقد تقدم هذا النصُّ في ص ١٣١ بأتمَّ مما هنا.
--
i

١٥١
/٥٥
إِنَّ نَقْلَ المسلمين لكل ما ذكرنا ينقسِمُ أقساماً ستةً: أوَّلها شيءٌ يَنقلُه أهلُ
المشرق والمغربِ عن أمثالهم جِيلاً جِيلًاً، لا يختلِفُ فيه مؤمنٌ ولا كافرٌ مُنصِفٌ غيرُ
معانِد للمُشاهدة، وهو القُرآنُ المكتوبُ في المصاحفِ في شرقِ / الأرضِ وغَرْبِها،
لا يَشكُّون ولا يَخْتلِفون أنَّ محمدَ بنَ عبد الله بنِ عبدِ المطلب أَتَّى به، وأخبرَ أنَّ الله
عز وجل أوحَى به إليه، وأنَّ من اتَّبِعَه أخذَهُ عنه كذلك، ثم أُخِذَ عن أولئك حتى بَلَغ
إلينا. ومن ذلك الصلواتُ الخمسُ، ...
وقد كرَّر قولَه: لا يختلِفُ في ذلك مؤمنٌ ولا كافرٌ في كثيرٍ من الأشياء، إِشارةً
إلى أنه من أعلى المتواترات حتى شارك فيها غيرُ المسلمين المسلمين، فاعرِفْ قَدْرَ
العبارات، وما تضمَّنَتْه من الإشارات.
فإن قلتَ: ما الذي دعا من زاد في شروط التواتر: إسلامَ المخبرين، إلى هذه
الزيادة؟ قلتُ: دعاه إلى ذلك أنه أُورِدَتْ عليه أخبارٌ غيرُ مُطابِقَةٍ للواقع، ومَعَ ذلك
اذَّعَى المسلمون(١) أنها متواترة، فظنَّ أنَّ العلة فيها جاءت من كونِ رُواتِها غيرَ مسلمين،
فزاد هذا الشرطَ تخلُّصاً من الإِشكال، وكان حَقُّهُ أن يَفعَلَ كما - فعَلَ - الجمهورُ،
فإنهم دَقَّقُوا النظرَ فيها، فتبيّن لهم أنها غيرُ مستوفية لشروطِ التَّواتُرِ المشهورةِ (٢)،
فارتَفَعِ الإِشكالُ من أصلِهِ، غير أنه كان ضعيفاً في علم الكلام.
وقد نشأ من هذه الزيادة التي زادها إشكالٌ آخَر، وهو انسدادُ بابِ التواتُر
في أكثر المتواتراتِ التي لا تُحصى، وذلك في الأمورِ التي كانت قبلَ ظهور الإِسلام،
ولم تُذكَر في الكتاب العزيز، والأمورِ التي ظَهَرَتْ بعدَه، وكان المتأوَّلون لنقلِها أولاً غيرَ
المسلمين، مع أنَّ الخَبَرَ المُتَواتِر من أهم أركانِ العلمِ والمعرفة، والحاجةُ في جُلِّ
الأحوالِ مُلجِئةٌ إليه.
وقد رأيت أن أُورِدَ عباراتٍ شَتَّى، لا تخلو عن فائدةٍ فیما نحن فيه. قال صدرُ
(١) كذا بالأصل، والسياق يقتضي (ادَّعى غيرُ المسلمين) أو نحوَ هذا، فتأمل.
(٢) وقع في الأصل (لشروط المتواتر)، وهو سبق قلم أو تحريف من المطبعة.

١٥٢
الشريعة في كتاب ((التوضيح))(١): الخبرُ لا يخلو من أن تكونَ رُواتُهُ في كل عهدٍ قَوماً
لا يُحصَ عَدَدُهم، ولا يُمكِنُ تواطؤهم على الكذب، لكثرتهم وعدالتِهم وتباينٍ
أماكنهم، أو يَصِيرَ كذلك بعدَ القرن الأول، أو لا يصيرَ بل رُوَاتُهُ آحاد، والأول
متواتر، والثاني مشهور، والثالث خبر الواحد.
قال المحقق سعد الدين التَّفْتَازَاني في ((التلويح)) (٢): قولُه: (ولا يُمْكِنُ
تواطؤهم) أي توافُقُهم على الكذِبِ، عند المحققين تفسيرٌ للكثرةِ بمعنى أنَّ المعتَبَّرَ في
كثرة المخبرين بلوغُهم حَدّاً يمتنعُ عندَ العقلِ تواطؤُهم على الكذِب، حتى لو أخبَرَ جَمعْ
غيرُ محصورين بما يجوزُ تواطؤهم على الكذبِ فيه لغرضٍ من الأغراض لا يكونُ متواتِراً.
