Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٠٢ وهذا من متعلَّقاتِ مَبْحَثِ الترجيحِ ، الذي هو من أصعَبِ المباحثِ مَسْلَكاً وأبعدِها مُدْرَكاً. واعلم أنَّ الذي أوجَبَ خفاءَ تفاوتِ العدالةِ عندَ بعض العلماء: أنهم رأَوْا أنَّ أئمةَ الحديث قلّما يُرَجِّحون بها، وإنما يُرجِّحون بأمورٍ تَتَعلَّقُ بالضبطِ، وسبْبُ ذلك أنهم رأوا أنَّ الترجيحَ بزيادةِ العدالة يُوهِمُ الناسَ أنَّ الراويَ الآخَرَ غيرُ عَدْل، فيَسُوءُ به ظَنُهم ويَشُكُون في سائِرِ ما يَروِه. وقد فُرِضَ أنه عَدْلٌ ضَابِط. فإن قلتَ: فما يفعلون إذا كان كلاهما في درجةٍ واحدةٍ في الضبط؟ قلتُ: يُمكِنُ الترجيحُ فيها بأمورٍ عارضة، كِكونِ الحديثِ الذي رواه قد تلقَّاه عمن كَثُرَتْ مُلازَمَتُه له وُمارَسَتُه لحديثِه، ونحوِ ذلك، بخلافِ الراوِي الآخر. وَقد زَعَم بعضُهم عدَمَ تَفَاوُتِ الضبطِ أيضاً، ورَدَّ عليه بعضُهم بقوله: لا شَكَّ في تَحقُّقِ تَفَاوُتِ مَراتِبِ العدالةِ والضبطِ في العُدولِ والضَّابِطِين من السَّلَف وَالْخَلَفِ، وقد وضح ذلك حتى صار كالبَدِيهي . وهذه المسألةُ لها نظائرُ لا تُحصى قد غَلِطَ فيها كثيرٌ ممن له مَوْقِعٌ عظيم في النفوس(١)، فإنهم يَذْهَلُون عن بعضِ الأقسام، فتراهم يقولون: الرأوِي إِمَّا عَدْلٌ أو غيرُ عَدْل، وكلٌّ منهما إِمَّ ضابطٌ أو غيرُ ضابط، غيرَ مُلاحِظين أَنَّ العدالةَ والضبطَ مَقُولانٍ بالتشكيك، فينبغي الانتباهُ لذلك، فإنه يَنْحَلُّ به كثيرٌ من المشكلات. استدراك وبعدَ أن وَصَلْتُ إلى هذا الموضع، وَقَفْتُ على عبارةٍ للحافظ أبي محمد علي بن أحمد بن حَزْم الظاهري، خالَفَ فيها الجمهورَ في ترجيح الأعدلِ على العَدْلِ، فأحببتُ إيرادَها ملخّصةً. (١) كابن حزم رحمه الله تعالى، وسيأتي نموذج من كلامه بعد قليل، وفيه غلَطُهُ الذي أشار إليه المؤلف هنا. İ ١٠٣ وقد عَلِمَ من وَقَفَ على كثيرٍ من مؤلّفاتِهِ أنه يَجِنَحُ في أكثرِ المواضع إلى مُخالفةٍ الجمهور، وهو في أكثرِ ما خالَفَهم فيه أقرَبُ إلى الخطأ منه إلى الصواب. وقد أطلَق فِكرَهُ في ميادينَ جَمَحَ به فيها أشدَّ جِمَاح، غيرَ أنه يُلُوحُ من حالِهِ أنه لم يكن يُريدُ إلَّ الإِصلاح. ومن أعظم ما يَنْقِمُون عليه أنه أفرط في التشنيع على من يَرُدُّ عليهم ولو كانوا من العلماء الأعلام(١)، ولعلَّ ذلك نشأ عما أشار إليه في كتاب مُداواةِ النفوس، حيث قال: ولقد أصابتْنِي عِلَّةٌ شَدِيدٌ وَلَّدَتْ عليَّ رَبْواً في الطِّحَالِ شَدِيداً، فولَّد ذلك عَلَيَّ من الضَّجَرِ، وَضِيق الخُلُق، وقِلَّةِ الصَّبر، والنَّزَقِ: أمراً حاسَبْتُ نفسي فيه، فأنكرتُ تبدُّلَ خُلُقي، واشتدَّ عَجَبي من مُفَارَقتي لطبعي. ولنرجع إلى المقصود فنقول: قال في كتاب ((الإِحكام في أصول الأحكام))(٢) في صِفَةٍ من يَلزَمُ قبولُ نقلِه: ومما غَلِطَ فيه بعضُ أصحاب الحديث أنَّ (قالَ فلانٌ)، يُحْتَمَلُ في الرقائق، ولا يُحْتَمَلُ في الأحكام: وهذا باطلٌ، لأنه تقسيمٌ فاسدٌ لا بُرهانَ عليه، بل البُرهانُ يُبطِلُه، لأنه لا يخلو كلُّ أَحَدٍ في الأرض من أن يكون فاسقاً أو غيرَ فاسق، فإن كان غيرَ فاسق كان عَدْلًا، / ولا سبيلَ إلى مرتبة ثالثة، فالفقيهُ العَدْلُ مقبولٌ في كل شيء، والفاسِقُ /٣٢ لا يُحْتَمَلُ في شيءٍ. والعَدْلُ غيرُ الحافظِ لا تُقبَلُ نِذارَتَهُ خاصَّةً في شيء من الأشياء، لأنَّ شَرْطَ القبولِ الذي نَصَّ الله تعالى عليه، ليس موجوداً فيه. ومن كان عَدْلاً في بعض نَقْلِهِ (١) قال الحافظ الذهبي في (سير أعلام النبلاء)) ١٨٦:١٨، في ترجمة ابن حزم: ((وبسط لسانَه وقلمَه، ولم يتأدَّب مع الأئمة في الخطاب، بل فجَّجَ العبارة - أي أتى في الكلام معهم بالعبارات الفجّة المكروهة -، وسَبَّ وجَدَّعَ - أي ذم وشتم - فكان جزاؤه من جنس فعله، بحيث إنه أعرض عن تصانيفه جماعةٌ من الأئمة، وهجروها، ونفِّروا منها، وأُحْرِقَتْ في وقت)). (٢) ١: ١٤٣ من الطبعة التي حققها الشيخ أحمد شاكر، و١٢٧:١ من طبعة زكريا علي یوسف . ١٠٤ فهو عَدْلٌ في سائرِهِ، ومن المحالِ أن يَجُوزَ قَبُولُ بعضِ خبره ولا يَجوزَ قَبُولُ سائره إلَّا بنصّ من اللَّهِ تعالى أو إجماعٍ في التفريقِ بين ذلك، وإلاّ فهو تحكُّمٌ بلا برهان، وقولٌ بلا عِلم، وذلك لا تَحِلُّ :. قال عليٌّ: وقد غَلِطَ أيضاً قومٌ آخَرون منهم، فقالوا: فلان أعدَلُ من فلانٍ، ورامُوا بذلك ترجيحَ خبرِ الأعدلِ على من هو دُونَه في العدالة. قال علي: وهذا خطأً شديد، وكان يكفي من الردِّ عليهم أن يقال: إنهم أترَكُ الناسِ لذلك، وفي أكثر أمرِهم يأخذون بما رَوَى الأقلُّ عدالةً، ويَتركون ما رَوَى الأعدَلُ، ولعلَّنا سنُوردُ من ذلك طَرَفاً صالحاً إن شاء الله تعالى. ولكن لا بُدَّ لنا من إيطالِ هذا القولِ بالبرهانِ الظاهر، فأوَّلُ ذلك أنَّ الله عز وجل لم يُفَرِّق بين خَبَرَ عَدْلٍ وخَبَرَ عَدْلٍ آخَرَ أعدَلَ من ذلك، ومن حكم في الدين بغير أمْرِ اللّه تعالى، أو أمْرِ رسولِهِ عليه الصلاة والسلام، أو إجماعٍ متيقَّنٍ مقطوع به منقولٍ عن رسول الله، فقد قَفًا ما ليس له به عِلْم. وأيضاً فقد يَعلمُ الأَقَلُّ عدالةً ما لا يَعلمه من هو أتُمُّ منه عدالة، وأيضاً فكلُّ ما يُتَخَوَّفُ من العَذْل فإنه مُتَخَوَّفٌ من أعدلِ من في الأرض بعدَ الرسل(١)، وأيضاً فإن العدالةَ إنما هي التزامُ العَدْلِ، والعَدْلُ هو القيامُ بالفرائض، واجتنابُ المحارم، والضَّبْطُ لِمَا رَوَى وأخبَرَ به فقط. ومعنى قولنا: فلانٌ أعدَلُ من فلان أنه أكثرُ نوافِلَ في الخير فقط، وهذه صفةً لا مَدْخَلَ لها في العدالةِ، فصَحَّ أنه لا يجوزُ ترجيحُ روايةٍ على أخرى، ولا ترجيحُ شهادةٍ على أخرى، بأنَّ أَحَدَ الراويينِ أو أحَدَ الشاهدين أعدَلُ من الآخَرِ. وهذا الذي تحكّمُوا به إنما هو من باب طِيب النَّفْس، وطِيبُ النّفْسِ باطلٌ لا معنى له، فمن حَكّم في دينِ الله عز وجل بما استَحسَنَ وطابت نَفْسُه عليه، دُونَ (١) هذا من شطط ابن حزم المعروف المبغوض، الذي خرج فيه عن الأدب مع الكبار! والذي طواه المؤلف من كلامه في هذا المبحث أبشع وأنكر! ١٠٥ برهانٍ من نصٍّ ثابتٍ أو إجماع، فلا أحَدَ أَضَلُّ منه، نعوذ بالله من الخِذلان، إلَّ مَن جَهِلَ ولم تَقُم عليه حُجَّة، فالخطأُ لا يُنكَرُ، وهو معذورٌ مأجور، فيجبُ قبولُ ما قام عليه الدليلُ، سواء طابَتْ عليه النفسُ أو لم تَطِب، وبما ذكرنا يَبْطُلُ قولُ من قال: هذا الحديثُ لم يُرْوَ من غير هذا الوجه(١). تنبيه: الضابطُ من الرُّواةِ هو الذي يَقِلُّ خطوُّه في الرواية، وغيرُ الضابط هو الذي يَكْثُ غلَطُهُ وَوَهَمُهُ فيها، سواءٌ كان ذلك لضعفِ استعدادِهِ، أو لتقصيره في اجتهادِهِ، قال الترمذي في ((العلل))(٢): كلُّ من كان متَّهماً في الحديثِ بالكذب، وكان مُغَفَّلَا يُخْطِىءُ كثيراً، فالذي اختارَهُ أكثرُ أهلِ الحديث من الأئمة أن لا يُشْتَغَلَ بالرواية عنه . وقد توهّم بعضُ الناس أنَّ الضبطَ لا يَخْتَلِفُ بالقوّةِ والضعفِ، فزعم أنَّ الراويَ إمَّا أن يُوصَفَ بالضبط، وإمَّا أن يُوصَفَ بعَدَمِه، والموصوفون بالضبطِ نوعٌ واحد لا يَخْتَلِفُ بعضُهم عن بعض في الدرجة، فلا يقال: فلانٌ أتمُّ ضبطاً من فلان، وقد عَرفتَ أنهم ثلاثةُ أنواع(٣)، والعِيَان يُغني عن البُرمان. وأما الثَّقَةُ فهو الذي يجمعُ بين العدالةِ والضبط. وهو في الأصل مَصْدَرُ وَثِقَ، تقول: وَثِقْتُ بفلانٍ ثقةً ووُثوقاً إذا ائتمنَتَهُ، ولكونِهِ مَصْدراً في الأصل قيل: هو وهي وهما وهم وهن: ثقةٌ، ويجوزُ تثنيتُهُ وَجْعُهُ فيقال: هما ثِقتانٍ، وهم وهُنَّ ثِقاتٌ. وتقولُ: وثَّقْتُ فلاناً توثيقاً إذا قلتَ: إنه ثقة. ومِثلُ الثقةِ الثَّبَتُ، قال في ((المصباح)): رجلٌ / ثَبَتْ بفتحتين إذا كان عَدْلاً ضابطاً، والجمعُ أَثْبَات، والثَّبَتُ أيضاً الحُجَّةُ، تقول: لا أَحْكُمُ إلَّا بِثَبَتٍ (٤). وقد ذكروا أنَّ من أعلى الألفاظ التي تُستعمل في الروايةِ /٣٣ (١) هنا انتهى كلام ابن حزم الذي نقله المؤلف لبيان شططه وشذوذه فيه. وهو نموذج لسواه الکثیر في كلامه . (٢) وهي في آخر كتابه ((الجامع)) ٧٤٣:٥. (٣) كما تقدم في مباحث (الفائدة السابعة) ص ١٠٠ . (٤) في ((المصباح المنير) في (ثبت): ((رجلٌ ثَبْتُ، ساكنُ الباء متثبّتْ في أموره، وثَبْتُ الجَنَان = ١٠٦ المقبولةِ(١): ثِقَةٌ (٢)، ومتقِنٌّ، وثَبْتُ وحُجَّةٌ، وعَدْلٌ حافظٌ، وعَدْلٌ ضابطٌ (٣) = أي ثابت القلب. وثَبِتَ في الحرب فهو ثَبِيت، مثالُ قَرُبَ فهو قريب، والاسمُ ثَبَتُ بفتحتين، ومنه قيل للحُجَّة: ثَبْتُ، ورجلٌ ثبَتْ بفتحتين أيضاً إذا كان عدلاً ضابطاً، والجمع أثبات، مثل ◌ِسَبَبُ وأسباب)). انتهى. وقال السخاوي في ((فتح المغيث بشرح ألفية الحديث)) في ص ١٥٧ من طبعة الهند الأولى (ثْتُ بسكون الموحدة: الثابتُ القلبِ واللسانِ والكتابِ، الْحُجَّةُ. وأما بالفتح - ثَبَتُ ــ فما يُثِتُ فيه المحدِّثُ مسموعَه مع أسماء المشاركين له فيه، لأنه كالحُجَّة عند الشخص لسماعه وسماغ غيره». انتهى. وانظر ما علقته مطولاً على ((الرفع والتكميل)) ص ١٣٢ من الطبعة الثالثة، حول ضبط هذا اللفظ . (١) في هذا ذهول من المؤلف رحمه الله تعالى، وحقُّه أن يقول: (في الرُّوَاةِ المقبولين)، إذ لا دَخْلَ (للرواية المقبولة) في هذا المقام. (٢) هذه الألفاظ أوردها المؤلف على الحكاية، ولذا لم يلحظ موقعها من الإِعراب، وهو هنا: النصب، فساقها مرفوعة . (٣) وقع في الأصل هنا عقب هذا الكلام: (والثَبَتُ أيضاً الحُجَّةُ، تقول: لا أحكمُ إلَّ بثبَتَ). وهو تكرار وقع سهواً فلذا حذفته ونبهت. ١٠٧ الفصل الخامس في أقسام الخبر إلى متواتر وآحاد(١) قد تقرَّرَ أنَّ من الأشياءِ ما يُعرَفُ بواسطةِ العقل، ككونِ الواحدِ نِصفَ الاثنين، وككونٍ: كلُّ حادثٍ لا بُدَّ له من مُحْدِث، وأنَّ منها ما يُعرَفُ بواسطة الحِس، ككون زيدٍ قَالَ كذا، أو فَعَلَ كذا، فإنَّ القولَ يُدرَكُ بحاسَّةِ السَّمْع، والفعلَ يُدرَكُ بحاسَّةِ البَصَرَ. والذي