وأمَّا ذِكرُ العدالةِ وتباينِ الأماكنِ فتأكيدٌ لعَدَمِ تواطئِهم على الكذِب، وليس
بشرطِ في التواتر، حتى لو أخبَرَ جمعٌ غيرُ محصور من كُفَّارٍ بلدةٍ بموتٍ مَلِكِهم حَصَل لنا
اليقين .
وأمَّا مِثلُ خبر اليهود بقتلِ عيسى عليه السلام، وتأبيدِ دينِ موسى عليه
السلام، فلا نُسلِّمُ تواتُرَهُ وحصولَ شرائطِهِ في كل عهد. ثم المُتَوَاتِرُ لا بُدَّ أن يكونَ
مستنداً إلى الحِسِّ سَمْعاً أو غيرَه، حتى لو اتَّفَق أهلُ إِقليم على مسألةٍ عقليةٍ لم يَحْصُل
لنا اليقينُ حتى يقومَ البرهان.
قال المحقق حسن الفَنَاريّ في ((حاشيته)) عليه(٣): قولُه عندَ المحققين تفسيرٌ
للكثرةِ، إيماءٌ إلى أنَّ جَعْلَ المصنّفِ الكثرةَ علةً لعدمِ إمكانٍ التواطىءٍ ليس كما
ينبغي .
قولُه: وليس بشرطٍ في التواتر، قيل: الكلامُ في تواترٍ خبرِ الرسول، والعدالةُ
(١) ٢٤٣:٢ من طبعة المطبعة الخيرية للخشاب سنة ١٣٢٢ بالقاهرة، ومعها حاشية
((التلويح)) و(حاشية)) الفناري. وفي طبعة صُبَيح ٢:٢.
(٢) ٢ : ٢٤٤.
(٣) ٢ : ٢٤٤. ووقع هنا في حاشية الفناري تحريفات، تُصحَّحُ من هنا.
i

١٥٣
وتبايُنُ الأماكنِ شرطانِ فيه لا في مطلَقِ التواتُر، فلا تقريبَ لما ذَكَرَه. والجوابُ مَنْعُ
القولِ بالفَصْلِ على المختار.
هذا، وفي حصولِ اليقين بإخبار جمعٍ غير محصور من كفارِ بلدةٍ بموتِ مَلِكهم
مَنْعٌ ظاهرٌ، لجوازِ اتفاقٍ تلك البلدةِ على ذلك الكلام، لغرضٍ من الأغراضِ مثلٍ
تغريرِ المسلمين به، لئلا يُراعُوا الْحَزْمَ عند الجهادِ / معهم، أو لئلا يَتحفّظُوا على /٥٦
أنفسِهم منهم، فالأولَى أن يُقتَصَرَ على نفي الاشتراطِ المذكور.
قولُه: فلا نُسَلِّمُ تواتُرَهُ. فإنَّ قَتْلَ عيسى عليه السلام نُقِلَ عن جماعةٍ من
اليهود، دخلوا البيتَ الذي كان فيه وكانوا سبعة، وقد رُوِيَ أنهم كانوا لا يَعرفون
المسيحَ وإنما جَعَلوا لرجل جُعْلًا فدَّهُّم على شخصٍ في بيتٍ فاجتمعوا عليه وقَتَلوه،
وزَعَمُوا أنهم قَتَلوا عيسى عليه السلام، وأشاعوا الخبرَ، وبمثلِهِ لا يَحَصُّل التواتر.
وما يَتعلَّقُ بما نحن فيه ما ذكره علماءُ الأصول في مسألةٍ: هل كان عليه السلامُ
متعبَّداً بشرعٍ من قبلَه؟ وقد اختلفوا في ذلك، وقد أوضح الفخر الرازي أمرّها في
(المحصول))(١)، ولنورِدْ لك ما تعلَّقَ بغرضنا منه، قال: القسمُ الثالثُ في أنَّ الرسولَ
عليه الصلاة والسلام هل كان متعبَّداً بشرعٍ من قبلَه؟ وفيه بَحْثَانٍ: الأولُ أنه قَبْلَ
النبوة هل كان متعبَّداً بشرع مَنْ قَبْلَه؟ أثبتَهُ قومٌ، ونفاه آخَرُون، وتوقّف فيه ثالث.
احتَجَّ المنكِرون بأنه لو كان متعبَّداً بشرع أحدٍ لوَجَبَ عليه الرجوعُ إلى علماءِ
تلك الشريعة، والاستفتاءُ منهم والأخذُ بقولهم، ولو كان كذلك لاشتَهَر ولْنُقِلَ
بالتواتُرِ قياساً على سائر أحوالِه، فحيث لم يُنقَل، عَلِمنا أنه ما كان متعبّداً بشرعِهم.