يُعرَفُ بواسطةِ الحِسّ قد يَعرِفُهُ من لم يُحِسَّ به بواسطةِ خَبَرٍ من أحسَّ به. ولَّا لم يكن كلُّ مخيرٍ صادقاً، وكان الخبرُ يَحْتمِلُ الصدقَ والكذِبَ لذاتِه، اقتَضَى الحالُ أن يُبحَثَ عما يُعْرَفُ به صِدقُ الخبر، إمَّا بطريقِ اليقين، وذلك في الخبر المتواتر، أو بطريقِ الظن، وذلك في غير المتواتر، إذا ظَهَرَتْ أماراتٌ تَدُلُّ على صِدقِ الخبر. ولَّا كان الحديثُ عبارةً عن أقوالِ النبي صلَّى الله عليه وسلَّم وأفعالِهِ، وكان من لم يُدرِكها بطريقِ الحِسِّ لا سبيلَ له إلى إدراكها إلَّ بطريقِ الخبر، اعتَنَى العلماءُ (١) لفْظُ (إلى متواتر وآحاد) زيادة مني على الأصل، للإيضاح. ومبحثُ (الخبر المتواتر) هو من مباحث أهل الفقه وأصوله، وليس من مباحثِ أهلِ الحديثِ، ولا تَشْمَلُه صِناعتُهم، كما قاله الإِمام ابن الصلاح في ((مقدمته)) في (النوع الثلاثون: معرفة المشهور). وسينقله المؤلف في ص ١٣٧ . وإنما تعرض له المؤلف رحمه الله تعالى هنا في كتابه، وهو في (مصطلح الحديث)، تتميماً للمعرفة، وأحسَنَ بذلك وأفاد، إذ كثير من الدارسين للحديث في زماننا هذا لم يدرسوا أصول الفقه، ولم يقفوا فيه على مباحث الأصوليين للخبر المتواتر، ولو درسوه لا يقفون فيه على هذا المبحث مستوعَباً مجوّداً كما أتى به المؤلف هنا، حتى صَلَح أن يكون رسالة نفيسةٌ مستقلةً في هذا الموضوع، فاغتنِمْهُ، وجَزَى اللّه المؤلِّفَ خير الجزاء. ١٠٨ الأعلامُ ببيانٍ أقسامِ الخَبَرَ مطلقاً، وجعلوا للحديثِ الذي هو قِسمٌ من أقسام الخَبر مَبحثاً خاصاً به، اعتناءً بشأنه، فإذا عرفت هذا نقول: قد قَسَم علماءُ الكلامِ والأصولِ الخبرَ إلى قسمين: خبرٍ متواتِرٍ، وخَبَرِ آحادٍ. (الخَبرُ المتواتر) فالخبرُ المتواترُ: هو خبرٌ عن محسوسٍ، أَخَبَرَ به جماعةٌ، بَلَغوا في الكثرة مبلغاً تُحِيلُ العادةُ تواطوّهم على الكذب فيه . وَخَرَجَ بما ذُكِرَ ثلاثةُ أشياء: أَحَدُها: الخبرُ عِن غير محسوس، كالخبرِ عن حدوثِ العالَم، وكونِ العَدْلِ حَسَناً والظُّلْم قبيحاً. وثانيها: الخبرُ الذي أُخبرَ به واحِدٌ. وثالثُها: الخبرُ الذي أَخبرَ بهِ جماعةٌ لم يَبلغوا في الكثرةِ مبلغاً تُجِيلُ العادة تواطؤُّهم على الكذِب فيه، وإن دلَّتْ قرائنُ الأحوالِ على صِدقِهم. والخبرُ المتواترُ مفيدٌ للعلم بنفسِه. (خبرُ الآحاد) وخبرُ الآحادِ: ويُسمَّى أيضاً خَبَرَ الواحد، هو الخبرُ الذي لم تَبلُغ نِقَلْتُه في الكثرةِ مَبْلَغَ الخَبَرِ المتواتر، سواءً كان المخبِرُ واحداً أو اثنين أو ثلاثةً أو أربعةً أو خمسةً، إلى غير ذلك من الأعدادِ التي لا تُشعِرُ بأنَّ الخَبَرَ دَخَلَ بها في حَيِّز الْمُتواتر. والتَّوَاتُر في اللغة: التابعُ، تقولُ: واتّرْتُ الكُتُبَّ فَتَوَاتَرَتْ، إذا جاء بعضُها في إِثْرِ بعض ◌ِتْراً وِتْراً من غير انقطاع. والمُوَاتَرَةُ الْمُتَابَعَةُ، ولا تكونُ بين الأشياءِ إِلَّ إِذا وقَعَتْ بينها فترة، وإلَّ فهي مُدارَكة ومُوَاصِلَة. ومُواتَرةُ الصومِ أن تصومَ يوماً وتُفطِرَ يوماً أو يومين، وتأتيَ به وتراً. ولا يُرادُ به المواصلةُ، لأنه من الوتر. وتتْرَى: أصلُها ١٠٩ / ٣٤ وَتْرَى، / ويجوزُ فيها التنوينُ وتَرْكُه، قال تعالى: ﴿ثم أَرْسَلْنَا رُسُلَنا تْرَى﴾(١)، أي واحداً بعدَ واحدٍ بفترةٍ بينهما. وتَوَاتُرُ الخبر مجيءُ المخبِرِين به واحداً بعدَ واحد من غير اتصال . وهاهنا مسائلُ مهمة تتعلَّقُ بهذا المبحث المسألةُ الأولى قد عَرفتَ مما سَبَق(٢) أن الخَبَرَ لا يُسمَّى مُتواتراً إلَّ إذا وُجِدَ فيه أمران: أحدُهما: أن يكون ذلك الخبرُ مما يُدرَكُ بالحس، ويكونَ مستنَدُ المخبِرِين هو الإِحساسَ به على وجهِ اليقين، وذلك مثلُ أن يقولوا: رأينا زيداً يفعَلُ كذا، وسَمِعنا عَمْراً يقولُ كذا، فإن كان الخبرُ مما لا يُدرَكُ بالحِسِّ لا يُسمَّى مُتواتِراً، ولا يُفِيدُ العلم وإن كان المخبرون به لا يُحُصَون كثرةً، فلو استدلَّ مستدِلٌّ على حدوث العالم بأنَّ أُناساً لا يُحصَّرُون يقولون بحدُوثِهِ، وقابَلَه القائلُ بقِدَمِه بمثلِ دليلِه وقال: إِنَّ أُناساً لا يُحِصَرُون يقولون بقِدَمِه، فمثلُ هذه المسألةِ يجبُ أن يُرجَعَ فيها إلى الاستدلالِ بِأمْرٍ آخَر. الثاني: أن يكونَ عَدَدُ المخبِرِين به بَلَغْ في الكثرةِ مَبْلغاً تُحِيلُ العادةُ تواطؤهم على الكذِب فيه، فإن لم يبلغ المخبرون به هذا المبلغَ، لم يُسمَّ ذلك الخبرُ مُتواتراً وإن أفاد العلمَ بسببٍ أمرٍ آخَرَ يَدلُّ على صِدقِه، ومن ثَمَّ قال بعضُهم: المتواتِرُ هو خبرُ جماعةٍ يُفِيد بنفسِهِ العلمَ بصِدقِه. فاحتّرَزَ بقوله: بنفسِه عن الخبر الذي عُلِمَ صِدْقُه بأمرٍ آخر، كقرينةٍ دلّتْ على صِدقٍ من أخبَرَ به. تتمة: قد يكونُ الناقلون للخَبَر طبقةً واحدةً، وهي الجماعةُ التي استندَتْ في الإِخبار إلى الإِحساس بالُخَرِ به، وهي المثِتَةُ لأصلِ الخبرِ، فإذا تلقَّينا الخَبَرَ عنها، فالأمْرُ ظاهر، وقد يكونُ الناقلون للخَبَر طبقتينِ، وذلك فيما إذا تلقَّينا الخبرَ عن جماعةٍ تلقَّتْ الخَبَرَ عن الجماعةِ التي استَنَدَتْ في الإِخبارِ إلى الإِحساس بالمخْبَرِ به. ويُشتَرَطُ في (١) من سورة المؤمنون، الآية ٤٤. (٢) في الصفحة السابقة أول الكلام على (الخبر المتواتر). 