واحتَجِّ المثبتُون بأنَّ دعوة من تقدَّمَه كانت عامةً، فوجَبَ دخولُه فيها. والجوابُ
أَنَّا لا نُسَلِّمُ عمومَ دعوةٍ من تقدَّمَه، ولو سلَّمنا ذلك لا نُسلِّمُ وصولَ تلك الدعوة إليه
بطريقٍ يُوجِبُ العلمَ أو الظنَّ الغالبَ، وهذا هو المرادُ من زمانِ الفَتْرَةِ.
البحث الثاني في حالِهِ بعدَ النُّبُوَّة، قال جمهورُ المعتزلة وكثيرٌ من الفقهاء: إنه
(١) في الجزء الأول القسم الثالث ص ٣٩٧ - ٤٠٦.

١٥٤
لم يكن متعبَّداً بشرعٍ أحَدٍ. وقال قوم: كان متعبَّداً بشرع إبراهيم، وقيل بشرعٍ
موسی، وقيل بشرع عيسى.
واعلَمْ أنَّ مَنْ قال: كان متعبَّداً بشرع مَنْ قَبْلَه، إما أن يُريدَ به أن الله تعالى
يُوحِي إليه بمثلِ تلك الأحكام التي أَمَرَ بها مَنْ قَبْلَه، أو يُريدَ به أن الله تعالى أمرَهُ
باقتباسِ الأحكام من كتبهم، فإن قالوا بالأول، فإمَّا أن يقولوا به في كل شَرْعِه أو في
بعضِه، والأولُ معلومُ البطلانِ بالضرورة، لأنَّ شَرْعَنا بخلافِ شَرْع من قبلَنا في كثير
من الأمور. والثاني مسلّم، ولكن ذلك لا يقتضي إطلاقَ القولِ بأنه متعبَّدٌ بشرع
غيره، لأنَّ ذلك يُوهِمُ التبعية، ولم يكن عليه السلام تَبَعاً لغيره بل كان أصلاً في
شرعِه.
وأما الاحتمالُ الثاني(١) وهو حقيقةُ المسألة فيدلُّ على بطلانِه وجوه: الأولُّ (٢)
لو كان متعبَّداً بشرعٍ أحدٍ لَوَجَبَ عليه أن يَرجِعَ في أحكام تلك الحوادث إلى شرعه،
وأن لا يَتوقَّفَ إلى نزول الوحي، لكنه لم يفعل ذلك، ولو فعَلَه لا شتَهَر.
فإن قيل: إِنَّ الْملازمةَ ممنوعةٌ لاحتمالِ أن يقال: إنه عليه الصلاة والسلام غَلِمَ
في تلك الصُّوَر أنه غيرُ متعبَّدٍ فيها بشرع من قَبْلَه، فلا جَرَمَ تَوقَّفَ فيها إلى نزولٍ
الوحي، أو لأنه عليه الصلاة والسلام عَلِمَ خُلُوَّ شرعِهم عن حكم تلك الوقائع
فانتَظَرَ الوَحْيَ، أو أنَّ أحكام تلك الشرائع إن كانت منقولةً بالتواترِ لا يَحتاجُ في
معرفتها إلى الرجوع إليهم، وإن كانت منقولةً بالآ حادِ لم يَجُزْ قبولها، لأنَّ أولئك الرواة
كانوا كفاراً، وروايةُ الكفار غيرُ مقبولة .
(١) وهو أن الله تعالى أمَرَهُ باقتباس الأحكام من كتبهم.
(٢) اكتفى المؤلف هنا بنقل الوجه الأول، فلا يأتي ذكرُ الوجه الثاني والثالث المذكورين في
(المحصول)»، فلا تنتظر: ثانياً ولا ثالثاً.

١٥٥
فالجوابُ: قولُه(١): إنما لم يُرجع إليها لأنه عَلِمَ أنه غيرُ متعبَّد فيها بشرعٍ من
قَبْلَه، قلنا: فلمّا لم يَرجِع في شيء من الوقائع إليهم، وَجَبَ أن يكون ذاك لأنه عَلِمَ أنه
غيرُ متعبَّد في شيء منها بشرعٍ مَنْ قبلَه.
وقولُهُ(١): إنما لم يَرجع إليها لعلمِهِ بِخُلُوٌ كتبهم عن تلك الوقائع. قلنا: العلمُ
بِخُلُوٌ كتبِهم عنها لا يَحَصُلُ إلَّ بالطلبِ الشديدِ والبحثِ الكثير، فكان يَجِبُ أن يَقَعَ
منه ذلك الطلبُ والبحث.
وقولُه(١): ذلك الحكمُ إمّا أن يكون متواتراً أو / آحاداً، قلنا: يجوزُ أن يكون /٥٧
مَْزُ الدليل متواتراً، إلَّ أنه لا بُدَّ في العلم بدلالتِهِ على المطلوب من نظرٍ كثيرٍ وبحثٍ
دقيق، فكان يجبُ اشتغالُ النبي عليه الصلاة والسلام بالنظرِ في كتبهم والبحثِ عن
كيفية دلالتها على الأحكام.
ثم تعرَّضَ لغير ذلك من أدلةِ المثبتين وأجاب عنها، وكانَ من المنكِرين لتعبُّدِهِ
عليه الصلاة والسلام بشَرْعٍ من قبلَه، سواء كان قبلَ البعثةِ أو بعدَها، فارجعْ إليه إن
شئت .
ونقَلَ ابنُ القشيريّ عن بعضهم أنه عليه الصلاة والسلام كان قبلَ البعثةِ
متعبَّداً بشريعةِ العَقْل، قال: وهذا باطلٌ إِذْ ليس للعقل شريعة. وذكر الحِلِّ في
((النهاية)) أنَّ بعضَ الإِمامية ذَهَب إلى أنه كان متعبَّداً بما يُلهِمُه الله تعالى إياه، وأقوَى
أقوالٍ مَنْ ذَهَب إلى أنه كان متعبَّداً بشرعٍ معينٍّ قولُ من ذهَبَ إلى أنه شَرْعُ إبراهيم
عليه السلام.
قال الإِمام المازِرِيُّ: هذه المسألةُ لا تَظهَرُ لها ثمرةٌ في الأصول ولا في الفروع
آلبَّةَ، ولا يبني عليها حُكمٌ في الشريعة.
وأما المسألة الثانية: وهي هل شَرْعُ من قبلَنَا شَرْعٌ لنا أم لا؟ فهي من أهمِّ
مسائلِ الأصول. وقد قَرَّبَ بعضُهم أمرَها فقال:
(١) أي قول مَنْ ذهب إلى أن الله تعالى أمَرَهُ باقتباسِ الأحكام من كتبهم.
!

١٥٦
إنَّ ما لم يُعلَم من شرائع من قَبْلَنا إلَّ من جهةِ المنتمين إليها فهذا لا بَحْثّ فيه،
لاختلاطِ ما صَحَّ منه بما لم يَصِحَّ على وجهٍ تَجَارُ فيه الجِهْبِذُ النِّحْرِير.
وأمَّا ما عُلِمَ من غير جهتِهم وهو ماذُكِرَ منها في الكتاب والسنة، فمنه ما دَلَّ
الدليلُ على الأخذِ به، وهذا لا خِلافَ فيهِ، ومنه ما دلَّ الدليلُ على نَسْخِهِ في شرعنا،
وهذا أيضاً كذلك، ومنه ما لم يَدُلَّ الدليلُ على الأخذِ به ولا على نَسْخِه، فهذا هو
الذي اختُلِفَ فيه .
فقال بعضُهم: هو شَرْعُ لنا، وقال بعضُهم: ليس بشرعٍ لنا، وممن قال هو
شَرْعٌ لنا مالكٌ وجمهورُ أصحابِهِ وأصحابُ أبي حنيفة والشافعيّ. قال ابنُ
السمعاني: قد أومأ إليه الشافعيُّ في بعضِ كتبه. وقال القرطبيُّ: ذهَبَ إليه معظمُ
أصحابِنا يعني المالكية، وقال القاضي عبدُ الوهاب: إنه الذي تقتضيه أصولُ مالك.
ونُقِلَ - ذلك - عن محمد بن الحسن، قال البَزْدَوِي في ((أصوله))(١): قال
بعضُ العلماء: تَلْزَمُنَا شرائعُ من قَبْلَنا حتى يقومَ الدليلُ على النسخ، بمنزلةِ
شرائعنا، وقال بعضهم: لا تلزمُناحتى يقومَ الدليل، وقال بعضهم: تلزمُنا على
أنها شريعتنا.
والصحيحُ عندنا أنَّ ما قَصَّ اللّه تعالى منها علينا من غير إنكار، أو قَصَّه
رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم من غير إنكار، فإنه يلزمُنا على أنه شريعةُ رسولِنا عليه
الصلاة والسلام .