1 ١١٠ الطبقةِ الثانيةِ ما يُشتَرَطُ في الطبقةِ الأولى، من كونها تَبلُغُ في الكثرةِ مَبْلغاً تُحِيلُ العادَةُ تواطوّهم على الكذِب في الخبر. وقِسْ على ذلك ما إذا كانت الطبقاتُ ثلاثةً فِأكثَرَ. ولمَّا كانت الأخبارُ المُتواتِرَةُ في الغالبِ متعدِّدةَ الطبقات، قال العلماء: لا بُدَّ في الخبر المتواترِ من استواءِ الطَّرَفينِ - فالطَّرفانِ هما الطبقةُ الأولى والطبقةُ الأخيرةُ - والوَسَطِ وهو ما بينهما(١)، والمرادُ بالاستواء الاستواءُ في الكثرةِ المذكورةَ، لا الاستواءُ في العَدَدِ بأن يكونَ في كل طبقةٍ مُسْتَوِياً، فإنه لا يَضُرُّ الاختلافُ فيه إذا كان كلُّ عَدَدٍ منها فيه الكثرةُ المذكورةُ، مِثلُ أن يكونَ عِدَدُ الطبقةِ الأولى ألفاً، وعدَدُ الثانيةِ تسعَ مئة، وعدَدُ الثالثةِ ألفاً وتسعَ مئة(٢). وبما ذُكِرَ يُعلَمُ أنَّ الرُّواةَ إذا لم يَبْلُغوا في الكثرةِ المبلغَ المشروط في الخبر المتواتر، : سواءً كان ذلك في جميع الطبقاتِ أو في بعضِها، لم يُسمَّ خَبَرُهم مُتواتِراً، وإِنما يُسمَّى مشهوراً. ٠ ٠ قال الغزاليّ في ((المستصفَى))(٣): الشُّرْطُ الثالث: أن يَستوِي طَرَفاه وواسِطَتُه في /٣٥ هذه الصفاتِ وفي كمالِ العَدَد، فإذا نَقَلَ الخَلَفُ عن السَّلَفِ، / وتوالَتْ الأعصارُ، ولم تكن الشروطُ قائمةً في كلِّ عصر، لم يحصُل العلمُ بصِدِقِهم، لأنَّ خَبَرَ كِلِّ عَصْرٍ خَبَرٌ مستقِلٌّ بنفسه، فلا بُدَّ فيه من الشروط، ولأجلِ ذلك لم يَحصُل لنا العلمُ بصِدقٍ اليهود مع كثرتهم في نقلهم - عن موسى صلوات الله عليه - تكذیبَ كلِّ ناسخٍ لشريعته، ولا بصِدقِ الشَّيْعةِ والعَّاسية والبَكْريَّة في نقلِ النصِّ على إمامة عليّ، أو العَبَّاس، أو أبي بكرة رضي الله عنهم، وإن كُثُرَ عدَدُ الناقلين في هذه الأعصارِ القريبةِ، لأنَّ بعض هذا وَضَعَه الآحادُ أولاً ثم أفْشَوْه، ثم كُثْرَ الناقلون في عصرِهِ وبعده . (١) وقع في الأصل: (والوسط هو ما بينهما)، وهو خطأ، صوابُهُ كما أثيتُه. (٢) هكذا في الأصل، ولعلها كانت: (ألفاً أوْ تسعَ مئة). (٣) ١ : ١٣٤. ١١١ والشَّرْطُ إِنما حَصَل في بعضِ الأعصار، فلم تَسْتَوِ فيه الأعصارُ، ولذلك لم يَحصُل التصديقُ بخلافٍ وجودٍ عيسى عليه الصلاةُ والسلام وتحدِّيه بالنبوّةِ، ووجودٍ أبي بكر، وعليٍّ، وانتصابهما للإِمامةِ، فإنَّ كلَّ ذلك لما تَسَاوَتْ فيه الأطرافُ والواسِطَةُ حَصَل لنا ◌ِلمُ ضَرُورِيٌّ لا نَقْدِرُ على تشكيكِ أَنفسِنا فيه، ونقَدِرُ على التشكيكِ فيما نقَلُوه عن موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام وفي نص الإِمَامَة. أهـ. المسألة الثانية : الخبر المشهور خبّرُ الآحاد ينقسِمُ إلى قسمين: مشهورٍ، وغير مشهور، فالمشهورُ هو خبرُ جماعةٍ لم يَبلغوا في الكثرةِ مَبْلغاً يَمِنَعُ تواطؤهم على الكذِبِ فيه. فخَرَج بقولهم: خبرُ الواحِد، وبتتمةِ التعريف الخبرُ المتواتر. هذا، وقد عُرِّفَ المُتَواترُ بتعاريفَ شتى، وأدّها على المقصودِ التعريفُ الذي ذكرناه(١). وقد وَقَع لبعضِهم في تعريفِهِ ما يُوهِمُ دخولَ بعضِ أقسامِ المشهور فيه، ولعلهم جَرَوْا على مذهبٍ أبي بكر الرازي المعروفِ بالْجَصَّاص، فإنه جَعَل المشهورَ أَحَدَ قِسْمَيْ الْمُتَواتِرِ. وقد ذَهَبَ كثيرٌ من العلماء إلى تقسيمِ الخبر إلى ثلاثة أقسام: متواتٍ، ومشهورٍ، وآحادٍ، فيكونُ المشهورُ قِسماً مستقلا بنفسه، فينبغي الانتباهُ لذلك. وقد عَرَّفَ بعضُهم المشهورَ بقوله: هو الخَبَرُ الشائعُ عن أصلٍ. فَخَرَج بذلك الخَبَّرُ الشائعُ لا عن أصل. وقد يُطلَقُ المشهورُ على ما اشتَهَر على الألسنةِ، سواءٌ كان له أصلٌ أو لم يكن له أصل، وقد مَثَّلوا ما ليس له أصل بحديثِ ((عُلَاءُ أُمَّتِي كأنبياءٍ بني إسرائيل))(٢)، وحديث: ((وُلِدْتُ فِي زَمَنِ الملِكِ العادِلِ كِسْرَى))(٣). (١) فيما تقدم ص ١٠٨ . (٢) قال السخاوي في ((المقاصد الحسنة ص ٢٨٦ ((قال شيخُنا - الحافظُ ابنُ حجر - ومِن قبلِهِ الدَّمِيري والزركشي: إنَّهُ لا أصلّ له)». (٣) قال السخاوي في ((المقاصد الحسنة)) ص ٤٥٤ ((لا أصلَ له، وقال الحاكم: هذا كذبٌ ولم يقله رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم». ١١٢ وقد يُسمَّى المشهورُ مستفِيضاً، يقال : استفاضَ الخبَرُ إذا شاع، فهو مُسْتَفِيض. وأقلُّ ما تَثبُتُ بهِ الاستفاضَةُ اثنانٍ، ويُنقَلُ ذلك عن بعض الفقهاء، وقيل: ثلاثة، ويُنقَلُ ذلك عن بعضٍ المحدِّثين ، وقيل: أربعة: ويُنقَلُ ذلك عن علماء الأصول، فقد قالوا: المستفيضُ ما زاد نَقَلَتُهُ على ثلاثة. ومن العلماء من فرَّق بين المشهورِ والمستفِيض، فجعَلَ المشهورَ أَعمَّ، إمَّا لكونِهِ لم يَشتَرِط في المشهور أن