ثم قال: وهو المختارُ عندنا من الأقوالِ بهذا الشرطِ الذي ذكرنا، قال الله
تبارك وتعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكم إِبراهِيمَ﴾(٢)، وقال: ﴿قُلْ صَدَقَ اللهَ فَتَّبِعُوا مِنَّةً إبراهيمَ
حَنِيفاً﴾(٣)، فعلى هذا الأصلِ يَجري هذا، وقد احتَجَّ محمدٌ في تصحيح المُهايَأةِ
والقسمةِ بقولِ اللّه تعالى: ﴿ونَبِّئْهُم أنَّ الماءَ قِسمٌ بينَهُم﴾(٤)، وقال: ﴿لها شِرْبٌ
(١) ٢١٣:٣ بشرح ((كشف الأسرار)» لعبد العزيز البخاري.
(٢) من سورة الحج، الآية ٧٨ .
(٣) من سورة آل عمران، الآية ٩٥ ..
(٤) من سورة القمر، الآية ٢٨ !.

١٥٧
ولكم شِرْبُ يومٍ معلومٍ﴾(١)، فاحتَجَّ بهذا النصِّ لإِثباتِ الحكم به في غير المنصوص
عليه، بما هو نظيرُهُ، فثبت أنَّ المذهَبَ هو القولُ الذي اخترناه. اهـ.
المسألة التاسعة
للمنكرين لإِفادةِ المُتَواتِر عِلْمَ اليقين شُبَهُ، منها: أنه يَجُوزُ أن يُخْبِرَنا جماعةٌ
لا يُمْكِنُ تواطؤهم على الكذِبِ، / بأمرٍ كحياةِ زيد، ويُخْبِرَنا جماعةٌ أخرى مثلُهم /٥٨
بنقيضٍ خبرِهم كموتِ زيد، فلو أفاد المُتُواثِرُ عِلمَ اليقين للَزِمَ حصولُ العلم
بالنقیضینِ وهو محال.
وأجاب الجمهورُ بأنَّ هذا غيرُ ممكن، ولا بُدَّ أن يكونَ أَحَدُ الخبرِينِ غيرَ
مستوفٍ لشروطِ التواتُر.
ومنها: أنَّ كثيراً من الفِرَق التي لا يُحصىَ عدَدُها تُخْبِرُ بأمورٍ وهي جازمٌ،
وغيرُها يُنكِرُها، ومن ذلك صَلْبُ المسيح عليه السلام، فإنَّ اليهود والنصارى يجزِمون
بوقوعِه، والمسلمون يُنكِرون ذلك وينسبون لهم الوَهَم.
والجوابُ أنَّ المسلمين لم يُسلِّموا ذلك، لا لاعتقادهم أنَّ المُتَوَاتِرَ لا يُفيدُ
اليقين، بل لأنه تبيّنَّ لهم أنَّ ذلك الخَبَرَ لم يَستوفِ الشروطَ اللازمة في التواتُر.
وقد هَوَّلَ المخالفون تهويلاً عظيماً، وزعموا أنَّ المسلمين أنكروا أعظَمَ الأمورِ
المتواترةِ تواتراً، فإنَّ النصارى واليهودَ وهما أُمَّتانِ عظيمتانِ قد طَبِّقَتا مشارق الأرض
ومغارِبَها، وهم يُخبرون بصَلْبِ المسيحِ، والإِنجيلُ يُصرِّحُ بذلك، فإذا أنكروا هذا
الخَبَرَ وقد وَصَلَ إلى أعلى درجاتِ التواتر، فأيُّ خَرٍ بعدَهُ يمكِنُ الاعتمادُ عليه والركونُ
إليه.
وقد أجاب عن ذلك علماءُ الكلامِ والأصول، غيرَ أنَّ كثيراً منهم اقتَصَر على
الجوابِ الْمُجْمَل، وهو لا يَشفي غليلَ من قَوِيَتْ عندَهُ هذه الشُّبهة. والذين أجابوا
(١) من سورة الشعراء، الآية ١٥٥.

١٥٨
بجوابٍ مفصّلٍ بَنَ أكثُهم كلامَه على مجرَّد الاحتمال، وهو وإن كان مُجْدِياً في مقامٍ
الجدال، غير أنه لا يُزِيل أصلَ الإِشكال، وسبَبُ ذلك أنهم لم يَطَّلعوا على ما ورد في
الإِنجيل، الذي هو العُمدةُ في انتشارِ هذا الخبر، ولو اطّلعوا عليه لرأوا الخَطْبَ أسهلَ
مما ظَنُّوهِ.
وقد تَصَدَّى ابْنُ حزم للجواب عن هذه المسألة، وهو من المطّلِعين على كتبٍ
أهل الكتاب، فأحببنا نقلَ عبارته، قال في كتاب ((الِلَل والنَّحَلِ))(١): وما يَعترِضُ به
علينا اليهودُ والنصارى ومن ذَهَبَ إلى إسقاطِ الكوافِّ من سائر الملحِدين أنْ قال
قائلُهم: قد نَقَلَتْ اليهودُ والنصارى أنَّ المسيحَ عليه السلام قد صُلِبَ وَقُتِلَ، وجاء
القرآن بأنه لم يُقتَل ولم يُصْلُب، فقولوا لنا: كيف كان هذا؟ فإن جَوَّرتم على هذه
الكَوَافِّ العِظامِ المختلفةِ الأهواءِ والأديانِ، والأزمانِ والبُلدانِ والأجناسِ: نَقْلَ
الباطل، فليسَتْ بذلك أولَى من كافَّتِكم التي نَقْلَتْ أعلامَ نبيِّكم وكتابَهُ وشرائعَهُ.
ثم قال في الجواب عنه: إنَّ صَلْبَ المسيح عليه السلام لم يَقُلِه قَطُ كافَّةٌ،
ولا ضَحَّ بالخَبَرِ قطُّ، لأَنَّ الكافَّةَ التِي يَلزَمُ قبولُ نقلِها، هي إمَّ الجماعَةُ التي يُوقَنُ أنها
لم تَتَوَاطَأ لتنابُذِ طُرُقِهِم وعدَمِ التقائِهم، وامتناعِ اتفاقِ خواطِرِهم على الخبرِ الذي
نقلوه عن مُشاهدة، أو رجوع إلى مشاهدة، ولو كانوا اثنينٍ فصاعداً، وإمّا أن يكون
عدَدٌ كثيرٌ يمتنعُ منه الاتفاقُ في الطبيعةِ على التمادِي على سَنَنِ ما تواطؤُوا عليه، فأخبروا
بخبرٍ شاهَدُوه ولم يختلفوا فيه.
فما نقّلَه أحَدُ أهلِ هاتينِ الصفتينِ، عن مثلِ إحداهما، وهكذا حتى يَبْلُغَ إلى
مُشاهدةٍ، فهذه صِفَةُ الكافَّةِ التي يَلزَمُ قبولُ نقلِها، ويَضْطَرُّ خِبْرُها سَامِعَها إلى
تصديقه، وسواءٌ كانوا عدولاً أو فُسَّاقاً أو كُفَّاراً، ولا يُقطَعُ على صحتِهِ إلاّ ببرهان.
فلما صَحِّ ذلك نَظَرَنا فيمن نَقَلَ خَبَرَ صَلْبِ المسيح عليه السلام، فوجدناه
كوافَّ عظيمةً صادقةٌ بلا شكٌّ في نقلِها جيلاً بعد جيل، إلى الذين ادَّعَوْا مُشاهَدَةً
(١) ١ : ٥٧ - ٦٠.

١٥٩
صَلْبِهِ، فإنَّ هناك تبدَّلَتْ الصِّفَةُ، وَرَجَعتْ إلى شُرَطٍ مأمورِينَ مجتمعينَ، مضمونٍ
منهم الكذِبُ وقبولُ الرشوةِ على قولِ الباطل.
والنصارى مُقِرّون بأنهم لم يُقْدِموا على أخذِهِ نهاراً خوفَ العامة، وإنما أخذوه
ليلاً عند افتراقِ الناس عن الفِصْح، وأنَّه / لم يَبقَ في الخشبةِ إلَّ سِتَّ ساعات من /٥٩
النهار، وأنه أُنزِلَ إِثْرَ ذلك، وأنه لم يُصلَب إلَّ في مكانٍ نازحٍ عن المدينة، في بُستانٍ
فَخَّارٍ مُتَمِلَّكٍ للفَخَّاري، ليس مَوْضِعاً معروفاً بصَلْبٍ من يُصْلَب، ولا موقوفاً لذلك،
وأنه بعدَ هذا كلِّ رُشيَ الشُّرَطُ على أن يقولوا: إنَّ أصحابَه سَرَقوه ففعلوا ذلك، وأنَّ
مَرْيَمَ الَجْدَلائِيَّةَ وهي امرأةٌ من العامَّة لم تُقدِم على حُضورِ موضعٍ صَلْبه، بل كانت
واقفةً على بُعدٍ تَنظُر.