يكون في أوله أيضاً مروياً عن غير واحد، وشَرَطَ ذلك في المستفِيض، وإمَّا لكونِهِ جَعَلَ المشهورَ ما رواه اثنان فأكثرُ، والمستفيضَ ما رواه ثلاثةٌ فأكثرُ، فكلُّ مستفِيضٍ عندَ هؤلاء مشهورٌ، وليس كلُّ مشهورٍ مستفيضاً. ومنهم من فَرَّقَ بينهما بوجهٍ آخر. والمهمَّ الانتباهُ لاختلافِ الاصطلاح هنا، حَذَراً من وقوع الوهم(١). وأما النسبةُ بين المشهورِ والمُتواتِر، فهي التباينُ إلَّ عندَ من جَعَل المشهورَ قِسْماً من المتواتر. /٣٦ / وأما قولُ بعضِ الأفاضل: كلُّ متواترٍ مشهورٌ، وليس كلُّ مشهورٍ متواتراً، وذلك بعد أن عَرَّفَ كلَّ منهما بما عَرَّفه به الجمهور، فهو مما يُنْتَقَدُ، قال بعضُهم: ولعلَّه أراد بالمشهورِ المعنى اللغويُّ لا الاصطلاحيَّ. وقد وقع لبعض علماء الأثر عبارةٌ تُسوِّغُ لصاحبها القولَ المذكورَ، وهي قولُهِ: والغريبُ وهو ما تَفَرَّد بهِ واحدٌ عن الزهريِّ وشِبهِهِ، ممن يُجمَعُ حديثُه، فإن تفرِّدَ اثنانِ أو ثلاثةٌ سُمِّي عزيزاً، فإِن رواه الجماعةُ سُمِّي مشهوراً، ومنه المتواترِ. اهـ. فصاحبُ هذه العبارةِ يَسُوغُ له أن يقول: كلُّ مُتَواتٍ مشهور، وليس كلّ مشهورٍ متواتراً، ولا يُنْتَقَدُ عليه ذلك، وإنما يُنتَقَدُ عليه مُخالفةُ الجمهورِ في الاصطلاح، لما ينشأ عنها في كثير من الأحيان، من إيقاعِ النفوسِ في أَشْرَاكِ الأوهام(٢). ولعلَّ ذلك الفاضلَ قد جاءه الوَهَمُ من هذا الموضع. (١) وانظر الكلامَ على (المستفيض) في ص ١٧١ . (٢) الأشراك بفتح الهمزة جمعُ شَرَك بفتحتين، وهو المِصْيَدَةُ التي تُصطادُ بها الطيرُ ونحوُه. ١١٣ المسألة الثالثة قد عَرفتَ أنَّ خَبَرَ الآحادِ ينقسم إلى قسمين: مشهورٍ، وغير مشهور. وقد قَسَم المحدّثُون غيرَ المشهورِ إلى قسمين: عزيزٍ، وغريب. فالعزيزُ هو الذي يَروِيه جماعةٌ عن جماعةٍ، غيرَ أنَّ عَدَدَها في بعضِ الطبقات يكون اثنين فقَطْ. فَخَرَج بذلك المشهورُ عند من يقول: إن أقلَّ ما تَثْبُتُ به الشُّهرةُ ثلاثةٌ، وهو المشهور. والغريبُ هو الذي يَنفردُ بروايتِهِ واحدٌ في موضعٍ مَّ من مواضع السَّنَد(١). والحاصلُ أنَّ الخَبَرَ ينقسِمُ أولاً إلى قسمين: مُتَواترٍ، وآحاد، وأنَّ خَبَرَ الآحادِ ينقسِمُ إلى ثلاثة أقسام: مشهورٍ، وعزيزٍ، وغريب. وسيأتي زيادةُ بيانٍ لذلك إن شاء الله تعالى(٢). وقد قَسَم بعضُ علماءِ الأصول الخَبَرَ إلى ثلاثة أقسام: متواتٍ، ومشهورٍ، وآحاد. فجعلوا المشهورَ قِسماً مستقلاً بنفسه، ولم يُدخلوه في المُتَواتر، كما فَعَل الجَصَّاص، ولا في خَبَرِ الآحادِ كما فعَلَ غيرُهم، وقد عَرَّفوا المشهور بما كان في الأصل خَبَرَ آحاد، ثم انتَشَر في القرنِ الثاني والثالث، مع تلقِّي الأُمَّة له بالقبولِ، فيكون بينه وبين المستفيض - وهو على أحَدِ الأقوالِ: مَا رَوَاهُ ثلاثةٌ فصاعداً، من غير أن ينتهيَ إلى التواتر - عمومٌ وخصوصٌ من وجهٍ، لصدقِهما فيما رواه في الأصل ثلاثةٌ، ثم تواتَرَ في القرنِ الثاني والثالثِ، وانفرادِ المستفِيضِ عن المشهور فيما رواه في الأصل ثلاثةٌ، ثم لم يتواتر في القرنِ الثاني والثالث، وانفرادِ المشهورِ عن المستفِيض فيما رواه في الأصل واحدٌ واثنانِ، ثم تواتّرَ في القرنِ الثاني والثالث. (١) وقع في الأصل: (والغريبُ وهو الذي ... ). وهذه الواو قَبْلَ (هو) مقحمةٌ سهواً، فحذفتُها. (٢) في ص ٤٩٥ في (التنبيه الثالث). ١١٤ وقد عرَّفَ الجَصَّاصُ المتواترَ بقوله: هو ما أفاد العلمَ بمضمونِ الخبرِ ضَرُورةً، أو نَظَراً. فزاد قولَه: أو نَظَراً، ليُدخِلَ المشهور. وقد توهّم بعضُهم من عبارتِه أنه يَحِكُمُ بكفرِ منكِرِ المشهورِ، لإدخالِهِ له في الْمُتَواتر، والمُتواتِرُ يُكفَرُ جاحِدُه. وليس الأمرُ كذلك، لأنَّ الذي يُكفَرُ جاحدُه إنما هو القِسمُ الأولُ من الْتَواتِرِ عندهِ، وهو الذي يُفيدُ العِلمَ ضرورةً كصيام شهر رمضان، وحجِّ البيت، ونحو ذلك بخلافِ القسم الثاني منه، وهو الذي يفيد العلم نظراً. قال بعضُ الأفاضل: إنما لم يُكفَّر مُنكِرُ (المشهور)، لأنَّ إنكاره لا يُؤدِّي إلى تكذيبِ النبي عليه الصلاة والسلام، لأنه لم يَسمعه منه عليه الصلاة والسلام من غير /٣٧ واسطة، ولم يَروِه عنه عَدَدٌ لا يُتصوَّرُ منهم الكذِبُ / خطَأَ أو عَمْداً، وإنما هو خَبَرَّ آحادٍ تواتّرَ في العصرِ الثاني، وتلقَّه أهلُه بالقبول، فإنكارُهُ إنما يُؤدِّي إلى تخطِئَةِ العلماءِ ونسبتهم إلى عَدَمِ الترؤِّي، حيثُ تلقَّوْا بالقبولِ ما لم يَثْبُتْ وُرُودُهُ عن الرسول. وتخطِئَةُ العلماءِ ليست بكُفْر، بل هي بدعةٌ وضلالةٌ، بخلافِ إنكار المتواتِرِ، فإِنه مُشعِر بتكذيبِ النبيِّ عليه الصلاة والسلام، إذْ المتواتِرُ بمنزلةِ المسموعِ منه، وتکذیبُ الرسول کفرٌ. على أنَّ (المشهورَ) لا يُوجِبُ علمَ اليقين، وإنما يُوجِبُ ظناً قوياً فوقَ الظنِّ الذي يَحِصُّلُ من خبرِ الآحاد، تَطْمَئِنُّ به النفسُ إلَّ عندَ مُلاحظةِ كونِهِ في الأصلِ كان من خَبَرِ الآحاد. وقد ذكروا للمشهور أمثلةً، منها: المَسْحُ على الخُفَّين. والظاهرُ أنه ليس كلُّ مشهور يُعَدُّ إنكارُهُ بِدعةٌ وضلالةً، فقد قال الإِمام الشافعيّ في ((الأمّ))(١) في أثناءِ مُحاوَرةٍ جَرَتْ بينه وبين أحَدِ الفقهاء: وقلتُ له: أرأيتَ قول الله تبارك وتعالى: ﴿إذا قُمْتُم إلى الصلاةِ فَاغْسِلُوا (١) ١٥:٧ في مباحث (اليمين مع الشاهد) في مبحث (المدَّعَى والمدَّعَى عليه). - ١١٥ وُجُوهَكم وأيديكم إلى الَرَافِقِ وامْسَحُوا بِرُؤُسِكم وأَرْجُلَكم إلى الكعبينِ﴾(١)، أليس بُينٌّ في كتابِ الله عز وجل بأنَّ الفَرْضَ غَسْلُ القدمينِ أو مَسْحُهما؟ قال: بلى. قلتُ: لم مَسَحتَ على الحُفَّين؟ ومِن أصحابِ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم والناسِ إلى اليومِ مَنْ تَرَكَ المسحَ على الْحُفِّين، ويُعنِّفُ من مَسَح؟ قال: ليس في رَدِّ من رَدَّهُ حُجَّةٌ. وإذا ثَبَتَ عن النبي صلَّى اللّه عليه وسلَّم شيءٌ لم يَضُرَّ مَنْ خالَفَه. قلتُ: ونَعَمَلُ به وهو مختَلَفٌ فيه، كما نَعمَلُ به لو كان متفَقاً عليه، ولا نَعرِضُه على القرآن؟ قال: لا ، بل سُنَّةُ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم تَدُلُّ على مَعْنَ ما أراد اللهُ عزَّ وجل . قلنا: فلمَ لا تقولُ بهذا في اليمينِ مع الشاهدِ وغيرِهِ، مما تُخالِفُ فيه الحديثَ، وتُرِيدُ إبطالَ الحديثِ الثابتِ بالتأويل، وبأن تقولَ: الحديثُ يُخالِفُ ظاهِرَ القرآن . اهـ. المسألة الرابعة قد يَقْوَى الخبرُ وأصلُهُ ضعيف، وقد يَضْعُفُ وأصلُهُ قَوِيّ، وذلك لأسباب تعتريه، غيرَ أن الخَبَرَ إذا عَرَضَتْ له القُوَّةُ لا يَرتفِعُ عن درجتِه، وإذا عَرَض له الضعفُ نَزَل عنها، فالمتواتِرُ مهما زادَ تَواتُرُهُ يَبْقَى متواتراً، إذْ لا درجة فوقَهُ يرتفِعُ إليها، وإذا نَقَص تواترُهُ نقصاً بيّناً نَزَل عن درجتِهِ إلى درجةِ المشهور، ثم قد يَضْعُفُ إلى أن يَصِيرَ عزيزاً، ثم غريباً، ثم قد يندرس. فكم من خَبَرٍ متواترٍ قد دَرَسَتْهُ الأيامُ، ألا ترى أنَّ كثيراً من الأبنيةِ العظيمةِ لا يُعلَمُ الآنَ يقيناً أسماءُ بُنَّائِها فضلاً عن زمانهم، قال المتنبي : ما قَوْمُه ما يَوْمُهُ ما المَصْرَعُ أينَ الذي أُلهرَمَانِ من بُنْيَانِهِ حِيناً، ويَلْحَقُها الفَنَاءُ فَتَتْبَعُ تَتَخلَّفُ الآثارُ عن أصحابِهِا (١) من سورة المائدة، الآية ٦. ! ١١٦ و (المشهورُ) مهما زادَتْ شُهِرَتُهُ لا يرتفعُ عن درجتِهِ إلى درجة المتواتر، إذ الشَّرْطُ في المتواتِرِ أن يكونَ التَّواتُرُ موجوداً فيه من الطبقةِ الأولى فما بعدَها، فإذا فَقَّدَ ذلك في طبقةٍ من الطبقات لا سيما الأولى، لم يَعُد متواتراً، فإن كان مُتَواتراً في أولِ الأمر، ثم زال عنه التواترُ قيل: خبرٌ منقطعُ التواتُر، فإن لم يكن متواتراً من أولِ الأمر لم يُقَل له: متواتر. نعم يَسوغُ أن يُوصَفَ بالتواتُرِ النُّسْبيّ، فيقال: هذا الخبرُ قد /٣٨ تواتَرَ في الطبقةِ الثانيةِ / أو الثالثةِ مثلاً، ولا يُقالُ له: خَبَرٌ مُتَواتِرٌ على الإِطلاق. فإذا ضَعُفَتْ الشُّهِرَةُ في (المشهور) نَزَل عن درجتِهِ، وانتقل إلى ما بعدَها كما أشرنا إليه، وقِسْ على ذلك: العَزِيزَ، والغريبَ. غيرَ أنَّ الغريبَ لَّا كان في المنزلةِ الدُّنْيَا فإذا ضَعُفَ انْدَرَسَ وصار نَسْياً مَنْسِيّاً. والخَبَرُ قد يَحْيًا بعدَ الاندراسَ، وذلك بظهورِ أمْرٍ يَدُلُّ عليه. واعلم أنه قد يَشْتَبِهُ المشهورُ الشائعُ عن أصلٍ ، بالمتواتر، بل قد يَشِيعُ خَبَرٌ لا أَصْلَ له، فَيَظُنُّه من لم يَتَّعِ أَمْرَهُ متواتراً، ولكثرةِ الاشتباهِ في هذا الباب على كثير من الناس، ظنَّ بعضُهم أنْ لَا سَبِيلَ إلى أخذِ اليقينِ من الأخبار، لا سيما التي مَضَتْ عليها قُرونٌ كثيرة، فقد ذُكِرَ في كتبِ الكلام وكتبِ الأصول: أنَّ فِرْقَةً من الناس أَنْكَرَتْ إفادةَ الُتواتِرِ العَلمَ اليقينِيَّ، وقالت: إنَّ الحاصِلَ منه هو الظَّنُّ القَوِيُّ الغَالِبُ. وفِرْقَةً منهم سَلَّمَتْ إفادَتَهُ العلمَ اليقينيَّ في الأمور الحاضرَة، وأَنكرَتْ في الأمور الغابرة . قال الغزالي في ((المستصفَى))(١): أمَّا إثباتُ كونِ التَّواتُرِ مُفيداً للعلم، فهو ظاهِرٌ خلافاً للسُّمُنِيَّةِ، حيث حَصَرُوا العِلْمَ في الْحَوَاسِّ(٢)، وأنكروا هذا، وخَصْرُهم باطل، فإنَّ بالضرورةِ نَعلمُ كونَ الأَلْفِ أكثرَ من الواحِدِ، واستحالةَ كونِ الشيءِ قديماً ◌ُحْدَثً، وأموراً أُخَرَ ذكرناها في مَدَارِكِ اليقين سِوَى الْحَوَاسَ، بل نقولُ: خَصْرُهُم (١) ١٣٢:١. (٢) في ((المستصفى)) ١: ١٣٢ (حيث حَصْرُوا العلومَ في الْحَوَاسَ)، وهو تحريف. ١١٧ العُلُومَ في الحواسِّ مَعْلومٌ لهم، وليس ذلك مُدْرَكاً بالحواسِّ الْخَمْس. ثم لا يَستَرِيبُ عاقِلٌ في أنَّ في الدنيا بَلْدَةً تُسمَّى بغداد وإن لم يَدْخُلها، ولا يَشْكُ في وجودِ الأنبياء، بل ولا في وجودِ الشافعي وأبي حنيفة رحمهما الله، بل ولا في الدُّوَلِ والوقائعِ الكبيرة. فإنْ قيل: لو كان