هذا كلُّه في نصِّ الإِنجيل عندهم، فبَطَلَ أن يكونَ صَلْبُهُ منقولاً بكافة، بل
بخبرٍ يَشْهَدُ ظاهِرُه على: أنه مكتومٌ متواطّاً عليه. وما كان الحَوَارِيُّون لَيْلَئِذٍ بنصّ
الإِنجيل إلَّ خائفين على أنفسِهم، غُيَّباً عن ذلك المشهد، هارِبين بأرواحهم،
مستترين، و: أنَّ شَمْعُون الصفا غُرِّرَ ودَخَل دارَ قياها(١) الكاهن أيضاً بضوءِ النار،
فقيل له: أنتَ من أصحابه، فانتَفَى وجَحَد وخَرَج هارباً عن الدار.
فبَطَّل أن يَنقُلَ خبرَ صَلْبه أحدٌ تَطِيبُ النفسُ عليه على أن نَظُنَّ به الصدقَ،
فكيف أن يَنقُلَه كافةٌ؟ وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾(٢)، إنما عَنَى تعالى
أنَّ أولئك الفُسَّاقَ الذين دَبِّروا هذا الباطلَ وتواطؤا عليه، هم شَبَّهوا على من قَلَّدهم
فأخبَرُوهم أنهم صَلَبوه وقتلوه، وهم كاذبون في ذلك، عالمون أنهم كذَبة.
ولو أمكّنَ أن يُشبَّهَ ذلك على ذي حاسَّةٍ سليمةٍ لبَطَلَتْ النُّبُوَّاتُ كلُّها، إذْ لعلَّها
شُبِّهَتْ على الحوَاسُ السليمة، ولو أَمكّنَ ذلك لبطَلَتْ الحقائقُ كلُّها، ولَأُمكَنَ أن
يكونَ كلُّ واحدٍ منا يُشَبَّهُ عليه فيما يأكلُ ويَلْبَسُ، وفيمن يُجالِسُ، وفي حيثُ هو،
(١) في ((الفِصَل)) ١: ٥٩ (ودخَلَ دار قيقان الكاهن).
(٢) من سورة النساء، الآية ١٥٧. وستكرَّرُ ذكرها وآيتين قبلَها قريباً.
!

١٦٠
فلعلَّهُ نائمٌ أو مُشبّهُ على حَوَاسِّه. وفي هذا خُرُوجٌ إلى السُّخْفِ وقولِ السُّوْفَسْطَائِيَّة
والحَمَاقةِ.
وقد شاهدنا نحن مثلَ ذلك، وذلك أننا أَندَرْنَا للجَبَل (١)، لحضورِ دَفْنِ المؤيَّدِ
هشامِ بنِ الحكم المستنصير، فرأيتُ أنا وغيري نَعْشاً فيه شخصٌ مُكفَّن، وقد شاهَدَ
غَسْلَهُ شيخانٍ جليلانٍ حاكمانٍ من حُكّام المسلمين، ومن عدُولِ القُضاةِ في بيتٍ،
وخارجَ البيتِ أبي رحمه الله وجماعَةُ عُظَماءِ البلد، ثم صلَّينا في ألوفٍ من الناس عليه،
ثم لم يَلْبَثْ إلَّا شهوراً نحوَ السبعةِ حتى ظَهَر حيّاً(٢)، وبُوبِعَ بعدَ ذلك بالخلافة،
ودخلتُ عليه أنا وغيري، وجلستُ بين يديه ورأيتُه، وبقي ثلاثةَ أعوام غيرَ شهرين
وأيام .
ثم قال: وأمَّا قوله تعالى: ﴿وما قَتَلُوه وما صَلَبُوه ولكِنْ شُبِّهَ لهم﴾، فإنما هو
إخبارٌ عن الذين يقولون تقليداً لأسلافِهم من النصارى واليهودِ: إنه عليه السلام قُتِلَ
وصُلِبَ، فهؤلاء شُبِّهَ لهم القولُ، أي أُدخِلُوا في شُبهةٍ منه، وكان المُشْبِهُون لهم شُيُوخَ
السُّوءِ في ذلك الوقت وشُرَطَهم، الْمُدَّعُون أنهم قتلوه وصلبوه، وهم يعلمون أنه
لم يكن ذلك، وإنما أَخَذُوا من أمكَنَهم فقَتَلُوه وصَلَبُوه في آستِتَارٍ ومَنْعٍ من حضورِ
الناس(٣)، ثم أَنزَلُوه ودفنوه تمويهاً على العامة التي شُبِّهَ الخَبرُ لها. اهـ.
قال العلامة التقيُّ(٤) في ((الجواب الصحيح)): وقِصَّةُ الصَّلبِ مما وَقَع فيها
الاشتباهُ، وقد قام الدليلُ على أنَّ المصلوب لم يكن هو المسيح عليه السلام، بل
(١) يعني بقوله: (أندرنا): خرجنا. ووقع في الأصل: (أنذرنا). وهو تحريف.
(٢) وقع في الأصل: (ثم لم يلبث إلَّ شهور الخفاء السبعة ... ). وهو تحريف عما أثبته من
((الفصل)) ٥٩:١.
(٣) وقع في الأصل: (وصلبوه في أستار ... ). والصوابُ المثبتُ من ((الفِصَل)) ٦٠:١.
(٤) هو الإِمام تقي الدين ابنُ تيمية في كتابه ((الجواب الصحيح لمن بَدَّل دين المسيح))
٠١٤:٢

١٦١
شِبْهُهُ، وهم ظَنُوا أنه المسيح، والحوارِيُّون لم يَرَ أحدٌ منهم المسيحَ مصلوباً، بل
أخبَرَهم بصَلْبِه بعضُ من شَهِدَ ذلك من اليهود.
فبعضُ الناس يقولون: إنَّ أولئك تَعمَّدُوا الكذِبَ، وأكثرُ الناسِ يقول: اشتَبَهَ
عليهم، ولهذا كان جمهورُ المسلمين يقولون في قوله: (ولَكِنْ شُبِّهَ لهم) عن أولئك،
ومن قالَ بالأولِ جَعَلَ الضميرَ في شُبََّ لهم عن السامِعينَ لخبرِ أولئك.
/ ٦٠
فإذا جاز أن يَغْلَطُوا في هذا، ولم يكونوا معصومين في نقلِهِ، جاز أن يَغلطوا في
بعضِ ما ينقلونه عنه، وليس هذا مما يَقدَحُ في رسالةِ المسيح، ولا فيما تواتر نقلُه عنه
بأنه رسولُ / الله يجبُ اتباعُه، سواء صُلِبَ أو لم يُصْلَب، والحوارُّون مُصدِّقون فيما
يَنْقُلونه عنه، لا يُتَّهَمُون بتعمُّدِ الكذبِ عليه، لكن إذا غَلِطَ بعضُهم في بعضٍ
ما ينقلُه، لم يمنع ذلك أن يكونَ غيرُه معلوماً، لا سيما إذا كان ذلك الذي غَلِطَ فيه مما
تبينَّ غلَطُه فيه في مواضِعَ أخر. اهـ.
والضمائرُ في هذه الآية وفيما قبلَها عائدةٌ إلى اليهود، قال تعالى: ﴿فِما نَقْضِهم
مِيثاقَهُمْ، وكُفْرِهم بآياتِ اللَّهِ، وقَتْلِهِم الأنبياء بغير حق، وقولِهِم قلوبُنا غُلْفٌ بل
طَع اللّه عليها بكُفْرِهم فلا يؤمنون إلَّ قليلاً. وبكفرِهم وقولهم على مريم بهتاناً
عظيماً. وقولِهِم إنَّا قتلنا المسيحَ عِيسَ ابنَ مَرْيَمَ رسولَ الله، وما قَتَلُوه وما صَلَبُوه،
ولكن شُبِّهَ لهم، وإنَّ الذين اختَلَفُوا فيه لفي شَكَّ منه، ما لهم به من عِلمٍ إلَّ اتباعَ
الظَّنِّ، وما قَتَلُوهُ يَقيناً. بل رَفَعَهُ اللَّهُ إليه، وكان الله عزيزاً حكيماً﴾.
قال المفسرون في قوله: ﴿فِما نَقْضِهم ميثاقَهم﴾: ما زائدةٌ، والباءُ للسببية، وهي
متعلّقةٌ بفعلٍ محذوفٍ تقديرُه فَعَلْنا بهم ما فَعَلنا. وأمَّا شُبَّهَ فهو مُسنَدُ إلى الجار
والمجرور وهو﴿لهم﴾ وهو الظاهر، وقال بعضهم: ﴿شُبَّهَ لهم﴾ أي مُثِّلَ لهم مَنْ حَسِبُوه
إياه . وفي قوله: ﴿وما قَتَلُوه يقيناً﴾ أي قَتْلً يقيناً أو مُتَيَقْنِين. وقال بعضهم: المرادُ أنَّ
نَفْيَ قتلِهِ هو يقينٌ لا ريبَ فيه، بخلافِ الذين اختلَفُوا فيه، فإنهم كانوا في شكٌّ،
لَعَدَمِ إيقائِهِم بقتلِهِ، إذْ لم تكن معهم حُجَّةٌ يَسكنون إليها. وقال بعضُهم: المرادُ
وما عَلِمُوه يَقيناً، وهو من قولهم: قَتَلتُ الشيءَ عِلمً إذا عَرَفَتَهُ معرفةٌ تامَّةً، وهو بعيد.