هذا معلوماً ضَرُّورةً، لَمَا خالَفْناكم، قلنا: من يُخالِفْ في هذا فإِنما يُخالِفُ بلسانِهِ، أو عن خَبْطٍ في عقلِهِ، أو عن عِناد، ولا يَصْدُرُ إنكارُ هذا من عَدَدٍ كثيرٍ يَستحِيلُ إنكارُهم في العادة لِمَا علموهِ وعِنَادُهُم. ولو تركنا ما عَلِمناه ضرورةً لقولكم، لَلَزِمَكم تركُ المحسوسَاتِ خِلافِ السُّوْفَسْطَائِيّة. اهـ. وقد أشار في ((فَيْصَلِ التَّفْرِقة بين الإِسلام والزندقة))(١) إلى أمرِ اشتباهِ المشهورِ بالمتواتر على مَنْ لم يُمُعِن النظرَ، فقال في أثناءِ بيانِ الأمورِ الخمسةِ التي يجبُ على من يَخُوضُ في التكفير (٢) أنْ يَنظُرَ فيها قَبْلَ الإِقدامِ عليه: الثاني في النَّصِّ المتروك، أنَّهُ ثَبَتَ تواتراً(٣)، أو آحاداً، أو بالإِجماع، فإنْ ثَبْتَ تواتُراً، فهل هُوَ على شَرْطِ التَّواتُرِ أَمْ لا، إذْ ربما يُظَنُّ الْمُستَفِيضُ مُتواتراً. وحَدُّ الْمُتَواتِر ما لا يُمكِنُ الشكُّ فيه، كالعلمِ بوجودِ الأنبياء، ووجودِ البلادِ المشهورةِ وغيرِها، وأنه مُتواترٌ في الأعصارِ كلِّها عَصْراً بَعْدَ عصر إلى زمانِ النبوة، وهل يُتصوَّرُ أن يكون قد نقَصَ عدَدُ التَّواتُرِ في عصرٍ من الأعصار. والشَّرْطُ في الْمُتَواترِ أن لا يَحَتِمِلَ ذلك كما في القرآن. أمّا في غيرِ القرآنِ فِيَغْمُضُ مُدْرَكُ ذلك جداً، ولا يَستقِلُّ بإدراكِهِ إلَّ الباحثون عن كُتُبِ التواريخ وأحوالٍ (١) ص ١٦٩ في مجموعة رسائل للغزالي، إحدى عشرة رسالة، طبعت باسم ((القصور العوالي من رسائل الإمام الغزالي»، طبعت بمطبعة شركة الطباعة الفنية المتحدة، بالقاهرة دون تاریخ . (٢) وقع في الأصل: (في التفكير). وهو تصحيف. (٣) وقع في الأصل: (إن ثبت تواتراً). والصواب المثبت من ((فيصل التفرقة)). ١١٨ القرون الماضيةِ، وكتبِ الأحاديثِ وأحوالِ الرجال وأغراضِهم، في نقلِ المقالات، إذْ قد يُوجَدُ عدَدُ التواتُر في كل عصر، ولا يَحِصُلُ به العلمُ، إذْ كان يُتْصَوَّرُ أن يكونَ للجمعِ الكثير رابطةٌ في التوافق، لاسيما بعدَ وقوعِ التعصُّبِ بين أرباب المذاهب. اهـ. /٣٩ / المسألة الخامسة شَرَطَ قومٌ في التَّواْتُرِ أن يكون الْمُخبِرُون لا تَحِصُرُهم عَدَد، ولا يَجِيهِم بلد. وهو شَرْطٌ غيرُ لازم، فإنَّ الحُجَّاجَ إذا أَخبروا عن واقعةٍ صَدَّتْهم عنِ الحَجِّ، حَصِّل العلمُ بقولهم وهم محصورون، وأهلَ المدينةِ إذا أَخبروا عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم بشيء، حَصَل العلمُ بخبرِهم وقد حَوّاهم بلد، وأهلَ الجامع أذا أخبروا بنائبةٍ في الجمعة حالت بينهم وبين صلاتها، حَصَل العلمُ بخبرهم وقد حَوَاهِم الجامع وهو دُون البلد. وأرادوا بكونِ المُخبِرِينَ لا يُحِصْرُهم عَدَدٌ، أنهم لكثرتهم وتبايُنِ بُلدانِهِم يَتعذّرُ أو يتعسَّرُ إِحصاؤهم، فتشنيعُ ابنِ حزم على القائلين به جارٍ على عادَتِهِ في التهويل، وَّمْلِ عبارةِ من خالَفَه على أقبحِ مَحامِلِها وإن كانت ممكنةً التأويل(١). وشَرَطَ قومٌ في المخبرين عَدَداً معيَّناً، بحيث إذا كان عددُهم أقلَّ منه لم يُسَمَّ خَبَرُهم مُتَواتِراً. واختُلِفَ في ذلك العَدَد، فقيل: هو ثلاثة، وقيل: أربعة، وقيل: خمسة، وقيل: سبعة، وقيل: عَشَرة، وقيل: اثنا عَشَر، وقيل: عشرون، وقيل: أربعون، وقيل: خمسون، وقيل: غيرُ ذلك، وهي أقوالٌ ليس لها بُرهان. وقال الجمهور: الشَّرْطُ أن يَبلُغَ عدَدُ المخبِرِينِ مَبلَغاً يَمِنْعُ في العادةِ تواطُوَّهِم على الكذِبِ فيه، ولا يمكنُ تحديدُ ذلك العَدَدِ، والضابطُ في ذلك حُصولُ العلم، فإذا حَصَلَ علمتَ أنَّ الخَبَرَ متواترٌ وإلاّ فلا. (١) وانظر فيما سيأتي ص ١٢٧، مما يتصل بهذا. ١١٩ قال الغزالي في ((المستصفَى))(١): عَدَدُ المخبِرِين ينقسِمُ إلى ما هو ناقصٌ، فلا يُفِيدُ العلم، وإلى ما هو كاملٌ، وهو الذي يُفِيدُ العلم، وإلى ما هو زائدٌ، وهو الذي يَحصُلُ العلمُ ببعضِه، وتقعُ الزيادةُ فَضْلاً عن الكفاية. والكاملُ وهو أقلُّ عددٍ يُورِثُ العلمَ ليس معلوماً لنا، لكنَّا بحُصولِ العلم الضروري نتبينٌ كمالَ العَدَد، لا أنّا بكمالِ العَدَد نستدلُّ على حُصولِ العلم، فإذا عَرفتَ هذا، فالعَدَدُ الكامِلُ الذي يَحصُلُ التصديقُ به في واقعةٍ هل يُتصَوَّرُ أن لا يُفِيدَ العلمَ في بعضِ الوقائع؟ قال القاضي (٢) رحمه الله : ذلك مُحال، بل كلُّ ما يُفِيدُ العلمَ في واقعةٍ يُفيدُه في كل واقعة، وإذا حَصَل العلمُ لشخصٍ (٣) فلا بُدَّ وَأنْ يَحِصُلَ لكلِّ شخصٍ يُشارِكُهُ في السماع (٤)، ولا يُتَصوَّرُ أن يَخِتلِفَ. وهذا صحيحٌ إن تجرِّدَ الخَبَرُ عن القرائن، فإنَّ العلمَ لا يَستنِدُ إلى مُجرَّدِ العَدَد، ونسبةُ كثرةِ العَدَدِ إلى سائرِ الوقائع وسائرِ الأشخاص واحِدةٌ، أمَّا إذا اقترنَتْ به قرائنُ تدلُّ على التصديقِ، فهذا يَجوزُ أن تَخْتِلِفَ فيه الوقائعُ والأشخاص، وأنكّرَ القاضي ذلك، ولم يَلتِفِتْ إلى القرائن، ولم يَجعل لها أثراً، وهذا غيرُ مَرْضيّ، لأنَّ مُجرَّدَ الإِخبارِ يَجُوزُ أن يُورِثَ العلمَ عندَ كثرةٍ المخبِرِين وإن لم تكن قرينة، ومُجرَّدُ القرائنِ أيضاً قد يُورِثُ العلمَ وإن لم يكن فيه إخبار، فلا يَبْعُدُ أن تنضمَّ القرائنُ إلى الأخبار، فَيَقُومَ بعضُ القرائن مَقامَ بعضِ العَدَدِ من المخبرين. ولا ينكشِفُ هذا إلاّ بمعرفةِ معنى القرائن، وكيفيةِ دلالتها، فنقول: لا شَكَّ في أَنَّا نَعرِفُ أموراً ليسَتْ محسوسةٌ، إذ نَعرِفُ من غيرنا حُبَّهُ لإِنسان، ويُغْضَهُ له، وخَوْفَه (١) ١ : ١٣٤ - ١٣٦. (٢) هو أبو بكر الباقلاني. (٣) وقع في الأصل: (للشخص). وهو في ((المستصفى)): (لشخصٍ)، وهو الصواب. (٤) هذا الأسلوب: (فلا بُدَّ وأَن يَحِصُلَ ... ) خطأً لغة، وهو كما تراه في عبارات علماء القرن الرابع والخامس إلى يومنا هذا! وصوابُه: (فلا بُدَّ أَنْ ... )، فالواو مفحمة غلطاً. وسيتكرر مثلُ هذا التعبير في هذا الكتاب، فتجنّبُهُ. ١٢٠ منه، وغَضَبَهُ وخَجَلَهُ، وهذه أحوالٌ في نفسِ المُحِبِّ والمُبْغِض، لا يَتعلَّقُ الحِسُّ بها، قد تَدُلُّ عليها دلالاتٌ، آحادُها ليسَتْ قطعيَّةً، بل يَتطرّقُ إليها الاحتمالُ . : ولكن تَمِيلُ النفسُ بها إلى اعتقادٍ ضعيف، ثم الثاني والثالثُ يؤكّدُ ذلك، ولو أُفرِدَتْ آحادُها لتطَرَّق إليها الاحتمال، ولكن يَحصُلُ القطعُ باجتماعها، كما أنَّ قولَ كلِّ واحدٍ من عَدَدِ التواتُرِ يَتطرّقُ إليه الاحتمالُ لو قُدِّرَ مفرداً، ويَحصُلُ القطعُ بسببٍ / ٤٠ / الاجتماع . ومثالُه أَنَّا نَعرِفُ عِشْقَ العاشقِ لا بقولِهِ، بل بأفعالٍ هي أفعالُ المحبين، من القيام بخدمتِهِ، وبذلِ مالِهِ، وحضورٍ مجالسه، لمشاهدتِهِ، وملازمتِهِ في تردُّدَاتِهِ، وأمورٍ من هذا الجنس(١)، فإنَّ كلَّ واحدٍ يَدُلُّ دلالةً لو انفَرَدَ لاحتَمَلِ أن يكونَ ذلِك لِغَرضٍ آخَرَ يُضمِرُه لا لِحِبِّهِ إِياه، لكن تنتهي كثرةُ هذه الدلالاتِ إلى حَدِّ يَحِصُلُ لنا - به - عِلمُ قَطْعِيِّ بجُبِّه، وكذلك ببغضِهِ إذا رُؤْيَتْ منه أفعالٌ يُنِتِجُها الْبُغْضِ. ثم قال: فاقترانُ هذه الدلائل كاقتران الأخبار وتَواتُرِها. وكلُّ دلالةٍ شاهِدٌ يَتَطَرَّقُ إليه الاحتمال، كقولِ كلّ مخبر على حِيالِهِ، وَيَنشأُ من الاجتماعِ العلمُ، وكأنَّ هذا مُدْرَكٌ سادِسٌ مِن مَدارك العِلْم، سِوَى ما ذكرناه في المقدمةِ من الأوَّلِيَّاتِ والمحسوساتِ والمشاهداتِ الباطنةِ والتجريبيَّاتِ والمتواتراتٍ(٢)، فيُلحَقُ هذا بها، وإذا كان هذا غيرَ منكر، فلا يَبْعُدُ أن يَحصُلَ التصديقُ بقولِ عَدَدٍ ناقصٍ عندَ انضمام قرائنَ إليه، ولو تجرَّدَ عن القرائن لم يُفِد العلمَ. وقال العلامة جمالُ الدين حَسَنُ بن يوسف بن المُطَهَّر الحِلِّ في (نهاية الوصول إلى علم الأصول)): قال أبو الحسين البَصْريّ والقاضي أبو بكر: كلَّ عدَدٍ وَقَع العلمُ (١) ومِنْ هذا قول من قال منهم: لي في محبتكم شُهودٌ أَرْبَعٌ وشُهودُ كلِّ قَضِيَّةٍ إِثنانِ ونحول جسمی وانعقاد لساني! خفَقَانُ قلبي وارتعاشُ مَفاصِلي (٢) في ((المستصفى)): (والتجربيات). ١٢١ بخبره في واقعةٍ لشخص، لا بدَّ وَأنْ يكونَ مُفِيداً للعلم بغير تلك الواقعةِ لغير ذلك الشخصِ إذا سَمِعَه. وهذا إنما يَصِحُّ على إطلاقه لو كان العلمُ قد حَصَلَ بمجرَّدِ ذلك العَدَد، من غير أن يكونَ للقرائنِ المحتفَّةِ به مَدْخَلٌ في التأثير، لكنَّ العِلمَ قد يَحَصُل بالقرائنِ العائدةِ إلى إخبارِ المخبرين وأحوالهم، واختلافِ السامعين في قوةِ السماع للخبرِ والفَهْمِ لمدلولِه، ومع فَرْضِ التساوي في القرائن قد يُفِيدُ آحادُها الظنَّ وتحصُلُ من اجتماعها العلمُ، فأمكَنَ حصولُ العلم بمثلِ ذلك العَدَدِ في بعض الوقائع للمستمع دُونَ البعض، لما اختَصَّ به من القرائن التي لا تَحصُلُ لغيره. ولو سُلِّمَ اتحادُ الواقعة وقرائنُها، لم يَلزَم من حُصولِ العلم بذلك العَدَدِ لبعضٍ الأشخاص حُصُولُهُ لشخصٍ آخَرَ، لتفاوتِهما في الفَهْم للقرائن. وتفاوتُ الأشخاصِ في الإدراكِ والذكاءِ معلومٌ بالضرورة. وقال أيضاً: ظَنَّ قومٌ أَنَّ لحصولِ العلم عقِبَ التواتُرِ: يُشترَطُ عدَدْ مُعَينَّ، وليس بحقٍ، فإنَّ العلمَ هو القاضي بعَدَدِ الشهاداتِ دُونَ العكس، فُرُبَّ عَدَدٍ أفاد العلمَ في قضيةٍ لشخصٍ ، ولا يَحَصُلُ مع مثلِهِ في تلك القضيةِ لغير ذلك الشخص، أو في غيرها له. وقال بعضُ المتكلمين: إنَّ حُصولَ العلم بطريقِ تَوَاتُرِ الأخبار، يَخْتلِفُ باختلافِ الوقائع والمخبرين والسامِعين، فقد يَحصُل العلمُ في واقعةٍ بعَدَدٍ مخصوص، ولا يَحِصُلُ به في واقعةٍ أخرى، وقد يَحصُلُ بإخبارِ جماعةٍ مخصوصة، ولا يحَصُل بإِخبارٍ جماعةٍ أخرى تُساوِبهم في العَدَد، وقد تَحَصُلُ لسامعٍ ولا يَحِصُل لسامعٍ آخَرَ. وقد عَرَّفَ بعضُ العلماء: المُتَواتِرَ بقوله: هو الخبرُ الذي يُوجِبُ بنفسِهِ العلمَ فَخَرَجَ بذلك خَبَرُ الأحاد، فإِنَّ منه ما لا يُوجِبُ العلمَ أصلاً، ومنه ما يُوجِبُ العلمَ لا بنفسِهِ، لكن بواسطةِ القرائن التي احتَفَّت به.